مرايا


الجسد والثياب 

اللباس التقليدي بمدينة القلعة الكبرى نموذجا

نجيب بن عائشة

 

لقد اقترن اللباس منذ أقدم العصور بالظروف البيئية و المناخية لشعب ما في بداية الأمر.فسكان المنطقة الاستوائية بافريقيا و بحكم حرارة الطقس لا يحتاجون إلى ثياب تغطي كامل أجسادهم بل يقتصرون على ما يستر عوراتهم فقط و كذلك الشأن بالنسبة لبعض القبائل في منطقة الأمازون في البرازيل .

أما في المنطقة العربية التي يغلب عليها المناخ الحار الصحراوي و المناخ المعتدل القريب من البحر فقد كان العرب يرتدون الثياب الفضفاضة التي تسترهم من رأسهم الى أخمص قدميهم سواء كانو ا رجالا أم نساء وفي منطقة التوارق في جنوب الجزائر نجد الملثمين يرتدون هذا النوع من الملابس  تجنبا للعواصف الرملية في تلك الصحراء .

وحتى على المستوى المحلي فالثياب يرتبط بالبيئة ويتأثر بها،وقد يكون  الزي النسائي بمدينة القلعة الكبرى خير دليل على هذا الترابط بين البيئة واللباس.فإلى وقت قريب كان الزي الأصيل بمدينة القلعة الكبرى يتمثل في التخليلة و تسمى الملية في بعض المنطق الأخرى و هي ثلاثة أنواع وألوان:

1)      – التخليلة الحمراء : و يقع ارتداؤها خلال المناسبات السعيدة في الأعراس و حفلات الختان و عادة ما ترتديها العروس في اليوم السابع و أم الطفل المراد ختانه . كذلك يتم تغطية الطفل المختون بها.وهي من العادات و التقاليد المتوارثة بالقلعة الكبرى تنخرط برمزيتها في نسق الحياة الاحتفالية بالمدينة. التخليلة الحمراء تناسب المراة المكتنزة فارعة الطول فتضفي عليها جمالا و هيبة ووقارا.هذا بالإضافة إلى إيحاءات اللون الأحمر العاطفية و الجنسية.

2)      –  النوع الثاني : التخليلة الكموني وهي تشبه في لونها نوع ما التخليلة الحمراء و عادة ما تلبسها المرأة خلال مكوثها بالبيت و تعتبر اللبسة اليومية لها خلال قيامها بأنشطتها اليومية بالمنزل .

3)      - النوع الثالث : التخليلة الزرقاء و ترتديها المرأة خلال قيامها بأشغال تبذل فيها جهدا كبيرا مثل المنزل أو تحضير العولة مهما كان نوعها بالإضافة إلى الأعمال الفلاحية مثل جني الزيتون. و تعتبر التخليلة الزرقاء زي العمل عند المرأة الفقيرة باعتبار أن ثمنها أقل بكثير من ثمن التخليلة الحمراء أو الكموني غير أن السؤال المطروح هنا ما هي علاقة اللون الأزرق بالعمل ؟ ذلك أن المنظومة الشيوعية تتخذ من اللون الأزرق لونا لبدلة العمل. أهو محض الصدفة أم أن هناك تأثر غير واع بالإيديولوجيات؟

 هناك نوع آخر لا يكتسي  نفس الأهمية بالنسبة لما سبق ذكره باعتبار أن هذا النوع اقترن بمناسبة الحزن و زيارة المقابر وهو التخليلة السوداء و تنسج في البيوت من الصوف و تستعمل أحيانا اخرى خلال أيام البرد الشديد .

و من الأهمية بمكان أن نشير هنا أن هذا الزي لا يكتمل و يتخذ شكله النهائي إلا عندما نضيف إليه عدة عناصر واكسسوارات لا يستقيم إلا بها وهي :

- الحصارة : وهي قطعة ثياب تحصر صدر المراة وهي مطرزة و مزركشة .

- مريول فضيلة أو حورية : وهو عبارة عن قميص يصنع من قماش قطني يخطط و يزين باللون الأزرق أو البنفسجي وهو باهض الثمن و لا يقع ارتداؤه إلا في المناسبات مع التخليلة الحمراء .

- السروال العربي : هناك سروال عربي يصاحب الجبة للرجال و هناك سروال عربي يصاحب التخليلة للنساء وهو سروال فضفاض و عادة ما يكون لونه أبيض .

- الكوفية : وهو نوع من غطاء الرأس مثل الشاشية يشبه الهرم في شكله وهو مطرز و مزركش ترتبط به قطعة قماش تتدلى على ظهر المرأة .

- الشملة : أو الحزام تلف به المرأة خصرها على مستوى البطن يتم نسجه في البيوت و به عدة ألوان زاهية وهو مكلف و عادة ما تستعمله المرأة مع التخليلة الحمراء . أما بالنسبة للنعال فإن المرأة تنتعل البلغة الصفراء أو الكنترة وهي ضرب من الأحذية يناسب الزي الكامل للمرأة هذا بالإضافة إلى ما تضعه من مصوغ و حلي و خاصة منها الخلخال الذي يوضع في أسفل ساقي المرأة أو الخلة التي تشد بهما التخليلة على مستوى صدرها و هما من الذهب الخالص .

و إذا قارنا الباس التقليدي النسوي بالقلعة الكبرى  بلباس المرأة في بقية الجمهورية فإنه لا يختلف عنه إلا في طريقة التزويق  و التلوين أما الطابع العام فهو نفسه و هذا يدل على أن  الزي هو وليد تراكم حضاري واحد وثقافة واحدة كانت نتيجة تلاقح عدة حضارات من ذلك اننا اذا تأملنا في زي المرأة التونسية عموما فإننا نجد له صدى في زي المرأة الهندية و الصينية و ربما بعض سكان اوربا الشرقية .وهو ما يؤكد ظاهرة التثاقف بين الحضارات.

Comments