الروح عند الهندوس

 

على ضوء ما ينشر بين الفينة والأخرى عن بعض المعتقدات الشرقية لا سيما ذات الجذور الهندية..  وبما أن لي اهتمامات في هذا المجال..

وكوني لا أتفق مع  الآراء المتحاملة التي تتضمنها بعض تلك المواضيع..

 فقد ارتأيت نقـْل ما تيسر لي من معلومات عن هذه المسائل التي تهم كل مفكر وباحث جاد عن الحقيقة.

 وقد اخترت اليوم أن أنقل إليكم أصدقائي هذه المعلومات عن المجلد الأول من كتاب (الإنسان روح لا جسد) لصديقي المرحوم الدكتور رؤوف عبيد، الوكيل السابق لعميد كلية الحقوق في جامعة عين شمس بالقاهرة. والمعلومات التي سأنقلها هنا هي من نسخة أهداها لي الدكتور رؤوف في منتصف السبعينات من القرن الماضي.

 كما أود أن أعطي لمحة موجزة عن الدكتور رؤوف عبيد، فقد كان أحد المشرّعين في مصر وصدرت له مؤلفات عديدة، مثل (مبادئ القسم العام من التشريع العقابي) و(السببية في القانون الجزائي: دراسة تحليلية مقارنة) و(في الجرائم وعقوباتها) و (جرائم التزييف والتزوير في القانون المصري) و(جرائم الإعتداء على الأشخاص والأموال) و(شرح قانون العقوبات التكميلي) و(مبادئ علم الإجرام) و(مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري) و(المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية) و(ضوابط تسبيب الأحكام الجنائية في قضاء النقض المصري).

 كما كان الدكتور فيلسوفاً من الطراز الأول ومن أبرز المهتمين في العلم الروحي الحديث في الشرق. و إضافة إلى (الإنسان روح لا جسد – 3 مجلدات في  3000 صفحة) في الفلسفة وعلوم الروح فقد ألف أيضاًً (في التسيير والتخيير: بين الفلسفة العامة وفلسفة القانون) و (عروس فرعون وشوقيات جديدة من عالم الغيب) كما ترجم أيضاً كتاب (قصتي العظمى لنقيب الصحافة البريطانية هانن سوافر) و (ظواهر الخروج من الجسد: أدلتها ودلالاتها). وكذلك له كتاب (في العودة إلى التجسد).

 إذاً الرجل رحمه الله كان عالماً في مجال تخصصه، منصفاً في أحكامه ومتحفظاً في كل ما يكتبه.

 هذه ليست دعوة لتبني الآراء المعروضة هنا، ولستُ بالضرورة من مؤيدي أو رافضي كل هذه الآراء،  إنما أعرضها لمجرد الإطلاع ولكلٍ الحرية في تكوين رأيه والحكم على الأمور بحسب قناعته الشخصية.

 والآن إلى موضوع الروح عند الهندوس (الصفحة 64 وما بعدها):

 في آسيا  يعلم الناس الكثير عن الروح، وعن عالم الروح، وعن إمكان الإتصال بين عالمي الروح والمادة. وتعتبر أقدم الديانات في العالم أجمع الآن هي الديانة الفيدية، وهي الشكل الفطري الأول للدين الهندوسي المأخوذ عن كتب الإله "فيدا Vedas" الأربعة المكتوبة باللغة السنسكريتية والمنسوبة إلى وحي نزل من السماء على براهما.  وهذه الكتب هي ساما ورغ وياجور وآثارفا. وتشرح الفيدات طبيعة براهما الإله الخالق الذي هو "أتما" أو النفس الخالدة في الإنسان، وتصور الكون كنسيج متطور من كيان الله، كما تجعل امتزاج الفرد مع الله صورة لامتزاج النفس مع الروح.

 والفيدنتا تلخص الفيدات الأربعة، وقد أعجبت كثيراً من مفكري الغرب وفلاسفته. وقد وصفها المؤرخ فكتور كوسان قائلا إننا "حينما نطالع بإمعان فلسفة الشرق – وخصوصاً الهندية منها – فإننا نقف على كثير من الحقائق العويصة التي تكرهنا على أن ننحني إجلالاً للفلسفة الشرقية، ونرى في هذا المهد للجنس البشري موطناً لأسمى ضروب الفلسفة...". كما يقول فيها فريدريك شليجل الفيلسوف الرومانتيكي الألماني: "إن أسمى فلسفة أوروبية وهي مثالية التفكير كما وضعها فلاسفة الإغريق تبدو – متى قورنت بالحياة والنشاط الزاخرين للفلسفة الشرقية المثالية – كبصيص ضوء ضئيل مقابل فيض كامل من ضوء الشمس..."

 وهي مؤسسة على عقيدة خلود الروح، والعودة إلى التجسد أو رجعة الروح، والإيمان بإله واحد، وبالسماء التي تصعد إليها الأرواح الصالحة فيتلقاها "ياما" الذي يرفعها إلى الجنة حيث تنعم بكل اللذائذ الأرضية التي تكون قد اكتملت وأصبحت أبدية.  وقد وصف أحد هذه الكتب السماء الفيدية بأنها "المقام المقدس والمقر النهائي للآلهة الخالدة، وموطن الضوء الخالد الذي هو الأصل والقاعدة في كل ما هو كائن. وحيث تتحقق الرغبات بمجرد أن تنشأ". وهذا الوصف هو تقريباً ما تصف به الكتب الروحية الحديثة عالم الأثير، مع أن كتب فيدا هذه تتجاوز في قدمها حتى تاريخ الفراعنة الأقدمين، مما يحمل على الإعتقاد بأن وسطاء الهندوس قد تلقوها بدورهم عن طريق الإلهام من أرواح راقية تقيم في عالم الأثير بحسب الوصف الحديث.

 والديانة البرهمية غاصة بالحقائق الصحيحة الكثيرة عن الروح في حياتها الأرضية والسماوية وبالنصائح الخلقية التي يؤدي اتباعها إلى خلاص الروح في حياتيها معاً، وإلى استحقاق النعيم في عالم الملكوت. كما تؤمن بأن الروح الإنسانية نفحة إلهية، وأن الموت يعطي الروح جسداً شفافاً نورانياً ينتقل إلى الملأ الأعلى، وأن هذا الجسد وإن كان مادياً في مظهره إلا أنه من طبيعة غير ترابية، بل أرقى من أجسادنا الفانية. وفي علم الروح الحديث ما يتفق مع هذه المعاني أيضا. وتؤمن المذاهب السائدة في البوذية بوجود جنات حول جبل "ميرو" الذي سفحه من الذهب المرصع بالأحجار الكريمة، ومقسم إلى عدة طبقات في كل طبقة أهلها من الصالحين على حسب درجاتهم، وفوقها جنات أخرى كثيرة حتى تنتهي إلى جنة علوية في السماء يحيا فيها الأبرار في سعادة مطلقة.

 وفي هذا المقام كتب المشرع الهندي الكبير مانو يقول "إن أرواح آبائنا الأقدمين تصبح على حالة لا تراها أعين الناس فيما خلا بعض البراهمة الذين يدعون للاحتفال بعيد الأموات. وهذه الأرواح لا تتبعهم أينما ذهبوا، وهي على حالة هوائية وتجلس بجانبهم إذا جلسوا.

 وقال مؤلف هندي آخر وهو من الأقدمين أيضاً: "إن الأرواح التي لم تأت من الأعمال إلا الخير والبر، مثل أرواح العباد الأطهار والزهاد الأخيار تكتسب خاصية مكالمة الأرواح التي سبقتها إلى العالم الآخر. وهذا دليل لتلك الأرواح على أن دورهم في العودة للتجسد قد تم وانقضى."

 واعتاد كهنة الأديان الهندية على إعداد أشخاص يسمونهم الفقراء ليتصلوا بواسطتهم بأرواح الموتى، ويُحْدثوا بهم أكبر المشاهدات في التنويم المغناطيسي.

 نقل لويز جاكيو في كتابه عن "الإتصال بالروح في العالم كله Spiritisme Au Monde Entier" نظرية الهنود عن الأرواح السابحة في الفضاء بعد موت أجسادها. "وينتج من مطالعة أبحاث ذلك المؤلف أن أسرار مسألة الإتصال بالأرواح ما كانت لتودع إلا لمن يقضي أربعين سنة في بيوت العبادة تحت الأنظمة القاسية والاختبارات الدقيقة.

 وتلك الأسرار كانت موزعة على ثلاث فرق من أولئك الرجال كما يلي:

 الفرقة الأولى: كلها من البراهمة أصحاب العبادات العامية، وكهنة الهياكل المكلفين بقيادة العامة، وتعليم هذه الفرقة مقصور على شرح الثلاثة كتب الأولى للفيدا، وكيفية رئاسة الطقوس الدينية وأداء القرابين. وبراهمة هذه الفرقة يخالطون الأمة ويعاشرون أفرادها، فهم قادتهم الأقربون ورؤساؤهم الأدنون.

 الفرقة الثانية: تحتوي على طردة الشياطين من الأجسام، والعرافين للمستقبل، وأصحاب النبوات، والمتصلين بالأرواح. وهؤلاء عليهم إحداث بعض خوارق الطبيعة، ويسمح لهم بقراءة وشرح "الأتارفا فيدا" وهي مجموعة رقيات سحرية.

 الفرقة الثالثة: من البراهمة ليس لها اختلاط بهذا العالم الإنساني، وليس لها من شغل في هذه الحياة إلا درس قوى هذا العالم المادي كله، وإذا ظهر أفرادها للناس، فلا يكون ذلك إلا لأمر جلل، وخطب فادح، ولا يتراءون لهم إلا عن بعد." (عن كتاب: "الإسلام في عصر العلم" للأستاذ محمد فريد وجدي مؤلف دائرة معارف القرن العشرين – طبعة 3 بيروت 1967 الفصل الخامس عشر)

 ويعتبر مذهب اليوغا الهندي بوجه خاص من المذاهب الشرقية الهامة في الفهم العميق للروح، إلى حد أنه يثير دائماً اهتمام الباحثين الروحيين في الغرب والشرق عند معالجة موضوع الأرواح. والإيمان بالروح وبالخلود يبلغ ذروته عند أتباع هذا المذهب بوجه خاص، بما يستتبعه الإيمان من وجوب اتباع أنظمة صارمة من الزهد والتقشف وضبط النفس للوصول إلى المواهب الروحية القوية، وحتى أن جبابرة الروح في الهند ممن يحققون الخوارق الوساطية التي تحير ألباب علماء الغرب يكثيرون عادة من اتباع هذا المذهب، الذين لا يصرفهم شيء عن أعراض الدنيا الزائلة عن مشاغلهم الروحية.

 (بعد هذه النبذة عن الروح عند الهندوس يقتبس الدكتور رؤوف بعض فقرات من الفصل 41 من كتاب فلسفة الهند في سيرة يوجي للحكيم برمهنسا يوغانندا ترجمة الأستاذ زكي عوض المحامي. وبما أنني قمت شخصياً – بتكليف رسمي – بتحقيق الترجمة العربية القديمة فقد سمحت لنفسي  بأن يكون الإقتباس هنا منقحاً، من تحقيقي، وكاملاً غير مجزوء)

 وهناك قصص شائقة دوّنها بعناية مؤرخو الإغريق وغيرهم ممن رافقوا الإسكندر أو تبعوه في حملته إلى الهند. وقد ترجم الدكتور J. W. McCrindle أحاديث أريان وديودورس وبلوتارخ وسترابو الجغرافي ليسلط الضوء على الهند القديمة. ومن أبرز مظاهر الغزو الفاشل لاسكندر اهتمامه العميق بالفلسفة الهندية وبجماعة اليوغيين والرجال الأتقياء الذين التقى بهم بين الحين والآخر ورغب صادقاً بمصاحبتهم. وفور وصول المحارب الإغريقي إلى تاكسيلا في شمال الهند أوفد أونسكريتوس أحد تلاميذ مدرسة ديوجنيس الإغريقية ليأتيه بالمعلم الهندي المتوحد داندامس الذي كان يعيش آنذاك في تاكسيلا.

وقال أونيسكرتيوس لدندامس بعد أن عثر على مخبئه في قلب الغاب: "تحية وسلاماً يا معلم البراهمة! إن الإسكندر ابن الإله العظيم زفس وسيد الخلق أجمعين يطلب منك الذهاب إليه. فإن فعلت أجزل لك العطاء، ولكن إن رفضت فسوف يقطع رأسك."

وتلقى اليوغي برباطة جأش هذه الدعوة الإلزامية، وبالكاد رفع رأسه من فراشه المصنوع من أوراق الشجر، وأجابه قائلا:

"وأنا أيضاً ابن الإله زفس إن كان الإسكندر كذلك... إنني لا أطلب شيئا مما عند الإسكندر لأنني قانع بما عندي، في حين أراه ينتقل دون جدوى مع رجاله فوق الماء واليابسة، ولا حد لتجواله أبدا.

"اذهب وقل لاسكندر أن الله الملك الأعظم لا يأمر أبدا بالشر الفظيع لأنه خالق النور والسلام والحياة والماء، وخالق جسم الإنسان وأرواح البشر. وإليه يعود كل الناس عندما يحررهم الموت فلا يبقون بعد ذلك عرضة لشرور المرض. أجل، إن الله وحده هو السيد الذي يستحق كل عبادة وتبجيل، وهو يشمئز من سفك الدماء ولا يحرّض على الحروب."

وواصل الحكيم حديثه بسخرية هادئة: "إن اسكندر ليس إلهاً لأنه بالتأكيد سيذوق الموت. وكيف يكون واحد مثله سيد الوجود وهو لم يتربع بعد على عرش الكون الباطني ولم يدخل حياً إلى الهاوية، ولا يعلم مسار الشمس فوق أقطار الأرض الشاسعة، وفوق ذلك لم تسمع الأمم المتاخمة باسمه؟!"

وبعد هذا التعنيف الذي يُعد أقسى ما وقع من هجوم على أذني (سيد العالم) أضاف القديس متهكماً: "إذا كانت مستعمرات الإسكندر الحالية غير كافية لإشباع جشعه فليعبر نهر الغانج وسيجد قطراً فسيحاً يتسع لجميع رجاله.

"إن ما يعرضه عليّ الإسكندر وما يعدني به من هبات هي أمور لا قيمة لها بالنسبة لي. فالأشياء التي أقدّرها وأعتبرها ذات فائدة أو قيمة فعلية هي هذه الأشجار التي أصنع منها مسكني، وتلك النباتات المزهرة التي تمدني بالغذاء اليومي، والماء الذي يروي عطشي. وما عدا ذلك من المقتنيات التي يتم جمعها باهتمام كبير فهي وبال على مقتنيها، ولا تترك في نفوس أصحابها سوى الغم والحسرة اللذين هما من نصيب غير المستنيرين من البشر. أما أنا فأرقد بسلام فوق أوراق وأعشاب الغابة، وإذ ليس عندي ما يستدعي السهر فإنني أنام ملء جفوني مستمتعاً بسبات عذب وهادئ. ولو كان عندي ما يتطلب الحراسة والسهر لأقضّ عليّ مضجعي وحرمني لذة النوم. فالأرض تزودني بكل شيء مما أحتاجه كما تزوّد الأم رضيعها باللبن. إنني أتجول حيثما رغبت وليس لديّ من هموم تؤرقني أو تنغص عيشي.

"وإن قطع الإسكندر رأسي فلن يقوى أيضاً على تدمير روحي.  ورأسي الذي سيصمت بعد الموت، وجسدي الذي سيصبح كرداء ممزق سيبقيان على الأرض التي صنعا منها. أما أنا كروح فسأصعد عندئذ إلى الله الذي غلفنا بالأجساد ووضعنا على هذه الأرض لكي نثبت له – أثناء وجودنا عليها – إن كنا سنمتثل لإرادته ونحيا في طاعته. وعندما نقف أمامه سيطلب منا حساباً عن أعمالنا، وهو القاضي العادل الذي يدين كل الشرور والآثام والاعتداءات، حيث تصبح أنات المظلوم عقاباً للظالم.

"دع الإسكندر يرهب بهذا الوعيد أولئك الذين يطمعون بالثراء أو يخشون الموت. إن سلاح الإسكندر ضعيف بالنسبة للبراهمة. فنحن لا نعشق المال ولا نخاف الموت. اذهب وقل له إن دندامس ليس بحاجة إلى شيء مما عندك، وبالتالي فإنه يرفض المجيء إليك. أما إذا كنت أنت بحاجة إلى دندامس فتعالَ أنت بذاتك إليه."

وتلقى الإسكندر بانتباه عميق جواب اليوغي على لسان أونيسكريتوس، وشعر برغبة متزايدة لرؤية دندامس الذي – بالرغم من  عريه وتقدمه في السن – وجد فيه قاهر الأمصار ومدوّخ البلدان أكثر من ند له.

والسلام  عليكم

 محمود عباس مسعود


 

 

 

 

Comments