بر الوالدين وذم العقوق

 

 

 

الباب الخامس والأربعون

في بر الوالدين وذم العقوق وذكر الأولاد وما يحب لهم وعليهم وصلة الرحم والقرابات وذكر الأنساب وفيه فصول

الفصل الأول في بر الوالدين وذم العقوق

قال الله تعالى ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا )

وقال تعالى ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا )

وقال تعالى ( أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير )

وقال تعالى ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) وعن علي رضي الله تعالى عنه لو علم الله شيئا في العقوق أدنى من أف لحرمه فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فإن يدخل الجنة وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار

وقيل إن رضا الرب في رضا الوالدين وسخط الرب في سخط الوالدين

وحكى أبو سهل عن ابي صالح عن ابي نجيح عن ربيعة عن عبد الرحمن عن عطاء بن أبي مسلم أن رسول الله قال من حج عن والده بعد وفاته كتب الله لوالده حجة وكتب له براءة من النار

 

 

 

 

رسول الله إياكم وعقوق الوالدين فان ريح الجنة يوجد من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق

وكان رجل من النساك يقبل كل يوم قدم أمه فأبطأ يوما على أخوته فسألوه فقال كنت أتمرغ في رياض الجنة فقد بلغنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات وبلغنا أن الله تعالى كلم موسى عليه السلام ثلاثة آلاف وخمسمائة كلمة فكان آخر كلامه يا رب أوصيني قال أوصيتك بأمك حسنا قال له سبع مرات

قال حسبي ثم قال يا موسى ألا إن رضاها رضاي وسخطها سخطي

وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه لابن مهران لا تأتين أبواب السلاطين وإن أمرتهم بمعروف أو نهيتهم عن منكر ولا تخلون بامرأة وإن علمتها سورة من القرآن ولا تصحبن عاقا فإنه لن يقبلك وقد عق والديه

وقال فيلسوف من عق والديه عقه ولده

وقال المأمون لم أر أحدا أبر من الفضل بن يحيى بأبيه بلغ على بره له إنه كان لا يتوضأ إلا بماء سخن فمنعهم السجان من الوقود في ليلة باردة فلما أخذ يحيى مضجعه قام الفضل إلى قمقم نحاس فملأه ماء وأدناه من المصباح فلم يزل قائما وهو في يده إلى المصباح حتى استيقظ يحيى من منامه

وقيل طلب بعضهم من ولده أن يسقيه ماء فلما أتاه بالشربة نام أبوه فما زال الولد واقفا بالشربة في يده إلى الصباح حتى استيقظ أبوه من منامه

وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إن لي أما بلغ منها الكبر إنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية فهل أديت حقها قال لا

لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك وأنت تصنعه وتتمنى فراقها

وقال ابن المنكدر بت أكبس رجل أبي وبات آخر يصلي ولا يسرني ليلته بليلتي وقيل إن محمد بن سيرين كان يكلم أمه كما يكلم الأمير الذي لا ينتصف منه وقيل لعلي ابن الحسين رضي الله تعالى عنه إنك من أبر الناس ولا تأكل مع أمك في صحفة فقال نخاف ان تسبق يدي يدها ما تسبق عيناها إليه فأكون قد عققتها

 

 

 

الفصل الثاني في الأولاد وحقوقهم وذكر النجباء والأذكياء والبلداء والأشقياء

قال رسول الله الولد ريحانة من الجنة

وقال الفضل ريح الولد من الجنة

وكان يقال ابنك ريحانتك سبعا ثم حاجبك سبعا ثم عدو أوصديق

وعن ابي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال قلت لسيدي رسول الله يا رسول الله هل يولد لأهل الجنة قال والذي نفس بيده إن الرجل يشتهي أن يكون له ولد فيكون حمله ووضعه وشبابه الذي ينتهي إليه في ساعة واحدة

وقيل من حق الولد على والده أن يوسع عليه حاله كي لا يفسق

وقال عمر رضي الله تعالى عنه إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبحه وتذكره

وقال رضي الله تعالى عنه أكثروا من العيال فأنكم لا تدرون بمن ترزقون

وقال شبيب ابن شبة ذهب اللذات إلا من ثلاثة شم الصبيان وملاقاة الأحزان والخلوة مع النسوان

ودخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال من هذه يا أمير المؤمنين قال هذه تفاحة القلب فقال انبذها عنك فإنهن يلدن الأعداء ويقربن البعداء ويورثن الضغائن قال لا تقل يا عمرو ذلك فوالله ما مرض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان على الاخوان إلا هن فقال عمرو يا أمير المؤمنين إنك حببتهن إلي وقيل لرجل أي ولدك أحب إليك قال صغيرهم حتى يكبر ومريضهم حتى يبرأ وغائبهم حتى يحضر وقال ابن عامر لامرأته أمامة بنت الحكم الخزاعية إن ولدت غلاما فلك حكمك فلما ولدت قالت حكمي أن تطعم سبعة ايام كل يوم على ألف خوان من فالوذج وإن تعق بألف شاة ففعل لها ذلك وغضب معاوية على يزيد فهجره فقال الأحنف يا أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا ونحن لهم سماء ظليلة وأرض ذليلة وبهم نصول على كل جليلة فإن غضبوا فارضهم وإن سألوا فاعطهم وإن لم يسألوا فابتدئهم ولا تنظر إليهم شزرا فيملوا حياتك ويتمنوا وفاتك فقال معاوية يا غلام إذا رأيت يزيد فاقرأه السلام

 

 

 

واحمل إليه مائتي ألف درهم ومائتي ثوب فقال يزيد من عند أمير المؤمنين فقيل له الأحنف فقال يزيد بن معاوية علي به فقال يا أبا بحر كيف كانت القصة فحكاها له فشكر صنيعه وشاطره الصلة

حكى الكسائي أنه دخل على الرشيد يوما فأمر باحضار الأمين والمأمون ولديه قال فلم يلبث أن قليلا أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هداهما ووقارهما وقد غضا أبصارهما حتى وقفا في مجلسه فسلما عليه بالخلافة ودعوا له بأحسن الدعاء فاستدناهما وأسند محمدا عن يمينه وعبد الله عن يساره ثم أمرني أن ألقي عليهما أبوابا من النحو فما سألتهما شيئا إلا أحسنا الجواب عنه فسره ذلك سرورا عظيما وقال كيف تراهما فقلت

( أرى قمري أفق وفرعين شامة ... يزينهما عرق كريم ومحتد )

( سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقي النبي محمد )

( يسدان انفاق النفاق بشيمة ... يزينهما حرم وسيف مهند )

ثم قلت ما رأيت أعز الله أمير المؤمنين أحدا من أبناء الخلافة ومعدن الرسالة وأغصان هذه الشجرة الزلالية آدب منهما ألسنا ولا أحسن ألفاظا ولا أشد اقتدارا على الكلام روية وحفظا منهما أسأل الله تعالى أن يزيد بهما الإسلام تأييدا وعزا ويدخل بهما على أهل الشرك ذلا وقمعا

وأمن الرشيد على دعائه ثم ضمهما إليه وجمع عليهما يديه فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره ثم أمرهما بالخروج وقال كأني بهما وقد دهم القضاء ونزلت مقادير السماء وقد تشتت أمرهما وافترقت كلمتهما بسفك الدماء وتهتك الستور

وكان يقال بنو أمية دن خل أخرج الله منه زق عسل يعني عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه

وسب أعرابي ولده وذكر له

 

 

 

 

حقه فقال يا أبتاه إن عظيم حقك علي لا يبطل صغير حقي عليك

قال سيدي عبد العزيز الديريني رحمه الله تعالى

( أحب بنيتي ووددت أني ... دفنت بنيتي في قاع لحد )

( وما بي أن تهون علي لكن ... مخافة أن تذوق الذل بعدي )

( فان زوجتها رجلا فقيرا ... أراها عنده والهم عندي )

( وإن زوجتها رجلا غنيا ... فيلطم خدها ويسب جدي )

( سألت الله يأخذها قريبا ... ولو كانت أحب الناس عندي )

وقال هرون بن علي بن يحيى المنجم

( أرى ابني تشابه من علي ... ومن يحيى وذاك به خليق )

( وإن يشبههما خلقا وخلقا ... فقد تسري إلى الشبه العروق )

وقال ابو النصر مولى بني سليم

( ونفرح بالمولود من آل برمك ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل )

وقال الحسن بن زيد العلوي

( قالوا عقيم لم يولد له ولد ... والمرء يخلفه من بعده الولد )

( فقلت من علقت بالحرب همته ... عاف النساء ولم يكثر له عدد )

وكان الزبير بن العوام رضي الله عنه يرقص ولده ويقول

( أزهر من آل بني عتيق ... )

( مبارك من ولد الصديق ... )

( ألذه كما ألذ ريقي ... )

 

 

 

 

وكانت اعرابية ترقص ولدها وتقول

( يا حبذا ريح الولد ... ريح الخزامى في البلد )

( أهكذا كل ولد ... أم لم يلد مثلي أحد )

وكان أعرابي يرقص ولده ويقول

( أحبه حب الشحيح ماله ... )

( قد ذاق طعم الفقر ثم ناله ... )

( إذا أراد بذله بدا له ... )

وكان لأعرابي امرأتان فولدت أحداهما جارية والأخرى غلاما فرقصته أمه يوما وقالت معايرة لضرتها

( الحمد لله الحميد العالي ... أنقذني العام من الجوالي )

( من كل شوهاء كشن بالي ... لا تدفع الضيم عن العيال )

فسمعتها ضرتها فأقبلت ترقص ابنتها وتقول

( وما علي أن تكون جارية ... تغسل رأسي وتكون الفالية )

( وترفع الساقط من خمارية ... حتى إذا ما بلغت ثمانية )

( أزرتها بنقبة يمانية ... أنكحتها مروان أو معاوية )

( أصهار صدق ومهور غالية ... )

قال فسمعها مروان فتزوجها على مائة ألف مثقال وقال إن أمها حقيقة أن لا يكذب ظنها ويخان عهدها فقال معاوية لولا مروان سبقنا إليها لأضعفنا لها المهر ولكن لا نحرم الصلة فبعث إليها بمائتي ألف درهم والله أعلم

 

 

 

ومما جاء في الأولاد البلداء القليلي التوفيقي

قيل نظر أعرابي إلى ولد له قبيح المنظر فقال له يا بني إنك لست من زينة الحياة الدنيا

وقال رجل لولده وهو في المكتب في أي سورة أنت قال لا أقسم بهذا البلد ووالدي بلا ولد فقال لعمري من كنت أنت ولده فهو بلا ولد

وأرسل رجل ولده يشتري له رشاء للبئر طوله عشرون ذراعا فوصل إلى نصف الطريق ثم رجع فقال يا أبت عشرون في عرض كم قال في عرض مصيبتي فيك يا بني

وكان لرجل من الأعراب ولد اسمه حمزة فبينما هو يوما يمشي مع أبيه إذا برجل يصيح بشاب يا عبد الله فلم يجبه ذلك الشاب فقال ألا تسمع فقال يا عم كلنا عبيد الله فأي عبد تعني فالتفت أبو حمزة إليه وقال يا حمزة ألا تنظر إلى بلاغة هذا الشاب فلما كان من الغد إذا برجل ينادي شابا يا حمزة فقال حمزة بن الأعرابي كلنا حماميز الله فأي حمزة تعني فقال له أبوه ليس يعنيك يا من أخمد الله به ذكر أبيه

وكان لمحمد بن بشير الشاعر ابن جسيم فأرسله في حاجته فأبطأ عليه ثم عاد ولم يقضها فنظر إليه ثم قال

( عقله عقل طائر ... وهو في خلقه الجمل )

فأجابه

( مشبه بك يا أبي ... ليس لي عنك منتقل )

ونهى اعرابي ابنه عن شرب النبيذ فلم ينته وقال

( أمن شربة من ماء كرم شربتها ... غضبت علي الآن طابت لي الخمر )

( سأشرب فاسخط لارضيت كلاهما ... حبيب إلى قلبي عقوقك والسكر )

وقيل قال ذلك يزيد بن معاوية لأبيه حين نهاه عن شرب الخمر

ومما جاء في صلة الرحم

قال رسول الله صلة الرحم منهاة للولد مثراة للمال

وقيل وجد حجر حين حفر ابراهيم الخليل عليه السلام أساس البيت

 

 

 

 

عليه بالعبرانية أنا الله ذوبكة خلقت الرحم وشققت لها إسما من أسمائي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته أي قطعته

وقال رسول الله أعجل الخير ثوابا صلة الرحم

وحدثنا أبو سهل عن صالح بن جرير بن عبد الحميد عن منصور عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه كعب الأحبار أنه قال والذي فلق البحر لموسى بن عمران إن في التوراة لمكتوبا يا ابن آدم اتق ربك وبر والديك وصل رحمك أزد في عمرك وأيسر لك في يسيرك وأصرف عنك عسيرك

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي أنه قال صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب جلا وعلا وصلة الرحم تزيد في العمر وذكر تمام الحديث

الفصل الثالث من هذا الباب في ذكر الأنساب والأقارب والعشيرة

قال عمر رضي الله عنه تعلموا أنسابكم تعرفوا بها أصولكم فتصلوا بها أرحامكم وقيل لو لم يكن من معرفة الأنساب إلا اعتزازها من صولة الأعداء وتنازع الأكفاء لكان تعلمها من أحزم الرأي وأفضل الثواب ألا ترى إلى قول قوم شعيب عليه السلام حيث قالوا ولولا رهطك لرجمناك فأبقوا عليه لرهطه

وقال عمر رضي الله عنه تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة وتعلموا النسب فرب رحم مجهولة قد وصلت بعرفان نسبها

وسئل عيسى عليه السلام أي الناس أشرف فقبض قبضتين من تراب وقال أي هاتين أشرف ثم جمعهما وطرحهما وقال الناس كلهم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم

كان أبو كبشة جد رسول الله من قبل أمه فلما خالف رسول الله دين قريش

 

 

 

 

قالوا نزعة عرق أبي كبشة حيث خالفهم في عبادة الشعري

وقال خالد بن عبد الله القشيري سألت واصل بن عطاء عن نسبه فقال نسبي الإسلام الذي من ضيعه فقد ضيع نسبه ومن حفظه فقد حفط نسبه فقال خالد وجه عبد وكلام حر

ومن كلام علي كرم الله وجهه أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير فإنك بهم تصول وبهم تطول وهم العدة عند الشدة أكرم كريمهم وعد سقيمهم وأشركهم في أمورك ويسر عن معسرهم

وكان يقال إذا كان لك قريب فلم تمش إليه برجلك ولم تعطه من مالك فقد قطعته

ويقال حق الأقارب إعظام الأصغر للأكبر وحنو الأكبر على الأصغر

قال رسول الله حق كبير الأخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده قال بعضهم

( وإذا رزقت من النوافل ثروة ... فامنح عشيرتك الأداني فضلها )

( واعلم بأنك لم تسود فيهم ... حتى ترى دمث الخلائق سهلها )