مناجم النحاس


مناجم سليمان عليه السلام بين الحقيقة والخيال

بداية من هو سليمان عليه السلام ؟ وهل هو شخصية تاريخية .

تجمع الكتب المقدسة للديانات التوحيدية على أن سليمان عليه السلام هو شخصية تاريخية حقيقية عاشت خلال القرن العاشر قبل الميلاد أي قبل ثلالة ألاف عام تقريبا .

ولكن الكتب المقدسة تختلف في التفاصيل . ففي حين تؤكد التوراه بأن سليمان هو الملك الثالث للدولة اليهودية الموحدة ( بعد شاؤول و داود عليه السلام ) فإن الكتاب المقدس للإسلام ( القران الكريم ) يؤكد بأن سليمان عليه السلام جمع في شخصية واحدة النبوة والملك .

وتتفق هذه الكتب على أن سليمان عليه السلام تمتع بحكمة عظيمة بحيث أصبح لقب الحكيم مرادفا لإسمه الأول وفي الوقت ذاته فقد اشتهر بكونه يمتلك ثروات هائلة مكنته من تنفيذ برنامج إنشائي ضخم اشتمل على بناء المعابد والقصور ليس في عاصمة الدولة الموحدة فقط ولكن في العديد من المدن الأخرى في المملكة .

وتشير هذه الكتب المقدسة غلى أن أحد أهم مصادر هذه الثروات الهائلة كانت التجارة في معدن النحاس الذي كان يستخرج من المناطق المجاورة في الجانب الشرقي من وادي عربة .

ولكن ماذا عن المصادر الأثرية عن سليمان عليه السلام ؟

ولعل غياب أي ذكر لسليمان عليه السلام من المصادر التاريخية المعاصرة لفترة حكمه سواء كانت هذه المصادر مصرية ،آرامية سورية أو من بلاد مابين النهرين كان السبب الرئيسي في الجدل القائم حول تاريخية شحصية سليمان عليه السلام حيث يؤكد الكثير من الباحثين بأن هذه التاريخية غير مؤكدة على الرغم من وجود بعض المصادر التي تشير إلى وجود شخصية تاريخية مصرية هو الفرعون المصري شيشونق تأكد ذكرها في المصادر المصرية القديمة حيث ذكرت هذه المصادر بأن هذا الفرعون قد قام بحملات عسكرية ناجحة ضد دول المنطقة ( فلسطين والأردن ) كانت الغاية الأساسية منها ليس بسط السيطرة العسكرية على المنطقة ولكن إضعاف النظم السياسية الوليدة في المنطقة وذلك خلال الربع الأخير من القرن العاشر قبل الميلاد.

ولعل مما يجعل من هذه الشخصية التاريخية على درجة في غاية الأهمية كون اسم هذا الفرعون قد ذكر في التوراة تحت اسم شيشاك في الفترة التي تبعت موت سليمان عليه السلام واستلام ابنه الحكم من بعده.

وبطريقة غير مباشرة يؤكد هذا تاريخية شخصية اخرى هو الأمير الأدومي حدد الذي لجأ إلى مصر بعد قيام داود عليه السلام باحتلال أجزاء كبيرة من أدوم (الجزء الجنوبي من الأردن من نهر الحسا وحتى خليج العقبة ) وعاش في كنف الفرعون المصري وتزوج من اخت زوجة الفرعون المصري والذي عاد إلى بلاده بعد موت داود عليه السلام ليحررها من الإحتلال .

وهذا الجدل حول تاريخية شخصية سليمان عليه السلام مازال قائما حيث يتمسك الفريق الأول من الباحثين بالرأي القائل بان سليمان عليه السلام لايمكن أن يكون شخصية تاريخية وأن الروايات الدينية حول نفوذه السياسي الواسع وثرائه المذهل ماهي إلا محض روايات خيالية حيث أن ملكا بهذا النفوذ والثراء لايمكن أن يمر دون ذكر في المصادر التاريخية المعاصرة له سواء منها الخارجية أو الداخلية حيث لم يعثر على أية شواهد أثرية تؤكد وجوده . بينما يتمسك الجانب الآخر بالرأي القائل بأن سليمان عليه السلام هو شخصية تاريخية وأن الروايات عن نفوذه وثرائه هي روايات حقيقية ويؤكدون على أن تاريخيته هي قضية إيمانية وأن عدم وجود شواهد أثرية على تاريخية هذه الشخصية لا ينفي هذه التاريخية بالضرورة وإنما يعني بأن هذه الشواهد لم تكتشف بعد .

ما هي قصة مناجم سليمان عليه السلام؟

لعل بداية قصة المناجم قد ارتبطت بحقيقة الثروات الهائلة التي يعتقد بأن سليمان عليه السلام كان يمتلكها، حيث تشير الكتب الدينية بما فيها التوراة والقرآن الكريم الى ذلك بشكل واضح اما مباشرة عند تعداد ما يمتلكه من ثروات او بطريقة غير مباشرة حين تصف برنامجه العمراني واستعماله المكثف للمعادن والأحجار الثمينة في بناء المنشئات المختلفة من قصور و معابد، هذا البرنامج الذي لم يكن تنفيذه ممكنا دون توفر هذه الثروات. وتصف التوراة بالتفصيل ما استخدم في بناء المعبد وتزيينه من حجارة كريمة ومعادن نفيسة وتعرج على ذلك كتب التفاسيروالسير الاسلامية حيث تصف بناء بيت المقدس وعرش سليمان وقصوره بشكل يصعب تخيله. ولا تذكر الكتب المقدسة المصدر المباشر لهذه الثروات ولكنها تشير الى أن التجارة كانت مصدر هذه الثروات وخصوصا تجارة النحاس. وقد استثارت هذه الثروات خيال العديد من الكتاب قديما وحديثا لعل اكثرهم شهرة الكاتب البريطاني رايدر هجر الذي ألف في عام 1880 روايته المشهورة "كنوز الملك سليمان" التي لاقت رواجا كبيرا واتي أكد فيها على أن هذه الكنوز تتكون من العاج والذهب والأحجار الكريمة تستخرج من مناجم واقعة في القارة السوداء. وقد قام العديد من صانعي الأفلام بتحويل هذه الرواية إلى أفلام سينمائية لاقت إنتشارا واسعا.

وفي الثلاثينيات من القرن الماضي وأثناء المسوحات الأثرية لمنطقة أدوم في جنوب الاردن (المنطقة الواقعة بين نهر الحسا شمالا وصحراء الحسمى وخليج العقبة جنوبا) أعلن عالم الاثار الامريكي نيلسون غلوك عن عثوره على مناجم سليمان عليه السلام في منطقة فينان /وادي عربة وليس هذا وحسب بل أعلن كذلك عن العثور على الميناء التجاري على خليج العقبة الذي كان يستخدم للتصدير في موقع تل الخليفي.وقد لقي هذا الإعلان،في حينه رواجا واسعا في فترة عرفت بالعصر الذهبي لذلك الفرع من علم الاثار الذي كان يعرف بالاثار التوراتية والذي كان همه الاساسي اثبات صحة القصص التوراتية على الارض من خلال الشواهد الاثرية التى يتم العثور عليها خلال التنقيبات.

ولكن عدم التوصل الى نتائج حاسمة في هذا الموضوع، وحتى بعد مشاريع التنقيبات الموسعة في العديد من التلال الاثرية في الاراضي المقدسة في الاردن وفلسطين أدى الى ردة فعل في الاتجاه المعاكس حيث بدأ العديد من الباحثين الاثاريين حملة للابتعاد عن استخدام الكتب الدينية ومنها التوراة في تفسير السجل الاثري مع الاتجاه أكثر الى التركيز على الجانبين الفني والعلمي في تفسير المادة الاثرية حتى وصل الامر ببعض الباحثين خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي الى الرفض المطلق لاستخدام الكتب الدينية كأحد مصادر البحث العلمي التاريخي والاثاري والتشكيك الكامل في تاريخية ما ورد في الكتب الدينية من أحداث تاريخية. وقد أدى هذا بالتالي الى تهميش ما عرف بعلم الاثار التوراتية بشكلها القديم الذي اعتمد على الروايات التوراتية بشكل مطلق ووحيد في فهم الجغرافية التاريخية للاراضي المقدسة متجاهلا عقودا من التقدم العلمي في مجال العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية.

وما تم طرحه من قبلنا في جميع ما نشرناه عن نتائج الابحاث الاثرية في منطقة فينان خلال العقد الماضي تمحور وبشكل واضح حول منهجية علمية توظف تطبيقات العلوم الطبيعية، وبشكل غير مسبوق في الابحاث الاثرية وخصوصا ذلك الجزء المتعلق بالتوثيق والتوقيع الجغرافي من خلال الاستخدام الموسع لما يعرف "بنظم المعلومات الجغرافية" وكذلك بآخر المستجدات في العلوم الطبيعية في مجال تأريخ المادة ألاثرية وتحديد عمرها الزمني. ولكننا ومع اعتمادنا الرئيسي على نتائج التقدم العلمي لا يمكننا كباحثين تجاهل المصادر التاريخية المكتوبة سواء منها الكتب الدينية (العهد القديم والقرآن الكريم) أو المصادر التاريخية المكتوبة من مصر أو بلاد ما بين النهرين في التعاطي مع المادة الاثرية وتفسير السجل الاثاري للمنطقة والاحداث التاريخية التي مرت عليها وهذا لا يجعل من اي باحث يتبع هذه المنهجية "آثاريا توراتيا" باي شكل من الأشكال.

ويبقى السؤال هل يمكن ان يكون ما تم اكتشافه في جنوب الاردن من مناجم ومصاهر للنحاس مناجم سليمان عليه السلام؟

والاجابة هي أنه ليس هناك من أدلة أثرية مباشرة تربط ما بين هذه المناجم وسليمان عليه السلام وأن جل ما نملكه الان هي أدلة ظرفية زمانية ومكانية قد تربط هذه المناجم بسليمان عليه السلام، ولكن ما هو مؤكد الآن ولا يرقى اليه أي شك هي حقيقة أنه لا وجود لأية كنوز من الذهب والأحجار الكريمة في هذه المناجم ولكن الكنز الحقيقي في المنطقة هي هذه المناظر الطبيعية الخلابة التي لم تمسسها يد انسان منذ الاف السنين بالإضافة الى هذه المعالم الأثرية الفريدة من نوعها الذي يأتي تفردها ليس من كونها مناجم النحاس الوحيدة في العالم فهناك مناجم نحاس قديمة في مناطق أخرى كإسبانيا وقبرص على سبيل المثال ولكن تفرد مناجم النحاس في الاردن يأتي من كونها قد حافظت على طابعها القديم ولم تتعرض للتدمير الكلي أو الجزئي كما حدث في مناطق العالم الأخرى. وأخيرا وليس آخرا يبقى الانسان الاردني القديم والمعاصر هو الكنز الحقيقي في هذا البلد حيث تمكن انسان الاردن القديم من تطويع التكنولوجيا التي مكنته من استخراج مئات الاف الاطنان من النحاس قديما مساهما بذلك في دفع عجلة التطور التقني للبشرية جمعاء وحيث تمكن إنسان الاردن المعاصر من الحفاظ على هذه الطبيعة الخلابة من خلال دمجها في المحميات الطبيعية وعلى هذه الشواهد الاثرية الهامة والفريدة والتي تمثل قمة التطور التكنولوجي في العصور المختلفة والتي تستحق، و بكل جدارة أن تدرج على قائمة التراث الحضاري الانساني أو ما يعرف بقائمة اليونسكو كمعلم حضاري إنساني متميز وكمساهمة أردنية في التاريخ البشري كما هي البتراء وقصير عمرة وأم الرصاص
Comments