آداب التعقب على العلماء والأئمة - وهى مقدمة إعلام ذوى الهمة العلية

عصام أنس الزفتاوى

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

 

بسم الله الرحمن الرحيم

حاول الكاتب من خلال مشروع جامع الأحاديث أن يقدم تطبيقات عملية لقواعد علم الجرح والتعديل ، ذلك العلم أو الفن العملى التطبيقى ، الذى ما زال بحاجة إلى جهود كبيرة لإكماله ، والبناء على الجهود النظرية الأصيلة التى أحياها وقدمها العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى ، وهو أحد العلوم الحديثية الصعبة والدقيقة والتى كادت أن ترتفع من الأرض لقلة المشتغلين بها ، فحاول أن يقدم المشروع إسهامه فى هذا المجال وبحسب ما تقتضيه المناسبات والسياقات ، إحياء لهذا العلم الإسلامى الأصيل ، وشحذا لهمم المهتمين بعلوم الحديث للتعقيب والاستدراك والأخذ والرد والتدارس فإن حياة العلم مدارسته ، وفى هذا الإطار تأتى هذه المواضع التى أثرنا فيها العديد من المناقشات فى هذا العلم الجليل . ونأمل من الله تعالى أن تحقق التعقبات والتذييلات التى قدمناها فى هذا الصدد ما نرجوه من أثر فى الحركة العلمية الحديثية ، وأحسب أن ما قدمناه من الكثرة والتنوع والتعلق بالعديد من أكابر الحفاظ المتقدمين والمتأخرين على السواء ما يحرك الهمم ، وحتى ولو لم يحالفنا التوفيق فيها .
لقد فتح لنا العمل فى هذا المشروع بابا واسعا للاطلاع على صنيع علماء الحديث فى هذا المجال ، والوقوف على جهودهم الضخمة فى هذا الباب ، ويعتبر علم الجرح والتعديل هو رأس علوم الحديث رواية وقمتها ، وبه يعلم شأن رواية الحديث عند العلماء ، وأن الأمر كانت له ضوابطه وقواعده وأسسه الدقيقة التى من خلالها حفظت السنن ونقلت جيلا بعد جيل ، كما إن العلم بغريب الحديث والتصحيف والتحريف يعتبر رأس علوم الحديث دراية وأصعبها وبها يطمأن إلى صحة متن الحديث.
ومع اتساع المساحة التى وسعها المشروع ، والكثرة الكاثرة من الأحاديث التى اشتملها والتى ضمت العديد من المصادر والأسانيد والرجال التى لم يشع الكلام عنهم ولا شملته بالاهتمام نفسه العنايةُ العلمية التى قُدمت للمصادر والأسانيد والرجال الأكثر شهرة ، والذى كان من طبائع الأمور أن يتم العناية بها أولا ، ثم تنتقل العناية إلى المصادر الأقل شهرة وأهمية ثم الأقل وهكذا ، وقد كان القرنان الثامن والتاسع بداية الانتقال الواسع للعناية بالمصادر غير الكتب الستة ، فجُمعت كتب الزوائد(
[1]) سواء المصنفة على الأبواب كجهود الهيثمى فى زوائده المختلفة وعلى رأسها مجمع الزوائد ، أو المصنفة على المسانيد كجهود ابن كثير والبوصيرى والحافظ ، وككتب الأطراف([2]) التى صنفها العلماء لخدمة هذه الكتب ، كما اهتم العلماء بجمع تراجم رواة الكتب الستة والذى توج بتهذيب الكمال وفروعه ، ثم انتقلوا فى القرنين نفسهما إلى العناية بتراجم المصادر التالية فكانت أيضا جهود الهيثمى المنثورة فى مجمع الزوائد وجهود ابن كثير والحسينى والعراقى والحافظ ، واتساع المساحة التى شملتها جهودهم ، وتَوَزُّع تلك الجهود على أكثر من محور من جمع المتون المتناثرة فى مصنف واحد إلى تحرير الأسانيد فى ضوء قلة نسخ تلك المصادر وعدم العناية بها العناية التى أتيحت للكتب الستة إلى غير ذلك – : أدى إلى أن جهودهم تلك لم تصل لضيق الأعمار وضخامة العمل بالعناية بتلك المصادر إلى ما وصلت إليه العناية بالكتب الستة ، وكان على الأجيال التالية أن تكمل تلك الجهود وترتفع بالبناء لبنة أخرى ، وهو ما لم يتم للأسف بالصورة التى كانت تتم فى القرون السابقة .
ولهذا ستجد صعوبة فى الوصول إلى غريب أحاديث تلك المصادر ، وإلى تراجم الرواة الذين انفردت بذكرهم دون الكتب الستة ، بل ستجد صعوبات لا تنتهى فى تصحيح متون أحاديثها ومعرفة ما وردت به الرواية ، وليس فقط ما صحت به اللغة ، فمع الكتب الستة ومن خلال الجهود المبذولة لضبطها وضبط ألفاظها وروايتها ونُسَخها يسهل على الباحث الوصول إلى ما هى الرواية فى هذا الحديث أو ذلك ، ثم يأتى التوجيه اللغوى لما حفظته الرواية ، أما المصادر خارج الكتب الستة فالأمر ليس كذلك ، ويندر أن تجد نصا من العلماء على ما هى الرواية فى حديث ما اضطرب نصه أمامك ، ولم تساعدك النسخ ولا المطبوعات ولا تجد شارحا يضىء لك النص ، ولا لغويا يوجهه لك على لغة من لغات العرب .
وتقف على الغريب فتجهد كل الجهد لفهم السياق وجمع روايات الحديث ليطمئن قلبك إلى صحة المعنى .
وتقف على الراوى يصرح لك هذا أو ذلك بأنه لم يقف على ترجمة له ، أو حتى لا تجد مثل هذا التصريح فيلتاث عليك الأمر هل هذا الاسم صحيح ، أم وقع فيه التصحيف والتحريف ، ولا بد من التثبت على كل حال حتى نخرج بعلم صحيح لقارئ تعب وضاق من كثرة العبث بمصادرنا وضعف العناية بها ، ويريد مرجعا يطمئن قلبه إلى سلامة ما فيه من علم ، وقد كان هذا هو هدفنا من العمل ، ولا ندرى أوفقنا فى هذا أم لا ، ولكن حسبنا أننا لم ندخر جهدا ابتغاء رضاء الله ورضاء رسوله ، وقد أيقنا أن الأمر ديانة ، والعمل أمانة ، نُسأل عنه فى النهاية {فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} .
على أن طريقتنا ألا نحشر النقول فيما نتكلم فيه سواء كان غريبا أو ترجمة لراو ، فإن ذلك مما لا فائدة منه إلا تسويد الصفحات ، بل نشير إلى ذلك بأخصر عبارة وأيسرها .
اللهم إلا إذا كانت هناك نكتة تستفاد أو فائدة تستجاد ، أو نقد لكلام من تقدم ، أو إكمال لبحث لهم لم يتمم ، أو ترجيح احتمال تركوه معلقا ، أو التصريح بما لم يذكروا فيه منطقا ، فمهما قصر الكلام فإنه فى محله اختصار لا إجحاف ، ومهما طال فإنه فى محله إطناب لا إسهاب ، فربما أتت ترجمة راو لم يعتن بها المتقدمون ، فتأتى عندنا وقد شغلت الأسطر ذوات العدد ، لكن حاولنا جهدنا ألا نقف عند حد الجمع والتهذيب ، بل راوحنا فيها إلى النقد والتعقيب ، وتأسينا فيها طرائق أهل التدقيق ، ومسالك أرباب التحقيق ، فنعم القوم هم ، وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ، نسألك اللهم إن لم تجعلنا منهم أن لا تضرب بيننا وبينهم بسور ، ونعوذ بك أن نتشبع بما لم نعط ، فإن المتشبع كلابس ثوبى زور .
لهذا سعينا السعى كله بكل ما أوتينا من جهد وطاقة وإمكانات علمية ومالية وتقنية للمساهمة فى إكمال تلك الجهود التى بدأها وأسسها وارتفع بها علماؤنا العظام ، وبقيت عليهم لبنة هنا ولبنة هناك ليس عن تقصير منهم ، ولكن ما وسعتهم الأعمار لوضعها ، نسأل الله أن يقبل منا مساهمتنا تلك المتواضعة ، وأن يوفقنا فيها للصواب ، ويحشرنا بسببها فى زمرتهم ، فالمرء مع من أحب وإن لم يكن مثلهم ، قضى بذلك حبيبنا صلى الله عليه وسلم ، وإنا والله نحبه ونحب رسوله ونحب آل بيته وصحابته وعلماء دينه ، فلا تحرمنا اللهم منهم ، ولا من بركتهم فى الدنيا والآخرة .
وقد ميزنا ما كان من رأينا الضعيف بقولنا أوله ((قال مقيده عفا الله عنه)) ، وفى آخره ((والله أعلم)) ، وقد جرى الإمام النووى رحمه الله تعالى على نحوه فى زياداته فى الروضة والمنهاج ، فيقول أولها : ((قلت)) ، وآخرها ((والله أعلم)) فتأسينا به فى ذلك ، وقصدنا أن يتميز كلامنا عن كلام العلماء تمييزا للخبيث من الطيب ، ولئلا يغتر به القارئ ، بل يجعله تحت التفتيش والمراجعة أكثر من غيره(
[3]).
ووالله ثم والله لولا اعتقادى أن مثل هذه التعقبات على الحفاظ والأئمة – إذا كانت بأدب وحفظ لعظيم مكانتهم – تسرهم وترضيهم ، وتحيى شيئا من علومهم التى كادت تندثر ما جرأت اليد على تقييد حرف منه ، فالله يبلغنا رضاه ورضى رسوله ورضى الأئمة وسائر المؤمنين عنا ، ويميت نفوسنا ويحيى قلوبنا ، فإن أكثر من يتعقب اليوم على العلماء تقوم نفسه عليه كبرا وتيها إن وجد تعقبا على هذا الإمام أو ذلك ، ويصير يملأ الدنيا ضجيجا إذا وجد وهما للهيثمى أو السيوطى مثلا ، فإذا وقف على شىء فى كلام الحافظ كاد ينقلب على ظهره من شدة ما رفع رأسه إلى السماء كبرا ، فإن سقط على شىء لأحد من أكابر المتقدمين من أمثال أحمد أو البخارى أو أبى حاتم وأمثال هؤلاء الجبال انبهرت نفسه وانفطر قلبه .
فلا والله ما كتبنا شيئا من ذلك إلا على استحياء ، وتردد ، وتغليب أن نكون نحن الواهمين ، أو خفى علينا شىء ظهر لهم فقالوا ما قالوا عن ثبت ، وقلنا ما قلنا عن غفلة وقلة اطلاع ، فالله يتولى ناصيتنا إلى الصواب والحق والعدل والإنصاف .
ولسنا نرجو بعد النبى صلى الله عليه وسلم وآل بيته وصحابته أحدا يأخذ بأيدينا فى ظلمات يوم القيامة وعثراتها أكثر ممن تعقبنا عليهم ، فإنهم أكابر كرام يحبون الحق والإنصاف ويعفون عما يكون القلم قد طغى به ، فاللهم احفظ أقلامنا من زيغ نفوسنا ، ولا تجعلها تخط إلا بما امتلأت به قلوبنا من حبهم وإجلالهم وإعظامهم ، ولحب الحق والإنصاف أكبر ، والله يعلم ما تصنعون .
وأنا أعطى لمن يريد أن يتعقب على كلامهم علامة يعرف بها إن كان تعقبهم بنفس وهوى أم لا : وذلك أن يفتش فى نفسه إن زال شىء ولو يسير من جلالتهم فى نفسه إذا وقف على وَهْم فى كلامهم ، فذلك علامة أنه يتكلم بنفْس وهوى .
فما بالك بمن زالت جلالتهم من نفسه بالكلية ، وصار يقول : ((هم رجال ، ونحن رجال)) .
وإنما ينبغى أن تظل جلالتهم على ما هى عليه ، لأنهم ما تكلموا ولا صنفوا إلا ولسان حالهم يقول : ((نحن بشر ، ولسنا بمعصومين)) ، وما جعل الله لهم ما جعل من الجلالة والإمامة فى قلوبنا إلا وهم بشر ، وما وهموا حيث وهموا إلا لأنهم بشر .
فإن جلالة الصحابة ثم التابعين ثم العلماء من بعدهم حمى من حمى جلالة الشريعة والدين ، لأنهم نقلة الشرع الشريف ، فهم حمى من بعد حمى ، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وإن شئتَ قلتَ : جلالتهم هى عرى من عرى الدين ، فمن انتقضها انتقض من عرى الإسلام .
ولهذا بدأ من لا خير فيهم فأزالوا جلالة العلماء وحرمتهم من قلوبهم ودعوا الناس إلى ذلك ، ثم صاروا الآن يلمزون فى الصحابة حتى يسقطوا جلالتهم من قلوب الناس ، ثم يصير ماذا ؟ فاللهم الطف بنا .
ولستُ أركب مركبا من القول صعبا إذا قلتُ : كم من وَهْمٍ من الأوهام لأحد من العلماء وقفت عليه فى أثناء العمل وكان وراءه من الفائدة العلمية ما هو أبلغ مما لو كان أصاب فيه من وَهمَ ، وما ذاك إلا لعظيم جلالتهم فى دين الله أن جعل الله من بركتهم وبركة الأدب معهم الفائدةَ والنفعَ فى صوابهم ووهمهم على السواء .
فليس بضائرك الأدب أبدا إذا ذهبتَ تجتهد وتتعقب وتضعف وتصحح ، وليست جلالتهم والأدب معهم بحائل بينك وبين النظر والاجتهاد إن كان لك به قدرة ، فاللهم ارزقنا الأدب .
([1]) الزوائد : الأحاديث التى يزيد بها بعض كتب الحديث على بعض آخر معين منها ، انظر : الرسالة المستطرفة (ص 172) .
([2]) كتب الأطراف هى التى يقتصر فيها على ذكر طرف الحديث الدال على بقيته مع الجمع لأسانيده إما على سبيل الاستيعاب أو على جهة التقيد بكتب مخصوصة . انظر ما ألف فيها : الرسالة المستطرفة (ص 169 - 172) .
([3]) ساعد فريق العمل فى جمع المادة العلمية لبعض هذه التعقبات حسب خطة العمل ، خاصة ما كان منها على الحافظ الهيثمى فيما لم يجد من ترجمه ، وقد قمت بمراجعة ذلك مراجعة دقيقة وصياغته ، والله يوفقنا للصواب

للاطلاع على المدونة اضغط على عنوانها التالى :

إعلام ذوى الهمة العلية بما ذكرناه فى جامع الأحاديث من التراجم والفوائد والتعقبات العلمية