منهج الإمام السيوطى فى ترتيب جمع الجوامع - مقتطف من مقدمة جامع الأحاديث

عصام أنس الزفتاوى

 

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

قسم السيوطى كتابه إلى قسمين : قسم الأقوال وقسم الأفعال .

قسم الأقوال :

ذكر الإمام السيوطى فى قسم الأقوال المتون القولية ، مرتبة على حروف الهجاء على ترتيب المعجم مراعيًا الكلمة الأولى فالثانية .

إلا أنه لم يلتزم ذلك دائمًا ، بل على سبيل المقاربة .

ومرجع ذلك فى أغلب ظننا أنه ألفه شيئًا فشيئًا ، وظل رحمه الله تعالى يضيف إلى الكتاب : المصادرَ والأحاديث ، ثم اخترمته المنية دون إتمامه ، كما ذكره تلميذه الشيخ عبد القادر الشاذلى ، ولا شك أنه - والحال هكذا - سيصعب عليه التزام الترتيب الداخلى الدقيق .

وقد تقدم أيضا عن الشيخ عبد القادر الشاذلى تلميذ السيوطى أن شيخه السيوطى اخترمته المنية ولم يكمله ، ووقع فيه تقديم وتأخير سببه تقليب وقع فى ورق المصنف ، فهذا سبب آخر لما وقع من اضطراب فى الترتيب الداخلى لقسم الأقوال وإن كان إنما يصدق على التقديم والتأخير فى فصول برمتها من الحروف ، أو مجموعة من الأحاديث على أخرى ، والخلل الذى وقع يشمل هذا النوع وغيره .

ومن ثم نجده فى الجامع الصغير الذى اختصره من الكبير أكثر التزامًا بالترتيب الدقيق شأن من يختصر من شىء سبق تصنيفه ، فالأمر أمامه أفضل للتجويد والتنميق ، وتدارك ما فات الأصل .

أما بالنسبة للمناوى فإنه أكثر دقة ، وإن كان أقرب إليها فى الجامع الأزهر منه فى كنوز الحقائق ، والتى يبدو أن الأصل الذى طبع منه كان سيئا ، على ما سبق ذكره عن الشيخ الكتانى عند الكلام على مصنفات المناوى .

على أية حال فقد حققنا للسيوطى ما رامه ، وقمنا بالترتيب الداخلى .

ومن جهة أخرى فإن هناك بعض اختلافات يسيرة بين هذه المراجع الخمسة فى الترتيب الداخلى فمثلاً فى الجامع الكبير بدأ بـ (مَن) الموصولة ، ثم (مِن) الجارة ، ووافقه على ذلك المناوى فى الجامع الأزهر ، بينما فى الجامع الصغير قدم الجارة على الموصولة ، ووافقه على ذلك المناوى فى كنوز الحقائق ، وتبعه النبهانى فى الفتح الكبير .

وقد اتفق الجميع على إفراد (لا) ، وترجموها بقولهم : حرف اللام ألف ، أو اللام والألف ، وجعلوها بعد الواو وقبل الياء .

لكن الأرجح لغة أن ((لا)) ليست معدودة فى حروف الهجاء العربية كحرف مستقل ، فــ ((لا)) ليست حرفا واحدا بل حرف مركب من اللام والألف ، وعليه فالصواب أن تذكر فى باب اللام ، وقد جرينا على هذا وجعلنا الأحاديث التى تبدأ بـ ((لا)) فى حرف اللام . وانظر : معجم علوم اللغة العربية (ص 75 ، 189 ، 350) .

ومما ينبغى التنويه عليه أنه فى جمع الجوامع بدأ بحديث : ((آتى باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن : من أنت فأقول محمد فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك)) ، لكنه فى الجامع الصغير استفتح الأحاديث - بعد الفراغ من المقدمة - بحديث ((إنما الأعمال بالنيات . . .)) ، ثم ذكر بعد ذلك حرف الهمزة ، والسيوطى فى ذلك قد استن بصنيع الإمام البخارى فى صحيحه حيث افتتح صحيحه به ، وهو ما استحسنه العلماء ، وابتدأ به كثير منهم مصنفاتهم ، نظرًا لدخول هذا الحديث فى أبواب الشريعة كافة([1]) .

وقد جمعنا فى عملنا هذا بين ما سار عليه السيوطى فى جامعيه فجعلنا حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) فى مقدمة المجلد الأول خارج عد الأحاديث لئلا يختل الترتيب الهجائى للأحاديث ، ثم بدأنا المجلد بما ذكره فى الجامع الكبير بأطراف (آتى) ، نسأل الله تعالى أن يرزقنا النية الحسنة فى ما نرد ونصدر ، وذكرنا هناك إسنادنا إلى الإمام السيوطى ، ومنه إلى البخارى ، إحياء لسنة الإسناد التى هى من أخص خصائص هذه الأمة ، ورجاء أن يحشرنا المولى عز وجل فى زمرة أهل الحديث ، والذابين عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد أجزنا أهل العصر به ، وبمروياتنا كافة ، وسنذكر هنا بعون الله فى خاتمة المقدمة وبه نختم العمل إسنادنا إلى البخارى أيضا بما ختم به صحيحه .

المحلى بـ (ال) :

ومن جهة أخرى فقد جمع السيوطى فى حرف الألف من الجامع الكبير فصلاً واسعًا للمحلى بـ (ال) من جميع الحروف ، بينما فرقه فى الجامع الصغير ، وتبعه المناوى فى الجامع الأزهر ، وكنوز الحقائق ، والنبهانى فى الفتح الكبير على الحروف ، فمثلاً طرف الحديث البادئ بـ : الصلاة . . . نجده فى جمع الجوامع فى فصل المحلى بـ (ال) من حرف الألف ، بينما نجده فى الجامع الصغير والجامع الأزهر ، وكنوز الحقائق فى آخر حرف الصاد . وهكذا .

 

وقد جرينا على طريقة السيوطى فى الجامع الصغير  من جعل المحلى بال فى فصل على حدته آخر كل حرف ، لكونه أسهل على مطالع الكتاب .

الأبواب المفردة : الشمائل الشريفة – المناهى – الأقضية :

لقد قام السيوطى فى الجامع الصغير بتلخيص قسم الأفعال بطريقة تسمح بسهولة الكشف فوضع باباً لـ ((كان)) ، وهى شمائله صلى الله عليه وسلم الشريفة فى حرف الكاف ، أورد فيه (721) حديثًا ، وبابًا للمناهى فى حرف النون ، أورد فيه (228) حديثًا ، ومجموعهما (949) حديثًا .

ثم خطا المناوى بعده فى الجامع الأزهر خطوة أخرى ، فزاد باب الأقضية فى حرف القاف ، إضافة إلى بابى كان ، والمناهى ، كما أنه ذكر العديد من أحاديث قسم الأفعال فى قسم الأقوال بعد أن استخرج منها أو جعل لها طرفا تصلح معه أن تذكر فى الأقوال مثال ذلك : حديث ((ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ...)) ذكره الحافظ السيوطى فى مسند على بن أبى طالب من الجامع الكبير وأوله : ((عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال : شهدت عليًّا فى الرحبة ينشد الناس ...)) فذكر حديث غدير خم .

وذكر المناوى حديث : ((أما إنه قد بلغنى أنكِ قد جزعتِ على ابنكِ قالتْ : وما لى لا أجزع ...)) الحديث ، وقد ذكره السيوطى فى مسند بريدة قال : كنا عند النبى صلى الله عليه وسلم إذ بلغه وفاة ابن امرأة من الأنصار فقام وقمنا معه ، فلما رآها قال : ما هذا الجزع ؟ قالت : يا رسول الله وما لى لا أجزع ...)) الحديث .

أما فى كنوز الحقائق فذكر باب شمائل النبى صلى الله عليه وسلم ، وسماه : باب كان ، وهو مـن الشمائل الشريفة ، كما عقد فصلاً فى المناهى .

وبهذا لم يحتج السيوطى فى الجامع الصغير ولا المناوى فى كتابيه إلى ذكر قسم للأقوال وآخر للأفعال .

لكن هذه الطريقة فى الحقيقة لا يمكن لها أن تستوعب جميع أحاديث قسم الأفعال من الجامع الكبير ، فطرف (كان النبى) تكرر فى قسم الأفعال من الجامع الكبير حوالى (150) مرة ، وطرف (كان رسول الله) تكرر حوالى (375) مرة ، وطرف (قضى رسول الله) تكرر حوالى (18) مرة ، وطرف (قضى النبى) تكرر حوالى (8) مرات ، وطرف (نهى رسول الله) تكرر حوالى (90) مرة ، وطرف (نهى النبى) تكرر حوالى (15) مرة ، وطرف (نهانا) تكرر حوالى (50) مرة ، وطرف (نهينا) تكرر حوالى (20) مرة .

ومجموعها : (726 ) ، ومن الممكن مع التصرف فى بعض المتون أن تزيد هذه الأطراف ، إلا أن عدد الأخبار فى قسم الأفعال تتجاوز سبعة عشر ألف خبر ، مما يبين أن هذه الطريقة التى اتبعها السيوطى فى الجامع الصغير ، والمناوى فى الجامع الأزهر ، وكنوز الحقائق لا يمكن أن تستوعب أحاديث قسم الأفعال .

ولهذا فقد أبقينا فى عملنا قسمَ الأفعال بحسب تقسيم السيوطى مع تهذيبه على الصورة التى ذكرناها عند الكلام عليه ، حيث إن خدمة هذا القسم ببعض الفهارس والكشافات سيسهل تمامًا - بعون الله تعالى - من البحث والكشف عن أحاديث هذا القسم .

وإن كان هذا الإبقاء قد صعَّب علينا تمامًا تتبع زيادات المناوى حيث أصبح لزامًا علينا البحث فى كل حديث وجدناه عند المناوى ولم نجده فى قسم الأقوال من الجامع الكبير ، هل هو فى قسم الأفعال أم لا ، فحيث وجدناه فى قسم الأفعال أهملناه ، وحيث لم نجده زدناه فى موضعه من قسم الأقوال مميزين له بكلمة [المناوى] ، هكذا بين معكوفتين .

ثم انتخبنا من الأبواب الثلاثة : الشمائل والأقضية والمناهى التى وردت فى الجامع الصغير وزيادته ، والجامع الأزهر الأحاديث التى لم يذكرها السيوطى فى قسم الأفعال ، وأفردنا لها أبوابا تأتى فى محلها فى قسم الأقوال .

فجعلنا للأقضية بابا مستقلا فى حرف القاف بالمجلد الخامس واشتمل على (45) حديثا ، من حديث (16235) إلى (16279) .

وأفردنا للشمائل المحمدية الشريفة بابا يأتى فى آخر حرف الكاف جعلناه ختاما مباركا للمجلد الخامس من الكتاب ، وقد اشتمل على (725) حديث ، من حديث (17062) إلى 17786) .

أما المناهى فقد أفردنا لها بابا فى آخر حرف النون ، واشتمل على (401) حديث ، من حديث (28259) إلى حديث (28659) .

فاشتملت هذه الأبواب الثلاثة على (1171) حديث خلا منها الجامع الكبير ، أخذناها من الجامع الصغير وزيادته ، والجامع الأزهر ، وكنز العمال .

قسم الأفعال :

أما فى قسم الأفعال فقد رتبه على المسانيد ، وقد تقدم بيان شرطه فيه فى الباب الثانى ، والإمام السيوطى يذكر الأحاديث تحت كل مسند حسبما اتفق دون طريقة ما فى ترتيبه . والكشف فى قسم الأفعال - بحسب أصل وضع الإمام السيوطى له - عَسِر ، خاصة فى مسانيد المكثرين ، فإنك حتى تصل إلى حديث ما تبحـث عـنه لا بد أن تطالع المسند كله .

ويكثر فى قسم الأفعال أن ترد الأحاديث تحت ترجمة صحابى آخر غير الصحابى راوى الحديث أو صاحب القصة ، ولغير سبب واضح ، وكنا فى أول الأمر نعتقد أنه من سوء ضبط ناسخ مخطوطة الجامع الكبير التى اعتمدنا عليها ، ثم تبين لنا مع مراجعة كنز العمال أن ذلك متفق مع الأصل الذى اعتمد عليه هو أيضا ، مما يعنى أنه كان كذلك فى الأصل القديم ، ويغلب على الظن من كثرة ذلك أن يكون الإمام السيوطى لم يبيض هذا القسم ، وتركه مسودة فى صورة بطاقات وجذاذات ، فوقع فيها تقليب وتقديم وتأخير ، ثم أتى من بيضها على حالها ، ثم نسخت النسخ من تلك المبيضة دون تحرير . وقد صرح بذلك الشيخ عبد القادر الشاذلى تلميذ السيوطى – على ما تقدم ذكره – أن السيوطى اخترمته المنية ولم يكمله ، ووقع فيه تقديم وتأخير سببه تقليب وقع فى ورق المصنف .

وهذا الذى قاله الشيخ عبد القادر الشاذلى هو الذى يؤيده الواقع والنقد الداخلى لكتب جمع الجوامع ، فكثرة الاضطراب بقسم الأفعال ، وعدم خفاء الصواب فيه وظهوره جدا ، يقطع بصعوبة أن يكون قد وقع هذا من الإمام السيوطى على سبيل الوهم ، فلا يبقى إلا القطع بأنه مات رحمه الله ولم يتمه .

والإمام السيوطى عقلية تصنيفية من الدرجة الأولى ، كما سبق وأن ذكرنا عند الكلام على مصنفاته ، فهو قادر على ابتكار المصنفات التى لم يسبق إليها بل ابتكار العلوم ، كالمزهر فى علوم اللغة ، والاقتراح فى أصول النحو ، والأشباه والنظائر الفقهية والنحوية ، فضلا عن تطوير علوم قائمة كتدريب الراوى فى المصطلح ، وجمع الجوامع فى النحو .

فمثل هذه العقلية التصنيفية المبتكِرة لا تعجز بحال عن تنظيم قسم الأفعال لو كان فرغ منه ، خاصة وأنه أمر سبق إليه علماء كثيرون ، فيسهل على من لا يقدر على الابتكار أن يقلد من سبق ، فتصنيف قسم الأفعال أسهل بكثير من كل ما قام به الإمام السيوطى من أعمال عظيمة . ولهذا فإنى على جزم بأن الإمام السيوطى لم يفرغ أصلا من تسويد قسم الأفعال فضلا عن أن يبيضه .

ويؤكد هذا قصة مضى ذكرها فى ترجمة الإمام السيوطى عند الكلام عن كراماته أفادت أنه كان قد شرع فى تأليف جمع الجوامع ربيع الأول سنة (904 هـ) ، يعنى قبيل وفاته بسبع سنين ، وهى مدة قصيرة لا تكفى للفراغ من الجمع فضلا عن التحرير والتبييض . ويؤيد هذا أيضا أنه لم يذكره فى ثبت مؤلفاته التى سردها فى سيرته ((التحدث بنعمة الله)) ، والتى كانت تحت التقييد والتأليف سنة (896 هـ) كما تقدم([2]) .

وسأذكر مثالا واحدا لذلك ، إذ لا داعى للإكثار منه ، فقد ورد فى الجامع الكبير (لوحة 2/319) تحت مسند ثعلبة أبى عبد الرحمن الأنصارى رضى الله عنه حديث : ((أجازنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وكسانى الطبرانى عن زيد بن ثابت)) ، وهو ما ذكره المتقى الهندى فى كنز العمال أيضا (ح 30081) فقال : ((من مسند ثعلبة بن الرحمن الأنصارى : عن زيد بن ثابت أجازنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وكسانى طب)) ، على طريقته فى إيراد أحاديث قسم الأفعال مع ذكر مكان ورودها فى أصله الجامع الكبير ، وذلك لكثرة ورود الأحاديث فى غير مظانها .

على أننا قد أصلحنا ذلك بقدر استطاعتنا ، وحاولنا رد كل حديث صريح فى أنه من مسند صحابى إلى ترجمته الصحيحة .

واقتضى ذلك إضافة العديد من التراجم لصحابة أدرج السيوطى أحاديثهم تحت تراجم أخرى ، ولم يذكر لهم ترجمة مستقلة ، منهم من ليسوا فى ترتيبهم أصلا والأمر فيه خفيف لوضوح أن الحديث ليس لصاحب الترجمة .

ومنهم من يأتى فى ترتيبه تحت ترجمة أخرى ولم يذكر له ترجمة مستقلة فيوهم أنه من حديث صاحب الترجمة المذكورة ، وليس كذلك ، فكان يسع الإمام السيوطى ألا يضع تراجم للكل فيصير لا ينظر القارئ إلى ترجمة ما بل لكل حديث على حاله ، أو يترجم للكل حتى لا يختلط حديثهم ، فالتزمنا جعل ترجمة لكل صاحب حديث وجمعنا تحته حديثه ، مما ساعدنا على ضبط العمل ، ونبهنا إلى الكثير من الأوهام .

ومن أمثلته : ((عن قيس قال : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتطول عزبتنا فقلنا ألا نختصى يا رسول الله فنهانا ثم رخص أن نتزوج المرأة إلى أجل بالشىء ثم نهانا عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية (عبد الرزاق) ...)) . أورده السيوطى (2/590) تحت ترجمة قيس بن كعب ، والتى ذكر تحتها أحاديث : قيس بن كعب ، وقيس بن مخرمة ، وقيس بن النعمان ، وقيس هذا غير منسوب .

وللسيوطى رحمه الله فيه إيهام ووهم ، أما الإيهام فبأن قيس هذا يقع فى خلد القارئ أنه إما قيس بن النعمان الذى قبله ، أو قيس بن كعب صاحب الترجمة ، وليس بأحدهما .

والوهم فى أن قيسا ليس بصحابى أصلا بل رواه عبد الرزاق (7/506 ، رقم 14048) عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس عن عبد الله بن مسعود ، فكأنه سقط من نسخة السيوطى اسم الصحابى ، وقيس هو قيس بن أبى حازم ، والحديث محفوظ عن ابن مسعود ، وأصله عند الشيخين وغيرهما كما سيأتى فى مسنده .

وبعد أن جعلنا لكل صحابى ترجمة مستقلة لمسنده قمنا بالتعريف بكل صاحب ترجمة تعريفا مختصرا به ، وذكرنا موضع ترجمته فى الإصابة ، وكان السيوطى فعل شيئا من ذلك فى بعض التراجم فرأيناه مفيدا لمعرفة هل راوى الحديث ممن ثبتت صحبته أو اختلف فيها فأطردناه فى الجميع ، ويبلغ ذلك نحو ألف ترجمة ، وقد كشف لنا هذا عن بعض الأوهام التى وقعت للإمام السيوطى فى خلط بعض المسانيد ببعض ، ومثال ذلك ما وقع له فى مسندى أوس بن أوس الثقفى ، وأوس بن أبى أوس حذيفة ، وما وقع له فى مسند بصرة بن أبى بصرة الغفارى ، ومسند بصرة بن أكثم ، على ما سيأتى بيانه فى محله .

وقد استغرق إصلاح ذلك وتتبع كل حديث وجعله تحت ترجمته الصحيحة وقتا وجهدا كبيرين ، ونرجو من الله أن يكون قد وفقنا فيها للصواب ،

قاعدة ترتيب قسم الأفعال :

تجاوز عدد أحاديث قسم الأفعال وآثاره سبعة عشر ألف خبر ، وهو عدد ليس بالهين ، تتبعناها خبرا خبرا كما وصفنا ، ليكون الخبر تحت من رواه أو تحت من ورد الحديث فى شأنه حيث يرواح الإمام السيوطى بين القاعدتين .

وذلك أن الأحاديث التى ليست بصريحة ، أو التى تحتمل أن ترد فى أكثر من مسند ، بأن يكون أحد الصحابة يروى حديثا فيه قصة لصحابى آخر ، فهناك عدة طرق للعلماء فى اعتبار الحديث مِن مسند مَن  ، فالحافظ المزى فى تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف مثلا اطرد على طريقة واحدة باعتبار راوى الحديث دون نظر للقصة ، فإذا وقع ذكر لصحابى عن صاحبى اعتبر ألفاظ الأداء والسماع فإن جاءت الرواية مثلا ((عن ابن عباس عن عمر)) جعله من مسند عمر ، وإن جاءت ((عن ابن عباس أن عمر)) جعله من مسند ابن عباس ، وهكذا ، وهذه الطريقة مناسبة لغرض المزى فى كتابه من بيان الأسانيد والطرق .

أما الحافظ السيوطى فلم يطرد على طريقة واحدة فتارة يرغب فى جمع أخبار صاحب الترجمة وما ذكر فيه من أخبار فعلية سواء كان صاحب الترجمة هو الذى رواها أو غيره ، وهذا ما يبدو واضحا فى مسانيد الخلفاء الراشدين مثلا ، وتارة يخالف فيذكر الحديث فى مسند راويه ، خاصة إذا كان راوى الحديث مقلا ، له الحديث والاثنان ونحو ذلك ، فيذكر تحت ترجمته كل ما روى ، وإن كان حديثه فى قصة غيره .

فمثلا قصة تزوج النبى صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة رواها جابر بن سمرة فذكرها فى مسنده تحت طرف ((كان النبى صلى الله عليه وسلم يرعى غنما)) ، وذكر فى مسند جابر بن سمرة أيضا حديث ((كان بلال يؤذن للظهر)) ، ويحتمل هذان الحديثان أن يذكرا تحت ترجمة صاحب القصة .

ولا شك أن عدم اطراد الإمام السيوطى على قاعدة ، مع ما يضاف إلى ذلك من ذكر كثير من الأحاديث فى غير مظانها أصلا لا فى ترجمة راوى الحديث ولا فى ترجمة صاحب القصة أصاب قسم الأفعال باضطراب ليس بالقليل ، وصعب من الكشف فيه جدا على صورته الأصلية .

وقد جرينا فى هذا الإصدار مع الإمام السيوطى على مرواحته بين القاعدتين ، ولم نعانده ، فحيثما كان ثمة وجه لذكره الحديث فى مسند ما لكونه يتعلق بصاحب الترجمة أو كان هو راويه وافقناه فى صنيعه ، وحيثما أخل بذلك ألحقناه بأقربهما لصنيع السيوطى ، فإذا أردت الكشف عن حديث رواه صحابى فى شأن صحابى آخر فلن تتجاوز مسنديهما حتى تجده فيهما إن شاء الله ، والأمر قريب ، وستساعد الكشافات المتنوعة على تيسير الوصول إلى ذلك بإذنه تعالى .

ونرجو فى إصدار تال أن نُجْرِى قسمَ الأفعال كله على قاعدة واحدة تطرد ولا تضطرب ، حيث لم يسعنا الوقت فى هذا الإصدار لتتبع كل ذلك لسعته وصعوبته مع خطوات العمل الأخرى ، على أن الفهرس العام للكتاب سيجمع ما تشعث منه ، فعند ذكر السيدة خديجة مثلا فى الفهرس العام ، من المنتظر أن يجمع لك كل ما ورد عنها فى ثنايا الكتاب كله بقسميه الأقوال والأفعال ، ما ورد منه فى مظانه أو غير مظانه .

ثم قمنا بعد ذلك بترتيب كل مسند على حدة ترتيبا هجائيا ليسهل الكشف فيه قدر المستطاع ، ولكن ثمة خلل وقع فى اعتبار الطرف الذى بنى عليه الترتيب ، نتج عن أن السيوطى تارة يذكر طرفا من الأسناد والقصة بتمامها ، وتارة يذكر صاحب القصة وحسب ، وقد سددنا وقاربنا قدر المستطاع .

ومن جهة أخرى فإن الإمام السيوطى كثيرًا ما يورد الأحاديث متتالية من مصدر واحد ، مما يشير إلى أنه كان يُفَرِّغ المصادر الحديثية مصدرًا مصدرًا ، ومن ثم تأتى كثيرًا أحاديث المصدر الواحد متتالية فتجده يأخذ مثلاً فى أحاديث مصنف ابن أبى شيبة حتى يفرغ منها ، ثم يأخذ فى أحاديث مصدر آخر ، وهكذا . وهذه الملاحظة فى كيفية بناء السيوطى لكتابه ستختفى إلى حد كبير عندنا نتيجة قيامنا بالترتيب الهجائى لآثار كل مسند ، من ثم آثرنا تسجيل هذه الملاحظة هنا للإفادة .

لكنه لا يستوعب الآثار ، فعلى سبيل المثال فى مسند حذيفة بن اليمان ، أخرج ابن أبى شيبة عدة أخبار عن سيدنا حذيفة بن اليمان رضى الله عنه (37387 : 37395 ) ، فاقتصر السيوطى فى مسند سيدنا حذيفة على ذكر (37387 ، 37388) ، وذكر رقم (37390) ولم يعزه له بل عزاه لرسته فقط ، وأعرض عن الأرقام التالية : (37391 ، 37392 ، 37394 ، 37395) .



([1]) راجع : فتح البارى للحافظ ، وإرشاد السارى للقسطلانى ، شرح الحديث الأول ، وراجع أيضًا : شروح الأربعين النووية للنووى ، وابن دقيق العيد ، وغيرهما من الشراح ، وجامع العلوم والحكم لابن رجب ، شرح الحديث الأول .

([2])  ذكر (ص 227) فى ثنايا كلامه على المجددين حتى عصره أنه "الآن فى سنة ست وتسعين وثمانمائة" .