نظرات فى مشكلات التصنيف فى العلوم الإسلامية 2

عصام أنس الزفتاوى 

إلى الصفحة الرئيسية    ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

المبحث الثانى : فقه الواقع
 ومشكلات التصنيف فى العلوم الإسلامية

يؤثر الواقع بثقله على التصنيف بشكل مباشر وغير مباشر، وسواء فى ذلك خطط التصنيف، أو المسائل العلمية ذاتها لبعض العلوم.

وأميز بصدد فقه الواقع بين مستويين منه : فقه واقع عام، وفقه واقع خاص، أو فقه واقع كلى، وفقه واقع جزئى.

وبينما يكثر الكلام عن الأول، يقل أو يندر الكلام عن الثانى، وربما بدا ذلك من طبائع الأمور لجدة الموضوع.

وفى الحقيقة فإن فقه الواقع الجزئى أو الخاص يتمتع بقدر كبير من الأهمية سواء فى آثاره على موروثاتنا الثقافية وخاصة الفقهية منها، أم فى آثاره على الحاضر أو المستقبل.

المطلب الأول - فقه الواقع العام، وأثره فى حركة التصنيف :

رشح الباحث للمشاركة فى تحرير الموسوعة الفقهية المشهورة بموسوعة عبد الناصر، وسعد بالترشيح، وسارع بالذهاب إلى مقر الموسوعة، لاختيار بعض المواد لتحريرها، ليفاجئ بأنهم بعد فى بدايات حرف التاء، وبالفعل اخترت مادتى التسليم
والتسلم، لكنى خرجت مهموما للأمر، حيث تجاوز الواقع هذه الموسوعة، التى كانت مناسبة حقا لحقبة الستينات حين بدأ صدورها والسبعينات من القرن العشرين، حيث كان ينبغى أن تنتهى بالكامل، أما ونحن فى أواخر التسعينات، فنحن بحق بحاجة إلى قرار شجاع إما بدعمها بميزانية ضخمة لإنجازها فى عامين أو ثلاثة، حتى لا يكون ما سبق هباء، وإما قرار أشجع بإيقاف العمل تماما، والاكتفاء بإصدار ما تم تحريره. شعرت بالعبث ومن ثم انصرف العزم عن المشاركة، فهناك على وشك  الصدور موسوعة فقهية ضخمة على الحاسوب
(
[1]) تضم عشرات الكتب الفقهية فى كافة المذاهب، توفر لك سرعة الاستدعاء مع الاطلاع على النص الأصلى، دون تدخل فى الصياغة.

وفى تصورى أن عملا هاما كهذا العمل (الموسوعة الفقهية على الحاسوب)، وفى ظل هذا الواقع الزخم بمشكلاته وتحدياته، وأيضا فى ظل هذا الوضع الذى تعيشه أمتنا لا ينبغى لهذا العمل  أن يخرج غافلا عن ذلك كله، أو متغافلا عنه لا بد أن يكون ورائه فلسفة عميقة تواجه وتعالج وترقى وتبنى، وألا يقتصر أبدا على مجرد النقل والتبسيط والانتقاء، ونحوه من الأهداف التى وإن كانت جميلة ومطلوبة إلا أنها قاصرة عن توفية واجب الوقت حقه.

إننا نعيش اليوم فى عالم معاكس، فى نفس الوقت الذى نعيش تناقضات هائلة داخل أنفسنا وداخل مجتمعاتنا المحلية، ووسط تراكم هائل من التحديات والمشكلات، تأتى من أبعاد الزمان جميعها الماضى والحاضر والمستقبل.

وينبغى لحركة التصنيف الإسلامية أن تكون مشروعا حضاريا حقيقيا يساعد فى مواجهة ذلك جميعه.

فحركة التصنيف الإسلامية ينبغى لها أن تقوم بواجب الوقت، وأن تقدم إطارا جديدا للعمل الإسلامى الجاد بديلا للأطر التى استهلكت رغم جدتها.

1- فمن المفروض لهذه الحركة أن تواجه مشكلات المسلمين.

2- كما أنها ستواجه العقلية الإسلامية الراهنة  بمشكلاتها وتناقضاتها بحكم أنها تسيطر على جمهور الخطاب، ويفترض فى حركة التصنيف الإسلامية أن تقوم بتقويمها ومعالجة مشكلاتها، محاولة الوصول بها إلى ما ينبغى أن تكون عليه.

3- كما أنه  يفترض لها أن تصل إلى أوسع قاعدة ممكنة من القراء، ولا يخفى حالة الأمة الإسلامية اليوم، والذى يتفاوت جمهور القراء بها من أقصى درجات السلفية تشددا إلى أقصى درجات العلمانية تحررا وانفلاتا.

وليس ينبغى لحركة التصنيف الإسلامية أن تقتصر على جمهور الوسط، ومن هنا فلا بد  أن تقف على أرض صلبة فى مواجهة أزمة الخطاب الدينى.

4- ومن ناحية أخرى فإن الكتابة الفقهية المعاصرة لديها العديد من المشكلات، كما تواجهها العديد من التحديات التى تطرح عليها إشكاليات كثيرة، ولا بد لحركة التصنيف الإسلامية أن تكون على وعى بها محاولة تجاوزها.

أولا - حركة التصنيف الإسلامية ومشكلات المسلمين :

لا بد للعمل أن يناسب العصر الحاضر، ولكن فى نفس الوقت ينبغى أن تعمل المصنفات على مستقبل أحسن للثقافة والعقلية الإسلامية العامة.

فمن الطبيعى أن تعمل حركة التصنيف الإسلامية على معالجة مشكلات المسلمين الفقهية الراهنة، وهذا بُعد واقعى يمليه الحاضر المعيش، ولكن فى نفس الوقت لا بد لها أن تأخذ بالقارئ إلى الأمام نحو وعى إسلامى حقيقى، وهذا ما يمليه المستقبل المستشرَف.

فدائما يأتى الفقه الإسلامى متأخرا عن الواقع يلهث ورائه مستميتا فى المواجهة، ليجد المسلمين قد ابتعدوا أكثر وأكثر، وليدخل فى دائرة الترخيص والتسهيل وارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما، لنظل أبدا واقعين تحت الضرر - خف أو عظم - وأحكام الضرورة.

فلا بد أن يأخذ الفقه الإسلامى المبادرة، على الأقل بتربية أجيال من المسلمين قادرين على الصمود ومواجهة الذوبان.

لكن ليست مشكلات المسلمين منحصرة فقط فى مشكلات الواقع أو تحديات المستقبل، بل ما زالت هناك الكثير من آصار الماضى تلقى بظلالها الكثيفة، إننا لم نبرأ بعد - على سبيل المثال - من آثار صراع الحنابلة والأشاعرة، والذى بدأ فى القرن الرابع الهجرى وامتد إلى يومنا هذا مرورا بابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، حيث وصل إلى أقصى مداه اليوم - على عكس ما كان ينبغى له - ونجح فى استقطاب دول وجامعات ومراكز أبحاث، وبدلا من أن نتجاوز هذه الصراعات التاريخية ونعالجها نقوم بتكريسها، وبعد أن كانت ميتة فى بطون الكتب أحييناها وحولناها إلى واقع معيش !!!

كما أن العديد من أطروحات المستقبل تطل علينا بوجهها إنْ حسنا وإنْ قبيحا.

ثانيا - حركة التصنيف الإسلامية والعقلية الإسلامية الراهنة :

على حركة التصنيف الإسلامية أن تأخذ نصيبها من ذلك بالاهتمام بتربية العقلية الإسلامية الصحيحة، فلا بد من الأخذ فى الاعتبار خصائص العقلية الإسلامية المفترضة ، ومحاولة بثها، والوصول إليها، ومواجهة مشكلات العقلية الواقعية الراهنة، ومحاولة علاجها فى ثنايا العمل، فمثلا من خصائص العقلية الإسلامية : الغيبية (الإيمان بالغيب)، ولكن من مشكلات العقلية الواقعية : الخرافية (الإيمان بالخرافة من منطلق يتجاوز وجوب الإيمان بالغيب).

ومثلا من خصائص العقلية الإسلامية : التكامل بين دوائر الإيمان والإحسان والإسلام، فى حين أن أحد أعظم مشكلاتنا المزمنة هو الفصل بين هذه الدوائر، سواء على مستوى الدرس الفقهى أو على مستوى التطبيق الحياتى.

فيقترح تخطى الفصل بين دوائر الإسلام والإحسان والإيمان، والذى حوَّل الفقه الإسلامى أو العقيدة الإسلامية إلى مادة جافة، فمثلا عند تقديم أحكام الصلاة وشروطها... لا بد من تقديم مقاصد الصلاة الروحية، وكيف يكتسب المصلى الخشوع فيها، والمعانى الروحية التى ينبغى أن يراعيها فى صلاته.

كما يقترح أن يشمل المشروع الأخلاق الإسلامية والعقيدة وأن يكون ذلك فى كل متكامل غير منفصل، متجاوزين فى ذلك خطة التصنيف التقليدية.

وكمثال آخر فإنه من إشكالات هذا الفصل التفريق بين ما يصح فقها وما يصح ديانة، فالذى يتهرب من الزكاة بشتى الحيل الفقهية كالبيع الصورى، وقطع الحول... فإن فعله صحيح فقها، لكنه حرام ديانة.

ومن المشكلات الخطيرة للعقلية الإسلامية الواقعية : فقدان القدرة على الإبداع والتفكير الحر، ومن الممكن مواجهة ومعالجة هذا العيب الخطير أثناء العمل، وأول خطوات المواجهة البعد عن الأسلوب التقريرى المحض فى تقرير المسائل  والأحكام، ومساعدة القارئ على فهم لماذا كان الحكم هكذا، بل ومساعدته على الوصول إلى الحكم بنفسه، وبدهى أنه لا يراد أن نصل بالقارئ إلى مرتبة الاجتهاد، ولكن الهدف إطلاق العقلية الإسلامية العامة من حالة الخمود والجبن والخوف من التفكير والإبداع.

ومن هنا فلا بد من مواجهة العقلية الإسلامية الواقعية، ومحاولة الاقتراب بها مما ينبغى أن تكون عليه العقلية الإسلامية الواعية.

ثالثا - حركة التصنيف الإسلامى وإشكالات الخطاب الدينى :

لا بد من مواجهة إشكالات الخطاب الدينى المعاصر، فمن المفترض أن يستطيع المشروع جذب القارئ السلفى - ولو متشددا - إلى جانب القارئ الصوفى، كما يستطيع أن يجذب القارئ العلمانى وليس فقط أن يواجهه، بالإضافة إلى مساحة من القراء ربما لا تعنيها الفكرة الدينية ولا تشغلها لا نفيا، ولا إثباتا، ومن هنا تأتى المهمة الصعبة فى بعث الفكرة الدينية فى نفوس هذه المساحة.

كما ينبغى للعمل أن يواجه بوعى مشكلات التيارات الإسلامية المختلفة، وأطروحات التيارات الرادكالية المتشددة.

رابعا - حركة التصنيف الإسلامى وإشكالات الكتابة الفقهية :

نستطيع فى نقاط سريعة إلقاء الضوء على بعض هذه الإشكالات :

                    1)  المذهبية واللامذهبية.

                    2)  الأسلوب المعاصر البسيط، وإشكال إفساد المعنى، وتكريس البعد عن التراث.

                    3)  الأسلوب القديم الدقيق، وصعوبة الفهم.

                    4)  أسلوب المتون وحاجته إلى وسائط للفهم (شروح - حواشى - تقريرات)، فى مقابل الأسلوب النثرى أو الموضوعى ومشاكل عدم ضبط المسائل وحصرها بما يسهل استيعابها، ويساعد على حفظها.

                    5)  اللغة الاصطلاحية بين تجاوزها بما يعنى الانقطاع عن التراث، والانقطاع عن الفلسفة الدقيقة التى قامت عليها، أو إبقائها بما يعنى الانقطاع عن القارئ غير المتخصص.

                    6)  الأسلوب النقلى التقريرى، فرغم أن الفقه علم عقلى نقلى مبنى على الاجتهاد، إلا أن هذا الأسلوب فى الكتابة أفقد الفقه روحه الأصيلة.

                    7)  تعدد الآراء دون التنبيه على سر التعدد مما يثير الحيرة لدى مساحة من القراء بينما يثير الشك لدى مساحة أخرى. وليست القضية عرض الراجح اقتصارا عليه أو ذكر الجميع مع التنبيه على الراجح، فإن هذا لن يرفع الخلاف سلفا، ولن يمنعه خلفا، وسيبقى دائما من يرجح هذا القول ومن يرجح هذا الآخر، فلن يزيل عرض الراجح أو الاقتصار عليه مذاهب استقرت قرونا وقرونا ، ولها أتباعها وأدبياتها، وكانت وما زالت وراء الحضارة الإسلامية وأساسها الراسخ المتين، بل إن هذا ليس مطلوبا قطعا. ولكن ينبغى أن يعرض الكل فى إطار أنه نابع من الشريعة وتوضيح كيف نبع، فى محاولة للرقى بالحوار، وأدب الاختلاف عند المسلمين، والذى يعانى أزمة حالية مستعصية. ويُذكر فى هذا الصدد المحاولة المهمة للإمام الشعرانى فى الميزان الكبرى.

                    8)  تعدد دوائر الكتابة الفقهية وتقسيمها إلى عدة علوم مما أدى فى النهاية إلى الفصل بينها، فكُتِب أصول الفقه منفصلا عن الفقه منفصلا عن قواعد الفقه، مما أدى فى النهاية إلى وجود الأصولى غير الفقيه، ووجود الفقيه غير الأصولى، بل إن هذا قد يتحقق فى الشخص الواحد وهو صورة صارخة إلى مدى ما وصل إليه الانفصال بين العلوم، فنجد العالم بالأصول والفقه، ولكن كل فى مساحة مستقلة دون تشغيل للجميع فى إطار واحد، بل الأصول للدرس الأصولى، والفقه للدرس الفقهى. وإن كان هذا له ضرورته على المستوى الأكاديمى أو التخصصى، فإنه من جهة أخرى لا بد من إيجاد مساحة تلتقى فيها الدوائر الفقهية المتعددة بوضوح وسلاسة ويسر، مما يساعد على إعادة تشكيل العقلية الإسلامية الراهنة، وإحياء روح الإبداع والتفكير. لقد جربنا فصل الدوائر وجربنا نتائجها، فلنجرب تواصلها بل واتحادها.

خامسا - مقترح بخطة التصنيف :

يقترح البدء بالآيات والأحاديث الواردة فى الباب مع التنبيه على درجة الصحة (مع القيام بعمل إحالات للأحاديث على مسرد خاص بها تخرج الأحاديث فيها تفصيليا)، ثم تذكر القواعد الفقهية المتعلقة بالباب لضبط وحصر مسائله. ثم تفريع مسائل الباب وأحكامه وصوره بناء على الأدلة المتقدمة ، مع بيان وجه التفريع ، وذكر القاعدة الأصولية التى فى ضوئها فُهم النص الشرعى واستنبط الحكم، (مع عمل مسرد، أو دليل مبسط للقواعد الأصولية يتم الإحالة عليه أثناء الحديث عن الأحكام).

إن هذا المقترح يندر أن نجد كتابة فقهية معاصرة تلتزم به بصورة كاملة ، ونستطيع أن نتلمس جذوره فى بعض كتابات المتقدمين كالمجموع للإمام النووى ، وكتابات شيخ الإسلام زكريا الفقهية .

ما مضى هو - فى تصورنا - جزء مما يمليه - أو ينبغى أن يمليه - فقه الواقع العام أو الكلى على حركة التصنيف فى العلوم الإسلامية، ننتقل بعده إلى الحديث عن فقه الواقع الجزئى أو الخاص، وأثره فى حركة التصنيف.

المطلب الثانى - فقه الواقع الجزئى وأثره فى حركة التصنيف :

هناك الآلاف من الفروع الفقهية التى فرعت واستنبطت بناء على الواقع الذى عاشه الفقيه المستنبط، ومع تغير ذلك الواقع لا بد أن تتغير تلك الفروع، وسنضرب عددا من الأمثلة على ذلك.

ولكن الإشكال الذى لا بد من الوقوف عنده قبل ذكر الأمثلة : أن هذه الفروع أصبحت جزءا من موروثنا الفقهى، ولا بد أن اختلاط المستويات عند البعض سيؤدى بهم إلى اعتبار تلك الفروع من الدين أو الشريعة، وأى محاولة لتغيرها، أو حذفها، هو تغير فى الدين نفسه.

هذا جانب متوقع من ردود الأفعال، وهو الرفض التام للتغير.

ومن جانب آخر فإنه مع التسليم بالتغيير فإن ذلك يحتاج إلى وعى فقهى كبير وممتد عبر الأبواب الفقهية؛ لأن الفروع الفقهية شبكة متصلة وممتدة حيث إن اختيار رأى ما فى باب ربما يترتب عليه اختيارات أخرى فى أبواب مختلفة، ومن هنا تأتى خطورة التغيير وصعوبته.

فإذا انتقلنا من ذلك إلى ضرب الأمثلة، فنجد مثلا أن أذان الجمعة الثانى -وبعيدا عن تشنجات التيارات السلفية -  وكما هى الواقعة المشهورة فى عهد سيدنا عثمان إنما اقتضى زيادته اتساع العمران، وزيادة الناس، فكان لا بد من إيجاد وسيلة لإبلاغ الناس بدخول وقت الصلاة.

وأرى أن المشكلة هنا مشكلة تقنية، فرضها الواقع : كيف يصل الأذان إلى الناس كافة مع الاتساع، والحل يأتى من خلال الوسائل التقنية المتاحة، وهو تعدد المؤذنين.

ومن هنا فلو كانت وسائل التقنية المتاحة وقت ذلك تمكن من تحقيق الهدف دون زيادة الأذان الثانى لكان بلا شك هو الحل الأمثل، وهذا هو الحال اليوم، مع وجود مكبرات الصوت، فلم تبق حاجة للأذان الثانى.

ولكن الآن وبعد أن أصبح الأذان الثانى شعيرة من الشعائر عند البعض، وبدعة من البدع السيئة التى ينبغى إنكارها عند البعض، كيف العمل ؟

وما العمل فى مئات الكتب الفقهية التى نتعلم من خلالها الفقه، والتى تنص على الآذان الثانى.

بل كيف يصنع من يرون أن للجمعة سنة قبلية كالظهر للأدلة الفقهية الكثيرة على
ذلك، فمتى يصلونها إن لم يكن هناك وقت بين الأذانين تصلى فيه.

وكمثال ثان : منبر النبى صلى الله عليه وسلم ، اتخذ من ثلاث درجات لأن سقف المسجد كان لاطئ (أى منخفضا) ، بحيث لا يمكن الارتفاع بالمنبر أكثر من ذلك ، فمع انخفاض سقف المسجد ، وصغر مساحته بصفة عامة يصبح المنبر ذو الدرجات الثلاث كافيا لأداء الغرض منه وهو رؤية الخطيب وإيصال صوته للحاضرين . فالدرجات الثلاث ليست مقصودة فى ذاتها ، بل هى أمر اتفاقى فرضه الواقع ، وليس سنة متبعة ، وإنما السنة المتبعة هو أن يكون المنبر بحيث يتيح رؤية الخطيب ، ويوصل صوته ، فمع اتساع المساجد كان لا بد للمنبر من أن تزداد عدد درجاته ليؤدى الغرض الذى من أجله شرع اتخاذه .

وفى إطار هذا التحليل يصبح المنبر ذو الدرجات الكثيرة محققا للسنة ، وليس بدعة كما يصوره البعض .

فلا بد فى فقه الواقع الجزئى من الوعى بالفرق بين الأمر الاتفاقى الحقيقى ، وبين الأمر الشرعى ، وللإمام ابن السبكى كلام دقيق عن هذا الفرق([2]) .

وكمثال ثالث : الفروع الفقهية الكثيرة المرتبطة بالماء والطهارة، والتى استنبطت فى ظل استخدام الأوانى والأوعية، فماذا عن استعمال الماء من الصنبور، ما زالت الكتابات الفقهية منقطعة عنها، رغم مرور أكثر من مائة عام على دخول أنابيب الماء إلى المدن الكبرى بمصر وغيرها من البلاد الإسلامية.

من تلك الفروع مثلا : نية الاغتراف عند وضع اليد فى الماء القليل، فهل هذه النية مطلوبة من المتوضئ من الصنبور ؟

وهل الماء الجارى من الصنبور قليل أم كثير ؟

وكيف نأتى بتثليث الغسل عند الوضوء، قديما كان الفرق بين المرة والأخرى بالغرف من الماء ثلاثا، غرفة لكل مرة، واليوم كيف نعمل، ونحن لا نغترف من ماء الصنبور ؟

ما هى أحكام استعمال (حوض الاستحمام/البانيو) ؟

عند تطهير الثياب النجسة بالماء القليل لا بد من مراعاة ورود الماء على النجاسة، وليس بالعكس؛ لأنك إذا وضعت الثياب النجسة فى الماء القليل فسينجس الماء بمجرد الملاقاة، ولن يطهر الثوب، هذا حكم الغسيل اليدوى، فما حكم الغسيل بـ (الغسالات الكهربائية) بأجيالها المختلفة.

وهكذا فإن مراجعة الفروع الفقهية المنقولة تحتاج إلى جهد كبير، وأيضا تناول الفروع الفقهية التى تمليها الحياة المعاصرة يحتاج إلى جهد آخر، فأين نحن من كل ذلك !

هذه مجرد أمثلة فى فصل واحد هو فصل أحكام المياه، فكيف ترى حجم المراجعات والإضافات التى يحتاجها هذا الفصل فضلا عن غيره من الفصول والأبواب على مستوى الفقه كله.

وقد تعمدت أن تكون الأمثلة غير متجاوزة لفقه (المرحاض) على حسب تعبير بعض العلماء المعاصرين، لنرى أن القصور يشمل أيضا ذلك الفقه.

ولا نقول إن هذه الفروع لم يتم تقديم إجابة عنها، بل الكثير منها تم دراسته باستفاضة، وكتبت فيه أبحاث ودراسات، خاصة فيما يتعلق بالمعاملات المالية، ولكن لنا وجهة نظر فى هذه الجهود التى حاولت تناول هذه الفروع :

1- أن هذه الجهود افتقدت حتى الآن للشمول، وربما كان هذا من طبيعة أن هذه النوازل والمستجدات لم تحدث مرة واحدة، وإنما تراكمت خلال القرنين الماضيين، وينبغى أن تنتقل هذه الجهود اليوم إلى مرحلة الشمول، بمعنى أن يتم : إما جمعها فى موسوعة واحدة على ترتيب الأبواب الفقهية، إما بصورة مفردة بمعنى أن تكون الموسوعة المقترحة خاصة بالمستجدات، أو تمزج بالفروع الفقهية المذكورة فى كتب الفقه بحيث يذكر الجميع معا.

2- أن الاجتهادات المعاصرة غالبا ما تصدر مطلقة، غير مقررة بناء على قواعد مذهب ما، ولا مفرعة بناء على فروعه، ولا هى مفرعة بناء على اختيارات واضحة لقائلها فى أبواب الفقه.

ورغم أن هذا قد يبدو مظهرا من مظاهر التجديد والإحياء، فإنه فى الحقيقة يؤدى إلى تفكيك فقهى، واضطراب تشريعى، بحيث لا تكون هذه الفروع المحدثة مبنية ومطردة على قواعد مذهب، وأصوله. فلا يخفى أن فروع أى مذهب متسقة مع بعضها البعض، وعلى مستوى الأبواب الفقهية كلها، فمثلا ما نختاره فى باب النجاسات من كتاب الطهارة ينبنى عليه مسائل فى المعاملات فى باب البيوع مثلا فيما يصح بيعه وما لا يصح، وما يصح تملكه وتمليكه، وهبته، إلى آخر التصرفات...، وما يجوز التداوى به وما لا يجوز، وما يجوز أكله وما لا يجوز إلخ. والأمثلة على ذلك كثيرة.

ويعنى هذا أن التخريج الفقهى والاجتهاد ينبغى أن يكون متسقا مع بقية فروع بابه، بل ومع سائر أبواب الفقه الأخرى ، وعلى وجه دقيق، حتى لا يؤدى ذلك إلى اضطراب تشريعى وفقهى، ربما نشهد العديد من ملامحه الآن.

ولا يعنى هذا بحال العودة إلى المذهبية الضيقة، ولا المناداة بإغلاق باب الاجتهاد، ولكنه لا يعنى إلا وضع الأمور فى نصابها.

طالما قرأنا وسمعنا : هذا ما تقتضيه القواعد العامة، وهذا ما يناسب المصلحة، وهذا هو الأرفق بالناس، وهذا ما تقتضيه أصول الشريعة... إلخ العبارات التى تفيد أن الاجتهاد فى هذه المسألة أو تلك انبنى على ذلك.

ولكن متى نسمع ما كان يقوله الفقهاء المتقدمون سواء المجتهد المطلق منهم عند الاستنباط من النص مباشرة أمرا ونهيا، عاما وخاصا، مطلقا ومقيدا، أو المجتهد المنتسب، فيقول : تفريعا على الاختيار الفلانى، وقياسا على قولهم، والتفريع كذا، والذى تقتضيه قواعد المذهب كذا....

فليس على المجتهد المعاصر فقط أن يلتزم بضوابط الاجتهاد تلك التى تذكر فى كتب الأصول، ولكن عليه أيضا أن يكون اجتهاده الفقهى فى إطار النسيج الفروعى العام للفقه ككل، وإلا اضطرب به التخريج والاستنباط، لأن المسائل الفقهية بناء واحد، ونسيج واحد، فليس أمام المجتهد المعاصر إلا أن يبين اختياره فى كل الفقه، ويربط المستجدات بها، أو أن يخرجه ضمن نسيج فقهى موجود بالفعل فى إطار مذهب من المذاهب. أى عليه : إما أن يضع مذهبا، أو أن ينتسب لمذهب.

حتى الاجتهاد الجزئى الذى يتمسك به بعضهم، فإنه لا يعنى إلا إتقان أحكام باب ما من أبواب الفقه، بحيث يحيط علما به أصولا وفروعا وأدلة، ثم يجتهد فى مسائله، ولا يعنى بحال تفتيت الاجتهاد وتفكيكه.

ولنسأل : هل يجوز بيع أكياس الدم، لاستخدامها فى العمليات الجراحية وغيرها من الاستخدامات الطبية؟

كيف يجيب المجيب على هذا السؤال دون أن يبنيه على مختاره فى باب الطهارة والنجاسة، ومختاره فى شروط المبيع... ومختاره فى مبحث الملكية والتمليك والتملك، ومختاره فى ولاية الإنسان على جسمه إلى غير ذلك من الأبواب الفقهية المرتبطة بالمسألة.

هل الربا يجرى فى النقود الورقية، غير المغطاة ذهبيا ؟

كيف يجيب المجيب عن ذلك دون أن يبنيه على مختاره فى ربا الذهب والفضة، وعلة التحريم فيهما، ومفهوم الثمنية، والنقدية، ومعيار القيمة... إلخ المباحث الفقهية المرتبطة بالمسألة.

ما هى شروط التعاقد عن طريق الفاكس، والتجارة الألكترونية ؟

كيف يجيب المجيب على هذا السؤال دون أن يبنيه على مختاره من أن الكتابة كناية أو صريح، ومفهوم مجلس العقد، وشروطه، ومفهوم الإيجاب والقبول... إلخ.

فالمجتهد المعاصر عليه إما أن يختار ويبين اختياره، أو يبنى على المختار فى مذهب من المذاهب، ولا عليه فى ذلك، فكل من رسول الله ملتمس.

ولهذا نرجو ألا يكون الاجتهاد المعاصر مظهرا من مظاهر العجز عن التخريج الفقهى السليم، الذى له قواعده، وإجراءاته، وفنياته، غير المكتوبة فى تراثنا بصورة كاملة.

فالمسجل مثلا فى مذهبنا معشر الشافعية بصورة دقيقة : أصول الفقه - فروع المذهب واختلاف أصحابنا فيها نقلا وترجيحا وتدليلا - أمثلة من تخريج الفروع على الأصول سجلتها تلك الكتب القليلة التى كتبت فى هذا الفن - القواعد الفقهية للمذهب والتى سجلتها أيضا الكتب القليلة لهذا الفن.

ولكن : كيفية التخريج الفقهى، بحيث يظهر لنا لماذا انتهت طريقة الخراسانيين من الشافعية مثلا إلى الحكم  فى مسألة ما بصورة مختلفة عما ذهبت إليه طريقة العراقيين.

ولماذا نطلق على فقيه من فقهائنا أنه صاحب وجه، ولا نطلق ذلك على فقيه آخر، وما هى سمات هذا الوجه وكيف تكون، وكيف يكون الفقيه صاحب وجه فى المذهب.

هناك إذن العديد من المشكلات فى مواجهة التخريج الفقهى لهذه الفروع المستجدة، لعل أهمها هو غياب فَنَّ التخريج الفقهى وآلياته، فهذه مساحة غير مكتوبة فى فقهنا، وإنما كان ينتقل ذلك الفن من جيل إلى جيل بالتدريب والتلقى، فالعلم بالفقه المكتوب اليوم، مع العلم أصول الفقه لا يكفيان لتخريج الفقيه المخرج على قواعد مذهبه، أو الفقيه المجتهد اجتهادا مقيدا أو مطلقا، وذلك لغياب العديد من حلقات العملية الفقهية التى كانوا لا يسجلونها كتابيا، وأصبح علينا الآن أن نستكشفها.

ويلحق بالتخريج الفقهى من حيث عدم الكتابة إجراءات القياس الذى هو عدة المجتهد، والمسجل فى أصول الفقه إنما هو نظرية القياس : أركانه وشروطه، وأنواع العلة وطرقها... إلخ، والعلم بها لا يكفى للوصول للقياس الذى هو عدة الاجتهاد، وقد فقد القياسون منذ أمد حتى نقل محمود بن حمزة الحنفى مفتى الشام فى قواعده الفقهية المسماة بالفرائد البهية أنه قد فقد منذ الأربعمائة([3]) .

وفى تصورى أنهم كانوا بعد الدراسة النظرية للقياس يتدربون على القياس بشكل عملى عن طريق التلقى ، بالإضافة إلى التدرب التطبيقى على بقية أبواب أصول الفقه ، وهذا هو المعنى المراد بقولهم فى التراجم تخرج به أئمة ، وتفقه على فلان وتخرج به ، ونحو ذلك .

فإحدى إشكالات التصنيف المعاصر فى الفقه اليوم هو كتابة ما لم يكن يكتب، ولن يكون ذلك بالأمر سهل؛ لأنه يتطلب تحليلا عميقا للبنية الفقهية والأصولية لكل مذهب على حدة، على الأقل، وإلا فداخل كل مذهب من المذاهب الأربعة مدارس مختلفة الخلط بينها غير محمود، فطريقة الخراسانيين من الشافعية غير العراقيين غير البصريين أصلا وفرعا ونقلا، ومالكية المدينة غير مالكية العراق غير مالكية المغرب، ولا يخفى تعدد مدارس المذهب الحنفى ومن الجيل الأول له على يد الصاحبين أبى يوسف ومحمد بن الحسن، وغيرهما من أصحاب الإمام أبى حنيفة.

نستطيع أن نسترشد فى مجال التخريج الفقهى بجهود الزنجانى والعلائى والأسنوى وابن خطيب الدهشة فى مجال فن تخريج الفروع على الأصول، وإن كان مقصودهم هو ضرب المثال، والذى نحتاج إليه اليوم هو تحليل عميق وشامل لإجراءات العملية الفقهية، وعلى مستوى الفقه كله.

وربما يبدو للكاتب أن مفتاح الوصول إلى التخريج الفقهى وإجراءات القياس هو تحليل التدليل الفقهى الذى يذكره الفقهاء فى نصوصهم.

وهناك العديد من الكتب الفقهية التى تمتلئ بالتدليل الفقهى، فعندنا فى مذهب الشافعية نجد الوسيط للإمام الغزالى، والمهذب للشيخ أبى إسحاق، والشرح الكبير للإمام الرافعى، والروضة للإمام النووى.

فلا تجد فرعا إلا وذكروا دليله وتعليله، ولا يذكرون خلافا بين الأصحاب إلا وذكروا وجهه، والراجح ووجه ترجيحه.

ومن الممكن البدء بكتابى الغزالى والشيخ أبى إسحاق، خاصة وأن لهما مصنفات مشهورة ومتداولة فى الأصول، مما يسهل الوقوف على مختارهما الأصولى، والربط بينه وبين ترجيحهما الفقهى، بخلاف الإمامين الرافعى والنووى، فليس لهما مصنفات متداولة فى أصول الفقه.

ومن جهة أخرى فإن هذه الأمثلة التى ذكرناها للفروع الفقهية المعاصرة لا تضع أيدينا على مدى قصور الفقه المعاصر  وحسب، بل تضع أيدينا أيضا على مدى ارتفاع معدلات العلمنة - على حد تعبير أستاذنا المسيرى - فى سلوكنا اليومى، لأن المفروض من المسلم ألا يقدم على فعل حتى يسأل عن حكم الشرع فيه، ولكننا تعاملنا مع الحياة الحديثة بتلقائية ودون كبير توقف أو تساؤل، والقضية هنا أننا لم نسأل ما هو الصواب والخطأ، ولم نشغل أنفسنا بذلك، رغم أن أحد ثوابت المنهج الإسلامى هو السؤال عن الحكم قبل الإقدام على الفعل.

وللأسف فإن هذا الموقف ممتد إلى كافة جوانب الحياة الأخرى.

وعلى الخلاف من ذلك كتب الفقه المتقدمة، والتى لا تدع فعلا أو سلوكا للعفوية أو التلقائية، لأن الأصل فى المسلم أن يسأل عن كل أفعاله، فيجب أن يجد الإجابة.

أما اليوم فلا نحن نسأل، ولا الإجابة -إذا وجد السؤال - موجودة، ولكننا بحمد الله لا نكف عن إعلان : أن الشريعة صالحة لكل زمان، ومكان!

المطلب الثالث - وقفة مع مقررات علم الأصول:

طلبة العلم الشرعى اليوم أول ما يُدَرّس لهم بالأزهر الشريف فى علم أصول الفقه هو كتاب المنهاج للبيضاوى مع شرح نهاية السول للإسنوى، وذلك بالنسبة للمذاهب الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة، أما الحنفية فلهم منهج آخر.

ولا يخفى علو الكتاب، وما فى ابتداء الطلاب به من الصعوبة، ولا شك أن الطالب يحتاج قبل الخوض فى غمار هذه اللجة إلى مقدمات كثيرة، وإلى قراءة مبسطة لهذا العلم، حتى لا يندهش ذهنه من مباحث الكتاب.

ومع كون المنهاج وشرحه يمثل قمة مدرسة المحصول، التى هى أحد ثلاث مدارس سائدة اليوم فى علم الأصول على طريقة المتكلمين (مدرسة المحصول - مدرسة الآمدى - مدرسة جمع الجوامع) -: تصبح الكتب التى هى كالمقدمات لهذا العلم كالورقات وشروحها، واللمع غير ملائمة فى عباراتها واختياراتها لما استقرت عليه مدرسة المنهاج، مما سيؤول - إن ابتدأ الطالب بها - إلى تشتيت ذهنه بين العبارات والتعريفات والتقسيمات المختلفة، فإن الطالب مثلا إذا بدأ بالورقات وحفظ تعريفاته ومسائله، ثم شرع بعد الترقى فى الطلب فى دراسة المنهاج، وجد نفسه أمام تعريفات وتقسيمات أخرى، وكأن علم الأصول قد تخطى فى تطوره كتاب الورقات ومباحثه.

ولهذا فالطالب يحتاج إلى كتاب يسير على خطة المنهاج وشرحه، ويجرى على المعتمَد والمستقِر، ويقدم إليه ابتداء ما لا بد له أن يأخذه انتهاء، ولكن إجمالا فى الابتداء، وتفصيلا فى الانتهاء.

فالطالب بحاجة إلى كتاب يقدم له أولا :  مبادئ العلم ومسائله وتعريفاته، والراجح، أو المعتمد منه بدليله، مشيرا إلى المذاهب دون الاستطراد إلى أدلتها، مصوغا على المختار بعد المناقشات، مبنيا على المحرر من العبارات، معرضا - فى هذه المرحلة الأولية - عما وراء هذا الاختيار والتحرير من الأسئلة والأجوبة والاعتراضات.

فإذا تمهد فى ذهن الطالب ذلك سهل عليه بعدها خوض غمار معضلات المتن وشرحه، وتهيأ لما فيه من المباحث الضافية، وتيسر عليه تناول أدلة المذاهب، وما دار حولها  من الترجيح.

وقد كان لى شرف دراسة كتاب نهاية السول بالأزهر الشريف، وعلى يد علمائه سواء بالأزهر أو خارجه، كما شرفنى الله بالقيام على خدمته، حيث أتيح لى شرف المساعدة فى تحقيق نهاية السول، وتصحيح تجاربه الطباعية، فيسر الله تعالى لى الاتصال الوثيق بنصوص الكتاب قراءة  ومراجعة وتدقيقا وتوثيقا ومقارنة مع أصوله وخاصة : المحصول والحاصل والتحصيل.

وما كنت أعتقد أبدا أنه كان لى فهم ما فهمته من الكتاب (ولن أدعى أنى فهمت كل ما فيه) لولا طول معاناة وتشتت (أفاد فى آخر الأمر فى فهم شىء من نهاية السول) بين كتب المعاصرين فى الأصول بمميزاتها، ومآخذها، وبين شروح وحواشى الورقات المختلفة، حتى تكونت لدىّ ثمة خبرة بمسائل هذا العلم، ثم تطواف ببعض كتب الفن الأخرى.

فلما التحقت بالأزهر، ولما شاركت فى تحقيق الكتاب تيسر لى الأمر كثيرا، ولكنى لا زلت أذكر أول محاضرة حضرتها فى الكتاب بأحد معاهد الدعاة الخاصة، ألقاها علينا أستاذ من الأزهر، وكنت وقتها طالبا فى المرحلة الثانوية، وأصابنى اندهاش كبير لما سمعت، ولما اشتريت الكتاب ازدادت الدهشة والحيرة، فالحروف عربية، والكلمات عربية، ولكن ما المراد بها، تمر الصفحات والصفحات دون أن أعى شيئا.

لا يغيب عنى هذا بعد مرور السنين، وربما تكرر هذا الموقف أمامى عندما أستعين ببعض من لم يتصل بهذا العلم ليساعدنى فى مقابلة بعض نصوص أصولية، أشعر بمعاناته، وأشعر بيأسه من الفهم، أهون عليه ما استطعت، ولكن يذهب عنى وقد ملأنى مزيدا من الإحساس بالأزمة.

ربما قدمت الكتب المعاصرة جزءا من الحل، حيث يمكن أن يفهم القارئ الكثير من مسائل العلم، لكنها عامة لم تعطه خبرة كاملة للتعامل مع المصادر الأصولية الأصيلة.

تقدم أن المنهاج وشرحه يمثل قمة مدرسة المحصول، التى هى أحد ثلاث مدارس سائدة اليوم فى علم الأصول، أما المدرستان الأخريان : مدرسة المختصر (مختصر ابن الحاجب)، وكتبها : منتهى السول والإحكام للآمدى، ومختصرى ابن الحاجب الكبير والصغير، وشروح المختصر الصغير. وهذه المدرسة بحاجة أيضا إلى كتاب كالمقدمة لها، يمهد طريقتها.

ومدرسة جمع الجوامع بشروحه وحواشيه، وقد قام شيخ الإسلام زكريا بعبء خدمتها بكتاب لب الأصول وشرحه غاية الوصول، وقد طبع قديما بمصطفى الحلبى، وهو بحاجة إلى إعادة طبع بطريقة علمية تبرز الكتاب ومسائله.

أما المنهاج للبيضاوى فهو من مدرسة المحصول للإمام، والذى يمثل المحصول قمتها، ثم تتسلسل كتب المدرسة : شروح المحصول - الحاصل - التحصيل - التنقيح - شرح التنقيح - المنهاج  ، ولتنتهى بنهاية السول، وشروح المنهاج.

وتحتاج هذه المدارس جميعا إلى خدمات شاقة، ومجهودات كبيرة لخدمتها، وإبراز خصائصها، ثم تشغيلها، والاستفادة منها فى مشروع التجديد الفقهى والأصولى، حتى تكون الأطروحات الجديدة حلقة من حلقات البناء، لا نقضا، ولا عودة للوراء.


([1]) صدر بالفعل أكثر من موسوعة فقهية على الحاسب.

([2]) انظر : الإبهاج شرح المنهاج ، باب النسخ ، مسألة الزيادة على النص ليست بنسخ ، 2/284 ، ط الكليات الأزهرية .

([3]) الفرائد البهية ، ص 66 .