هل يفى منهج حفاظ الحديث بمتطلبات المنهج التاريخى فى مقارنة الأديان 2


عصام أنس الزفتاوى 

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

5- التحقق من شخصية صاحب الرواية أو الوثيقة :

وفى سبيل ذلك يميز الحفاظ بين مختلف المرويات من الأحاديث والآثار والمقطوعات ، كما يميزون بين طريقة تصنيفها إلى مسانيد أو معاجم أو جوامع أو أجزاء ...([1]) .

فيفرقون بين المرفوع ، والموقوف ، والمقطوع ، وما له حكم الرفع ، وما له حكم الوقف ، كل ذلك حتى لا ينسب إلى صاحب الراوية ما ليس له([2]) .

كما لا بد أن تخلو الراوية من التدليس([3]) .

ويؤكدون على أنه لا يجوز للراوى أن يروى نسخة عن شيخه ليست من سماعه ، حتى لو كان على يقين من صحتها عن شيخه([4]) .

بل وصل الأمر بهم أن وضعوا من الضوابط ما يشكف المزيد فى متصل الأسانيد ، بما لا يسمح بإدراج أى راو فى السند([5]) .

ومن جهة أخرى فقد اهتموا بشخصيات الرواة فى مختلف العصور اهتماما لا مزيد له ، بدء من شخصية النبى صلى الله عليه وسلم ، وصحابته([6]) ، ثم التابعين([7]) ، ومن بعدهم .

ولا يقف التأكد من شخصية صاحب الرواية أو الوثيقة عند هذا الحد ، بل تفننوا فى أنواع ذلك ، ودرسوا جميع الظواهر التى تعرض للرواية ، كرواية الأكابر عن الأصاغر([8]) ، ورواية القرناء([9]) ، ومعرفة الأخوة من الرواة حتى لا يختلط الثقة منهم بالضعيف ، أو الرواة عن أحدهم بالرواة عن الآخر ويكون فيهم الثقة والضعيف([10]) ، ورواية الآباء عن الأبناء([11]) ، وبالعكس([12]) .

ووصل بهم الفحص عن شخصيات الرواة أن رصدوا أولئك الرواة الذين لم يروا عنهم إلا واحد([13]) .

كما رصدوا من عرف من الرواة بأسماء وصفات مختلفة ، حتى لا يدلس به ، ولا يختلط بغيره([14]) .

وفى سبيل ضبط شخصيات الرواة تكلموا على معرفة المفردات التى تختص بضبط معين ، سواء فى الأسماء أو الكنى أو الألقاب([15]) .

كما جمعوا الأسماء والكنى ، والألقاب ، وصنفوا فيها الكتب([16]) .

كما اعتنوا ببيان المؤتلف والمختلف من الأسماء كالذى يتفق فى الرسم ويختلف فى النطق([17]) .

كما تكلموا عن المتفق خطا ولفظا ، واختلف شخصا كالخليل بن أحمد مثلا ستة أشخاص ، فلا بد من التمييز بينهم ، وهكذا([18]) .

وكالمتشابه من الأسماء مع اختلاف الأشخاص([19]) ، ومعرفة المنسوبين إلى غير آبائهم([20]) ، أو المشهور بنسبة على خلاف الظاهر([21]) ، ومعرفة التواريخ والوفيات([22]) ، ومعرفة الثقات والضعفاء([23])، ومن تغير حاله من الثقات واختلط([24]) ، ومعرفة طبقات العلماء والرواة([25]) .

كما اعتنوا عناية بالغة ببيان المبهمات من الأسماء([26]) .

6- ضوابط صدق النص التاريخى من جهة الموضوع :

وأول هذه الضوابط أن يروى النص بسند صحيح قد اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة([27]) .

فلا بد أن لا يخالف الراوى روايات الآخرين حتى تصبح راويته مقبولة موضوعا ، ولهذا يتوقف الحفاظ كثيرا فى تفردات الرواة([28]) .

وينبه الحفاظ على أن صحة السند لا تكفى دون التأكد من صحة المتن من جهة موضوعه ، أنه ربما يصح السند أو يحسن دون المتن لشذوذ أو علة فيه ، فلا ينفع عنده صحة السند أو حسنه([29]) .

وفى ذلك تأكيد من الحفاظ على أهمية نقد المتن فى حد ذاته ، وأن صحة السند لا تعتبر المحك الوحيد عندهم ، بل لا بد أن لا يكون المتن شاذا ، ولا منكرا ، فإذا أتى راو بمتن لا يعرف عن غيره لم يقبل([30]) .

وهم فى سبيل التحقق من صدق النص يقومون بعملية الاعتبار والحبث عن المتابعات والشواهد([31])، والتى بها يعرفون صدق النص ، عن طريق وروده من أكثر من جهة مختلفة . وربما تكشف جمع روايات النص المختلفة عن وقوع الاضطراب فيه مما يحكم بضعفه([32]) .

كما أوجبوا معرفة مختلف الحديث بأن يأتى حديثان متضادان فى المعنى ظاهرا ، ووضعوا ضوابط لذلك ، وحلولا لمواجهته حين يقع([33]) .

7- نقد النص بتحليل لغته ، وبيان مدى صدقها على صاحب النص :

يؤكد الحفاظ فى سبيل ذلك على أن العالم هو الذى يعلم المتن والسند جميعا ، وأن من لا يعرف أحدهما فليس بعالم([34]) .

وتحليل لغة النص أداة أساسية عند الحفاظ للكشف عن المختلق المكذوب من النصوص وهو المسمى بالموضوع ، ويرون أن ركاكة اللفظ والمعانى كافية فى الحكم على الحديث بالوضع([35]) .

واستيثاقا من لغة النص وضعوا ضوابط للرواية بالمعنى ، بل رفضها الكثير منهم([36]) .

كما أفردوا غريب لغة الحديث النبوى بالتصنيف ليستوثقوا من صحة هذه الألفاظ من حيث اللغة، وبيان وجهها ومعانيها([37]) .

كما تكلموا على صحة لغة النص من حيث خلوه من التصحيف أو التحريف([38]) .

8- وجوب الشك فى صدق كل راو حتى تقوم الأسباب القوية على صدقه :

ولهذا يشترط الحفاظ البحث فى كل راو من حيث عدالته ، فالصحيح ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة([39]) .

فلا بد عند الحفاظ أن يجمع كل راو العدالة والضبط ، وأن تخلو روايته من الشذوذ والعلة حتى تقبل .

وهم فى سبيل ذلك يتفنون فى التوثق من صدق الراوى ، فلا بد أن يخلو من التدليس وذلك أن يروى عمن عاصره ما لم يسمعه منه ، أو يورى باسم راو ضعيف ليدلس به على من لم يعرفه ، ويضعون ضوابط لذلك توضح الأمر وتفضح أى مدلس يفعل ذلك([40]) .

ومن جهة أخرى يعتنى الحفاظ بيان وجوه الحديث وأنه روى بأسانيد أخرى ، مما يؤيد الرواية المبحوث فى شأنها ، وأن ذلك ربما يرفع من درجتها من الحسن إلى الصحة ، أو من الضعف إلى الحسن([41]) .

وذلك ما يعرف عندهم بمعرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد([42]) ، والتى بها يعرفون صدق الراوى، بتأييد روايته برواية غيره .

وهم لا يسلمون حتى للثقات بكل ما رووا ، بل يميزون بين ما يرويه الثقة موافقا لغيره ، وما يزيده على روايته غيره ، ويبحثون فى مدى صدق هذه الزيادة رغم أنها من ثقة([43]) .

ويقفون موقفا صلبا أمام الأفراد ، أى الراويات التى يتفرد بها بعض الرواة([44]) .

كما يبحثون عن العلل الخفية سواء فى السند أو النص ، والتى بموجبها تضعف الرواية ولا تقبل .

ولهم فى الكلام عن العلل الخفية وأنواعها وكيفية الكشف عنها كلام غاية فى النفاسة([45]) .

بل يتعمدون قلب الأسانيد والمتون على الراوى امتحانا له واختبارا ليتأكدوا من صدقه وضبطه([46]).

ومن جهة أخرى وضعوا الضوابط العديدة فى صفة من تقبل روايته ، وأنشأوا فى سبيل ذلك علم الجرح والتعديل ، وكتب الرجال المختلفة([47]) .

9- تطبيق القواعد السابقة على أجزاء النص أو الوثيقة كلها :

والحفاظ هنا لا يغرهم سلامة السند حتى يتوثقوا من أن كل المتن قد روى بذات السند ، ويضعون فى ذلك من الضوابط ما يكفل للكشف عن أى زيادة فى النص لم تصدر من صاحبه ، كما فى المدرج.

ويقولون : إن الإدراج -أى الزيادة فى المتن من قبل الرواى- حرام ، وأن من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة([48]) .

خاتمة :

بعد هذه العجالة نستطيع أن نتبين أن منهج حفاظ الحديث يفى بمتطلبات المنهج التاريخى ، ولا يقصر دونه بحال ، بل يفوقه فى نواح عدة ، منها السبق التاريخى ، ومنها التعقيد والضبط الشامل لكافة مراحل الرواية والتوثيق ، وهو ما لم يصل إليه بعد المنهج التاريخى المعاصر .

والنتيجة :

والنتيجة المترتبة على ذلك هو مزيد من الثقة بنصوص الإسلام سواء تلك النصوص المروية عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ، أو عن غيره ، بل إن أى كتاب صنفه أى عالم من علماء الإسلام يستطيع أن يقف شماخا متعاليا أمام المنهج التاريخى المعاصر ، دون أن نخشى عليه ما وقع لنصوص أولئك المقدسة ؟!



([1]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 40-41 .

([2]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 183-194.

([3]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 223-231 .

([4]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 95-96 .

([5]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 203-205 .

([6]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 206-234 .

([7]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 234-243 .

([8]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 243 .

([9]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 246

([10]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 249 .

([11]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 254 .

([12]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 256 .

([13]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 264 .

([14]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 268 .

([15]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 271 .

([16]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 278 -296.

([17]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 297 .

([18]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 316 .

([19]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 329 .

([20]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 336 .

([21]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 340 .

([22]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 349 .

([23]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 368 .

([24]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 371 .

([25]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 380 .

([26]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 342 .

([27]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 63 .

([28]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 65 .

([29]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 161 .

([30]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/232-240 .

([31]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 241-245 .

([32]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 262 .

([33]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 196-203 .

([34]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 44 .

([35]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 275 .

([36]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 98-103 .

([37]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/184-186 .

([38]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 193-195 .

([39]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 63 .

([40]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 223-231 .

([41]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 175-176 .

([42]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 241-245 .

([43]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/245 -247.

([44]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/248-251 .

([45]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 251-261 . والجدير بالذكر أن قد صنف الحفاظ كتبا مخصوصة فى العلل كالعلل لابن أبى حاتم ، وللترمذى ، وللدارقطنى ، وغيرهم .

([46]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 291-295 .

([47]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 299 -350 .

([48]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 268-274 .