الحرب السوفيتية الفنلندية

الحرب السوفيتية الفنلندية عامي1939 – 1940




الحرب السوفيتية الفنلندية عامي1939-1940 أو ماتسمى أحياناً  بـ"الحرب الشتوية" هي النزاع المسلح بين الاتحاد السوفيتي وفنلندا في الفترة ما بين 30 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1939 و12 مارس / آذار عام 1940. 

فترة ما قبل الحرب

كانت فنلندا في الفترة ما بين عام 1809 وعام 1917 ضمن الامبراطورية الروسية. ونالت فنلندا وبولندا استقلالهما في مطلع عام 1918 بعد قيام ثورة عام 1917 في روسيا وتولي البلاشفة زمام السلطة في البلاد. وكانت القوات الفنلندية في أعوام 1918 – 1922 قد إعتدت مرتين على الاراضي الروسية ( الحروب الروسية الفلندية أعوام 1918- 1922)، الامر الذي جعل العلاقات بين البلدين باردة ومتوترة. وتخوفت فنلندا من العدوان السوفيتي. أما القيادة السوفيتية فتخوفت من أن فنلندا ستتيح لإحدى الدول غير الصديقة للإتحاد السوفيتي آنذاك وبالدرجة الأولى ألمانيا وبريطانيا فرصة للهجوم على الإتحاد السوفيتي من أراضيها. وكانت المخاوف مبررة لأن الحدود السوفيتية الفنلندية في منطقة برزخ كاريليا ( كاريليا الغربية)  تبعد 32 كيلومتراً  فقط عن مدينة لينينغراد التي تعتبر مركزاً صناعياً وثاني مدينة سوفيتية.

وحاول الإتحاد السوفيتي خلال المباحثات السوفيتية الفنلندية إقناع فنلندا بالموافقة على مقايضة بعض أراضيها بأراضٍ تزيد عنها مساحة بمقدار عدة أضعاف  وإيجار عدة جزر وقسم من شبه جزيرة هانكو (غنغوت) الفنلندية لإقامة قواعد عسكرية سوفيتية هناك . ولكن رفضت الحكومة الفنلندية الموافقة على هذه العروض السوفيتية. وحاولت فنلندا بدورها عقد إتفاقية تجارية سوفيتية فنلندية وحمل الحكومة السوفيتية على الموافقة على تسليح جزر أُلاند الفنلندية التي كانت منزوعة السلاح.

وقع الإتحاد السوفيتي وألمانيا في 23 أغسطس / آب عام 1939 معاهدة عدم الإعتداء . وبموجب البروتوكول السري الذي حدد توزيع مناطق النفوذ بين الدولتين فإن فنلندا اعتبرت ضمنا منطقة للنفوذ السوفيتي .وفي 5 أكتوبر/ تشرين الأول  عام 1939 إقترح الإتحاد السوفيتي على فنلندا عقد إتفاقية المساعدة المتبادلة. أما فنلندا المدعومة من قبل بريطانيا العظمى وفرنسا والولايات المتحدة فقد إتخذت موقفاً غير بناء بعدم قبولها لإقتراحات الإتحاد السوفيتي فيما يتعلق بعقد الإتفاقية المذكورة  و مقايضة الأراضي وإستئجار القواعد ، فأعلنت التعبئة العامة في البلاد.

وكانت بريطانيا وفرنسا  تساعدان فنلندا مزودتين إياها بالأسلحة ومعربتين عن إستعدادهما لإرسال قوات إليها. كما كانت ألمانيا أيضاً تقدم للقوى الرجعية في فنلندا مساعدة سرية. أما فنلندا ذاتها فقامت بتشييد خط محصن على حدودها مع الإتحاد السوفيتي والذي أطلق عليه خط "مانيرغيم".

بداية الحرب

أصبحت حادثة "ماينيل" ذريعة رسمية للبدء في الحرب بين البلدين . فوجهت الحكومة السوفيتية في 26 نوفمبر / تشرين الثاني عام 1939 إلى الحكومة الفنلندية مذكرة رسمية جاء فيها أنه نتيجة للقصف المدفعي الذي  قامت به القوات الفنلندية  للأراضي السوفيتية قتل 4 عسكريين سوفيت وأصيب بجروح 9 آخرون. وإقترحت الحكومة الفنلندية آنذاك تشكيل لجنة مشتركة للتحقيق في هذا الحادث. فرفض الجانب السوفيتي وأعلن نقض إتفاقية عدم الإعتداء التي سبق وأن عقدت بين الجانبين . وتسلمت القوات السوفيتية في الساعة الثامنة صباحاً يوم 30 نوفمبر / تشرين الثاني أمراً بعبور الحدود السوفيتية الفنلندية والبدء في العمليات الحربية. ولكن لم تعلن الحرب رسمياً.

وتم في ديسمبر/ كانون الأول عام 1939 بمدينة تريوكي (زيلينوغورسك المعاصرة) تشكيل ما يسمى بالحكومة الشعبية الفنلندية التي ترأسها الشيوعي الفنلندي أتو كووسينين. فإعترف بها رسمياً الإتحاد السوفيتي ، ثم عقد معها معاهدة الصداقة والتعاون المتبادل. لكن الدول الغربية لم تعترف بهذه الحكومة.

العمليات الحربية

كان الجيش السوفيتي الأحمر قبل شهر فبراير/ شباط عام 1940 يتكبد خسائر جسيمة نظراً لأنه لم يمتلك مهارات لازمة لخوض الحرب شتاءاً في ظروف مناخ فنلندا القاسي وبسبب الكفاءة المتدنية لدى صغارالضباط وصف الضباط.. ولكن جرى فيما بعد  تدريب العسكريين السوفيت  تدريباً إضافياً وزيادة تعدادهم  وتزويدهم بالمستلزمات المادية. كما تم تشكيل وحدات خاصة من الرجال المتزلجين ووضع طرق لعبور حقول الألغام والحواجز وإقتحام الدفاعات المحصنة. وتم تشكيل الجبهة الشمالية الغربية بقيادة قسطنطين تيموشينكو وأندري جدانوف ، وذلك بغية إقتحام خط "مانيرغيم". وقامت قوات المهندسين في المناطق المتاخمة للحدود بالعمل على إنشاء طرق المواصلات بغية تزويد القوات بالإمدادات اللازمة . وبلغ التعداد العام للقوات السوفيتية أكثر من 760  ألف فرد . أما الجانب الفنلندي فواصل في الفترة ذاتها الإمداد والتموين لقواته بالإحتياطيات الواردة من الحلفاء الغربيين . وكان يحارب الى جانب فنلندا ما يقارب 11.5 ألف متطوع أجنبي غالبيتهم من  من الدول الإسكندينافية.

وفي 11 فبراير / شباط عام 1940 بدأ الهجوم الجديد للجيش الأحمر، وذلك بعد التمهيد المدفعي الذي إستغرق 10ساعات. وتم حشد القوى الرئيسية في برزخ كاريليا. وشارك في هذا الهجوم إلى جانب الوحدات البرية للجبهة الشمالية الغربية سفن أسطول بحر البلطيق السوفيتي وأسطول بحيرة لادوغا الذي تم تشكيله في شهر أكتوبر/ تشرين الاول عام 1939 . وإخترقت القوات السوفيتية الخط الأول لدفاعات "مانيرغيم" ثم زجت القيادة في المعركة  التشكيلات المدرعة التي باشرت بتطوير النجاح. فإنسحبت القوات الفنلندية في 17 فبراير إلى خط الدفاع الثاني لتفادي  خطر المحاصرة.

وفي 21 فبراير/ شباط وصل الجيش السابع السوفيتي إلى خط الدفاع الفنلندي الثاني. أما الجيش الثالث عشر فوصل إلى خط شمالي مدينة موولا. وإستولت وحدات الجيش السابع بحلول 24 فبراير / شباط  على عدة جزر متاخمة للشاطئ ، وذلك بالتعاون مع وحدات البحارة من أسطول البلطيق. فإنسحبت القوات الفنلندية حين تأكدت من إستحالة مواصلة المقاومة. وفي 13 مارس /آذار دخلت القوات السوفيتية مدينة فيبورغ الفنلندية الكبيرة.

وبحلول شهر مارس / آذار عام 1940 أدركت الحكومة الفنلندية أنها لن تتلقى من جانب الحلفاء مساعدة عسكرية ملموسة غير المتطوعين وبعض الأسلحة ، بالرغم من ورود دعوات لها من قبل الحلفاء إلى مواصلة المقاومة . فوجدت فنلندا نفسها بعد إختراق خط "مانيرغيم" عاجزة عن التصدي لهجوم الجيش الأحمر. فخيم عليها خطر إحتلال البلاد الذي كان يتلوه منطقيا ضمها إلى الاتحاد السوفيتي أو الإطاحة بالحكومة وتبديلها بحكومة موالية للسوفيت. فلذلك توجهت الحكومة الفنلندية إلى الإتحاد السوفيتي بطلب بالبدء في محادثات سلام. فوصل يوم 7 مارس/آذار إلى موسكو الوفد الفنلندي الذي وقع يوم 12 مارس/ آذار معاهدة السلام التي كان بموجبها وقف العمليات الحربية في الساعة الثانية عشرة يوم 13 مارس/آذار عام 1940. 

نتائج الحرب

كانت شروط معاهدة السلام كما يلي:

1- يضم الإتحاد السوفيتي إلى أراضيه برزخ كاريليا ومدينتي فيبورغ وسورتافالا وعدداً من الجزر في الخليج الفنلندي وقسماُ من الأراضي الفنلندية بما فيها مدينة كولايارفي وقسما من شبه جزيرتي ريباتشي وسريدني. وهكذا صارت بحيرة لادوغا كلها داخل أراضي الإتحاد السوفيتي.

2- يعاد إلى فنلندا إقليم بيتسامو (بيتشينغا).

3- ينال الإتحاد السوفيتي حق إستئجار شبه جزيرة هانكو (غنغوت) لمدة 30 عاماً بغية إقامة قاعدة بحرية هناك.

 
وتم تقسيم الأقاليم الفنلندية التي ضمها الإتحاد السوفيتي بين الكيانين الإداريين للإتحاد السوفيتي ،حيث دخل الإقليم الجنوبي مقاطعة لينينغراد ، وأما الإقليم الشمالي فإنضم إلى كاريليا السوفيتية.  وبحسب معاهدة السلام إقتربت الحدود السوفيتية الفنلندية  من حدود عام 1791  أي قبل إنضمام فنلندا إلى الإمبراطورية الروسية في عام 1809.

وتم في 14 ديسمبر/كانون الأول عام 1939 إسقاط عضوية الإتحاد السوفيتي في عصبة الأمم  من جراء إشعاله الحرب ضد فنلندا . كما تم فرض الحظر على توريد تقنيات الطيران من قبل الولايات المتحدة  للإتحاد السوفيتي ، الأمر الذي أثر سلباً على تطور صناعة الطيران السوفيتية التي كانت تستخدم تقليدياً المحركات الأمريكية. وأصبحت نتائج الحرب السوفيتية الفنلندية عاملاً من العوامل التي ساعدت في التقارب اللاحق بين فنلندا وألمانيا. كما أنها أثرت على قرار فنلندا بمشاركتها في الحرب العالمية الثانية إلى جانب ألمانيا.

 

Ayman Abu Saleh

أيمن أبو صالح – معسكر دير البلح

قطاع غزة - فلسطين

Phone: +358 44 290 9535

E-Mail:  absayman (at) gmail.com

Skype: absayman

Google Talk: absayman