هل يفى منهج حفاظ الحديث بمتطلبات المنهج التاريخى فى مقارنة الأديان1

عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

 

 

 

 

 

 

هل يفى منهج حفاظ الحديث بمتطلبات المنهج التاريخى فى مقارنة الأديان

 

 

 

عصام أنس الزفتاوى

 

1420هـ/ 2000م

 

-----------


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وبعد :

فهذا مقال نتناول فيه قضية من قضايا المنهج .

وقضايا المنهج بطبيعتها وثقلها تمثل أحد الإشكالات الكبرى فى العلوم الإنسانية .

ولكن ما كانت المنهجية يوما تنقص المسلمين ، وما أقدموا يوما على علم من العلوم ، ولا أقدموا يوما على فن من الفنون ، وإلا وهم يستضيئون بمنهج قد صاغوه ليناسب ما هم مقدمون عليه .

ويحق للمسلمين أن يلقبوا وإلى اليوم بأنهم أساتذة المناهج .

أقول هذا ، ودأبى كره أن أقول فعل آباؤنا وفعلوا ، ونبقى نجتر أمجادهم ، ولا نفعل شيئا يليق بهم ولا بنا .

حتى قرأت عدة دراسات حديثة تتناول فيما تتناوله المنهج التاريخى عامة ، أو المنهج التاريخى فى مقارنة الأديان خاصة ، وتعتمد تلك الدراسات فى مجملها على ما قدمه علماء الغرب([1]) .

وللوهلة الأولى وقبل الإقدام على القراءة راعتنى ضخامة العنوان (المنهج التاريخى) ، ولم أكن من قبل ملما بشىء مما يقوله المعاصرون تحت هذا العنوان الضخم .

لكن لما قرأت ما تيسر لى من ذلك ، ارتفعت عنى سريعا كراهة التغنى بأمجاد أجدادنا -العلمية على الأقل- وانضممت فى الحال إلى الجوقة المتفاخرة ، وحق لها .

فعلماء الإسلام قدموا ومنذ عهد بعيد منهجا تاريخيا صادقا ، وواقعيا ، وعقلانيا ، وعمليا لرواية الوثائق شفاهيا ، أو لحفظها ونقلها كتابيا .

ومهما وصل علماء الغرب -وهم لم يصلوا بعد إلى مثله - فسيبقى فارق هام وجوهرى لن يستطيعوا أن يتخطوه أبدا : وهو أننا أنشأنا بالفعل وثائقنا ومروياتنا فى ضوء هذا المنهج ، ومن اللحظة الأولى ، فقد سار المنهج وتنفيذه متلازمين ،  ومن البواكير الأولى لحضارة الإسلام ، فليست عندنا أدنى مفارقة بين المنهج وتنفيذه ، أو مجاله ، ولو لعقد واحد من الزمان .

أما فى الغرب فهم فى مأزق حقيقى لأن وثائقهم ومروياتهم وتقاليدهم ... أنشأت بعيدا تماما عن أى منهج علمى موثوق فيه ، وظل هذا الأمر ليس لعقد ولا لعقود بل لقرون طويلة ، وعندما حان الوقت ليكتشفوا مؤخرا منهجا علميا يحتكمون إليه فى نقد ما بأيديهم ، وجدوا أن هذا المنهج يقضى بزيف ما بأيديهم ، والذى لم يستطع أن يقف للحظة حضارية واحدة أمام .

لقد سقط فى أيدى القوم ، وتقوض ما بأيديهم ، وحق لهم أن ينثالوا زرافات فى تيارات الإلحاد والكفر ، وقد رأوا ما توطد إيمانهم عليه قرونا يصبح هباء منثورا .

فلنمضى بالكلام خطوة أخرى ، ونسأل : ما هى الأسئلة أو القضايا أو الإشكالات التى يطرحها المنهج التاريخى المعاصر ، حيث يجب على الباحث أن يمر بمرحلتين أساسيتين ، وهما : مرحلة التحليل ، والتركيب .

وتتكون مرحلة التحليل من عدة خطوات تبدأ بجمع الوثائق ، ونقدها ، والتأكد من شخصية أصحابها ، وتنتهى إلى تحديد الحقائق التاريخية الجزئية .

وتبدأ المرحلة الثانية بتصنيف الحقائق والتأليف بينها تأليفا عقليا .

فهل يستطيع منهج حفاظ الحديث أن يجيب عليها :

1- ملاحظة الفرق بين طبيعة الظاهرة التاريخية ، والظاهرة الطبيعية .

2- اكتشاف العلاقات السببية بين الحوادث الماضية .

3- ما مدى حاجة الباحث إلى سد الفجوات بالفروض التى يعمل على التحقق من صدقها .

4- ضوابط نقد الرواية أو الوثيقة ، والتفرقة بين الصحيح والمزيف منها .

5- التحقق من شخصية صاحب الرواية أو الوثيقة .

6- ضوابط صدق النص التاريخى من جهة الموضوع .

7- تحليل لغة النص ، وبيان مدى صدقها على صاحب النص .

8- وجوب الشك فى صدق كل راو حتى تقوم الأسباب القوية على صدقه .

9- تطبيق القواعد السابقة على جميع أجزاء النص أو الوثيقة .

هذه هى أهم الأسئلة فى اعتقادى التى يطرحها المنهج التاريخى فى صورته المعاصرة ، فهل يفى منهج حفاظ الحديث بالإجابة على هذه الأسئلة ؟

سأحاول أن أجيب على ذلك من خلال نصوص كتاب من أهم كتب مصطلح الحديث ، وهو كتاب تدريب الراوى ، والذى ألفه الإمام جلال الدين السيوطى (ت 911هـ)([2]) ، شارحا به كتابا آخر للإمام النووى ، هو كتاب التقريب ، والذى اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح ، والتى تعتبر العمدة فى علم المصطلح حيث جمعت جهود من قبلها ، بحيث اعتمد عليها جل من أتى بعدها .

وسبب اختيار هذا الكتاب أنه ألف بعد أن نضج هذا العلم ، واستقرت مباحثه تماما ، وتمايزت أنواعه ، وأقسامه ، ومصطلحاته .

ولا شك أن كتب المصطلح كثيرة ، والمباحث بينها مشتركة ، والتوثيق منها أمر يسير ، لكنى لم أشأ تكثير الهوامش ، دون حاجة علمية ماسة .

1- ملاحظة الفرق بين طبيعة الظاهرة التاريخية ، والظاهرة الطبيعية :

فقد لاحظ الحفاظ ومن البداية أن محل علمهم هو نقل الأقوال أو حكاية الأفعال ، وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها ، من ثم عرفوا علم الحديث رواية فى هذا الإطار .

وميزوا بين علم الحديث رواية ودراية .

فروايةً : يعتنى بضبط الأقوال والأفعال وروايتها ، وتحرير ألفاظها .

ودرايةً : يختص بمعرفة حقيقة الرواية ، وشروطها ، وأنواعها ، وأحكامها ، وحال الرواة ، وشروطهم ، وأصناف المرويات ، وما يتعلق بها([3]) .

2- اكتشاف العلاقات السببية بين الحوادث الماضية :

ونستطيع أن نطلق القول بأن علوم الحديث رواية ودراية تقوم على محاولة تلك العلاقات .

3- ما مدى حاجة الباحث إلى سد الفجوات بالفروض التى يعمل على التحقق من صدقها:

تقوم علوم الحديث كلها بناء على إجابة على الفروض التى يضعها الحفاظ فى دائرة مغلقة تغطى كافة الاحتمالات ، بدء من عدالة الراوى ، وضبطها ، وطريقته فى تحمل ما سمعه عمن قبله ، وطريقته فى أداء ما تحمله إلى من بعده ، وملابسات كل ، وهل كان فى كل ضابطا متقنا لما يؤديه أم لا ، وهل وافقه غيره فى ذلك أم تفرد به ، وهل سلسلة الإسناد من أولها إلى آخرها على ذات الدرجة أم لا ... إلخ الأسئلة المتتالية التى يطرحها الحفاظ عند كل سند أو رواية ويقومون بالإجابة الدقيقة عنها .

ثم بعد ذلك يتواضعون بأن الحكم بالصحة إنما هو فى الظاهر فقط ، وأنهم لا يقطعون بذلك إلا فى حالة المتواتر فقط([4]) .

4- ضوابط نقد الرواية أو الوثيقة ، والتفرقة بين الصحيح والمزيف منها :

ويقوم بذلك عند الحفاظ علوم الحديث المختصة بالدراية بدء بشروط تحمل الراوى لما يرويه ، بنوع من أنواع التحمل([5]) ، من سماع ، أو عرض ، أو إجازة ، أو وجادة .

وأنواع هذه الرواية من الاتصال والانقطاع .

وأحكامها من القبول والرد ، بناء على حال الرواة من العدالة أو الجرح([6]) .

وقد قامت فى سبيل هذا علوم الرواية كلها بغرض التأكد من صحة النص ، ومع هذا ينبه الحفاظ على أنه متى توفرت شروط صحة الرواية فغاية الأمر الحكم بسلامة السند ، لا القطع بصحة المروى فى نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة([7]) .

ولهذا ينبه الحفاظ على أن الصحيح أقسام بحسب ما اجتمع له من شروط الصحة([8]) .

ويميز الحفاظ بين أنواع رواية النص بدء بالمسند والمتصل والمنقطع والمرسل ... ، ويضبطون كل نوع بضابط ، ويميزون بينها قوة وضعفا([9]) .

ويؤكد الحفاظ على أهمية اتصال السند ، ولا يقبلون أبدا انقطاعه ، بل أن يتصل كل راو بما قبله وبمن بعده([10]) .

أما المعضل وهو الذى سقط منه أكثر من راو فإنهم يرفضونه رفضا تاما([11]) .

ولا أدرى ماذا يفعل علماء اللاهوت أما هذا المنهج الصارم ، وقد أعضلت بهم أسانيد التوراة والأنجيل .

ويضع الحفاظ من الضوابط ما يكفى للكشف عن المختلق الموضوع([12]) .

وهم فى دراستهم لكيفية الرواية يميزون بين أنواعها ويحملون الرواة حملا على ذلك ، وإلا سقطت روايتهم ، وهو ما يسميه الحفاظ بأنواع التحمل([13]).

كما يميزون بين أنواع الأسانيد المختلفة من العالى والنازل([14]) ، والمتواتر والمشهور ، والغريب ، والعزيز([15]) .

ومن جهة أخرى أكد الحفاظ على أنه عند الاعتماد على الوثائق المكتوبة فلا بد من أن يأخذ من نسخة معتمدة مقابلة بأصول صحيحة([16]) ، ولهم فى بيان كيفية تكوين النسخة المعتمدة كلام هام ، ونفيس([17]) .

ولهم كلام مفصل فى كيفية الكتابة ، وضبط النص المكتوب ، والاعتناء بضبط الملتبس ، وتحسين الخط ، وضبط المشكل ، ومقابلة النسخة بعد الفراغ ، وكيفية استدراك الساقط واللحق ، وكيفية التصحيح والتضبيب والتمريض والضرب على ما ليس من النص ، إلى غير ذلك([18]) .

ويضع الحفاظ ضوابط واضحة للرواية الصحيحة والحسنة والضعيفة والموضوعة ، ويميزون بين كل نوع منها([19]) .

تابع بقية البحث : هل يفى منهج حفاظ الحديث بمتطلبات المنهج التاريخى فى مقارنة الأديان 2



([1]) راجع على سبيل المثال : المدخل إلى الدراسات التاريخية لـ : لانجلو اوسينوبوس . ونقد النص لـ : لبول ماس . والتاريخ العام لـ : أمانويل كنت . ترجمها عن الفرنسية والألمانية الدكتور عبد الرحمن بدوى ، ونشرها تحت عنوان : النقد التاريخى . نشر وكالة المطبوعات ، الكويت ، ط3 ، 1977 م . والمنطق ومناهج البحث ، لأستاذنا الدكتور محمد الشرقاوى ، دار النصر للنشر ، 1419هـ/1998م .

([2]) تدريب الراوى ، فى شرح تقريب النواوى ، بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ، دار إحياء السنة النبوية ، ط2 ، 1399هـ/1979م .

([3]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/40.

([4]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 75 .

([5]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/4 -63.

([6]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 40 .

([7]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 75 .

([8]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/122 .

([9]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/182-184 ، 195-207.

([10]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/207-210 .

([11]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 211 .

([12]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/274-290 .

([13]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 214-218 ، 2/4 -63.

([14]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 159 -173.

([15]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 173-183 .

([16]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/149  .

([17]) راجع فى هذا الصدد : الإلماع للقاضى عياض ، وتذكرة السامع والمتكلم بأدب العالم والمتعلم لابن جماعة ، حيث تكلما بالتفصيل على آداب النَّسْخ ، والمقابلة ، وتصحيح النُّسَخ .

([18]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 2/ 64-124 .

([19]) تدريب الراوى ، للسيوطى ، 1/ 63،158 ، 179-181.

 

تابع بقية البحث : هل يفى منهج حفاظ الحديث بمتطلبات المنهج التاريخى فى مقارنة الأديان 2