البينات المِلاح بأن رمي المختلفين بمساوة الخطأ ليس من الإصلاح

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

 

جزى الله خيراً الشيخ أبا عاصم الغامدي على الكلمات النافعة التي كتبها تحت عنوان :

"المواضيع في المنهج وذكرالأشخاص على نوعين : نافع وغير نافع لايزيد إلا بلاء"

 

وأضيف مؤيداً مكملاً على قوله :

الثانية : غير نافعة كخلافات بين أهل السنة الواحدة
واتهامات ابانت عن جهل بالمتكلم عنه ااتباع الهوى في أمر ما
أو تقليدا لغيره دون تثبت
أوكانت بعلم ولكن يحتاج لمناصحة
أو يسعى لإصلاح في الموضوع
ويرجى الخير من وراء هذا كله
وقد يكون من باب القيل والقال الذي لاينفع ذكره في الموضوع أصلا فهو من الحشو
الذي لاطائل معه كقولهم فلان فعل كذا وكذا ببيته إلخ
فالكلام هنا لايزيد الأمر إلا سوءا والله المستعان.اهـ

 

فأقول : وهذا لا يعني أن كل من رد من أهل السنة على إخوانه فهو ممن يتكلم بجهل ويتبع هواه ويقلد ولا يتثبت ولا ينصح ولا يسعى في إصلاح , بل إن ذلك وإن كنا نعترف بأنه يقع بين أهل السنة السلفيين , واعترافنا هذا من باب الأصل الأصيل القائل : (أهل السنة يقولون ما لهم وما عليهم ....) , ولكن غالباً ما تكون الردود بحق من أحد الطرفين , فإن كان أحد المختلفين من أهل السنة السلفيين مخطئاً فغالباً ما يكون الآخر مصيباً في رده , وكيف لا ؟ , وأهل السنة السلفيون هم أهل العدل والإنصاف يشتدون في موضع الشدة ويرفقون في موضع اللين , وإن كانوا بشراً يصيبون ويخطئون.

والشدة قد تقع بين مختلفين من أهل السنة السلفيين في مواضع كما وضح الشيخ أبو عاصم في موضع آخر , وهذا ليس الأصل بينهم وإنما هو الأصل تجاه أهل البدع.

كذلك أنبه على أمر مهم جداً جداً ألا وهو :

أنه قد يقع في الخلاف بين طرفين سلفيين ويخطئ كل منهما , ولكن يختلف خطأ كل واحد عن صاحبه .

ففرق بين من أخطأ في أصل المسألة , وبين من أخطأ خطأً عارضاً لا يتعلق بأصل المسألة , وإن كان هذا الخطأ وقع خلال الخلاف .

وفرق بين من أخطأ خطأًً كبيراً وبين من أخطأ خطأً هيناً.

وفرق بين من أخطأ وأصر وبين من أخطأ واعترف بخطئه .

إذا علمنا ذلك تبين لنا معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمة –رحمه الله- :

(( ليس الفقيه من يعرف الخير من الشر , ولكن الفقيه من يعرف خير الخيرين وشر الشرين)). اهـ , أو كما قال –رحمه الله-.

 

وعلى ما تقدم يظهر لنا جلياً ظلم من ساوى بين المختلفين السلفيين لمجرد أن كل منهما أخطأ بدون تفريق بين الخطأ الكبير والصغير والخطأ الأصلي والآخر العارض الفرعي وبين المتمادي على خطئه وبين المستمر في رد الخطأ.

بل إنه بذلك أراد أن يطب زكاماً فأحدث جزاماً لأنه ذهب يشخص ويصحح الأخطاء فزادها من حيث لايدري , لأنه بذلك ظلم أحد الطرفين مع أنه صاحب الحق , لأنه عَظَمَ خطئه بمساواته بالخطأ الأصلي , بل قد يكون أثر ذلك على المخطئ في الأصل أن يتمادى ويصر إذا كان من أهل العناد الذين يمتثلون المثل الجائر القائل : ((عليَّ وعلى أعدائي)) , فيفرح بالحكم عليه وعلى خصمه بالخطأ , ويستمر في خطئه لأنه يضمن أن خصمه إذا جاء يُخطئه فسوف يجد من يقف له قائلاً "أنت أيضاً أخطأت فاسكت".

وهذا الذي حكم فزاد الأمر سوءاً إذا كان من الجهال والعوام فالأمر سهل شيئاً ما , لأن حكمهم لا قيمة له , لأنه غير مبني على علم , ومن باب أولى إن كان هذا الشخص -الحاكم على المختلفين السلفيين- من أهل البدع والحزبيات ألا يؤبه له أصلاً.

ولكن المشكلة حقاً أن يكون هذا الشخص سلفياً ثم يساوي بين الطرفين في الحكم , مع أن أخطائهما غير متساوية.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ***** على النفس من وقع الحسام المهند

 

وهذا هو أحد الأسباب في ازدياد الفتن , لأن المخطئ في أصل المسألة إن اتبع هواه فلن ينظر لخطئه , وسيضخم في خطأ خصمه , وعندما يأتي خصمه المحق في أصل المسألة ليبين خطأ الآخر , فيجد من يقف له قائلاً : "كلاكما مخطئ وأمركما سواء فاسكت عنه وانظر لنفسك".

والذي يزيد الأمر فتنة إن كان أحد الطرفين المختلفين تطور أمره , وزاد ظلمه وجوره , فخرج من السلفية إلى فرق أهل الأهواء الردية , سواء جنح إلى التفريط أو الغلو , ثم بعد ذلك يُحكم على الطرفين المختلفين أنهما سواء في الخطأ , أو يقال "كلاهما مخطئ" وفقط بدون تفريق , أو يقال "كلاهما سلفي فلنسكت عنهما".

وهنا تزداد الفتنة فيلجأ صاحب الحق إلى توضيح أخطاء من حكم عليه بمساواته بصاحب الخطأ الأصلي , وعلى ذلك يستغل المخطئ "صاحب الهوى" الأمر , وينفخ في النار ليشعلها , ويبين لمن أخطأ في الحكم على الطرفين أنهما لم يسلما من الطرف الآخر , ويتباكى ويبرهن بذلك على جور الطرف الآخر , والمشكلة كل المشكلة إن صدقه من أخطأ في حكمه فيزداد خطأً ويقع في نفسه البغض والنفور من صاحب الحق.

 

فالعدل العدل , والإنصاف الإنصاف , والتبين التبين , حتى لا نزيد الأمور تعقيداً , ونشعل الفتن من حيث لا ندري , وتتراكم المخالفات , وتتعدد الإختلافات .
وأختم بقول الله -تعالى- : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [(58) سورة النساء] , وقوله -سبحانه- : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [(135) سورة النساء] , وقوله -تعالى- : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [(8) سورة المائدة].

وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم , والحمد لله رب العالمين.