نظرات فى مشكلات التصنيف فى العلوم الإسلامية 1

عصام أنس الزفتاوى 

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث

 

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

نظرات فى مشكلات التصنيف فى العلوم الإسلامية

عصام الدين الزفتاوى – المسلم المعاصر عدد 104

 

تمهيد:

الحمد لله الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على معلم البَشَر، المرسل للناس بالنُذُر والبُشَر.

وبعد: فإن قضية المناهج الشرعية فى الأزهر الشريف، وتطويرها، وما سبق ذلك من شكوى طلبة الأزهر - فى المراحل الدراسية المختلفة - من صعوبة المناهج الدراسية، أو شكوى المختصين التربويين من عدم موائمة هذه المناهج للعصر الحالى، كل ذلك وغيره أيضا هو مظهر من مظاهر الأزمة الإسلامية المعاشة على كافة الأصعدة والمجالات، وما مجال التعليم الإسلامى إلا واحدا منها.

ولكنه مجال رئيس، تتمثل أهميته فى كونه أساسا للهوية الإسلامية، ومعبرا عنها، فصحة التعليم هو صحة الحضارة المعبر عنها، ومرضه مرضها، ومن هنا أتت الأهمية البالغة لقضية المناهج الشرعية، والتعليم الإسلامى.

ولا نجدنا بحاجة إلى التدليل على ذلك، إلا أنه يكفى لذلك أن نقول: إن البداية الحقيقية لتأسيس الدولة العلمانية بمصر كان يرتكز على التعليم العلمانى (المدنى) الذى أنشأه محمد على، ولهذا فأزمة ازدواجية التعليم ليست مجرد اختلاف بين نظامين متضادين من التعليم وحسب، بل هى بصورة أعمق اختلاف وتباين بين نسقين حضاريين شديدى التباين، لا يقل التباين بينهما عن حدة التباين بين الإيمان والكفر، أو
بين الإسلام والعلمانية.

ومن ناحية أخرى: فإن هذه الشكاوى - السابق الإشارة إليها - ومحاولات علاجها تعد فى نظرنا مظهرا آخر من مظاهر المرض، وليس علامة على الصحة، أو حتى الميل إلى الأخذ بأسباب الصحة.

وذلك لأن شكوى الطلبة تعكس فى الحقيقة - عند تأملها - عدم الإقبال، وعدم الاهتمام، وعدم الرغبة فى تعلم العلوم الشرعية تعلما حقيقيا مثمِرا. إنها شكوى تدل على دنو الهمة، وتقلصها، بل وانعدامها. ثم تأتى الاستجابة لهذه الشكوى بمسايرتها، وتشجيعها بمزيد من التخفيض، والتمييع للمناهج الإسلامية.

ولا يخفى أن هذه الاستجابة أشد دلالة على المرض؛ لأنها تخرج ممن بيدهم الحل والعقد، فإذا الحل يأتى هزيلا مريضا عليلا، لا يرجى منه نفع.

كان يمكن لتلك الشكوى أن تكون مظهر صحة، إذا رأت أن المناهج المتبعة لا توصل طالب العلم الشرعى إلى الغاية المطلوبة، وهى القدرة على الاجتهاد، فتأتى لتشتكى ذلك.

وكان يمكن لأهل الحل والعقد أن تكون الحلول التى يقدمونها علامات صحة حضارية إذا كانت تعمل على الوصول إلى تلك الغاية، وتعمل على رفع همة من تدنت همته.

ومن جهة أخرى:

فإن أزمة المناهج الشرعية هى انعكاس لأزمة أخرى، هى أزمة التصنيف فى العلوم الإسلامية.

وعبر التاريخ الطويل للعلوم الإسلامية على مدى خمسة عشر قرنا: كان هناك انتقالا للتصنيف الإسلامى من مرحلة إلى أخرى (المرحلة الشافهية - الجمع الكتابى الأَوَّلى - ظهور المذاهب الكبرى - عصر الموسوعات - عصر المتون - عصر الشروح - عصر الحواشى والتقريرات - عصر الشروح المعاصرة([1]))، وكان هذا الانتقال انتقالا سليما صحيا، تقتضيه روح الحضارة الإسلامية نفسها، ونابعا من ذاتها، ومقتضياتها،
ومنطلقاتها.

لكن ما جرى بعد ذلك، وربما أيضا مصاحبا للمرحلة الأخيرة لم يكن متأثرا بروح الحضارة الإسلامية وحدها، ولكن اختلطت فيه مؤثرات شتى.

ومن هنا جاءت الأزمة الراهنة للتصنيف فى العلوم الإسلامية، وهو ما سنحاول أن ندلى فيه برأينا.

وهذه الورقة تناقش قضية بالغة الخطورة، ولهذا فمن المهم تحديد بعض المرتكزات التى بنيت عليها، حفاظا على التواصل مع القارئ، والتعرف إليه بوضوح وصدق، فمن ذلك:

1- الإيمان المطلق بتحرير الفكر، لكن ليس من النسق الإسلامى ونظرياته ومناهجه، وإنما من الآصار، والمعوقات، والكسل، والركون....

2- الإيمان المطلق بالحضارة الإسلامية، والحب الشديد لها بكل ما فيها من مظاهر قوة، وحتى مكامن الضعف.

3- السعى الدءوب إلى استكشاف هذه المظاهر، والعمل على بعثها، والحذر من تلك المكامن والعمل على إجهاضها.

4- وإذا أراد الكاتب أن ينسب نفسه إلى مدرسة من المدارس الفكرية الإسلامية، ففى الحقيقة فإن موقفه يبدو فى ظاهره بالغ التناقض إذا يتعلق بمدرستين بينهما ما بينهما: المدرسة المحافظة برموزها الراسخة، والمدرسة الإصلاحية برموزها الشامخة، فلا يجد غضاضة فى الإعجاب بالشيخ عليش والشيخ محمد عبده معا.

ربما يبدو هذا الموقف متناقضا، لكنه فى الحقيقة موقف منهجى متعمد، بعيد أشد البعد عن العاطفة والحماس، حيث يرى الكاتب أن الخلاف بين المدرستين يؤول فى نهايته إلى نوع من الخلاف الشكلى، وذلك حديث آخر.

5 - كما يحاول الكاتب دائما تجاوز ظاهرة حوار الطرشان الذى أصاب مساحات ليست بالقليلة من حياتنا الفكرية، وأنه لا بد من وجود نقطة اتفاق بين الفرقاء يجب البحث عنها.

6- ومن ركائز هذه الورقة تحويل كثير من الأطروحات المعاصرة إلى مسلمات ومنطلقات، ومحاولة تشغيلها، وهذه الخطوة هى واجب الجيل الذى ينتمى إليه الكاتب، حيث إننا بذلنا وقتا كافيا فى بحث تلك الأطروحات وطرحها وإعادة طرحها، فإن كان الواجب الفكرى فيما مضى هو طرحها، فإن الواجب الفكرى اليوم هو تجربة تشغيلها بصورة فعلية.

7- ولا تتردد الورقة فى الاستفادة مما لدى الآخر خارج المنظومة الإسلامية، مع تخليص ذلك من سمات وخصائص الآخر، وصهره فى البوتقة الإسلامية.

8- وتحاول الورقة التزام قيم التفكير الحر من المراجعة والنقد والصراحة ومواجهة المشكلات والقضايا الشائكة، دون مواربة أو مسايرة أو مداهنة فكرية، ومهما كانت القضية شائعة ومستقرة فلن تبالى الورقة من نقدها ومراجعتها إذا كان ذلك ضروريا.

9- ستحاول الورقة ألا تقف عند حدود طرح الإطار النظرى التجريدى للأفكار، بل ستحاول اقتحام لجة الإجراءات ولو على سبيل التنبيه، وبقدر ما تحتمله هذه الورقة، وإلا فوراءها عدة مشروعات تحاول تطبيق ما طرحته من أفكار.

10- الكلام هنا هو نتاج تجربة شخصية، وخبرة مباشرة، ولهذا فلم يعنى الكاتب نفسه كثيرا بعناء التوثيق، إلا فى حدود الضرورة.

11- والكلام هنا أيضا هو مجموعة من الأفكار أقرب إلى طريقة صيد الخاطر، فنرجو أن يكون ذلك عذرا مقبولا.

المبحث الأول بين نسقين سائد ومقترح

لا شك أن هناك نشاط متزايد فى مجال النشر الإسلامى سواء فيما يتعلق بتحقيق المخطوطات، أو الدراسات المستقلة، أو محاولات تغطية مستجدات العصر وتناولها بالبحث، أو فى إطار مراجعات الفكر الإسلامى وتراثه، والبحث عن الحلول لما نعانيه من أزمات على شتى الأصعدة.

ومع كون النشاط المتزايد هو ظاهرة صحية، وعلامة على الحياة، فإنه لا ينبغى أن نركن إلى هذا، دون أن نراجع هذه الظاهرة، لنحاول حصر أوجه القصور، وطرح تصورات علاجه أولا بأول، قبل أن يتحول القصور إلى أمراض مزمنة تستعصى على الحل.

وأول ما ينبغى ملاحظته: أن نشاط التصنيف يتم فى حالة مخاض شديد بين أنساق سائدة وأخرى مقترحة، بين أنساق مكتملة وإنِ اتهمت بالشيخوخة وأنساق مقترحة لا تجد المحاولات الجادة للتشغيل، وأشباه أنساق تحتاج إلى إنضاج وإكمال يكمل العوز فى منهجيتها، وإلا ستؤدى باستمرارية التشغيل دون نضج إلى مزيد من تكريس وضع الأزمة، حيث تمثل أشباه الأنساق معوقا حقيقيا دون الخروج من الأزمة.

وإذا كان السائد فى العلوم الوضعية قابل للتجاوز والتخطى، وللثورة العلمية، والنقض، والخروج، فإنه ليس كذلك السائد فى العلوم الشرعية؛ حيث يصبح التجاوز
عبثا، والثورة تدميرا،
مقرا بوجود مساحة ما للتغير، مميزا بوضوح بينها وبين مساحات الثوابت، فارقا بين العلم وطريقة التصنيف فيها، حيث تم تجاوز طرق التصنيف فى العلوم الشرعية عدة مرات وفق مقتضيات الوقت وواجباته، حتى وصلنا إلى ما يسمى اليوم بالطريقة الموضوعية، والتى تتناول مسائل العلم بعيدا عن المباحث اللفظية، إلا أن هذه الطريقة لم تتبلور بعدُ، رغم مضى ما يزيد على المائة عام، وهى فترة ليست بطويلة إن تمخضت فى النهاية عن شىء يستحق الاهتمام، ولا يتم التبلور إلا إذا ساد نموذج قوى فى التصنيف على هذه الطريقة يتلافى المآخذ ونقاط الضعف.

فيحتاج الأمر اليوم إلى أن يكون المرء ذا عيون، وأن ينظر بها جميعا ومن خلال عمله إلى الماضى والواقع والمستقبل، وأن ينظر إلى السائد، وإلى ما ينبغى أن يسود، وأن يراعى دائما أن يكون حلقة فى سلسلة، وفرعا فى شجرة، ولبنة فى بناء، وهكذا تبنى الحضارات.

ولهذا وأدت جهود أمثال ابن تيمية وابن القيم والصنعانى والشوكانى، حيث نرى أنه تمضى قرون بعد ابن تيمية حتى يأتى الصنعانى والشوكانى ويحاولا تشغيل نسق ابن تيمية المقترح فى البحث الفقهى، ثم يجمد تشغيل النسق بعد ذلك، دون محاولات جديرة بالملاحظة إلى يومنا هذا.

ومع هذا فإن ما قدمه الشوكانى نفسه آل فى نهايته إلى الردة إلى النسق السائد الذى أعلن هو خروجه عنه.

فالدرارى المضية شرح الدرر البهية لا يتجاوز أيا من كتب المذاهب التى تتناول علم الفقه العالى، أو علم الخلاف، وتعرض لاختيارات وأدلة المذاهب والترجيح بينها، ولن يعدو أن يكون الشوكانى قد أبدل باختيارات المذاهب اختياره هو، ولن يعدو الطالب الذى ترك دراسة أحد المذاهب الأربعة إلى دراسة كتاب الشوكانى عن أن يكون قد أبدل بأحد المذاهب الأربعة مذهبا خامسا إن صح التعبير، فهل كان هذا غرض الشوكانى من عمله وجهاده فى حياته، ولهذا فإن آلاف الشباب الذين يشتغلون اليوم على كتب الشوكانى لم يصنعوا شيئا ولم يتجاوزوا التقليد الذى يفرون منه، بل ولم يتسقوا مع أنفسهم، ومبادئهم.

وإن كنا لسنا فى مقام التفضيل بين مذاهب استقرت لقرون طويلة، وتواردت عليها عقول آلاف العلماء تهذيبا وتنقيحا وتصنيفا، وبين مذهب ما زال تحت الإنشاء (إن صح التعبير أيضا).

لكننا فى هذا المقام لا بد لنا من أن نقول: إننا لسنا بحاجة إلى نسق يؤدى فى النهاية إلى إضافة مذهب إلى مذاهب، وإلى إيجاد مقلدين جدد لأئمة نضيفهم إلى ما لدينا من مقلدين إلى أئمة أخر، وهذه النتيجة هى للأسف الحاصلة إلى الآن من جراء تشغيل نسق ابن تيمية المقترح.

وأعتقد أنه ليس الخطأ فى النسق المقترح ذاته، بقدر أنه  فى التشغيل الذى فَرّغه من هدفه، وهو إحياء العقلية المجتهدة والمبدعة، وجعله فى نهاية الأمر نسخة من النسق السائد مع اختلاف رموز النسق.

ولهذا فإن ما يحدث من التشاحن بين أنصار النسق المقترح وأنصار النسق السائد هو أشبه بما كان بين أنصار النسق السائد أنفسهم أول الأمر قبل استقرار حالة التعايش بينهم (كفتن الحنفية والشافعية، وفتن الحنابلة والأشعرية، وغيرها مما وقع بين المذاهب المختلفة)، وليس هذا التشاحن شبيها بما يكون بين روح علمية سائدة وروح جديدة تريد أن تسود، كما نجده فى صدام النسق السائد مع محاولات التجديد الحقيقى والأصيل.

وما يقال على صعيد التصنيف الفقهى يمكن أن يقال على صعيد التصنيف فى علم التوحيد، بل إن حظ هذا العلم الأخير من التشغيل فى ضوء نسق ابن تيمية أضعف.

فرغم التظاهرة الواضحة من التيار السلفى لآراء ابن تيمية، فإن ما صنفه هذا التيار فى علم التوحيد لا يعدو أن يكون إعادة كتابة كتب (السنة)، مع إضافة بعض ردود لابن تيمية على النسق السائد، دون تقديم جهد حقيقى فى بناء نسق جديد لعلم العقيدة يواجه التحديات مواجهة حقيقية، لا أن يهرب منها، ويتقوقع داخل ذاته.

وهكذا نجد النسق السائد فى علم الكلام ما زال منشغلا بمواجهة من ليس لهم وجود (كالمعتزلة وفلاسفة الأوائل)، وبدل أن يقلدوا رموز النسق فى مواجهة مشكلات العصر المعاش وفلاسفته وتحدياته، كما واجه هؤلاء الأئمة الرموز مشكلات عصرهم، قلدوهم فى مواجهة مشكلات زمان ليس بزماننا، وتحديات ليست مثارة اليوم، فأخطأوا من وجهين: فى التقليد، وفى أنهم قلدوا فيما هو غير قابل للتقليد.

ويمكن أن نطلق القول: أن ذكر آراء الفرق كالمعتزلة والفلاسفة ونقدها فى كتب علم الكلام السابقة هو من قبيل الفتوى التى تتغير زمان ومكانا وشخصا، أو هو من قبيل التصنيف القابل للتجاوز، وإن كان تجاوزها لا يعنى بحال عدم وجود أى فائدة من دراستها، إلا أنها قطعا ليست من قبيل العلم غير القابل للتجاوز.

بينما نجد أن النسق المقترح توزع جهده بين هؤلاء غير الموجودين وبين مواجهة النسق السائد، وكأن مشكلات العصر إنما هى ما يطرحه السائد على المقترح من التحديات.

ولتقف العقيدة الإسلامية بعد ذلك بحاجة ماسة إلى جهد حقيقى للخدمة والتصنيف حسب واجب الوقت، ولن يكون جهدا حقيقيا إلا إذا كان من خلال نسق ناضج.

ويبدو أن الأنساق المقترحة نفسها من حيث كونها خرجت عن النسق السائد -: صعب تشغيلها، حيث إن أى نسق مقترح لا يمكن أن يكفيه جيلا واحدا، أو جيلين مؤسسين، بل يحتاج إلى عدة أجيال مجتهدة وقوية ومبدعة تواصل عملية البناء، قبل أن يسلم النسق نفسه إلى طور الجمود والتقليد، ومن هنا عجز عن متابعتها حتى أنصارهم ومشايعوهم، فبدت كأنها شجيرات صغيرة نبتت فى ظل الشجرة الأم، واستمدت من جذورها، ولا تستطيع أن تستقل بنفسها.

ومن هنا لم تتجاوز آثارها أن تكون من باب اللوازم، حيث نبهت على مواطن الضعف داخل النسق السائد، ثم أعطت الحلول خارجه، فاستفاد النسق السائد الكشف عن
الضعف، وخسر ما بذل من جهد فى البحث عن الحل والعلاج، والذى ذهب هباء فى محاولة بناء نسق آخر نحن بغير حاجة إليه فضلا عن أنه سيحتاج إلى قرون أطول من القرون التى احتاجها النسق السائد، حيث سيحتاج إلى وقت البناء بالإضافة إلى وقت مواجهة النسق السائد، هذه المواجهة التى انشغل بها كل رموز النسق الجديد وكثير من رموز النسق السائد، مما أجهض بناء الجديد، وعوق إلى حد كبير تطوير السائد.

مما يعنى أن العلاقة بين النسقين علاقة مَرَضِيَّة (وليست مُرْضِيَة)، لم تأخذ بعد بأسباب الصحة والسلامة، ولهذا فهى علاقة معوقة لكلا الطرفين، وليست علاقة حافزة، كتلك التى كانت بين عناصر النسق السائد بعد استقراره ، الذى هو فى حقيقة الأمر عبارة عن أسرة من الأنساق، التى استطاعت مع الجهد المضنى عبر قرون - ومع تجاوز لحظات التشاحن التاريخية - أن تلتحم سويا لتشكل النسق السائد، فقد حفزت العلاقة بين عناصر النسق على أن يقوم رموز كل نسق بإنضاج نسقهم الأصغر، وتلافى ما دلهم عليه بقية الأنساق من آفات، من خلال عملية سعى جادة لتبصر العيوب ومعالجتها.

ولهذا فالنشاط التصنيفى المعبر عن العلاقة بين النسقين السائد والمقترح هو علامة مرض، ولا ينبغى أن ينظر إليه مهما تكاثرت أدبياته على أنه نشاط صحى بناء؛ ضرورة أن هذا النشاط هو نتيجة علاقة مَرَضِيَّة.

بخلاف النشاط التصنيفى الذى عبر عن العلاقة الحافزة بين أسرة النسق السائد، فإنه أتى فى معظمه علامة صحة، وساعد بقوة على بناء النسق، من خلال سلسلة طويلة من أدبيات عالية المستوى، قامت بتناول شتى أجزاء النسق، وتفرغت لعملية البناء الحضارى تفرغا شبه تام، ولهذا لا تجد ثغرات زمنية بين أطوار النسق، ولا تقع أى انقطاعة بين أجياله من القرن الأول، وحتى قرن مضى.

ونستثنى من ذلك بعض أدبيات ألفت فى لحظات التشاحن التاريخى؛ فخرجت معبّرة عن اللحظة التاريخية المعاشة، ككتاب مغيث الخلق فى اختيار الأحق([2])، لإمام الحرمين الجوينى، ورغم جلالة إمام الحرمين، وكونه أحد الرموز الكبرى للنسق السائد، وكون مصنفاته فى الذروة العليا من النضج، والتأثير البالغ فى حركة التصنيف بعدها، آخذة بأسباب الصحة والسلامة، ورغم ذلك يأتى مغيث الخلق على النقيض منها، ولا شك أن ضغوط اللحظات التاريخية المعاشة تحجب كثيرا من الحقائق عن الرؤية الناضجة فتجعلها تبدو أقل نضجا مما هى عليه فى الحقيقة، أو كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : ((يصبح الحليم فيها حيرانا)).

ومن جهة أخرى، فبينما حافظت الحياة الجامعية والأكاديمية فى الجامعات الإسلامية عامة على النسق السائد، حتى تلك الجامعات الموجودة فى مجتمعات تتبنى المؤسسة الدينية فيها نسق ابن تيمية -: نجد أن حركة التصنيف خارج أسوار الجامعات لا يسودها أنساق معينة مما يهدد عملية التصنيف فى العلوم الإسلامية بشكل خطير.

وبينما ارتكز النشاط التصنيفى فى الجامعة على مقررات النسق السائد، نجد  أن حركة التصنيف خارج الحياة الجامعية غير منضبطة بضابط اللهم إلا رؤية المؤلف ضاقت أو اتسعت، التزمت، أو خرجت.

وبينما تحول شتى العقبات بين اتصال عموم القراء، وبين حركة التصنيف الجامعى، كرداءة الطبع، وعدم الاهتمام بتوسيع دائرة النشر حيث يكون الهدف طلبة الجامعة فقط، كما يقل أن تجد للمؤلف الواحد كتابا يشمل مسائل العلم الذى يتخصص فيه، خاصة العلوم الكبيرة كالتفسير والحديث والفقه، والتى بطبيعة الحال لن تدرس فى سنة واحد بل على مدى سنين الجامعة (دون أن تستوعب كافة مباحث العلم أيضا)، فيأتى المؤلف ويقتصر على مقرر العام الدراسى الذى يدرسه، فحتى لو دارت السنين، ودَرَّس لكل الفرق الدراسية، فلن نجد التوائم والاتفاق بين مذكرات جامعية ألفت عبر سنين، وفى ظل ظروف مختلفة.

بينما ينجح التصنيف خارج الحياة الجامعية - ورغم عدم انضباطه - فى الانتشار بين عموم القراء، هؤلاء القراء الذين يلجئون بالأساس إلى القراءة كى يحصلوا على الميزان الذى يزنون به أمورهم، فى حين أن الذى  يلجئون إليه بحاجة أساسا إلى امتلاك الميزان لحسن اختيار ما يقرأ، حيث إنه ليس كل ما على أرفف المكتبة الإسلامية للأسف صالح للقراءة، والنتيجة وراء ذلك هى الأزمة الحالية المعاشة، والبلبلة الفكرية المنتشرة.

الطريقة الموضوعية:

ذكرنا أننا نفرق  بين العلم الشرعى وطريقة التصنيف فيها، فبينما لا يجوز تجاوز العلوم الشرعية، فإنه يجوز تجاوز طرق التصنيف، حيث تم تجاوز طرق التصنيف فى العلوم الشرعية عدة مرات وفق مقتضيات الوقت وواجباته، حتى وصلنا إلى ما يسمى اليوم بالطريقة الموضوعية، والتى تتناول مسائل العلم بعيدا عن المباحث اللفظية.

وهذه الطريقة لم تتبلور بعد رغم مضى ما يزيد على المائة عام، وهى فترة ليست بطويلة إن تمخضت فى النهاية عن شىء يستحق الاهتمام، ولا يتم التبلور إلا إذا ساد نموذج قوى فى التصنيف على هذه الطريقة يتلافى المآخذ ونقاط الضعف.

لكن يبدو لى أن الظرف الزمانى يحتم علينا تجاوز الطريقة الموضوعية أو على الأقل تطويرها بما يناسب السبب الرئيسى التى من أجله وجدت ألا وهو تقريب أمهات الكتب، وتمكين الطالب منها، إلا أن الحاصل - أو هكذا أراه -: أنها قطعته عنها.

فإنها - وهى لا تصلح لأن تكون بديلا لمعتمدات الكتب وأمهاتها - عجزت عن هدفها الأصيل من التمهيد لها، فقد فقدت الكثير من القوة - بل أصيبت أحيانا بالركاكة - نتيجة الإعراض عن المباحث اللفظية جملة، أضف إلى ذلك انتشار المسائل، وعدم ضبطها بالعبارات المانعة التى تمتاز بها المتون، مما يصعب عملية ضبط مسائل العلم على القارئ، ويشتته، لقد أصيبت المصنفات الموضوعية بالضعف وبالتالى انتقل ما أصابها من ضعف إلى قرائها والمعتمدين عليها، فبدل أن ترقيهم وتنتشلهم أغرقتهم وغرقت معهم.

لقد أرادت الطريقة الموضوعية تجاوز طريقة (متن/شرح/حاشية/تقرير) لكنها للأسف لم تنتج شيئا يطاول ما أرادت أن تتجاوزه.

لهذا فهناك عدة ثوابت أرى لزوم اتباعها:

- مفهوم البناء.

- مراعاة الارتباط بالكتب التى ينبغى للطالب أن يترقى إليها، فيعجبنى مثلا فتح العلام شرح مرشد الأنام كلاهما للشيخ الجردانى فى الفقه على المذهب الشافعى، لصحة عبارته، وتمهيده ذهن الطالب لما بعده من الكتب، نعم لو كان خادما لمتن أبى شجاع، أو متن المنهاج الفروعى للإمام النووى (وهما متنان متداولان معتمدان) بدل من كونه شرحا لمتن مرشد الأنام (وهو متن غير متداول)، ثم أضيف إليه طرفا منتقى ومنتخبا من المباحث اللفظية لكان أتم فائدة، وكان المطلع عليه متمكنا من كافة الكتب الخادمة لمتن أبى شجاع أو المنهاج، وهى أساسية لدارس الفقه الشافعى اليوم، لا يستطيع أن يتخطاها برمتها، ولا يتمكن منها إلا بعد عناء شديد للغاية.

ومن جانب آخر فإن التراث الفقهى ملىء بالعديد من النماذج الرائعة، حيث تجدها قد تمثلت بمحاسن ما تقدمها، وتخلصت من المآخذ.

على سبيل المثال كتابات شيخ الإسلام زكريا الأنصارى (ت 926هـ)، وخاصة الفقهية منها، وأهمها شرح المنهج المسمى ((فتح الوهاب شرح منهج الطلاب))، وكتاب ((تحفة الطلاب شرح تحرير تنقيح اللباب))، وأراها بلغت الغاية من النضج، من حيث الصياغة، وحسن التلخيص والبعد عن الحشو، مع الاهتمام البالغ ببيان الدليل، من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والاعتماد على ما يجوز الاحتجاج به من الحديث، وبيان جهة الاستدلال، مع ذكر القواعد الأصولية المتعلقة بالمقام، وبين الفروع الفقهية للمسألة، وكل ذلك فى لغة سهلة واضحة غير معقدة.

وأرى أن حسن القراءة لهذين الكتابين تربى ملكة فقهية استنباطية قوية لدى المتفقه، مع ملاحظة أن ((تحفة الطلاب شرح تحرير تنقيح اللباب)) موجه للمبتدئ من الطلبة، بينما ((فتح الوهاب شرح منهج الطلاب)) موجه للمتوسط، مما يعنى أن الطالب يعتاد من بداية طريقه الفقهى على الأخذ بالدليل، وبيان كيفية الاستدلال به، ويتدرب على كيفية تشغيل علوم الآلات جميعها، وتحصيل المقصود منها، وهو استثمار الحكم الشرعى.

ولهذا نجد عناية الأجيال التالية لشيخ الإسلام زكريا بهما عناية بالغة، وفى بحث لنا عن المناهج الشرعية فى الأزهر الشريف فى القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين (18،19 ميلادى)، ظهر لنا مدى تلك العناية، مما يعنى نضج البيئة العلمية، يظهر ذلك فى الاهتمام بقراءتهما وتلقيهما، كما يظهر فى عدد من اهتم بوضع الحواشى عليهما، إذا نظرنا إلى الحواشى نظرة سليمة تعتبر وظيفتها الإعانة على قراءة الكتاب الذى وضعت عليه قراءة صحيحة توصل إلى الفهم السليم.

مما يعنى أن العملية التعليمية الفقهية كانت وحتى قرابة مائة سنة مضت - ليس غير - تسير بصورة جيدة تعليما وتصنيفا إذا لاحظنا مدى شيوع هذين النموذجين بالنسبة إلى غيره من المصنفات الفقهية، والتى لا تخلو أيضا من مميزات.

فإذا سلمنا بأن كتابى الشيخ زكريا هذين بلغا قمة النضج التصنيفى من حيث المنهج، ومن حيث الحَرِفَيَّة فى التصنيف، وتمثل فيها جهود وتراكم المعرفة الفقهية خلال عشرة قرون، فإن جهود القرون الأربعة التالية (القرون من الحادى عشر إلى الثالث عشر الهجرية) وقفت للأسف عند فهم هذا النموذج وإبرازه، والعمل من خلاله، ومن هنا كانت الشهرة المطلقة للشيخ زكريا رحمه الله، بحيث إنه إذا أطلق شيخ الإسلام فى مصنفات هذه القرون وفى العلوم الشرعية وأدواتها كافة فهو المراد بذلك.

وإذا كنا نعتبر جهد تلك القرون الأربعة هى وقوف دون تطوير أو تقدم، ولكنه أيضا دون تراجع، بينما ما حدث بعد ذلك هو تراجع حقيقى، وانقطاعة غير قابلة للاتصال بما قبلها، وهنا تبرز الأزمة من وجهة نظرنا.

وهناك طريقة لطيفة فى استشكاف ذلك الانقطاع، فما عليك إلا أن ترتب مصادر الفقه الشافعى - مثلا - على أرفف المكتبتة ترتيبا زمانيا، مع مراعاة وضع شروح الكتاب الواحد متجاورة.

ابدأ بالأم للإمام الشافعى ومعها مختصر المزنى، فالحاوى للماوردى، مرورا بمؤلفات إمام الحرمين والغزالى والشيخ أبى إسحاق، وشروحها، فمؤلفات النووى، والشروح عليها، وأخيرا بالحواشى عليها.

لقد التزمت بذلك فى مكتبتى الخاصة ليس فى الفقه وحده، بل وفى غيره من العلوم الإسلامية، وجربت رصد ظاهرة الاتصال والانقطاع فيها من خلال تلك الطريقة، فإذا هى صادقة لا تكذب، بل واستخدمتها أيضا فى تصوير تطور العلوم الشرعية وشرح ذلك للآخرين، فأجدها معينة تماما على الوعى بذلك التطور، كما أنى أراعى هذا الترتيب عند جمع المادة العلمية لموضوع ما، فأجدها تعطينى من النتائج، والملاحظات ما لا يمكن الوقوف عليها لو فتحت الكتب دون مراعاة الترتيب الزمانى.

إن كل مرحلة تسلمك للتى تليها، فى ترابط وثيق، وبناء محكم، وتراكمية حقيقية.

ولكن إذا بهذا التسلسل فى مصادر الفقه الشافعى -مثلا- يقف وينقطع عند الشيخ شمس الدين الإنبابى (ت 1313هـ)، ولا تكاد يتصل ما بعد ذلك بما قبله، إلا نماذج قليلة لبعض علماء اليمن سارت على الطريقة التقليدية، ولكنها انفصلت عن الواقع المعاش.

والقضية أن المحافظة على التراكمية والاتصال لا تعنى الانقطاع عن الواقع، كما أن مراعاة الواقع لا تعنى الانفصال والانقطاع عن المسار، هذا ما كان يحافظ عليه العلماء
سابقا، وهو ما ينبغى أن نحافظ عليه الآن.

ولا ينبغى أن نقف بذلك عند مجرد الطرح النظرى، بل ينبغى تجازوه إلى التطبيق العملى، وهو أصعب الشقين، وأهمهما.

وإذا أحببنا أن نختزل الطريقة الموضوعية فى عبارة واحدة فيمكن أن نقول: إنها طرحت أسئلة صحيحة، وأجابت عنها إجابة خاطئة.

فبينما أرادت وصل القارئ بالتراث قطعته عنه،وبينما أرادت تسهيل المباحث الدقيقة رأت أن تحذفها برمتها.

ولهذا فالطريقة الموضوعية فرت من المشكلة، وهربت منها، ولم تواجهها.

ولا بد من تقسيم الطريقة الموضوعية إلى مرحلتين: كتابات الطبقة الأولى ممن تعلموا بالطريقة القديمة، وكتبوا أغلب نتاجهم بالطريقة الموضوعية. ثم مرحلة الذين تعلموا بالطريقة الموضوعية، واعتمدوا اعتمادا أساسيا على الكتب الموضوعية، ثم كان نتاجهم كله بالطريقة الموضوعية.

وقد بنت الطريقة الموضوعية أساسها الفكرى على أن كتب التراث مليئة بالصعوبة، واللغة الاصطلاحية.

ومما يؤسف له بشدة أنه من النادر أن تجد فى الدراسات الشرعية المتخصصة الموضوعية ما يجبر المتخصص على الرجوع إليه، بمعنى أنه يمثل مرحلة أساسية فى العلم، ويمثل عدم الرجوع إليها خللا فى بحث الباحث أو عوزا.

فعلى سبيل المثال: لا يستطيع الباحث الأصولى أن يكتب بحثا أصوليا رصينا على طريقة المتكلمين أو الشافعية دون أن يرجع إلى مصادر أساسية: كالمعتمد - البرهان - المستصفى - المحصول - الحاصل - التحصيل - المنهاج وشروحه - الإحكام للآمدى - مختصر ابن الحاجب وشروحه - جمع الجوامع وشروحه.

ثم له بعد ذلك أن يضيف من المصادر ما يقع تحت يده، ولكن ليس له أن ينقص مما ذكرنا شيئا، وإلا أصاب بحثه خلل.

ولا شك أن الجهود الجبارة التى قام بها باحثوا الأصول فى العقود الأخير فى تحقيق ونشر أهم كتب الأصول هى التى أعطتنا تلك الخريطة الواضحة لمصادر البحث الأصولى، التى رغم سهولة تكوينها الآن، إلا أنها كانت حلما بالأمس القريب، ومع الإشادة بتلك الجهود فهناك العديد من الملاحظات عليها، وهناك المزيد من الأمل فى بذل جهودا أكبر وأدق لنشر المزيد من نصوص التراث الأصولى.

ورغم مضى عدة سنوات على اكتمال هذه الخريطة لم يظهر بعد من الدراسات المتخصصة ما يجبر الباحث على وضعه ضمن تلك الخريطة، مما يؤكد ظاهرة الانقطاع العلمى، ووجود حالة فشل عامة فى التواصل مع التراث، ذلك التواصل الذى يعنى القدرة على إضافة حلقة جديدة، وتعلية البناء طابقا آخر، والامتداد الحضارى زمانا، بعد أن توقفنا - إن لم نتراجع- مكانا.

فى ظل هذا المفهوم المحدد للتواصل مع التراث نرى - ولا يخلو الكلام من تعميم - أن الجهود المبذولة على الطريقة الموضوعية لا ترقى لهذا التواصل بدليل واحد هو عدم النجاح فى إجبار الباحث الأصولى على ضمه إلى الخريطة العلمية والعملية للبحث.

لتبقى بعد ذلك هذه الجهود الأصولية رهينة أبحاث الترقية، أو المذكرات الجامعية الهزيلة، التى كثيرا ما تكتب دون اكتراث فتجد فيها من السقطات العجيبة، وتحت يدى من ذلك مذكرتان لطلبة السنة الرابعة من كليتى الشريعة، والشريعة والقانون لغير الحنفية، وضعهما أستاذان من ذوى المناصب الرفيعة، ولهما شهرتهما التى لا تنكر فى تخصصهما، ولكن قراءة المذكرتين تخبرك بسبب فشل الطلبة فى الفهم، وضعف المستوى العلمى العام للطلبة، فبالإضافة إلى وجود أخطاء علمية تفقد الثقة بالمذكرة، نجد ضعف الصياغة وضعف الجانب الحِرَفى الفَنّى التأليفى، وهذا يؤثر سلبا - وبقوة - على المستوى العام للعمل، مما يخرجه فى النهاية فى صورة ركيكة وهزيلة.

وسأضرب مثالا واحدا من مذكرة كلية الشريعة والقانون والتى وضعها أقدم الأستاذين وأشهرهما، فإن القارئ لمذاهب الأصوليين فى قسم الدراسة الموضوعية([3]) لا بد سيصاب بالحيرة والاضطراب من الكلام غير المتسق مع نفسه أولا، ومع مذاهب الأصوليين فى المسألة فى حقيقة الأمر، والتى سيكتشفها بنفسه عندما يرجع إلى قسم الدراسة النصية آخر المذكرة، ومن العجيب أن المؤلف نقل النص التراثى بما فيه من تحريف بالطبعة الأصلية([4])، دون إصلاح، والأعجب أنه أخذ هذه العبارات المحرفة فى دراسته الموضوعية على ما فيها من تحريف، وبنى كلامه عليها، مما يعنى عدم الانتباه إلى فساد العبارة والمعنى ؟؟!

وعلى الطالب لو تنبه إلى الخطأ أن يصمت تماما، وأن يؤدى فى الاختبار الكلام بخطئه، وإلا تعرض للرسوب بتهمة التعالم على أستاذه، ومن الظريف أن رد أحد زملاء الأستاذ المؤلف عندما علم من طريق الطالب الذى كنت أساعده فى دراسة تلك المذكرة: ((إن هذا أستاذ كبير، ولجان الترقية قد أجازته من زمان، فهل تريدون أن تناقشوه مرة أخرى))، فنعم قد أجازته فكان ماذا ؟!

إن هذه الصورة - فى أقل تقدير - توضح مدى قلة الاكتراث، والعجلة فى التأليف، وعدم العناية بالعلم، بل وفقد تصور كيفية العناية به، أين ذلك من مؤلفات شيخ الإسلام زكريا الأنصارى التى قرئ عليه بعضها على طوله خمسين مرة بحضور أذكياء الطلبة، وهم - ولا أقول هو - يحررون العبارة، ويناقشون شيخهم، ثم يثبت فى النهاية ما صح معناه ومبناه، ومن ثم أتت مصنفاته على هذا القدر العظيم من الاهتمام، والعناية، والتحرير، مما استحق معه أن يطلق شيخ الإسلام فى كتب المتأخرين فلا يحمل إلا عليه.

وأين ذلك أيضا من نهاية المحتاج للرملى التى قرئت على مؤلفها فى أربعمائة عالم فنقدوها وصححوها، فبلغت حد التواتر كما قال السقاف فى الفوائد المكية.

ثم تأتى بعد ذلك الحواشى والتقريرات - وما أكثر ذاموها ومنتقصوها - على الكتب المتداولة لتضيف إليها مزيد من الإتقان والتحرير والدقة، فأين نحن من ذلك.

إذا كان لى أن ألخص الحالة الراهنة: فهى الكسل، والتوانى، وربما أيضا الجرى وراء اتساع أسباب الرزق، فإن أستاذ الجامعة قد هيئت له الفرصة الحقيقية للتفرغ العلمى، ووجدت تحت يديه من الطلبة ما يسمح بالحركة العلمية، دون مناوشات رجال الأمن، الذين ينظرون لأى حركة علمية خارج أسوار الجامعات بعين القلق، وتوفرت له من أسباب الرزق ما يكفل له حياة

معتدلة لو أراد أن يتفرغ لما هو مخصص وظيفيا له، ويأخذ راتبه عليه - دعنا من أن نقول من قبل الله تعالى، وبحكم الشرع الذى يحمله، وتعين كفرض عين عليه.


([1]) نقصد بهذا العصر كتابات علماء الأزهر فى القرن الرابع عشر الهجرى، والتى ارتبطت أيضا بالمتون المتداولة، وحرصت على الغايات المرجوة فى الشروح والحواشى، مع تسهيل العبارة، وتنسيق الطباعة بصورة توضح المقصود دون عناء. وتتمثل فى جهود تلك الطبقة من العلماء الذين تتلمذوا على الطبقات الأخيرة من العلماء أصحاب الحواشى كشيخ الإسلام إبراهيم الباجورى (ت 1277هـ)، والشمس الأنبابى (ت 1313هـ)، والشيخ محمد عليش (ت 1299هـ)، ومحمد نووى بن عمر الجاوى وغيرهم. ويأتى على رأس الطبقات التالية لهم: الشيخ مصطفى السبع تلميذ الباجورى، وأحمد بك الحسينى تلميذ الأنبابى (ت 1332هـ)،  والشيخ محمد بخيت المطيعى (ت 1354هـ)، والشيخ محمد محمود أبو قراعة، والشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى (ت 1355هـ)،  ومحمد شاكر (ت 1358هـ)، والشيخ سليمان العبد، والشيخ عبد الرحمن الجزيرى (ت 1360هـ)،  والشيخ عبد المتعال الصعيدى (ت 1377هـ)، وخاتمتهم الشيخ محيى الدين عبد الحميد (ت 1393هـ).

([2]) تناول فيه إمام الحرمين ترجيح مذهب الإمام الشافعى على غيره من المذاهب، وخاصة مذهب الإمام أبى حنيفة، وقد طبع الكتاب مرارا.

([3]) المقررات الأزهرية للعلوم التخصصية تنقسم إلى دراسة موضوعية يكتبها الأستاذ بنفسه، ودراسة نصية تعتمد على نصوص الكتاب التراثى المقرر أصالة، والكتاب النصى فى مثالنا هو نهاية السول للإسنوى شرح منهاج الوصول للبيضاوى.

([4]) طبعة صبيح من شرح الإسنوى هى التى اعتمد عليها كما يظهر بالمقارنة.

تابع بقية البحث : نظرات فى مشكلات التصنيف فى العلوم الإسلامية 2