نظرية المقاصد محاولة للتشغيل 1

عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

بسم الله الرحمن الرحيم
نظرية المقاصد محاولة للتشغيل
عصام أنس - مجلة المسلم المعاصر عدد 103
تحاول هذه الورقة تقديم محاولة لتشغيل نظرية المقاصد الكلية فى إطر جديدة تضاف إلى الأطر الأصيلة التى يتم عادة تشغيلها فيها من خلال الفروع الفقهية ، أو الأصولية .
وترتكز هذه الورقة على مجموعة من المبادئ والأسس نجملها فيما يلى :
1- تبنى هذه الورقة رؤيتها على ما استقر عليه الأصوليون وعلماء الإسلام فى تقرير نظرية المقاصد .
2- لا تتجاوز أن تكون محاولة للتطبيق والتشغيل وتوسيع دائرتهما إلى دوائر جديدة تضاف إلى الدائرة الفقهية .
3- يرى الكاتب أن المجال الأكبر لبذل الجهود هو فى محاولة تعميق الفهم - إذا كان بحاجة إلى ذلك - والمحاولات الدؤوبة للتشغيل ، خاصة وأن هذه النظريات (خاصة النظريات الكبرى) أخذت قرونا طويلة كان للحضارة الإسلامية فيها الكلمة واليد العليا ، ومن ثم كان الفكر والفقه الإسلامى فيها أصفى موردا ، وأقل تأثرا بالأفكار والتيارات والحضارات الأخرى ، وخلال هذه القرون توارد على هذه النظريات عشرات من العلماء ذوى التكوين العلمى والثقافى المتنوع ، مما أتاح لها العديد من المراجعات حتى استقرت على الصورة التى وصلت إلينا .
3- ومن جهة الأخرى فإن الظروف الحضارية والفكرية التى تمر بها أمتنا من الضعف بحيث تصبح عملية المراجعة وإعادة الاجتهاد فى النظريات الكبرى ، ومحاولة تفكيكها وإعادة بنائها ... هى محاولة على جانب كبير الخطورة ، ولن يكون الناتج أبدا إسلاميا خالصا مع حالة التراجع الحضارى الإسلامى الحالى ، ومع طغيان المد الحضارى للآخر بصورة لم نسلم منها فى مأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا فكر ولا ثقافة .
4- ولا يفهم من هذا أن الاتجاه العام للورقة هو إيثار السلامة ، أو الوقوف دون باب الاجتهاد الذى استقر على فتحه ، والامتناع عن تخطى عتبته . بل المقصود هو تحديد مجال الاجتهاد فيما ينبغى أن يكون فيه ، والإبقاء على الجهد المبذول - للكاتب على الأقل - دون إضاعة فيما لا يحتاج إلى بذل الجهد فيه .
5- ومن ثم فإن وظيفة الوقت هى : التواصل مع الفكر الإسلامى ، وإكمال البناء ، ومتى وجدنا أنفسنا نعيد البناء فإنه يعنى أنه حصل انقطاع ، فيجب إعادة محاولة التواصل مرة أخرى ، لا اليأس من ذلك واللجوء إلى إعادة البناء . ولعل بعض الجهود المعاصرة إنما تلجأ إلى إعادة النظر فى مثل هذه النظريات الكبرى حال فشلها فى التواصل .
6- ومن جهة أخرى فإن إعادة البناء مهما بدت أسهل من حيث الفكاك من إسر النظريات التراثية ، فإن أصعب من حيث عدم تحقق شروط تكوين النظريات الكبرى ، فمن الصعب الاتصاف بالأصالة المطلوبة لطغيان الحضارات المغايرة ، كما أننا نتفقد إلى روح علمية عامة - وهو الشرط الأكثر الأهمية - فى حالتنا الحضارية ، وبدون هذه الروح العلمية العامة لا يمكن أبدا تكوين نظريات كبرى ، والتى تحتاج إلى نقاش وجدل فكرى حتى تصاغ بصورة نهائية ، ومن ثم فإن افتقاد مكانيكية تكوين النظريات (إن صح التعبير) يحكم على الجهود المبذولة بالفشل ، والطرح المنقوص ، وعدم وجود من يتابع هذه الجهود من الأجيال التالية .
وقبل طرح محاولة لتشغيل هذه النظرية فى مجال تصنيف العلوم وفى مجال حقوق الإنسان ، لا بد أن نؤكد على قضيتين مهمتين :
1- ضرورة رؤية نظرية المقاصد من منظور حضارى .
2- التأكيد على القيمة النقدية لنظرية المقاصد ، والتى يمكن من خلالها نقد الكثير من الأفكار المطروحة على الساحة .
1- ترتيب مقاصد - رؤية حضارية :
إذا كان الترتيب المشهور للمقاصد الشرعية (الدين - النفس - العقل - العرض - المال) متسق مع الأحكام الفقهية الفروعية ، ونابع منها .

فإنه يبدو لنا من خلال استقراء التاريخ والواقع الحضارى للأمة أن هذا الترتيب غير واف بمقاصد الأمة الحضارية ، وأن التزامه على المستوى الحضارى أدى إلى الحالة الراهنة التى نعيشها ؛ مما يوجب معه إعادة طرح ترتيب آخر على المستوى أو المنظور الحضارى، مع إبقاء الترتيب الآخر على المستوى الفقهى الفروعى كما هو .
وعلى المستوى الحضارى يبدو لنا أن كافة المقاصد على درجة واحدة من الأهمية ، بحيث إن إضاعة أى مقصد يؤدى إلى ضياع بقية المقاصد والإخلال بها فى الوقت نفسه ، فإضاعة مال الأمة وثروتها ، أو تغييب الوعى العام يؤدى فى الحال إلى إضاعة دينها ، وهكذا ... .
ومن ثم فالترتيب المقترح من المنظور الحضارى يمكن أن يمثل بجعل الحضارة الإسلامية مركزا لمحيط دائرة واحدة ، هذه الدائرة هى مجموع أقواس تمثل مقاصد الحضارة الإسلامية الستة ، وقصور أى قوس عن الاتصال بأحد القوسين المجاورين له يؤدى فى الحال إلى ثغرة تفضى إلى مركز الدائرة .

 

 


على حين أن الترتيب الفقهى المعتاد يجعل الشريعة مركزا لدوائر متداخلة أقربها للمركز هو مقصد الدين ، وأبعدها عنه هو مقصد المال .

 

الشريعة

الدين
النفس
العقل
العرض
الكون
المال
ففى حين أن المقصد الأبعد من المركز حمى لما يليه من الداخل فى الترتيب الفقهى ، فإن الجميع حمى واحد فى الترتيب الحضارى .
وكما نلاحظ فإن هذه المقاصد قد ذكرنا ضمنها مقصد الكون ، وهو مقصد أدانا إلى القول به محاولة تشغيل نظرية المقاصد فى مجال تصنيف العلوم على ما سيأتى الكلام عليه بالتفصيل .
وينبغى أن نؤكد على أن هذا الترتيب المقترح لا نطرحه على أنه بديل للترتيب التقليدى ، بل نطرحه على أنه خاص بالمقاصد الحضارية للأمة ، بينما نرى أن الترتيب الأصلى خاص بالشريعة والفقه .
2- نظرية المقاصد وقيمتها النقدية :
ومن جهة أخرى فإن نظرية المقاصد تصلح ميزانا لقبول أو رد الكثير من الأفكار الأخرى ، ويمكننا اتخاذها أساسا للنقد ، من ذلك بعض الأفكار المغلوطة حول ذم المال مطلقا ، أو الزهد فى الدنيا مطلقا ، حيث تدلنا نظرية المقاصد على وجوب المحافظة على مال الأمة وثروتها ، ومتى وجبت المحافظة عليه وجب تحصيله من باب أولى .
وسنرى من خلال تشغيل النظرية فى مجال خطة تصنيف العلوم أننا يمكننا من خلال نظرية المقاصد نقد الخطة الشائعة التى قال بها الإمام الغزالى ، بل وسنرى كيف أن الخطة الغزالية تتعارض مع المقاصد الكلية ، وأن شيوع هذه الخطة أدى بنا إلى الوضع الذى نحن فيه الآن ، مما يؤكد صحة ما قلناه .
1- نظرية المقاصد وخطة تصنيف العلوم :
من الأطر الجديدة التى يمكن تشغيل نظرية المقاصد فيها : خطة تصنيف العلوم .
ولا يخفى أن مسألة تصنيف العلوم من القضايا الفلسفية المهمة ، والتى يترتب عليها عمليا آثار جد خطيرة على المستوى الحضارى العام ، حيث إن خطة تصنيف العلوم تحدد ما هو الأول من العلوم ، وما هو الآخر ، ما هو الأشرف ، وما هو الأدنى رتبة ... ، ومن هنا تأخذ خطة التصنيف أهميتها ، فخطة تصنيف العلوم هى خطة للأولويات الحضارية علما وعملا ، بما أن العلم مقدمة العمل .
ولا يخفى ما كان من إعادة النظر فى الخطة الأرسطية ، والنظر إلى العلوم التجريبية نظرة جديدة من أثر فى النهضة الأوربية الحديثة .
ولعل أكثر التصنيفات شيوعا وتأثيرا فى الفكر الإسلامى هو تصنيف الإمام حجة الإسلام الغزالى رحمه الله فى الإحياء ، والذى لا يقل تأثيرا عن تأثير موقفه من الفلسفة على من بعده علماء المسلمين .
عقد حجة الإسلام الغزالى رحمه الله الباب الثانى من كتاب العلم أول كتب الإحياء لبيان العلم المحمود والمذموم وأقسامهما وأحكامهما ، وبيان ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية . ولن نطيل بعرض كلامه فى ذلك لشهرته ، وتداول الكتاب بأيدى الكافة ، ولكن سنقتصر على القواعد العامة التى بنى عليها تصنيفه لتكون بين أيدينا ونحن نتناول هذه القضية :
فالعلم الذى هو فرض عين نزله كل فريق على العلم الذى هو بصدده . أما العلم الذى هو فرض كفاية فينقسم إلى شرعى (وهو الذى استفيد من الأنبياء) ، ويقابله غير الشرعى (وهو ما يرشد العقل أو التجربة أو السماع إليه) ، فالمحمود منها كل علم لا يستغنى عنه فى قوام أمور الدنيا كالطب والحساب ، وأما ما يعد فضيلة لا فريضة فالتعمق فى دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ذلك مما يستغنى عنه ، ولكنه يفيد زيادة قوة فى القدر المحتاج إليه . وأما المباح منه (يعنى من غير الشرعى) فالعلم بالأشعار التى لا سخف فيها ، وتواريخ الأخبار وما يجرى مجراه .
ثم قسم العلوم الشرعية المحمودة إلى أصول وفروع ومقدمات وتتمات .
ويلاحظ أنه لم يورد فى أقسام العلوم علم الكلام ، والفلسفة ، وأورد على نفسه سؤال بذلك ، وأجاب بما حاصله أن علم الكلام إما يرجع إلى القرآن والسنة ، وإما يخرج عنهما ويدخل فى المجادلة المذمومة ، وأنه يصير من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية مع حدوث البدع ، وأما الفلسفة فليس علما برأسه بل أربعة أجزاء : أحدها الحساب والهندسة ، وهما مباحان ، والثانى المنطق وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجه الحد وشروطه وهما داخلان فى علم الكلام والثالث الإلهيات وهو داخل فى علم الكلام ، والفلاسفة لم ينفردوا فيه بنمط آخر من العلم ، بل انفردوا بمذاهب بعضها كفر ، وبعضها بدعة ، وكما أن الاعتزال ليس علما برأسه بل أصحابه طائفة من المتكلمين ، فكذلك الفلاسفة . والرابع : الطبيعيات وبعضها مخالف للشرع ، وبعضها بحث فى خواص الأجسام ، وهو شبيه نظر الأطباء إلا أن الطبيب ينظر فى بدن الإنسان على الخصوص ، ولكن للطب فضل عليه ، وهو أنه محتاج إليه ، وأما علومهم (يعنى علوم الطبيعيين) فلا حاجة إليها .
ثم ذكر الإمام الغزالى رحمه الله تعالى أن العلم باعتبار الحمد والذم ثلاث أقسام : قسم مذموم قليله وكثيره وهو ما لا فائدة فيه فى دين ولا دنيا ، أو يكون فيه ضرر يغلب نفعه ، وقسم محمود قليله وكثيره كالعلم بالله ، وقسم يحمد منه مقدار الكفاية ولا يحمد الفاضل عليه والاستقصاء فيه ، وهى العلوم التى تعلمها فرض كفاية .
نحو خطة جديدة لتصنيف العلوم :
دعنا بعد ذلك ننتقل إلى نظرية المقاصد ، والتى نرى أن تشغيلها فى مجال تصنيف العلوم سيؤدى إلى تقسيمات أخرى غير التى ذهب إليها الإمام الغزالى رحمه الله ، وربما تنقل بعض العلوم من كونها فضلة أو لا حاجة إليها إلى كونها فرض كفاية .
سنضرب لكل مقصد بعض الأمثلة للعلوم التى يمكن أن تندرج تحته .
مقصد الدين :
يشمل كل علم وعمل يؤدى إلى الحفاظ على الدين ، فيشمل من العلوم : العقيدة - التفسير - الحديث - فقه العبادات - فلسفة الدين الإسلامى - العلوم العسكرية
مقصد النفس :
فقه الجنايات - علم الأخلاق - العلوم الإنسانية - العلوم الطبية
مقصد العقل :
علوم المناهج - العلوم العقلية
مقصد العرض :
فقه الأحوال الشخصية
مقصد الكون :
فقه العمارة والإحياء - العلوم الطبيعية والكونية . (هذا مقصد نقترح إضافته ، وسيأتى الحديث عنه بالتفصيل)
مقصد المال :
فقه المعاملات - العلوم الاقتصادية والمالية .
هذا مقترح أولى بتصنيف العلوم حسب المقاصد ، لا شك أنه سيكون بحاجة إلى التعديل وإعادة النظر فيه ، لكننا نرجو أن يفتح بابا واسعا لرد الاعتبار للعلوم التى وسمت بأنها غير شرعية ، وللعلوم التى حكم عليها بأنها لا حاجة  إليها ، وتلك التى كان التوسع فى دقائقها غير محمود ، تلك الرؤية التى كانت شيوعها أحد الأسباب فى جمود الحضارة الإسلامية .
اقتراح بمقصد جديد : حفظ الكون :
عند تسكين العلوم من خلال المقاصد الخمسة سنجد أن العلوم الطبيعية تعصى على التسكين تحت أيها ، بل تطرح سؤالا لما لا يعد حفظ الكون من مقاصد الشرع ، وليس فقط حفظ المقاصد الخمسة المعروفة .
أعتقد أن كل ما طرحه مفكرو الإسلام فى العقود الماضية عن أهمية دراسة الكون ، وأنه كتاب الله المنظور ، كما أن القرآن كتاب الله المقروء إلى غير ذلك من مقولات فى هذا الصدد يؤيد هذا الاقتراح بإضافة مقصد حفظ الكون .
ومن هنا فلن نحاول ابتسار تسكين العلوم الطبيعية تحت أى مقصد من المقاصد الخمسة المعروفة ، ولا نجارى الإمام الغزالى فى القول بأنه لا حاجة إليها ، وهو رأى ليس بحاجة إلى التعليق على ضعفه وسقوطه .
بل ندعو دعوة صريحة إلى إضافة مقصد سادس إلى مقاصد الشريعة الإسلامية ، وهو حفظ الكون ، ويكفى من باب التذكرة للتدليل على هذا الرأى قوله تعالى {هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا} [البقرة ، 29] ، وقوله تعالى {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} [هود ، 61] ، وإلا فنحيل على الجهود التى بذلت فى هذا المجال ، وقامت باستقراء نصوص الشرع وكلام العلماء فى أهمية دراسة الكون .
ومن حيث الترتيب فإذا سرنا على الترتيب التصاعدى للمقاصد - وهو ما تقدم  الكلام عليه - فأقترح أن يكون هذا المقصد المقترح ، خامسا ، مقدما له على مقصد المال ، باعتبار أن الترتيب مراعى فى المقاصد ، ويترتب عليه الكثير من المسائل الفقهية تأصيلا وتفريعا .
ومن ثم فإنه يجب بذل المال للحفاظ على مقصد حفظ الكون ، كما يجب بذله للحفاظ على المقاصد الأخرى التى تسبقه فى الترتيب .
كما أنه يجب بذل ما يمكن بذله من الكون للحفاظ على المقاصد الأربعة السابقة عليه : الدين - النفس - العقل - العرض .
ومن جهة أخرى لا ينبغى الإفساد فى الكون لتحصيل المال ، نظرا لتأخر رتبة المال عن الكون ، بل يكون التصرف فى الكون على سبيل الاستخلاف فيه ، والحفاظ عليه ، والإنماء له ، وتحصيل المال لا يكون إلا من خلال هذه الوجوه ، وكل وجه لتحصيل المال خالف ذلك يكون مخالفا لمقاصد الشرع .
ولا شك أن مثل هذا الاقتراح سيثير جدلا أصوليا ، من حيث إن اقتراح زيادة مقصد على المقاصد الخمسة يخرق الإجماع على أن المقاصد الشرعية خمسة .
ونجيب بأننا نسلم بالإجماع ، ولكننا نختار أصوليا أنه يجوز إحداث قول لا يرفع الأقوال التى انعقد عليها الإجماع . والقول بزيادة مقصد سادس لا يرفع شيئا من المقاصد الخمسة المعروفة ، بل يرفع دعوى الحصر فى الخمسة ، وهو ما لا نسلمه .
ومن جهة أخرى فإن سلوك الكثير من الفقهاء ، وعلى رأسهم الإمام الشافعى العمل بجواز إحداث قول ثالث على تفصيل فى ذلك ، وأن ذلك ليس خارقا للإجماع على خلاف ما اختاره الكثير من الأصوليين ، وليس ذلك محل تفصيل مثل هذه المسألة الأصولية ، وبيان وجه اختيارنا لما تقدم .
ومن جهة أخرى فإننا لا نسلم كما سبق أن الإجماع المذكور فى المقاصد الخمسة يقضى بالحصر ، بل غايته أن تلك المقاصد الخمسة مما اتفقت الشرائع على مراعاتها ، ولا يعنى ذلك منع الزيادة ، بل منع النقص فحسب ، ولو سلمنا جدلا أن الشرائع السابقة علينا لم تراع غير هذه الخمسة ، فلا يلزمنا نحن الالتزام بها وعدم الزيادة عليها إذا وجدنا فى شرعنا (وهو الشرع الخاتم والأكمل) أنه يراعى مقاصد أخرى ، وذلك لأن المختار أصوليا أن شرع من قبلنا ليس شرع لنا ، والمختار أصوليا أيضا أن إجماع من قبلنا ليس بحجة لا عليهم ولا علينا .
فإذا ثبت من استقراء نصوص الشرع وتصرفاته وجوب المحافظة على الكون وعدم إفساده ، والقيام بحسن الخلافة فيه ، ووجدنا أحكام الشريعة - بما لا نطيل بذكره - اطردت على هذا وجب أن يكون حفظه من مقاصد شريعتنا .
نظرية المقاصد وحقوق الإنسان
الحقوق والمقاصد الشرعية(1):
وإذا ما طبقنا ذلك على مقاصد الشريعة الضرورية وجدنا أنه فى المحافظة على
الدين : يكفل الإسلام للفرد أن يعتنق ما يشاء من عقيدة ، وأن يمارس عبادته كما يريد . قرر الإسلام فى آية صريحة من كتاب الله فيقول جلا وعلا : {لا إكراه فى الدين}(1) .
وقد أكد الإسلام هذه الحرية منكراً الإكراه عليها فيقول لنبيه الكريم : {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}(2) .
وفى سبيل المحافظة على الدين يقف الإسلام فى وجه العاملين على نشر الإلحاد ، ما داموا بذلك قد خرجوا عن حدود العقيدة إلى دائرة الاعتداء على الدين والتبشير بالفوضى . وبذلك يكون موقفهم خروجاً عن الحق وصداماً مع الخير مما يستلزم الحد من حريتهم .
- وفى المحافظة على العرض : شرع الإسلام الزواج لتكوين الأسرة وإعفاف النفس ، وأقر حرية كل من الزوجين فى اختيار زوجه . ففى الدعوة إلى الزواج يقول النبى e : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء))(3) ، وقال e : ((الأيم أحق بنفسها من وليها))  ، كما أن استشارة البكر لازمة للعقد .
فإذا انحرف الفرد وعبث بالأعراض ، واستباح الزنا ، وأهدر كرامة الأسر ، ألحق الضرر بنفسه وألصق الفساد بغيره مما يوجب الوقوف فى وجهه والحد من حريته : {الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}(4) .
- وفى المحافظة على المال : شرع الإسلام حرية العمل وحرية التكسب وحق التملك صيانة للحياة وكفالة للعيش فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}(5) ، ويقول سبحانه {قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات
من الرزق}(6) .
ويقول النبى الكريم : ((إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون للناس فى أيديهم))(7) .
وفى سبيل المحافظة على المال : أحل الإسلام البيع ، ودعا إلى العمل وامتدح التمتع بثمرة العمل . فيقول الله تعالى {وأحل الله البيع وحرم الربا}(8) .
ويقول النبى الكريم ((من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له))(9) ، ويقول : ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)) (1) ، {وأما بنعمة ربك فحدث}(2) .
كل ذلك فى الحدود التى لا يطغى فيها المال أو يتعدى حدود النفع العام . فإذا ما بلغ المال حداً معيناً وجبت فيه الزكاة ، تحقيقاً لتوازن المجتمع ، ومنعاً للإضرار بالآخرين وخوفاً على الإنسان أن تبطره النعمة .
كما حظر الإسلام الحصول على المال بطريق غير مشروع فحرم الربا وحد السارق ومنع الاحتكار فشرع مصادرة المال المحتكر .
يقول الله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءاً بما كسبا نكالا من الله}(3) ، ويقول سبحانه : {وأحل الله البيع وحرم الربا}(4) .
ويقول النبى e ((من احتكر طعاماً أربعين يوماً برئت منه ذمة الله ورسوله))(5) وقد صادر النبى سلع المحتكرين ووزعها على المحتاجين .
وإذا ما أنفق الفرد أمواله فى وجوه غير مشروعة وقف الإسلام فى وجهه : {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا}(6) .
ذلك أن المال يعود بالنفع على المجتمع كله ، وفى تبذيره تبديد لحصيلة المجتمع وإضرار به .
بل إن الإنفاق فى سفه محظور ، لأنه يضر بصاحب المال نفسه ، مما يحق معه للمجتمع أن يكفه عن هذا الانفاق ويحد من حريته فيه ، {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما}(7) .
كما أن التصدق مع كونه فضيلة ، والوصية مع كونها منة . إذا زاد كل منهما عن حده منعه الإسلام باعتباره إضراراً بورثة المتصدق أو الموصى . فقد قال النبى e لسعد بن أبى وقاص : ((تصدق بالثلث والثلث كثير)) (8) ، ولم يجز الوصية إلا فى الثلث التركة .
- وفى المحافظة على النفس كرم الله الإنسان وفضله على جميع المخلوقات وأودعه العقل والحكمة وكفل له الحماية والأمن : ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله))  فليس لفرد أن يعتدى على حياته أو جسمه {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} .
كما أنه ليس لسلطة أن تناله بأذى يقول النبى e : ((ظهر المؤمن حمى إلا فى حد أو حق))(1) أى أن المؤمن لا يجوز أن يعتدى عليه بضرب أو جلد إلا أن يسىء إلى غيره فيقتص منه .
وسكنه مصون لا تنتهك حرمته { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها  ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم}(2) .
فإذا ما امتهن الإنسان الكرامة الإنسانية وتصرف على خلاف ما يقتضيه الاحترام أو اعتدى على غيره وقف المجتمع فى وجه حريته وردعه .
- وفى المحافظة على العقل دعا الإسلام إلى إعمال الفكر وإلى العلم والتدبر فقال الله تعالى {قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون}(3) وقال سبحانه : {قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون}(4) .
وقد كفل الإسلام للفرد الحرية فى تفكيره ونمى ملكة البحث فيه فجعل للمجتهد أجران إذا أصاب ، وأجراً إذا أخطأ . وما ذلك إلا تنمية للعقل واحتراماً له .
فإذا ما استبدت الغريزة بالإنسان ونزعت به إلى الشر وانحرفت إلى ما يفسد العقل ، ويعطل الفكر سواء أكان ذلك بشرب الخمر أو إدمان المخدر . كبح الإسلام من جموح الغريزة وقيد من انطلاقها . محافظة على العقل ومنعاً للضرر بنفسه أو الإضرار بغيره لذلك جاء التحريم : {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون}(5) . وكذلك قول النبى الكريم ((كل مسكر حرام))(6) .
فالقيود التى يضعها الإسلام على الحرية الفردية فى شتى فروعها من سياسية واقتصادية واجتماعية لا تهدف إلا إلى ضمان تأكيد المصلحة العامة ، ولا يبيح الإسلام لسلطة الدولة أى تتدخل بالقهر لتوجيه النشاط الفردى إلا حينما يكون هناك خطر
يهدد المجتمع .
وفى ضوء ما سبق يمكن تقسيم حقوق الإنسان فى ضوء المقاصد الشرعية على
النحو التالى :
1- حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد الدين :
- حق الاعتقاد والتفكير والتعبير .
- حق الدعوة والتبليغ .
- حق اللجوء .
- حقوق الأقلية .
- حق المشاركة فى الحياة العامة .
2- حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد النفس :
- حق الحياة .
- حق الحرية .
- حق المساواة .
- حق العدالة .
- حق الحماية من التعسف والتعذيب .
- حق الإنسان فى حماية خصوصياته .
- حق حرية الارتحال والإقامة .
- حق الإنسان فى أن ينال ما يكفيه بما يحفظ له حياته .
3- حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد العقل :
- حق التربية والتعليم .
- حق التفكير والتعبير .
4- حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد العرض والشرف :
- حق حماية العرض والسمعة .
- حق الأسرة .
5- حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد المال :
- الحقوق الاقتصادية والعمالية .
- حق الإنسان فى أن ينال ما يكفيه .
(1) عبد الحكيم حسن العيلى ، الحريات العامة ، م س ، ص 195 وما بعدها، ومراجعه المذكورة فى ثنايا كلامه الآتى .
(1) سورة البقرة : آية 256 .
(2) سورة يونس : آية 99 .
(3) البخارى : كتاب النكاح ص3 (ط الشعب) .
(4) سورة النور : آية 2 .
(5) سورة المائدة : آية 87 .
(6) سورة الأعراف : آية 32 .
(7) البخارى : كتاب الوصايا ص3 (ط الشعب) .
(8) سورة البقرة : آية 375 .
(9) ابن حجر : فتح البارى لشرح صحيح البخارى جـ4 ص244 .
(1) رواه البخارى عن أبى هريرة ، الشاطبى : الموافقات جـ1 ص131 .
(2) سورة الضحى : آية 10 .
(3) سورة المائدة : آية 38 .
(4) سورة البقرة : آية 375 .
(5) صحيح مسلم المجلد الرابع ص126 بلفظ آخر ، الغزالى : إحياء علوم الدين باب العدل واجتناب الظلم فى المعاملة ص775 .
(6) سورة الإسراء : آية 27 .
(7) سورة النساء : آية 5 .
(8) رياض الصالحين باب الإخلاص ، البخارى جـ4 ص3 .
(1) البخارى جـ8 ص198 .
(2) سورة النور : آية 27-28 .
(3) سورة الأنعام : آية 50 .
(4) سورة الزمر : آية 9 .
(5) سورة المائدة : آية 91 .
(6) البخارى : كتاب الأحكام ص88 .