نحو نظرية إسلامية للجمال - حكم صناعة التماثيل نموذجا

عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

فى مقال سابق لنا نشرته مجلة المسلم المعاصر تحت عنوان رؤية للموسيقى من منطلق حضارى إسلامى تطرق الكلام إلى مفهوم الجمال فى الإسلام ، وقد أثارت فتوى تحريم التماثيل التى أصدرها شيخنا فضيلة مفتى الديار المصرية ردود فعل مختلفة اتسمت فى مجملها بعدم الموضوعية ، وقد كان لنا تعليق على الموضوع سبق لنا نشره فى جامع الأحاديث (ح 8703) ، نحب أن ننشره مفردا هنا لما نرجو أن يمثله من إضافة إلى هذه القضية . 

فالإسلام إنما يسعى فى منع التماثيل وغيرها من القوالب الفنية ليس فقط لمنع التشبه بعبدة الأصنام ، وإنما سعيا لأن تظل الحضارة الإسلامية متميزة حتى فى فنونها .

فلا يعنى منعُ ذلك تحريمَ الفن على الإطلاق ، بل تحريم بعض القوالب الفنية ، سعيا لوضع نظرية شديدة الخصوصية والتميز فى الجمال والفن تنبع من أسس الإسلام وقيمه .

وليست نظرية الجمال فى الإسلام ملزمة بأى نِتاج أفرزته أسس الحضارات الأخرى وقيمها - والتى تختلف فيما بينها - إلا فى ضوء ما يقبله الإسلام .

والإسلام يدعو إلى الجمال وإلى تذوقه والتعبير عنه بوسائله هو وليس بوسائل الآخرين ، التى لا يعنى رفضها رفض الجمال ولا رفض تذوقه ولا رفض التعبير عنه فإن ((الله جميل يحب الجمال)) كما ورد فى الحديث .

بل ولا يعنى ذلك كون وسائل الآخر الفنية غيرَ جميلة بل الموسيقى الجميلة مثلا كالمرأة الجميلة يحرم الاستمتاع بها إلا فى إطار ما أباحه الله .

وليس كل وسيلة تعبر عن الجمال تكون بالضرورة مباحة شرعا ، ولا يعنى تحريمها تحريم الجمال أو تحريم التعبير عنه مطلقا بأى وسائل أخرى يقبلها الشرع ، فليس كل جميل يباح الاستمتاع به ، وليس كل حرام قبيحا لا منفعة فيه ، وقد قال تعالى فى الخمر والميسر {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} ، لكن قطعا كل مباح (ويدخل فيه الواجب والمستحب) جميل ولو لم يكن فيه من الجمال إلا أن الشارع أباحه لكفاه جمالا عند من يحب الله ورسوله ، ولو لم يكن فى الممنوع قبح إلا كون الشارع منعه لكفاه ذلك لأن تنصرف النفوس المؤمنة عما فيه من الجمال الطبيعى لما فيه من التقبيح الشرعى .

فالتقبيح والتحسين شرعيان لا عقليان ولا طبيعيان ، فالمعيار المطلق هو الشرع ، لا العقل المطلق ، ولا الجمال المطلق ، ولهذا فالاستمتاع بالجمال لا بد أن يكون من خلال الشريعة الإسلامية التى وضعت من الوسائل والضوابط ما يكفل الرقى بالانفعالات النفسية والمشاعر وتربية الوجدان وتنمية شخصية الفرد بصورة متكاملة .

ولا يقتضى هذا تسلط أذواق علماء الشريعة على ذوق المعبر عن الجمال ، بل فقط يقتضى أن تفيض روح المعبر عن الجمال بالإيمان وإسلام الوجه لله وتذوق الجمال من خلال روح مؤمنة ولهذا ستجد الإبداع الحقيقى والرفيع عند الصوفية المسلمين الحقيقيين – لا المدعين – الذين تذوقوا الجمال الإلهى وعبروا عنه أصدق تعبير وأرقه وأعمقه .

وتأكيدا لما سبق فلا يعنى رفض بعض وسائل التعبير عن الجمال كون الرافض متخلفا حضاريا أو عقليا كما يريد مدعو الثقافة الحديثة فى هذا العصر تصويره للناس وممارسة الإرهاب الفكرى على علماء المسلمين بأن كل من يرفض الموسيقى مثلا هو جافّ الطبع غليظه ، وإرهاب الناس وحملهم قسرا على الإيمان بحضارة واحدة وطمس هويات الحضارات الأخرى .

ومن هنا أتت الفنون الإسلامية المتميزة من الخط والمنمنمات والعمارة والزخارف والتذهيب والسماع الصوفى ، والمدارس المتميزة للأداء القرآنى التى ما كانت لتتميز لولا أن الأداء القرآنى كان هو الفن الأساسى عند المسلمين ، ومع غلبة حضارة الآخر شاعت فنونه وتراجعت الفنون التى أبدعها المسلمون بتراجع حضارتهم .

ومن هنا تصلح الفنون أن تكون مقياسا لمدى التبعية الحضارية أو الاستقلال الفكرى .

ومن جهة أخرى فإن الوسائل الفنية تعد من أكبر طرق الاتصال والسيطرة على الجماهير ، والتى تستغل الآن بشكل قاطع لصالح القوى التى تعمل لغير مصلحة الأمة الإسلامية ، ومن هنا ينزعج أذيال الآخر لمنعها خشية أن تستفيق هذه الأمة وتستعيد مجدها ، ولهذا لا بد من تناول قضية الفن من خلال هذا الإطار الحضارى الكلى .