المنة في بيان أن الحدادية هي المحنة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه , وبعد

فقد خلقنا الله -جل وعلا- لعبادته فقال –جل شأنه- : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [(56) سورة الذاريات] , ووضعنا في ميدان الابتلاء مع أهل الاعتداء {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [(123) , (124)سورة طـه] وقال –سبحانه وتعالى- : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [(48) سورة المائدة] , وقال –جل وعلا- : {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (93) سورة النحل] , فقدر الله ألا يكون الناس أمة واحدة على الحق بل خلق الله الحق والباطل للابتلاء والتمحيص , وقسم الله –سبحانه وتعالى- الناس بين شقي وسعيد , وقريب وبعيد , ومسلم وكافر , ومهتد وضال , ومستن ومبتدع , وسلفي وحزبي , بل قدر الله -تعالى- أن تكون فرق الضلال أكثر وبمجموعها أكبر وأن تكون النجاة لفرقة واحدة من أمة الإسلام.

فقد حسن الألباني ما أخرجه أبو داود حيث قال : حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى قالا ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان ( ح ) وثنا عمرو بن عثمان ثنا بقية قال حدثني صفوان نحوه قال حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا فقال : ألا إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام فينا فقال :  (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة , وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين , اثنتان وسبعون في النار , وواحدة في الجنة وهي الجماعة ([1]) )) زاد بن يحيى وعمرو في حديثيهما (( وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَّبُ لصاحبه )) وقال عمرو : (( الكَلَّبُ ([2]) بصاحبه لا يبقي منه عرق ولا مفصل إلا دخله ))

وإضافة لذلك تتكالب الأمم على أهل الحق .

فقد صحح الألباني ما أخرجه أبو داود حيث قال : حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ثنا بشر بن بكر ثنا بن جابر حدثني أبو عبد السلام عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها )) فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ , قال : (( بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت )).

ولا سبيل لإهلاك هذه الفرق والملل الباطلة إلا بقيام الساعة , {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [(16) سورة غافر] , ولكننا أمرنا باجتنابها ومعاداتها ومحاربتها وإبعادها قدر المستطاع.

ومن هذه الفرق التي مزقت الأمة وخرجت عن حيز جماعة المسلمين ودعوة أنصار السنة السلفيين فرقة الخوارج بشتى أشكالها وتلوناتها , سواء كانت تحت اسم الجهاد وحقيقتها الفساد , أو تحت اسم الجماعة الإسلامية وحقيقتها الخارجية , أو تحت اسم السلفية وحقيقتها القطبية , أو غير ذلك من المسميات التي يتسترون تحتها , وأرادوا أن يدنسوا هذه الأسماء الشريفة بنسبة أفكارهم القبيحة لها , ولكن أبى الله إلا أن يكشف عوارهم على يد المجاهدين حقاً ضد أهل البدع الخارجين عن الجماعة الإسلامية الحقة , وليست الفرقة الضالة المسماة بالجماعة الإسلامية -زعموا- ليحصروا الدائرة المسلمة عليهم زوراً وبهتاناً وعدوناً , وكذلك أشد من تصدى لهؤلاء القطبيين هم السلفيون حقاً لا تلبيساً ولا تدليساً.

وحديثنا الآن عن الحدادية وقد قلت عنهم من قبل :

فما أشبههم بالخوراج المارقين الذين يقتلون أهل الإسلام , والذين أول ما اتهموا اتهموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عدالته , فخرج ذو الخويصرة ليدعي العدل , ويقول متبجحاً في وجه النبي –صلى الله عليه وسلم- [اعدل يا محمد ...].

وخرج كلاب أهل النار على عليِّ –رضي الله عنه- , واتخذوا آية {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ } [(40) سورة يوسف] شعاراً لهم , وتتابع الكلاب على رمي أهل الحق بالجور , وها نحن نرى تشابهاً واضحاً بينهم وبين الحدادية الطاعنين في علماء السلفية وأهل الحق برميهم بالمداهنة والتساهل والعمالة والإرجاء وغيرها من الطعونات المغلفة باسم السلفية والسفلية منهم براء . اهـ من مقال (أضواء على الحدادية الخبثاء) ([3]) .

 

والحدادية من أشد الفرق تمزيقاً وتفريقاً للأمة وإن فتننتهم لكبيرة كبيرة , وكما شاء الله أن تستمر فتنة الخوارج فقد شاء أن تستمر فتنة الحدادية لاشتراكهم في بعض الصفات , وقد دعى النبي –صلى الله عليه وسلم- الصحابة لإخماد فتنة الخوارج بقطع رأسها وقتل مُشعلها ولكن قدر الله الحكيم العليم -سبحانه وتعالى- وما شاء فعل.

أخرج ابن أبي عاصم في كتابه (السنة) قال : ثنا الحسين بن البزار حدثنا روح بن عبادة عن عثمان الشحام عن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر برجل ساجد وهو منطلق إلى الصلاة فلما قضى الصلاة ورجع إليه وهو ساجد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (( من يقتل هذا )) ([4]) , فقام رجل فحسر عن ذراعيه واخترط سيفه وهزه , ثم قال : يا نبي الله بأبي أنت وأمي كيف أقتل رجلاً ساجداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد عبده ورسوله , ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (( من يقتل هذا )) , فقام رجل فقال : أنا فحسر عن ذراعيه واخترط سيفه حتى رعدت يده فقال : يا رسول الله كيف أقتل رجلاً ساجداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد عبده ورسوله , فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (( أما والذي نفسي بيده لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها )) . قال الألباني في "ظلال الجنة في تخريج السنة" : إسناده صحيح.

وكذلك في عصرنا قد دعانا العلماء إلى إخماد فتنة الحدادية ووأدها في مهدها , وعملوا على ذلك بدايةً بمحاربة الحدادي الأول , ثم نهاية بمحاربة رؤوس الحدادية المصرية وأذيالها في وقتنا الحالي , ولكن شاء الله أن تستمر فتنة الحدادية المصرية لتتسع الدائرة الحدادية , وبدلاً من أن نرى الجميع يتحد ضد الحدادية رأينا من يتعاطف معهم أو يسكت عليهم أو يقف في صفهم أو يرمي من خالفهم بإشعال الفتن أو يذكر محاسنهم بناء على منهج الموازنات المبتدع فكان ذلك سبباً في اشتداد بلوى الحدادية المصرية سواء شعروا أو لم يشعروا.

ومع ما تقدم فلن ييئس أهل الحق ولن يرجعوا عما هم عليه , ومن تخلف فسوف يعوض الله بخير منه , ولابد أن نصبر ونثبت ونصمد أمام اعتداء وظلم وجور وسب وشتم هؤلاء لنا لأن هذا ابتلاء.

نعم كما صمدنا أمام الخوارج والتكفيرين الذين ما زال أذنابهم يرموننا بالكفر ويكفرون المجتمعات الإسلامية حكاماً ومحكومين , وصبرنا والواحد منا قد يعرف أن فلاناً يقول عليه أنه كافر , وكما صمدنا أمام الإخوانيين والقطبيين والواحد منا قد يعرف أن فلاناً يرميه بالنفاق أو العمالة , فكذلك لا بد أن نصمد أمام الحدادية الذين يرموننا بالابتداع ويخرجوننا من السلفية ويزعمون أنهم هم السلفيون وغيرهم مبتدعون وحزبيون , ولابد أن نصبر ولو علم الواحد منا أن فلاناً يقول عليه أنه مبتدع وضال وحزبي وغير ذلك.

نعم فلا يقف في وجه الحدادية إلا من يرضى بأن يكون مظلوماً ويحمد الله أنه ليس ظالماً ويضحي ويصبر ويصمد ويثبت ويحتسب , وهذا لا يعني أن يرمي الواحد منا نفسه في القصعة ليتداعى عليه خبثاء الحدادية , ولكن إن قدر الله ذلك فلنثبت ولنصبر ولنحتسب.

وأما علمائنا وشيوخنا الذين تطاول عليهم الأقزام والشراذم فليصبروا وليزدادوا صبراً على صبرهم , وكما قيل : ( دع الكلاب تنبح والقافلة تسير ) , وهذا لا يعني ألا نقول على الكلب أنه كلب ولا يعني ألا نحذر الناس منه ونكشف ثوبه المزور .

وأخيراً أختم بقول الله -سبحانه وتعالى- : {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [(2) , (3) سورة العنكبوت].

وليعلم الحدادية أنهم لن يروا منا إلا ما يسوئهم طالما أنهم يسيرون على عوج الطريق والله المستعان على التطاول والعدوان والكذب والبهتان

وصلى الله على نبينا محمد على آله وصحبه وسلم , والحمد لله رب العالمين.



([1]) هذا لفظ صريح واضح قاطع بأن الفرقة الناجية وحدها هي الجماعة , وأن ما خالفها من الفرق الضالة فهي خارجة عن الجماعة وإن كانت مسلمة , فليتق الله أولئك المدلسون الملبسون الذين خلطوا الحركات الحزبية سواء إخوانية أو تبليغية أو غيرها بالفرقة الناجية , وجعلوا من مزقوا الأمة وفرقوها من الجماعة , فعجب , ولكنها الأهواء ومجاراة الناس وخشيتهم {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [(37) سورة الأحزاب] وعدم الصدع بالحق , نسأل الله العافية.

هذا , وإن أنصار السنة السلفيين يعتقدون أنهم فقط الفرقة الناجية والطائفة المنصورة , وأن من خالفهم فهم على ضلال وباطل . وإن القطبيين المندسين في صفوف أهل السنة السلفيين لا يستطيعون التصريح بذلك , ومن هؤلاء ذلكم القطبي الذي خفيَّ حاله على كثير من الناس وهو صاحب الشهرة الكبيرة والجماهير الغفيرة محمد بن حسان -هداه الله أو أراحنا من جهله وتدليسه وتلبيسه- , فهذه علامة مميزة فاحفظوها , وسوف أفصل ذلك بمشيئة الله في رسالة بعنوان (الرد العاطر على الداعية محمد حسان صاحب الخواطر).

([2]) الكَلَّبُ مرض من الأمراض , وليس المقصود هنا الكَلْب الحيوان المعروف.

([3]) بعد أن كتبت هذا المقال وقفت على مقال جامع ماتع للشيخ أبي عبدالأعلى خالد بن عثمان -حفظه الله- تحت عنوان (حدادية أم خارجية جديدة) ذكر فيه أوجه الشبه بين الحدادية والخوارج في عد نقاط وركز على الحدادية المصرية وإن لم يصرح بذلك فأجاد وأفاد بما يدل على أنه بصير بحال القوم منذ بداية فتنتهم فليراجع هذا المقال فإنه هام هام.

([4]) هذا حديث عظيم جليل يهدم منهج الموازنات المبتدع هدماً , فها هو النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يغتر بصلاة هذا الرجل ولا بسجوده ولا خشوعه ولا غير ذلك من محاسنه , بل يدعو لقتله ويبين أن ذلك سبيل وأد الفتنة في مهدها , فهل فهم أصحاب الموزانات أن منهج الموزانات هدام وأنه يزيد الفتن اشتعالاً ويجعلها على أشدها .

وقد قلت من قبل في رسالة (صد عدوان سيد قطب الجائر وأسلوبه الماكر على الأستاذ محمود بن محمد بن شاكر) : وبعض الناس يرون أن من مصلحة الدعوة حتى يتقبل الناس جرحهم لرجل ما أن يذكروا مساوئه مقرونة بمحاسنه ولا يشعرون أن ذكرهم لمحاسنه يجعل الناس يتمسكون به أكثر فتشتد بذلك البلوى كما قال الأستاذ شاكر -رحمه الله- في مقال (( ألسنة المفترين )): ( وتشتد البلوى حين ينتصب لهذا التزوير المدمر رجال يلبسون للناس ثياب الغيرة على دين ربهم, والحمية لماضي أمتهم, والجهاد في سبيل إعزاز هذا الدين بأنفسهم وألسنتهم. وتجتمع عليهم وعلى الناس صواعق الهلاك, حين يخدع عامةَ الناس أمرُهم فيتلقون عنهم معاني وأحكاماً وأخباراً, وما شئت من حصائد الألسنة, على غير هدى ولا بينة). اهـ

وهذا الكلام قد قاله الأستاذ محمود بن شاكر في سيد قطب وأمثاله , فليعلم الجميع , ولا نريد تلبيساً ولا تدليساً حتى لا نضيع.