القـــفـــــــة
                                                                 
إنها أعظم من أن تعرّف، من لا يعرف القفة؟ تلك الوسيلة البسيطة لحمل و نقل الأغراض المختلفة و التي لم يتخلى لإنسان عنها أبدا في سالف العصور، كانت بمثابة جزء لا يتجزأ من لباسه اليومي و ديكوره الذي يضفي ذوقا على نشاطاته، لكن هل يعرف أبناء اليوم ما هي القفّة؟ للأسف ليس الجميع. فهنالك من يخبرك أنها الكيس البلاستيكي الرخيص الذي يقدم له كلما ابتاع غرضا من الدكان، و هنالك من يجيبك قائلا: إنها مجرد لفافات من الحلفاء أو الألياف الجافة و التي اندثرت مع زمانها. و هناك أيضا من يتجرّأ و يقول أنه لم يسمع بمثل هذه الكلمة من قبلُ قطّ! هذا لا يصدّق، كيف لهذه الأداة أن تنقرض من الثقافات الشعبية العالمية؟ أليست هي رمز البساطة و التقاليد و الجد و العمل؟ أليست تمثل الفلاح و العامل و التاجر و الفرد العادي؟ قيل أن الذهاب للتسوق دونما قفة يعد سخافة، لكن و في يومنا هذا الذهاب للتسوق بها يعد مسخرة، حقا إن هذا ليدمي القلب و يحزن النفس.
القفة لن تنقرض حتى لو أردنا لها ذلك لأنها آخذة بجذورها في عمق التاريخ البشري، فالصينيون استخدموها في نقل البضائع التجارية من و إلى مختلف أنحاء الصين و كذا تخزين المؤن في داخلها منذ أزيد من 3000عام، و المصريون حرصوا على استعمالها في عمليات بناء الأهرامات من 3500عام، حملوا فيها التربة و الرمال و الحصى من المحاجر و النيل و إلى الورشات الهائلة، كما أبحروا في نهر النيل بقوارب كالقفف تصنع بذات الكيفية و المواد التي تصنع منها القفة العادية، و الرومان استخدموها للتسوق و نقل الخيرات و الحاجات في مدنهم، و الإنكا في أمريكا الجنوبية عملوا على استخدامها لغاية تخزين البضاعة و المواد سريعة التلف كما كانوا يضعون فيها السمك بعد صيده ليحافظوا على طزاجته و جودته. القفة أعظم من أن تنسى و تستبدل بأكياس من النايلون أو الكرتون، إنها رمز للحضارات البشرية منذ الأزل و ستظل إن شاء الله.
عمال المناجم استخدموها في مختلف الحضارات لرفع البقايا و ما يجدونه من ذهب أو أحجار كريمة، كانوا يربطونها بحبال متينة و كلما ملؤوها يهزون الحبال تلك ليتم رفع القفف للأعلى و تفريغ حصيلتها و من ثمّ إنزالها مجددا لتعاد الكرة، و قلما كانت قفة ما تتمزق أو تسقط لأنها وسيلة و إن خانها إنسان اليوم فهي لم تذكر أنها خانته يوما مطلقا.
القفة استخدمها الناس في القصبة بالجزائر العاصمة منذ القديم كوسيلة لحمل الحاجيات و التبضّع، و لا زالت و الحمد لله العجائز يحملنها بفخر عندنا و الوجهة إما السوق أو الحمام. أما في مصر فلا تزال أيضا وسيلة هامة ينقل عليها الفلاح البسيط مفتخرا الأتربة من و إلى حقوله و يستخدمها لحمل الغلال و الأدوات كما يجعل منها قوارب لتنقل سريع و هي بذلك وسيلة نقل مفيدة و غير مكلفة فوق نهر النيل. أما في الشام كله فلا تزال مصدرا لعرض المواد الغذائية فيها و وسيلة لا غنى عنها لحمل أغراض الناس، سواء القفة البسيطة التي تُحمل باليد أو القفة الكبيرة التي توضع فوق ظهور الدواب أو القفة التي تحملها الرافعات الخشبية بالمناجم، تبقى هذه نعمة من الله سبحانه و تسخيرا لذكاء العقل البشري في معرفة كيفية تذليل الطبيعة و ما تجود به لأجل راحته و تألقه، فهي تصنع من مواد خام بحتة كالحلفاء و الديس و أوراق أو سعف النخيل و الألياف الطبيعية، كما استطاع الكثير من البشر تلوينها كيفما أرادوا بالصباغات الطبيعية، و تزيينها بالرموز و الحواشي البديعة، فهناك انسجامان أزليان: الأول بين القفة و الإنسان....و الآخر بين القفة و ذاتها.

    



 



من لم يكن رضيعا منا؟ الكل كنا رضّعا و ضعفاء بحاجة للدفء و الرعاية و الحرص، هل استطاع الإنسان قديما أن ينمو بسلام لولا القفة التي كانت له مهدا حسنا؟ أبدا...بدونها كان ليتعرض لمختلف الأخطار و العوارض، ربما كان ليمرض كما يمرض كل أطفال الوقت الحاضر، و اليوم لا زال يُنصح بها كمهد للرضّع لأنها طبيعية و لا يخشى من تأثيراتها على الصبية في  المستقبل أبدا، فقوموا و حيّوا القفة معي لأنها نعمة من ربنا  ففوق السفرة صلى العبد لربه و هذه الأخيرة هي من أقارب القفة، و ستظل مهما حاول الذين يدعون التحضر أن يطمسوها، فما دام هناك إنسان ستكون قفة

                                            


فيديوهات عن القفة:
 
 

القفة LE COUFFIN

 

 للاستفسار الشخصي راسلوني
       لحسن لطفي
للمقال بالفرنسيةاضغط هنا
lotfilahsen@live.fr

Comments