مسائل في آداب تلاوة القرآن

مسائل في آداب تلاوة القرآن وحفظته

محمد أبو شهبة

لقد أفرد هذه الآداب بعض العلماء منهم الإمام النووي في كتابه التبيان وقد ذكر فيه وفي شرح المهذب وفي كتابه الأذكار جملة كبيرة منها:
وقد لخصها، وفصلها، وزاد عليها أضعافا مضاعفة الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن.
وسأذكر في هذا الفصل خلاصة ما ذكره السيوطي، وربما زدت عليها زيادات وتعقبات وتوضيحات لما أجمل وإزالة إشكال ما يشكل، فأقول وبالله التوفيق:

.1- قراءة القرآن من أفضل القربات إلى الله:

وأعظمها بركة، وأجلها نفعا، والقرآن الكريم هو الكتاب المتعبد بتلاوته، ويستحب الإكثار من قراءته، لأنه يرقق القلوب، ويشرح الصدور، ويزيل الهموم، ويكشف الغموم، وقد روي في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار...»
وروى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، «يقول الرب سبحانه وتعالى من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه»إلى غير ذلك من الأحاديث التي سقناها في الدواعي والأسباب الحاملة على حفظ القرآن.
وقد كان للسلف في قدر القراءة عادات، فأكثر ما ورد في كثرة القراءة من كان يختم في اليوم والليلة ثمان ختمات أربعا في الليل وأربعا في النهار ويليه من كان يختم في اليوم والليلة أربعا، ويليه ثلاثا، ويليه ختمتين، ويليه ختمة، وقد ذمت السيدة عائشة ذلك؛ فأخرج ابن أبي داود، عن مسلم بن مخراق قال: قلت لعائشة إن رجالا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثة، فقالت: قرءوا أو لم يقرءوا، كنت أقوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليلة التمام فيقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا ورغب، ولا بآية فيها تخويف إلا دعا، واستعاذ.
ويلى ذلك من كان يختم في ليلتين، ويليه من كان يختم في كل ثلاث وهو حسن، وكره جماعات الختم في أقل من ذلك لما روى أبو داود والترمذي وصححه من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»وأخرج ابن أبي داود، وسعيد بن منصور، عن ابن مسعود موقوفا عليه قال: «اقرءوا القرآن في سبع ولا تقرءوه في أقل من ثلاث».
وأخرج أبو عبيد، عن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث.
ويليه من ختم في أربع، ثم في خمس، ثم في ست، ثم في سبع، وهذا أوسط الأمور وأحسنها؛ وهو فعل الأكثرين من الصحابة وغيرهم، وأخرج الشيخان عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ القرآن في شهر»، قلت: إني أجد قوة، قال: «اقرأه في عشر» قلت: إني أجد قوة قال: «اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك» وفي بعض الروايات مراجعات منه للنبي فيما كان يشير به عليه حتى انتهى الأمر إلى السبع، قال الحافظ في الفتح: وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم كما أن الأمر ليس على الوجوب.
وفي الصحيح أيضا أنه ندم على ذلك لما كبر وقال: فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أني كبرت، وضعفت.
ويلي ذلك من ختم في ثمان، ثم في عشر، ثم في شهر، ثم في شهرين أخرج ابن أبي داود، عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرءون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: من قرأ القرآن في كل سنة مرتين فقد أدى حقه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرض القرآن على جبريل في السنة التي قبض فيها مرتين، أقول: ولكن عرض القرآن على جبريل لا ينافي أنه كان يقرأه وحده من غير عرض.
وكره بعض العلماء تأخير ختمه أكثر من أربعين يوما بلا عذر، نص على ذلك الإمام أحمد؛ لأن عبد الله بن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم في كم تختم القرآن قال: «في أربعين يوما» رواه أبو داود.
أقول: وليس في الحديث ما يدل على كراهة الختم في أكثر من أربعين والعبارة ليست حاصرة حتى يكون ما عداها ليس من سنته، وغاية ما يدل عليه أن ذلك كان حالة من حالاته، أو أنه كان الغالب منها.
ويعجبني في هذا ما قاله الإمام النووي في الأذكار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ، وكذلك من كان مشغولا بنشر العلم، أو فصل الحكومات، أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، ولا فوات كماله وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل أو الهذرمة في القراءة، وهو تفصيل حسن.

.2- نسيانه كبيرة:

نسيانه كما قلنا سابقا كبيرة صرح بذلك الإمام النووي في الروضة وغيرها للحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها»وروي أيضا: «من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أجذم» وفي الصحيحين مرفوعا: «تعاهدوا القرآن، فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها».

.3- استحباب الوضوء لقراءته:

يستحب الوضوء لقراءة القرآن؛ لأنه أفضل الأذكار؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يذكر الله إلا على طهر، كما ثبت في الحديث.
قال إمام الحرمين: ولا تكره القراءة للمحدث؛ لأنه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث، قال في شرح المهذب: وإذا كان يقرأ فعرضت له ريح أمسك عن القراءة حتى يستتم خروجها.
وأما الجنب، والحائض والنفساء فتحرم عليهم القراءة نعم يجوز لهم النظر وإمراره على القلب، وأما متنجس الفم فتكره له القراءة، وقيل:
تحرم كمس المصحف باليد النجسة، وأما مس المصحف بغير حائل فيحرم على الجنب، والحائض والنفساء، وأما حملهم له في حقيبة أو كيس من غير ملامسة فجوزه الجمهور سلفا وخلفا، وشذ بعض العلماء فأجاز مسه للجنب والحائض، وطعن في الأحاديث الواردة في ذلك بأنها لم يصح منها شيء وقد رد عليه بعض الأئمة بأن أكثرها صحاح: فمن ذلك ما رواه الدارقطني بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» ومنها قصة فاطمة بنت الخطاب مع أخيها عمر في طلبه منها الصحيفة التي فيها قرآن، فأبت وقالت له: إنك نجس ولا يمسه إلا المطهرون... رواها الدارقطني وأصحاب السير.

.4- مسنونية قراءته في مكان طاهر:

تسن القراءة في مكان نظيف، وأفضله المسجد، وكره قوم القراءة في الحمام والطريق، قال النووي: ومذهبنا لا تكره فيهما، قال: وكرهها الشعبي في الحش، وبيت الرحا وهي تدور قال: وهو مقتضى مذهبنا.
ولعل مراد الشعبي بالكراهة، الكراهة التحريمية، وأحر بها أن تكون في الحش محرمة.

.5- استحباب استقبال القبلة حين قراءته:

يستحب لقارئ القرآن أن يجلس مستقبلا القبلة، متخشعا، متحليا بالسكينة والوقار، مطرقا رأسه كما هو شأن الخاشع المتذلل بين يدي ربه.
كما يسن أن يستاك تعظيما للقرآن الكريم وتطهيرا لفمه؛ لأنه وسيلة النطق به، والمعبر الذي تخرج منه، وقد روى ابن ماجه عن عليّ موقوفا، والبزار بسند جيد عنه، مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك» قال السيوطي: لو قطع القراءة، وعاد من قرب فمقتضى استحباب التعوذ، إعادة السواك أيضا.

.6- سنية التعوذ قبل القراءة:

يسن التعوذ قبل القراءة، قال تعالى: {فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ} أي: أردت قراءته، وشذ البعض فذهب إلى أنه يتعوذ بعدها لظاهر الآية وذهب، قوم إلى وجوبها لظاهر الأمر، قال الإمام النووي: فلو مر على قوم سلم عليهم، وعاد إلى القراءة، فإن أعاد التعوذ كان حسنا.
وصفته المختارة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكان جماعة من السلف يزيدون السميع العليم، وعن حمزة القارئ: أستعيذ ونستعيذ واستعذت، واختاره صاحب الهداية من الحنفية لمطابقة لفظ القرآن.
وعن حميد بن قيس: أعوذ بالله القادر من الشيطان الغادر، وعن أبي السمال: أعوذ بالله القوي، من الشيطان الغوي، وعن قوم أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، وعن آخرين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم، وفيها ألفاظ أخر... قال الحلواني في جامعه: ليس للاستعاذة حد ينتهى إليه، من شاء زاد، ومن شاء نقص.
وفي النشر لابن الجزري: المختار عند أئمة القراءة، الجهر بها، وقيل يسر مطلقا، وقيل: فيما عدا الفاتحة، قال: وقد أطلقوا اختيار الجهر بها، وقيده أبو شامة بقيد لابد منه، وهو أن يكون بحضرة من يسمعه؛ قال: لأن الجهر بالتعوذ إظهار شعار القراءة كالجهر بالتلبية، وتكبيرات العيدين أقول: والشيء إذا صار شعارا من شعارات الإسلام، فالأفضل إعلانه ومن فوائد الجهر أن السامع ينصت للقراءة من أولها لا يفوته منها شيء، وإذا أخفى التعوذ لم يعلم السامع بها إلا بعد أن فاته من المقروء شيء، وهذا هو الفارق بين القراءة في الصلاة وخارجها.
واختلف المتأخرون في المراد بإخفائها، فالجمهور على أن المراد به الإسرار فلابد من التلفظ، وإسماع نفسه، وقيل: الكتمان بأن يذكرها بقلبه بلا تلفظ.
وإذا قطع القراءة إعراضا: أو لكلام أجنبي، ولو برد السلام، استأنفها، فإن كان يتعلق بالقراءة فلا، قال ابن الجزري: وهل هي سنة كفاية أو عين حتى لو قرأ جماعة جملة فهل يكفي استعاذة واحد منهم كالتسمية على الأكل أو لا؛ لم أر فيه نصا، والظاهر الثاني، لأن المقصود اعتصام القارئ، والتجاؤه إلى الله واعتصامه به من شر الشيطان، فلا يكون تعوذ واحد كافيا عن آخر.
أقول: إن ظاهر الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أن التسمية على الأكل سنة عين، وإنما ذهب إلى أنها سنّة كفاية الإمام الشافعي. قال الإمام النووي في الأذكار: وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فلو سمى واحد منهم أجزأ عن الباقين، نص عليه الشافعي رضي الله عنه وقد ذكرته عن جماعة في كتاب الطبقات في ترجمة الإمام الشافعي، وهو شبيه برد السلام، وتشميت العاطس فإنه يجزي فيه قول أحد الجماعة.
والذي يظهر لي أن تشبيهه بالسلام والتشميت غير ظاهر، ولا مسلم؛ لأن المقصود يحصل بدعاء واحد، أما التسمية ففائدتها تعوذ على المسمي لله، فلا يكتفي بتسمية غيره عنه، وكذلك ينبغي أن يكون الشأن في الاستعاذة، فلا يكفي فيها استعاذة غيره.

.7- قراءة البسملة:

على القارئ أن يحافظ على قراءة البسملة، أول كل سورة غير براءة؛ لأن أكثر العلماء على أنها آية، فإذا أخل بها كان تاركا لبعض الختمة عند الأكثرين، فإن قرأ من أثناء سورة استحب له أيضا، نص عليه الشافعي فيما نقله العبادي، قال الفراء ويتأكد عند قراءة نحو: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ}، {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ...} لما في ذكر ذلك بعد الاستعاذة من البشاعة، وإيهام رجوع الضمير إلى الشيطان قال ابن الجزري: والابتداء بالآي وسط براءة قل من تعرض له، وقد صرح بالبسملة فيه أبو الحسن السخاوي، ورد عليه الجعبري.

.8- هل تحتاج قراءة القرآن إلى نية:

لا تحتاج قراءة القرآن إلى نية كسائر الأذكار، إلا إذا نذرها خارج الصلاة فلابد من نية النذر أو الفرض، ولو عين الزمان، فلو تركها لم تجز، نقله القمولي في الجواهر.

.9- ترتيل القرآن:

الترتيل تبيين حروف القرآن عند القراءة، والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها، وقد روى الطبري بسند صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ} قال: بعضه في أثر بعض على تؤدة، وعن قتادة: بينه بيانا.
ويسن الترتيل في قراءة القرآن لقوله سبحانه: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4]، وقوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] أي: على تؤدة وتمهل.
وروى أبو داود وغيره عن أم سلمة أنها نعتت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم قراءة مفسرة: حرفا حرفا، وروى البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: كانت مدا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلا قال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة فقال: هذا كهذّ الشّعر إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من الـ حم.
وأخرج الآجري في حملة القرآن عن ابن مسعود: لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكون هم أحدكم آخر السورة.
وأخرج من حديث ابن عمر مرفوعا يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق في الدرجات، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها.
قال في شرح المهذب: واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع، قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزءين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل، قالوا: واستحباب الترتيل للتدبر؛ لأنه أقرب إلى الإجلال، والتوقير، وأشد تأثيرا في القلب، ولهذا يستحب للأعجمي الذي لا يفهم معناه.
وفي النشر اختلف هل الأفضل الترتيل، وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرتها وأحسن بعض أئمتنا فقال: إن ثواب قراءة الترتيل أجل قدرا، وثواب الكثرة أكثر عددا، لأن بكل حرف عشر حسنات.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف، والحركات والسكون والواجبات فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر، وأن يستويا، فإن من رتل وتأمل، كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة. ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمتها قيمة الواحدة. وقد تكون قيمة الواحدة أكبر من قيمة الأخريات. وقد يكون بالعكس، وفي البرهان للزركشي: كمال الترتيل تفخيم ألفاظه، والإبانة عن حروفه، وأن لا يدغم حرف في حرف، وقيل: هذا أقله، وأكمله أن يقرأ على منازله، فإن قرأ تهديدا لفظ به لفظ التهديد، أو تعظيما لفظ به لفظ التعظيم.
وأزيد فأقول: أو ترحيما، وترقيقا لفظ به لفظ الترحيم والترقيق، أو تعجبا لفظ به لفظ التعجب، أو تيئيسا لفظ به لفظ التأييس، أو توبيخا لفظ به لفظ التوبيخ أو إنابة وتوبة لفظ به لفظ الإنابة والتوبة، أو تندما نطق به نطق المتندم أو خشوعا وتذللا نطق به نطق الخاشع المتذلل، أو فرحا وسرورا لفظ به لفظ الفرح المسرور وهكذا، وبذلك يفسر المعاني بالجرس. ونغم الكلام.

.10- تدبر القرآن وتفهمه:

وتسن القراءة بالتدبر. والتفهم. فهو المقصود الأعظم. والمطلوب الأهم، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، قال تعالى: {كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ} [ص: 29] وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها} [محمد: 24] وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به فيعرف معنى كل آية. ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك. فإن كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر. وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل. أو عذاب أشفق وتعوذ أو تنزيه نزه وعظم. أو دعاء تضرع وطلب. أخرج مسلم عن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة فقرأها ثم النساء فقرأها، ثم ال عمران فقرأها. يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ.
وروى أبو داود والنسائي وغيرهما عن عوف بن مالك قال: قمت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقام. فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل.
ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ، وأخرج أبو داود، والترمذي حديث: «من قرأ {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} فانتهى إلى آخرها، فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين.
ومن قرأ: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ} فانتهى إلى آخرها {أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى} فليقل: بلى. ومن قرأ: والمرسلات فبلغ {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} فليقل: آمنا بالله»
.
وأخرج أحمد، وأبو داود عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال: {سبحان ربي الأعلى}.
وأخرج الترمذي، والحاكم عن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال:
«لقد قرأتها على الجن، فكانوا أحسن مردودا منكم؛ كنت كلما أتيت على قوله:
{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد»
. وأخرج أبو داود، وغيره عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {وَلَا الضَّالِّينَ} فقال: «آمين» يمد بها صوته.
وأخرج الطبراني بلفظ: «قال: آمين ثلاث مرات»، وأخرجه البيهقي بلفظ قال: «رب اغفر لي، آمين».
وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة أن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة: آمين، وأخرج عن معاذ بن جبل أنه كان إذا ختم سورة البقرة قال: آمين، وهي بالإجماع ليست من القرآن.
قال النووي: ومن الآداب إذا قرأ نحو: {وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] {وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}[المائدة: 64] أن يخفض بها صوته كذا كان النخعي يفعل.
أقول: وينبغي أن يراعي هذا الأدب في الآيات التي عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: {عَبَسَ وَتَوَلَّى}ومثل: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}.
ولا بأس بتكرير الآية وترديدها، روى النسائي وغيره عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بآية يرددها حتى أصبح: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة 118].
ويستحب البكاء عند قراءة القرآن، والتباكي لمن لا يقدر عليه، والحزن والخشوع قال تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء: 109] وفي الصحيحين حديث قراءة ابن مسعود رضي الله عنه القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً} وفيه فإذا عيناه تذرفان أي: تجريان بالدموع، وقيل: إنما بكى رسول الله رحمة لأمته، وشفقة عليهم؛ لأنه علم أنه لابد أنه يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيما، فقد يفضي إلى تعذيبهم، وقيل: لأنه تمثل أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له البكاء، وقيل: بكى فرحا بهذه المنزلة العالية التي لم يعطها أحد من الأنبياء.
وفي شعب الإيمان للبيهقي عن سعد بن مالك مرفوعا: «إن هذا القرآن نزل بحزن، وكآبة، فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا».
وفيه من مرسل عبد الملك بن عمير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني قارئ عليكم سورة، فمن بكى فله الجنة، فإن لم تبكوا فتباكوا».
وفي مسند أبي يعلى حديث: «اقرءوا القرآن بالحزن، فإنه نزل بالحزن» وعند الطبراني «أحسن الناس قراءة من إذا قرأ القرآن يتحزن».
قال النووي في شرح المهذب: وطريقة تحصيل البكاء أن يتأمل ما يقرأ من التهديد والوعيد الشديد، والمواثيق والعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها، فإن لم يحضره عند ذلك حزن، وبكاء، فليبك على فقد ذلك فإنه من المصائب وقد سبق إلى ذلك الغزالي، والبكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين، وشعار الصالحين.
وقد كان الصديق الأكبر رضي الله عنه بكاء بالقرآن، لا يملك عينيه عند قراءته كما في حديث الهجرة في صحيح البخاري.

.11- تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها:

يسن تحسين الصوت بقراءة القرآن وتزيينها، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري. وكان حسن الصوت بالقرآن. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سمعه يقرأ القرآن فأعجبه. فقال له: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير ال داود»المراد داود نفسه؛ لأنه لم ينقل أن أحدا من أولاد داود. ولا من أقاربه كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي. والمراد بالمزمار الصوت الحسن، وأصله الآلة أطلق على الصوت الحسن للمشابهة.
وروى ابن حبان وغيره: «زينوا القرآن بأصواتكم» وفي لفظ عند الدارمي: «حسنوا القرآن بأصواتكم. فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» وأخرج البزار وغيره حديث: «حسن الصوت زينة القرآن» وفيه أحاديث صحيحة كثيرة. فإن لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع بحيث لا يخرج إلى حد التمطيط.
القراءة بالألحان والتطريب، والترنيم، والنغم. وإليك الحكم في هذا؛ قال الإمام النووي: وأما القراءة بالألحان فنص الشافعي في المختصر أنه لا بأس بها. وعن رواية الربيع الجيزي أنها مكروهة. فقال أصحابه: ليس الأمر على اختلاف قولين بل على اختلاف حالين. فإن لم يخرج بالألحان على المنهج القويم جاز، وإلا حرم. وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخارجها حرم، وكذا حكى ابن حمدان الحنبلي في الرعاية وقال الغزالي والبندنيجي وصاحب الذخيرة من الحنفية: إن لم يفرط في التمطيط الذي يشوش النظم استحب وإلا فلا.
وأغرب الرافعي فحكى عن أمالي السرخسي أنه لا يضر التمطيط مطلقا.
وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهو شذوذ لا يعرج عليه.
والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح؛ ومن جملة تحسينه أن يراعى فيه قوانين النغم فإن حسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء؛ فإن وجد من يراعيهما معا فلا شك في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء.
وهو كلام من التحقيق والتدقيق بمكان، وقد فصل القول غاية التفصيل وأحسنه، وفيه الكفاية لمن يريد معرفة الحكم الشرعي في هذه المسألة التي كثر فيها الكلام، وقد ورد في هذا المعنى حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية، لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم» أخرجه الطبراني والبيهقي. ويستحب طلب القراءة من حسن الصوت والإصغاء إليها، وذلك لحديث أبي موسى الذي ذكرناه آنفا؛ ففي رواية مسلم في صحيحه وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى: «لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك البارحة» فقال أبو موسى: أما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرا؛ أي: لزينته، وحسنته تحسينا.
ولا بأس باجتماع الجماعة في القراءة ولا بإدارتها، وهي: أن يقرأ بعض الجماعة قطعة ثم البعض قطعة بعدها، ويستحب قراءته بالتفخيم لحديث الحاكم: نزل القرآن بالتفخيم. قال الحلبي: ومعناها: أن يقرأه على قراءة الرجال، ولا يخضع الصوت فيه ككلام النساء.

.12- الجهر بقراءة القرآن والإسرار أيهما أفضل:

وردت أحاديث تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة، وأحاديث تقتضي الإسرار وخفض الصوت؛ فمن الأول: حديث الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» وقوله يجهر به: تفسير من أبي سلمة بن عبد الرحمن ليتغنى، أدرج في الحديث، وفي رواية ابن عيينة تفسيره: بـ«يستغني به» وقد اختلف العلماء في معنى يتغنى على أقوال: أحدها تحسين الصوت بقراءته والجهر به، ثانيها الاستغناء، ثالثها التحزن، رابعها التشاغل، وإنما يتم الاستدلال به على المعنى الأول وهو يشهد أيضا لتحسين الصوت بالقرآن.
ومن الثاني: حديث أبي داود والترمذي والنسائي «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة»، قال النووي: والجمع بينهما أن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو تأذى مصلون، أو نيام بجهره، والجهر أفضل في غير ذلك؛ لأن العمل فيه أكثر؛ ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم ويزيد في النشاط ويدل لهذا الجمع حديث أبي داود بسند صحيح عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة». وقال بعضهم: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها؛ لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار.

.13- أيهما أفضل القراءة من المصحف أم من الحفظ:

قال السيوطي: القراءة في المصحف أفضل من القراءة من حفظه؛ لأن النظر فيه عبادة، وقال النووي: هكذا قال أصحابنا، والسلف أيضا، ولم أر فيه خلافا، ثم قال: ولو قيل: إنه يختلف باختلاف الأشخاص، فيختار القراءة فيه لمن استوى خشوعه وتدبره في حالتي القراءة فيه ومن الحفظ ويختار القراءة من الحفظ لمن يكمل بذلك خشوعه، ويزيد على خشوعه وتدبره لو قرأ من المصحف- لكان هذا قولا حسنا قال السيوطي: ومن أدلة القراءة في المصحف ما أخرجه الطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أوس الثقفي مرفوعا: «قراءة الرجل في غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف تضاعف ألفي درجة».
وأخرج أبو عبيد بسند صحيح: «فضل قراءة القرآن نظرا على ما يقرأه ظاهرا. كفضل الفريضة على النافلة» وأخرج البيهقي عن ابن مسعود مرفوعا: «من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف» وقال: إنه منكر، أقول.. والمنكر لا يحتج به، وأخرج بسند حسن عنه موقوفا: «أديموا النظر في المصحف».
وحكى الزركشي في البرهان ما بحثه النووي قولا: وحكى معه قولا ثالثا أن من الحفظ أفضل مطلقا، وأن ابن عبد السلام اختاره؛ لأن فيه من التدبير ما لا يحصل بالقراءة من المصحف، وأنا أميل إلى هذا القول، وأرجحه لما فيه أيضا من تثبيت المحفوظ والتأكيد منه ولا كذلك لو قرأ من المصحف.

.14- قال في التبيان:

إذا ارتج على القارئ فلم يدر ما بعد الموضع الذي انتهى إليه، فسأل عنه غيره: فينبغي له أن يتأدب بما جاء عن ابن مسعود والنخعي، وبشير ابن أبي مسعود قالوا: إذا سأل أحدكم أخاه عن آية فليقرأ ما قبلها ثم يسكت ولا يقول: كيف كذا وكذا فإنه يلبس عليه، وقال ابن مجاهد: إذا شك القارئ في حرف هل هو بالتاء، أو بالياء فليقرأه بالياء فإن القرآن مذكر، وإن شك في حرف هل هو مهموز، أو غير مهموز فليترك الهمزة وإن شك في حرف هل يكون موصولا، أو مقطوعا فليقرأ بالوصل وإن شك في حرف هل هو ممدود، أو مقصور، فليقرأ بالقصر، وإن شك في حرف هل هو مفتوح أو مكسور، فليقرأ بالفتح؛ لأن الأول غير لحن في موضع والثاني لحن في بعض المواضع.
قال السيوطي: أخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: إذا اختلفتم في ياء وتاء فاجعلوها ياء، ذكروا القرآن، ففهم منه ثعلب أن ما احتمل تذكيره وتأنيثه كان تذكيره أجود، ورد بأنه يمتنع إرادة تذكير غير الحقيقي التأنيث لكثرة ما في القرآن منه بالتأنيث نحو: {النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ}، {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}، {قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ} وإذا امتنع إرادة غير الحقيقي، فالحقيقي أولى؛ قالوا: ولا يستقيم إرادة أن ما احتمل التذكير والتأنيث غلب فيه التذكير؛ كقوله تعالى: {وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ}،{أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ} فأنث مع جواز التذكير قال تعالى: {أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ}، {مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ} قالوا: فليس المراد ما فهم بل المراد يذكروا بالموعظة والدعاء، كما قال تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ} إلا أنه حذف الجار؛ والمقصود ذكروا الناس بالقرآن، أي: ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه قال السيوطي: أول الأثر يمنع هذا الحمل.
وقال الواحدي: الأمر ما ذهب إليه ثعلب، والمراد أنه إذا احتمل اللفظ التذكير والتأنيث ولم يحتج في التذكير إلى مخالفة المصحف ذكر نحو وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ قال: ويدل على إرادة هذا أن أصحاب عبد الله بن مسعود من قراء الكوفة كحمزة والكسائي، ذهبوا إلى هذا، فقرءوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير، نحو يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وهذا في غير الحقيقي.
أقول: ولست من هذا الذي ذكروه على ثلج، ولا اطمئنان، فالنص القرآني لا يجوز فيه الاجتهاد، ولا إبدال حرف منه بآخر، ولا كلمة بأخرى ولا يجوز التصرف في حروفه إلا في حدود ما تلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وتلقاه النبي عن رب العزة عن طريق جبريل. ومن شك في حرف أهو بالياء أم بالتاء، وأ هو بالتذكير أم بالتأنيث فليمسك عن قراءته، وليرجع إلى المصحف. أو إلى حافظ ليتأكد من النص القرآني، نعم: ما فيه قراءتان أو أكثر فله أن يقرأه بإحداهما. ولعل أثر ابن مسعود رضي الله عنه إن صح محمول على ما فيه أكثر من قراءة من هذا القبيل فيؤثر قراءة التذكير على التأنيث. لا أنه يقول ذلك ما دام يجوز لغة؛ لأن كثيرا مما جاز لغة لم يجز قراءة؛ وإنما القراءات في حدود المأثور. المنقول بالتواتر. وما من قراءة إلا ولها وجه في اللغة العربية.

.15- هل يجوز قطع القراءة لمكالمة أحد:

يكره قطع القراءة لمكالمة أحد. وعلل ذلك الحليمي بأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام غيره. وأيده البيهقي بما روي في الصحيح: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، ويكره أيضا الضحك والعبث. والنظر إلى ما يلهي فإن اضطر إلى مكالمة أحد. أو إلى أي عمل فليختم، فإذا فرغ تعوذ وبدأ من حيث انتهى.

.16- لا يجوز قراءة القرآن بالعجمية:

مطلقا سواء أحسن العربية أم لا، في الصلاة أم خارجها، وعن أبي حنيفة أنه يجوز مطلقا. وعن أبي يوسف ومحمد لمن لا يحسن العربية لكن في شارح البزدوي أن أبا حنيفة رجع عن ذلك، أقول: نعمّا صنع الإمام أبو حنيفة حينما رجع عن ذلك والرجوع إلى الحق فضيلة وهو اللائق بالإمام الجليل.
ووجه المنع وعدم الجواز أنه يذهب إعجازه المقصود منه، والذي هو من أخص خصائص القرآن، والله سبحانه الذي وحد المسلمين تحت راية القرآن يجب أن تتوحد ألسنتهم بلغة القرآن، اللغة العربية الشريفة، ولو جوزنا ذلك لفات هذا الغرض الشريف.
وإلى المنع ذهب الإمام القفال من الشافعية، وكان يقول: إن القراءة بالفارسية لا تتصور؛ فقيل له: فإذا لا يقدر أحد أن يفسر القرآن!!
فقال: ليس كذلك؛ لأن المفسر يجوز أن يأتي ببعض مراد الله، ويعجز عن البعض، أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله تعالى؛ لأن الترجمة إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها، وذلك غير ممكن، بخلاف التفسير.
أقول: وما ذكره القفال هو الحق، والذي يجب أن يفتى به؛ فالترجمة الحرفية للقرآن غير ممكنة، أما الترجمة التفسيرية، أو إن شئت الدقة فقل ترجمة تفسيره فهي ممكنة وجائزة.

.17- لا تجوز القراءة بالشاذ من القراءات:

وهو ما لم يصح سنده وذلك مثل القراءة الشاذة ملك يوم الدّين على أن ملك فعل ماض، ونصب يوم وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، لكن ذكر موهوب الجزري جوازها في غير الصلاة قياسا على جواز رواية الحديث بالمعنى.
أقول: وما قاله موهوب غير مسلم. والقياس على الرواية بالمعنى قياس مع الفارق، فإن اللفظ في القرآن ركن من أركانه، ولا يتحقق كونه قرآنا إلا به، ولا كذلك الأحاديث، فإن لفظها ليس معجزا والمعول عليه فيها المعنى دون اللفظ، وإن كانت الرواية باللفظ أولى وأفضل عند الجمهور لمن يتيقن منه وحفظه.

.مراعاة ترتيب المصحف في القراءة:

الأولى والأفضل أن يقرأ القارئ على ترتيب المصحف؛ لأن هذا الترتيب ارتضاه الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم.
قال في شرح المهذب: لأن ترتيبه لحكمة فلا يتركها إلا فيم ورد فيه الشرع كصلاة صبح يوم الجمعة بـ {ألم * تنزيل}يعني السجدة و{هَلْ أَتى} يعني سورة الإنسان، ونظائره، فلو فرق السور، أو عكسها جاز، ولكن قد ترك الأفضل.
وقال أيضا: أما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفق على منعه؛ لأنه يذهب بعض أنواع الإعجاز يعني التناسب البلاغي بين الآيات ويزيل حكمة الترتيب.
قال السيوطي: وفيه أثر: أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوسا قال: ذاك منكوس القلب.
وأما خلط سورة بسورة فعد الحليمي تركه من الآداب لما أخرجه أبو عبيدة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ببلال وهو يقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة فقال: «يا بلال مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة» قال: خلطت الطيب بالطيب فقال: «اقرأ السورة على وجهها»، أو قال: «على نحوها»، مرسل صحيح، وهو عند أبي داود موصول عن أبي هريرة بدون آخره. وأخرجه أبو عبيدة من وجه آخر عن عمر بن عفرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «إذا قرأت السورة، فأنفذها» وقال: حدثنا معاذ عن ابن عوف: قال: سألت ابن سيرين عن الرجل يقرأ من السورة آيتين ثم يدعها ويأخذ في غيرها قال: ليتق أحدكم أن يأثم إثما كبيرا وهو لا يشعر، وأخرج عن ابن مسعود قال: إذا ابتدأت في سورة فأردت أن تتحول منها إلى غيرها فتحول إلى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} فإذا ابتدأت فيها فلا تتحول حتى تختمها. وأخرج عن ابن أبي الهزيل قال: كانوا يكرهون أن يقرءوا بعض الآية ويدعوا بعضها قال أبو عبيد: الأمر عندنا على قراءة الآيات المختلفة، كما أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بلال، وكما أنكره ابن سيرين على من سأله.
وأما حديث عبد الله بن مسعود فوجهه عندي أن يبتدئ الرجل في السورة يريد إتمامها، ثم يبدو له في أخرى، فأما من ابتدأ القراءة وهو يريد التنقل من آية إلى آية، وترك التأليف لآي القرآن، فإنما يفعله من لا علم له؛ لأن الله لو شاء لأنزله على ذلك.
وقد نقل القاضي أبو بكر الإجماع على عدم جواز قراءة آية آية من كل سورة.
قال البيهقي: وأحسن ما يحتج به أن يقال: إن هذا التأليف لكتاب الله مأخوذ من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذه عن جبريل فالأولى للقارئ أن يقرأه على التأليف المنقول وقد قال ابن سيرين: تأليف الله خير من تأليفكم.
أقول: والتنقل من آية إلى أخرى ومن سورة إلى أخرى من غير داع يفعله بعض القراء اليوم وبعضهم قد يترك آية تخويف أو زجر ويقرأ ما بعدها، وبعضهم يترك آية السجدة ويستمر في القراءة، والبعض يبدأ حيث لا ينبغي البدء، أو يقف حيث لا يتم الكلام، ومن ذلك أن بعضهم إذا قرأ سورة مريم يبدأ بقوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} ويدع{كهيعص} ولا أدري لم هذا ولعل فيما ذكرناه عن السلف وأهل العلم ما يكون فيه مدكر لهم ووازع يزعهم.

.19- استيفاء حروف القراءات:

قال الحليمي: يسن استيفاء كل حرف- أي قراءة- أثبته قارئ ليكون قد أتى على جميع ما هو قرآ.
وقال ابن الصلاح والنووي: إذا ابتدأ بقراءة أحد من القراء فينبغي أن لا يزال على تلك القراءة ما دام الكلام مرتبطا، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة أخرى، والأولى دوامه على الأولى في هذا المجلس.
وقال غيرهما بالمنع مطلقا يعني سواء أكان الكلام مرتبطا بعضه ببعض في المعنى أم لا، قال ابن الجزري: والصواب أن يقال إن كانت إحدى القراءتين منع ذلك منع تحريم؛ كمن يقرأ: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ} برفعهما أو نصبهما، أخذ رفع آدَمُ من قراءة غير ابن كثير وأخذ رفع {كَلِماتٍ} من قراءته، ونحو ذلك مما لا يجوز في العربية واللغة.
وما لم يكن كذلك فرق فيه بين مقام الرواية، وغيرها، فإن كان على سبيل الرواية حرم أيضا؛ لأنه كذب في الرواية، وتخليط، وإن كان على سبيل التلاوة جاز.
أقول: ولعل في هذا زاجرا، وواعظا لبعض القراء الذين يذهبون جمال القرآن بذكر القراءات في اللفظة الواحدة من غير فصل بين قراءة وأخرى، ويريدون إظهار المهارة في القراءات: وما هو- علم الله- من المهارة في شيء، وإنما هو إغراب وإشكال على السامعين، وعدم مراعاة لما يليق بالقرآن، والتأدب في قراءته.

.20- الاستماع للقرآن والإنصات إليه:

يسن الاستماع لقراءة القرآن وترك الكلام والحديث مع الغير واللفظ عند القراءة، والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 304].
وظاهر الأمر للوجوب، وإلى هذا ذهب بعض السلف والعلماء، والجمهور على أنه سنة وليس بواجب في غير الصلاة؛ وذلك لأن الآية نزلت في استماع المأموم عند قراءة الإمام؛ منهم من عمم ذلك في الجهرية والسرية، ومنهم من فرق بين السرية والجهرية، فأوجب القراءة في الأولى دون الثانية ومنهم من لم يفرق بينهما وأوجب القراءة فيهما، والمراد بالاستماع التأمل والتفكير فيه، ولما كان الاستماع قد يكون مع السكوت، وقد يكون مع النطق بكلام آخر لا يحول بين المتكلم وبين فهم ما يسمع عقب الله سبحانه ذلك بالأمر بالإنصات وهو عدم الكلام.
وكذلك الإنصات قد يكون مع الاستماع؛ أي: التدبر فيما يسمع والتفكر فيه، وقد يكون مع عدم الاستماع، كأن يكون مفكرا في أمر آخر فمن ثم جمع الله سبحانه وتعالى بينهما؛ لأن المراد الإنصات، مع التدبر والتفكر، فلا يغني أحدهما عن الآخر؛ وقيل المراد بالاستماع الإجابة والعمل، فعلى سامع القرآن أن ينصت؛ ثم يكون العلم والعمل.
ومهما يكن من شيء فالإصغاء والاستماع عند قراءة القرآن من الآداب التي ينبغي مراعاتها على كل مسلم تجاه القرآن الذي هو كلام الله.
وعسى أن يكون في هذا وازع يزع هؤلاء الذين يرفعون أصواتهم بألفاظ الاستحسان عند سماع القرآن كأنما يستمعون إلى مغن أو مغنية، والله يعلم أنهم لا يعون شيئا مما يسمعون، ومما يزيد الطين بلة أنهم يرفعون أصواتهم المنكرة في المساجد التي هي بيوت الله؛ فلا يراعون لبيوت الله حرمة، كما لا يراعون لكلامه حرمة.

.21- السجود عند قراءة آية سجدة:

يسن السجود عند قراءة آية من آيات السجدة في القرآن الكريم.
وإلى هذا ذهب الجمهور من العلماء على اختلاف بينهم في أعداد هذه الآيات التي يسجد عندها، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى وجوب السجود للتلاوة، والواجب عنده فوق السنة، ودون الفرض على ما هو اصطلاحه في هذا.
وآيات السجدة ذكرت في خمسة عشر موضعا وهي:
(1) في الأعراف.
(2) والرعد.
(3) والنحل.
(4) والإسراء.
(5) ومريم.
(6، 7) وفي الحج سجدتان.
(8) والفرقان.
(9) والنمل.
(10) و{الم * تنزيل}.
(11) {ص}.
(12) و{حم} فصلت.
(13) والنجم.
(14) و{إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ}.
(15) و{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}.
وقد اختلفت أقوال العلماء في مواضع السجود من هذه المواضع، فذهب الإمام أحمد وآخرون إلى السجود في هذه المواضع الخمسة عشر وذهب الإمام أبو حنيفة وآخرون إلى السجود في أربعة عشر موضعا فعدها كلها إلا سجدة الحج الثانية؛ واعتبر سجدة ص من عزائم السجود.
وذهب الإمام الشافعي وطائفة إلى السجود في أربعة عشر موضعا أيضا غير أنه عد آيتي الحج وترك آية ص، وقالوا أنها سجدة شكر وليس من عزائم السجود.
وذهب الإمام مالك وآخرون إلى السجود في أحد عشر موضعا فأسقط سجدات المفصل- النجم، والانشقاق، واقرأ- وسجدة (ص)، ومواضع السجدات معروفة ومشار إليها في معظم المصاحف، إن لم يكن كلها، واختلفوا في موضع سجدة (حم فصلت)، فقال مالك وطائفة من السلف هي عقب قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وقال أبو حنيفة والشافعي- رحمهما الله- والجمهور إلى أنها عقب قوله تعالى: {وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} وسجود التلاوة واجبا كان أم سنة- على القارئ، والمستمع له ويستحب أيضا للسامع الذي لا يسمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي.

.22- اختيار أفضل الأوقات للقراءة:

قال الإمام النووي: الأوقات المختارة للقراءة أفضلها ما كان في الصلاة، ثم الليل ثم نصفه الأخير، وهي بين المغرب والعشاء محبوبة، وأفضل النهار بعد الصبح ولا تكره في شيء من الأوقات لمعنى فيه، وأما ما رواه ابن أبي داود عن معاذ بن رفاعة عن مشايخه أنهم كرهوا القراءة بعد العصر، وقالوا: هو دراسة يهود فغير مقبول، ولا أصل له، ونختار من الأيام يوم عرفة، ثم الجمعة، والاثنين، والخميس، ومن الأعشار العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، ومن الشهور رمضان، ونختار لابتدائه ليلة الجمعة، ونختمه ليلة الخميس، فقد روى ابن أبي داود عن عثمان بن عفان أنه كان يفعل ذلك، والأفضل، الختم أول النهار، أو أول الليل لما رواه الدارمي بسند حسن عن سعد بن أبي وقاص قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، قال في الإحياء: ويكون الختم أول النهار في ركعتي الفجر وأول الليل في ركعتي سنة المغرب، وعن ابن المبارك يستحب الختم في الشتاء أول الليل، وفي الصيف أول النهار، وهي آراء على سبيل الاستحباب لا على سبيل الإلزام، ولا أدري ما وجه تفرقة ابن المبارك بين الشتاء والصيف، ويسن صوم يوم الختم، أخرجه ابن أبي داود عن جماعة من التابعين، ويستحب أن يحضر أهله وأصدقاؤه، أخرج الطبراني عن أنس أنه كان إذا ختم القرءان جمع أهله ودعا. وأخرج ابن ابي داود عن الحكم بن عتيبة قال: أرسل إليّ مجاهد، وعنده ابن ابي أمامة وقالا: إنا أرسلنا إليك، لأنا أردنا أن نختم القرآن، ويقول: عنده تنزل الرحمة.

.23- التكبير عند قراءة السور القصار من القرآن:

يستحب التكبير من الضحى إلى آخر القرآن، وهي قراءة المكيين، والدليل على هذا ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وابن خزيمة من طريق ابن أبي بزة قال: سمعت عكرمة بن سليمان قال: قرأت على إسماعيل بن عبد الله المكي فلما بلغت الضحى قال: كبر حتى تختم، فإني قرأت على عبد الله بن كثير فأمرني بذلك، وقال: قرأت على مجاهد فأمرني بذلك، وأخبر مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبر ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب، فأمره بذلك، كذا أخرجناه موقوفا، ثم أخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن أبي بزة مرفوعا، وأخرجه من هذا الوجه- أعني المرفوع- الحاكم في مستدركه، وصححه، وله طرق كثيرة عن البزي وعن موسى بن هارون قال: قال لي البزي: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: إن تركت التكبير فقد تركت سنة من سنن نبيك، قال الحافظ عماد الدين بن كثير وهذا يقتضي تصحيحه للحديث.
وقد اختلفت وجهة العلماء في السر في هذا التكبير، فروى أبو العلاء الهمداني عن البزي، أن الأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم انقطع عنه الوحي فقال المشركون: قلا محمدا ربّه، فنزلت سورة الضحى، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن كثير: ولم يرد ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف.
وقال الحليمي: نكتة التكبير التشبيه للقراءة بصوم رمضان، إذا أكمل عدته يكبر، فكذا هنا يكبر إذا أكمل عدة السورة، قال: وصفته أن يقف بعد كل سورة وقفة قصيرة، ويقول: الله أكبر، وكذا قال سليم الرازي من الشافعية في تفسيره: يكبر بين كل سورتين تكبيرة، ولا يصل آخر السورة بالتكبير بل يفصل بينهما بسكتة، قال: ومن لا يكبر من القراء حجتهم أن في ذلك ذريعة إلى الزيادة في القرآن، بأن يداوم عليه فيتوهم أنه منه. وكذلك اختلفوا في ابتدائه، أهو من أول الضحى، أم من آخرها، وفي انتهائه.
أهو أول سورة الناس أم آخرها، وفي وصله بأولها، أو آخرها وقطعه، والخلاف في الكل مبني على أصل، وهو: أهو لأول السورة أم لآخرها وفي لفظه. فقيل: الله أكبر وقيل: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسواء في التكبير في الصلاة، وخارجها، صرح به السخاوي وأبو شامة.

.24- الدعاء عند الختم:

يسن الدعاء عقب الختم وذلك لحديث الطبراني، وغيره عن العرباض بن سارية مرفوعا: «من ختم القرآن فله دعوة مستجابة» وفي شعب الإيمان، من حديث أنس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن وحمد الرب وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، واستغفر ربه، فقد طلب الخير مكانه».

.25- الشروع في ختمة جديدة إذا فرغ من الختمة:

يسن إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقب الختم؛ لحديث الترمذي وغيره مرفوعا: «أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل، الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما أحل ارتحل».
وأخرج الدارمي بسند حسن عن ابن عباس عن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} افتتح من الحمد، ثم قرأ من البقرة إلى {وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ثم دعا بدعاء الختمة، ثم قام. وقد جرى عمل الناس أنهم إذا وصلوا إلى سورة الإخلاص كرروها ثلاثا وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه منع من تكريرها عند الختم.
أقول: ولعل وجهة نظر الإمام أن لا يظن ظان أنها نزلت هكذا مكررة وقال بعضهم: الحكمة فيه ما ورد أنها تعدل ثلث القرآن، فيحصل بذلك ختمة، فإن قيل: كان ينبغي أن تقرأ أربعا ليحصل له ختمتان قلنا: المقصود أن يكون على يقين من ختمة إما التي قرأها، وإما التي حصل على ثوابها بتكرار، قال السيوطي: وحاصل ذلك يرجع إلى جبر ما لعله حصل في القراءة من خلل وكما قاس الحليمي التكبير عند الختم على التكبير عند إكمال رمضان فينبغي أن يقاس تكرير سورة الإخلاص على إتباع رمضان بست من شوال.

.حكم التكسب بالقرآن:

يكره اتخاذ القرآن معيشة يتكسب بها أي: بقراءته أن لا يكون له عمل غيره أو بالتسول به كما يفعل بعض الناس، والدليل على هذا ما أخرجه الآجري من حديث عمران بن الحصين مرفوعا: «من قرأ القرآن، فليسأل الله به فإنه سيأتي قوم يقرءون القرآن يسألون الناس به» وقد أخرج أبو عبيد، في فضائل القرآن عن أبي سعيد وصححه الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعلموا القرآن، واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرأه لله» وأخرج أحمد وأبو يعلى من حديث عبد الرحمن بن شبل رفعه:«اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به» الحديث، وسنده قوي كما قال الحافظ، وأخرج أبو عبيد عن عبد الله بن مسعود: سيجيء زمان يسأل فيه بالقرآن فإذا سألوكم فلا تعطوهم وروى البخاري في تاريخه الكبير بسند صالح حديث:«من قرأ القرآن عند ظالم ليرفع منه لعن بكل حرف عشر لعنات» وذلك لأنه يريد أن يصيب به دنيا من مال أو جاه أو زلفى.
ومن ثم نرى أن قراءة القرآن بأجر كما يفعل بعض القارئين اليوم، أو للتسول به حرام، أما أخذ الأجر على تحفيظ القرآن وتعليمه للناس أو بيان ما فيه من عقاب وأحكام وحكم فهذا لا شيء فيه بل فاعله مأجور وذو منزلة عند الله وإن كان من لا يأخذ عليه أجرا أعظم أجرا وأعلى منزلة عند الله، وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، رواه أيضا أصحاب السنن الأربعة.
وقد كان بعض السلف يكرهون أخذ الأجرة على إقراء القرآن، وتجويده وتعليم العلم، ولكن جمهور العلماء على جواز أخذ الأجرة على تعليم العلم والقراءة وسائر الوظائف الدينية كالإمامة والخطابة والوعظ والتذكير، لأنه لو لم يعطوا أجرا لتعطلت هذه الوظائف، ولما وجد من يقوم بها فيدرس العلم ويندر- إن لم ينعدم- العلماء، وحفظة القرآن.

.كراهية أن يقول نسيت آية كذا:

يكره أن يقول نسيت آية كذا، بل يقول أنسيتها؛ لأن الأولى تفيد التقصير في حق القرآن بخلاف الثانية فإنها لا تشعر بذلك، والأصل في ذلك ما رواه الشيخان في صحيحهما عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:«بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل نسي» أي: بضم النون وتشديد السين المكسورة مبنيا للمجهول هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاري، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في الغريب بعد قوله: كيت وكيت ليس هو نسي ولكنه نسى، الأول بفتح النون، وتخفيف السين، والثاني بضم النون وتثقيل السين، هكذا قال الحافظ في الفتح، وذكر القرطبي أنه رواه بعض رواة مسلم مخففا وقال: رواية التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه لتفريطه في معاهدته، واستذكاره، ومعنى التخفيف أن الرجل ترك غير ملتفت إليه، وهو كقوله تعالى:{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}، أي تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة.
وقد بين الحافظ في الفتح أن النهي عن قول نسيت آية كذا وكذا ليس للزجر عن هذا اللفظ، بل للزجر عن أسباب تعاطي النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ، أقول: أي: أنه من قبيل إطلاق المسبب وإرادة السبب، وهو أسلوب معروف في اللغة العربية، قال الحافظ: ويحتمل أن ينزل المنع والإباحة على حالتين:
1- فمن نشأ نسيانه عن اشتغال بأمر ديني كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك لأن النسيان لم ينشأ عن إهمال ديني، وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من نسبة النسيان إلى نفسه كما ورد في الحديث الصحيح ويكون النهي للتنزيه.
2- ومن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوي، ولاسيما إن كان محظورا امتنع عليه لتعاطي أسباب النسيان.

.اختلاف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن للميت:

اختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن للميت، قال السيوطي:
الأئمة الثلاثة على وصول ثواب القراءة للميت، ومذهبنا- أي الشافعية- خلافه لقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى} [النجم: 39].
وإليك ما ذكره الإمام الآلوسي في تفسيره لهذه الآية فقد ذكر كلاما حسنا في هذا المقام قال: ويعلم من مجموع ما تقدم أن استدلال المعتزلة بالآية على أن العبد إذا جعل ثواب عمله أيّ عمل كان لغيره لا ينجعل، ويلغو جعله- غير تام.
وكذا استدلال الإمام الشافعي بها على أن ثواب القراءة لا تلحق الأموات، وهو مذهب الإمام مالك، بل قال الإمام ابن الهمام- هو من أئمة الحنفية- إن مالكا، والشافعي، لا يقولان بوصول العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة، بل غيرها كالصدقة والحج، وفي الأذكار للنووي عليه الرحمة- المشهور من مذهب الشافعي رضي الله عنه وجماعة أنها لا تصل، وذهب أحمد بن حنبل، وجماعة من العلماء، ومن أصحاب الشافعي إلى أنها تصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه:
اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان، والظاهر أنه إذا قال ذلك ونحوه كوهبت ثواب ما قرأته لفلان بقلبه كفى، وعن بعضهم اشتراط نية النيابة أول القراءة.
قال الآلوسي: وفي القلب منه شيء ثم الظاهر أن ذلك إذا لم تكن القراءة بأجرة، أما إذا كانت بها كما يفعل الناس اليوم، فإنهم يعطون حفظة القرآن أجرة ليقرءوا لموتاهم؛ فيقرءون لتلك الأجرة فلا يصل ثوابها، إذ لا ثواب لها ليصل، لحرمة أخذ الأجرة على قراءة القرآن، وإن لم يحرم لتعليمه، كما حققه خاتمة الفقهاء المحققين الشيخ محمد الأمين ابن عابدين الدمشقي رحمه الله تعالى، قال: وفي الهداية من كتاب الحج عن الغير إطلاق صحة جعل الإنسان عمله لغيره، ولو صلاة، وصوما عند أهل السنة والجماعة، وفيه ما علمت مما مر آنفا، وقال الخفاجي هو- أن كلام صاحب الهداية- محتاج إلى التحرير، وتحريره أن محل الخلاف العبادة البدنية هل تقبل النيابة فتسقط عمن لزمته بفعل غيره سواء كان بإذنه أم لا بعد حياته، أم لا، فهذا وقع في الحج كما ورد في الأحاديث الصحيحة أما الصوم فلا، وما ورد في حديث:«من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وكذا غيره من العبادات فقال الطحاوي- هو من محدثي فقهاء الحنفية- إنه كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وليس الكلام في الفدية، وإطعام الطعام فإنه بدل، وكذا إهداء الثواب سواء أكان بعينه أو مثله، فإنه دعاء، وقبوله بفضل الله عز وجل كالصدقة فاعرفه انتهى ما ذكره الآلوسي، وفي هذا القدر كفاية في هذه المسألة التي يكثر فيها السؤال دائما.
والحق أنه لا خلاف في الدعاء والصدقة لورود الأحاديث الصحيحة الكثيرة فيهما، وكذلك الحج عند الجمهور وأما الصوم ففيه الخلاف وكذا الصلاة.

.حكم الاقتباس وما جرى مجراه:

ومن المسائل المهمة معرفة حكم الاقتباس من القرآن، وإليك خلاصة ما ذكره العلماء في هذا.
قال الإمام السيوطي في الإتقان: الاقتباس تضمين الشعر أو النثر بعض القرآن لا على أنه منه بأن لا يقال فيه: قال الله تعالى ونحوه، فإن ذلك حينئذ لا يكون اقتباسا، وقد اشتهر عن المالكية تحريمه، وتشديد النكير على فاعله، وأما أهل مذهبنا- يريد الشافعية- فلم يتعرض له الأقدمون، ولا أكثر المتأخرين مع شيوع الاقتباس في أعصارهم واستعمال الشعراء قديما وحديثا.
وقد تعرض له جماعة من المتأخرين؛ فسئل عنه الشيخ عز الدين بن عبد السلام فأجازه واستدل بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله في الصلاة وغيرها:
«وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين» وقوله:
اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا اقض عني الدين، واغنني من الفقر.
وفي سياق كلام لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} وفي آخر حديث لابن عمر: قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.
وهكذا كله يدل على جوازه في مقام المواعظ، والثناء على الله، والدعاء وفي النثر، ولا دلالة فيه على جوازه في الشعر، وبينهما فرق، فإن القاضي أبا بكر من المالكية صرح بأن تضمينه في الشعر مكروه، وفي النثر جائز.
واستعمله أيضا في النثر الإمام القاضي عياض في مواضع من خطبة كتابه الشفا.
وقال الشرف إسماعيل بن المقري اليمني صاحب مختصر الروضة، في شرح بديعته ما كان منه في الخطب، والمواعظ، ومدحه صلى الله عليه وسلم وآله، وصحبه، ولو في النظم فهو مقبول، وغيره مردود.
وينبغي أن يلحق بذلك مدح الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين والسلف الصالحين والعلماء العاملين.
وقال: في شرح بديعته: الاقتباس ثلاثة أقسام: مقبول، ومباح ومردود: فالأول: ما كان في الخطب، والمواعظ، والعهود.
والثاني: ما كان في الغزل، والرسائل، والقصص.
والثالث: على ضربين أحدهما، ما نسبه الله إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه كما قيل عن أحد بني مروان أنه وقع على مطالعة فيها شكاية عماله فكتب {إن إلينا إيابهم ثم إنا علينا حسابهم} [الغاشية: 25، 26].
والآخر: تضمين آية في معنى هزل ونعوذ بالله من ذلك كقوله أحد الشعراء:
أرخى إلى عشاقه طرفه ** هيهات هيهات لما توعدون

وردفه ينطق من خلفه ** لمثل هذا فليعمل العاملون

قال السيوطي وهذا التقسيم حسن جدّا، وبه أقول، وأنا أيضا استحسنه جد الاستحسان، وبه أقول.
وقد ذكر الشيخ تاج الدين بن السبكي في طبقاته في ترجمة الإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي من كبار الشافعية، وأجلائهم أن من شعره قوله:
يا من عدى ثم اعتدى ثم اقترف ** ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف

أبشر في قول الله في آية إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

ثم عقب فقال: استعمال مثل الأستاذ أبي منصور مثل هذا الاقتباس في شعره له فائدة فإنه جليل القدر، والناس ينهون عن هذا، وربما أدى بحث بعضهم إلى أنه لا يجوز، وقيل إن ذلك إنما يفعله الشعراء الذين هم في كل واد يهيمون ويثبون على الألفاظ وثبة من لا يبالي، وهذا هو الأستاذ أبو منصور من أئمة الدين، وقد فعل هذا، وأسند عنه هذين البيتين الأستاذ أبو القاسم بن عساكر.
قال الإمام السيوطي معقبا: ليس هذان البيتان من الاقتباس لتصريحه بقوله الله، وقد قدمنا أن ذلك خارج عنه.
وأما أخوه الشيخ بهاء الدين فقال في عروس الأفراح: الورع اجتناب ذلك كله، وأن ينزه عن مثله كلام الله ورسوله.
ثم قال السيوطي: رأيت استعمال الاقتباس لأئمة أجلاء منهم الإمام أبو القاسم الرافعي وأنشده في أماليه، ورواه عنه أئمة كبار.
الملك لله الذي عنت الوجو** هـ له، وذلت عنده الأرباب

متفرد بالملك والسلطان قد ** خسر الذين تجاذبوه وخابوا

دعهم وزعم الملك يوم غرورهم ** فسيعلمون غدا من الكذاب

وروى البيهقي في شعب الإيمان عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي قال أنشدنا أحمد بن يزيد لنفسه:
سل الله من فضله، واتقه ** فإن التقى خير ما نكتسب

ومن يتق الله ينع له ** ويرزقه من حيث لا يحتسب

وأنا أميل إلى عدم استعماله في الشعر، حتى لا يتوهم متوهم أن في القرآن شعرا، وإن كان فعله هؤلاء الأئمة الكبار.
وأختم هذا الفصل القيم الذي أمتعنا به الإمام السيوطي في إتقانه بأن الكلمة من القرآن الكريم أو الآية يقتبسها المقتبس في كلامه مهما بلغ هذا الكلام من الفصاحة والبلاغة فتضفي على الكلام نورا وبهاء، وروعة وفخامة، وتكون متميزة عما قبلها وما بعدها تميز الدرة اليتيمة الثمينة بين حبات العقد، والجوهرة المتلألئة بين الحصى وحبات الرمل، وكالشمس إذا طلعت كسفت بقوة ضوئها ضوء النجوم والكواكب، وهذا سر من أسرار كتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه ولا تفنى أسراره.

.ما يجري مجرى الاقتباس:

ويقرب من الاقتباس شيئان:
أحدهما: قراءة القرآن يراد بها الكلام إجابة لسائل، أو ردا على متكلم، أو إفحاما لخصم، أو إشارة إلى ما يراد من معانيه، قال الإمام النووي في التبيان: ذكر ابن أبي داود في هذا اختلافا؛ فروى عن النخعي أنه كان يكره أن يتأول القرآن بشيء، يعرض من أمر الدنيا، وأخرج عن عمر بن الخطاب أنه قرأ في صلاة المغرب بمكة {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ} ثم رفع صوته وقال: {وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} يريد بيان أن المراد به مكة.
وأخرج حكيم بن سعد أن رجلا من المحكمة أتى عليّا، وهو في صلاة الصبح فقال: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} فأجابه في الصلاة: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ}.
وقال غيره: يكره ضرب الأمثال من القرآن صرح به من الشافعية العماد البيهقي تلميذ البغوي كما نقله ابن الصلاح في فوائد رحلته.
الثاني: التوجيه بالألفاظ القرآنية في الشعر وغيره، والتلويح بها في معانيها القرآنية، وهو جائز- كما قال السيوطي- بلا شك، قال: وروينا عن الشريف تقي الدين الحسيني أنه لما نظم قوله:
مجاز حقيقتها فاعبروا ** ولا تعمروا هونوها تهن

وما حسن بيت له زخرف ** تراه إذا زلزلت لم يكن

خشى أن يكون ارتكب حراما لاستعماله هذه الألفاظ القرآنية في الشعر فجاء إلى شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد يسأله عن ذلك، فأنشده إياهما، فقال له: قل وما حسن كهف.. فقال يا سيدي أفدتني، وأفتيتني.
Comments