safsatei

 


مشاركة من السيد طاهر  مع بعض التعديل الاخراجي



من نافلة القول أن تصف أحدهم حينما يطيل الشرح أو يتحدث في

نقاش بلا هدف بأنه سفسطائي، وبأن نقاشه سفسطائي، حتى لقد

بات هذا الوصف كما لو أنه دليل إدانة أبدي لكل كلامٍ سخيف أو بلا نفع،فهل من المعقول أن يكون هناك اتجاه فكري هدفه الأوحد هو الكلام السخيف، أو ترتيب الكلام بلا طائل أو فائدة؟ ما هي السفسطائية ومن هم السفسطائيون الذين بات مجرد ذكر اسمهم يدعونا للسخرية أو لهجائهم؟

السفسطائية كما تشير أغلب الكتب هو مذهب فكري-فلسفي نشأ في اليونان ابان نهاية القرن السادس وبداية القرن الخامس في بلاد الإغريق، بعد انحسار حكم الأقلية وظهور طبقة حاكمة جديدة ديمقراطية تمثل الشعب

في القرن الخامس قبل الميلاد هاجم الفرس بمساعدة الفينيقيين بلاد اليونان ومع أن اليونانيون قد هزموا الفرس والفينيقيين فقد خرجوا من الحرب منهوكي القوى ثم أدركوا أن الفرس لم يستطيعوا أن يصلوا إلى بلادهم البعيدة إلى اليونان إلا بأسباب الحضارة المادية القائمة على العلم فاندفع الشبان اليونانيون لتعلم العلم ولكن المعلمين كانوا قليلين فتصدى للتعليم أناس كثيرون عاديون ولكن على شيء من المعرفة سموا أنفسهم سوفيتيس

المعلمين البلغاء أو معلمي الحكمة

ومع أن هذا الاسم ( سوفيتيس )( سفسطي, سفسطائي) كان في الأصل وصف مدح فإن هؤلاء المعلمين المتكسبين بالعلم حقا وباطلا قد جعلوا منه صفة ذم فأصبحنا نقول سفسطة ونعني بها الكلام الذي فيه تمويه للحقائق مع فساد في المنطق مع صرف الذهن أيضا عن الحقائق والأحوال الصحيحة أو المقبولة في العقل و تضليل الخصم عن الوجهة الصحيحة في التفكير

أهمل السفسطائيون الرياضيات والطبيعيات في التعليم إلا قليلا, وطبعا كانت ناتجة عن قلة معرفتهم بها ولقلة موافقتهم لغرضهم ثم ما لبثوا أن دخلوا على تعليم الفنون التي يجوز فيها الجدل ويقبل فيها الرأي الشخصي كالنحو والبلاغة والخطابة والتاريخ وكان هؤلاء يعلمون كل طالب معرفة ما يريده من الفنون ثم يزينون له تلك الفنون التي كان يميل إليها ويذمون أمامه الفنون التي لا يحبها أو التي لا يميل إليها

فكان الجدل هو أسلوب التعليم الذي خطه السفسطائيون إذ تكلموا في الخطابة والبلاغة وأثرها في الفرد والمجتمع وقد جادلوا في طبيعة الإنسان وجادلوا في اللغة أهي وضعية أم طبيعية وكذلك جادلوا في الأخلاق أهي وراثة اجتماعية أم مولودة اى مغروزة في الإنسان منذ الولادة

والسفسطة هي قياس مركب من الوهميات الغرض منه إفحام الخصم أو إسكاته والسفسطائيون ينكرون الحسيات والبديهيات وغيرها مما اقره المنطق أو قبلته أحوال المجتمع السليم والسفسطة في المعجم الوسيط تعني من أتى بالحكمة المموهة



و مع أن السفسطائيون كانوا محنة للفلسفة لأنهم تلاعبوا بالمدارك الفلسفية واستخدموا تعليم الفلسفة في سبيل كسب المال لكنهم قد أفادوا المجتمع في أنهم أثاروا في نفوس الشبان شيئا من الرغبة في طلب العلم

فمن أعلامهم مثلا بروثاغوراس والذي أول من فكر في قوانين النسبية ويعتبره البعض هو الملهم لأينشتاين ..حيث قال من ضمن نظريته القديمة في النسبية ( أن قيمة الأشياء نسبية فليس ثمة شيء خير من نفسه أو شر في نفسه وإنما هو خير أو شر وعدل وظلم...

من أهم السفسطائيين أيضا وربما على الإطلاق هو سقراط الذي شاركهم الاهتمام بالإنسان وحده وبالمجادلة عن الآراء ثم خالفهم في أنه جعل قيمة الأشياء مطلقة وقد جعل جداله محاذيا للمنطق فامتاز عنهم في الجدل بأنه جعل برد السؤال بسؤال من جنسه ليثير التفكير في السائل ثم مزج الجد في الجدال بشيء من التهكم وكان غاية العلم عند سقراط هو إدراك ماهيات الأمور والأشياء كإيجاد حدود تامة تساعد الإنسان على أن يتبين معاني الأشياء في أوضح صورها ودقائقها وذلك بأن يكون للكلمات مدلولاتها الدقيقة وللمعاني نطقها الخاص بها بخلاف البعض المغالطون الذين يقصدونه إلى استعمال الكلمات المتقاربة في اللفظ والمشتركة في المعنى والغامضة في الدلالة الذين أطلق عليهم المغالطين في ذلك الوقت والذين كانوا يميلون في جدالهم إلى الإبهام في الألفاظ والإيهام في المعاني...

ومن أهم ما تم نقله عن سقراط أو إمام السفسطائيون أنه جعل الأخلاق حيز من العقل لا من حيز الدين وقال إن المعرفة تنتج عن الفضيلة ومن عرف الحق لم يظلم ومن رأى وجه الخير لا يقرب الشر ولا يمكن للإنسان أن يسلك سلوكا يخالف رأيه الصائب.. وإن أتي نفر من المشهورين بالعلم شرا كان علمه على ظن وليس يقين



النواحي الإيجابية للسفسطائية
كان السوفسطائيون ممثلي عصرهم بما فيه من تغير وصراع: القديم بقيمه وتقاليده، والجديد بآماله وأفكاره فكانوا أساتذو الجيل، غرسوا الشك بدلاً عن العقائدية الدجماطيقية ( أي النزعة التأكيدية أو القطعية بزعم الفيلسوف أو مذهبه هو الحق وأن سائر المذاهب خطأ) وكانوا معبرين عن روح حضارتهم في عصرهم تماماً كفلاسفة عصر التنوير في القرن الثامن عشر، فحل التسامح في قبول الرأي ونقيضه عن الحقيقة الموضوعية المطلقة



سبب سوء سمعتهم

يعد أفلاطون وأرسطو مسؤولين عن الفكرة السيئة التي شاعت عنهم، أنهم بائعو سلع عقلية لأنهم يتلقون أجراً على دروسهم، أو أنهم أدعياء الحكمة أو منتحلوها.

وإن كانت الفلسفة الحقة تدين الشك الهدمي ذلك أن الحكمة الأصلية لا تهدف إلا إلى تحري الحقيقة ذاتها، فإن الحياة العملية تقتضي أسلوب السوفسطائيين ولا يُعنى بذلك أن يسعى المتقاضي إلى كسب دعواه حقاً كان أم باطلاً أو إلى إثارة الشك في القيم، حقيقة كان مما يؤخذ عليهم أن ألبسوا الباطل ثوب الحق كما كانوا يطفئون الجد في الجدل بالهزل ويضيعون متعة الهزل باصطناع الجد، ومع ذلك كله فإن علماً كالتأريخ قد أفاد من منهج السوفسطائيين.


الآثار الإيجابية للسوفسطائية
أول من نبه إلى قيمة التربية وأهميتها في إرشاد النشئ، لقد كان الاثينيون يعتقدون أن الأخلاق ميل طبيعي ولكن بروتاغوراس أكد امكان ترويض النفس البشرية ونزع نزعات الشر كما يمكن للطبيب علاج أمراض الجسم وإن العقاب يقصد به الردع لا الإنتقام

لفتوا النظر إلى أهمية اللغة في الجدل وضرورة تحري دقة الألفاظ
حددوا بعض موضوعات علوم السياسة والاجتماع والتاريخ، هل الدولة أو المجتمع نظام طبيعي تلقائي أم وضعي تحكمي؟

كانت الحافز وراء ظهور أكبر المدارس الفلسفية في بلاد اليونان، فإن كثيراً من نظرياتهم لا سيما في الأخلاق والسياسة إنما جاءت ردوداً على آراء السوفسطائيين