أسس إصلاح النفس عند القوم من خلال كتابات العارف الشعرانى

عصا م أنس الزفتاوى

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مدخل

1- يتفق القوم على أن الحاجة إلى إصلاح النفس والمجتمع هى حاجة دائمة لا تنتهى ما دامت حياة المرء والمجتمع ، فالمرء أبدا خلال حياته يتعرض لنجاحات وإحباطات ، ويمر بتجارب شتى لا بد أن يعرف كيف يواجهها ، فليست الحاجة لذلك مقتصرة على التجارب السيئة فقط، بل يحتاج الإنسان لمعرفة كيف يواجه النجاح بنفس الدرجة التى يحتاج فيها إلى معرفة كيف يواجه الفشل {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} [الأنبياء 35] .
 2- والإنسان فى هذه الحياة لا يعيش منفردا ، بل يعيش من خلال مجتمع ، ومِنْ فوق المجتمع رب هذا المجتمع ، ومِن وراء المجتمع حياة أخرى جنة ونار ، ومن تحته كون ملئ بحياوات أخرى كثيرة لا يخلو الإنسان من علاقات متشعبة معها تدور فى مجملها تحت مفهوم التسخير بمعناه القرآنى الرصين {وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه} [الجاثية 13]
 . 3- وهذا المبدأ الذى قرره القوم يلخصونه فى جدلية : الله – سوى الله (السوى) - الإنسان ، أو : الخالق – الخلق – الإنسان ، أو : المكوِّن – الكون – الإنسان على اصطلاح المتكلمين . وتنشأ من هذه الجدلية كافة الآداب التى يتناولها أئمة الصوفية فى كلامهم ، فيتفرع منها أدب الإنسان فى نفسه ، وأدبه مع الله ، وأدبه مع الخلق ، والخلق هنا مفهوم شامل للناس والحيوان والجماد وكل ما فى الكون .
 4- الأسس التى يضعونها فى ذلك هى أسس علمية وعملية فى آن واحد ، علمية لأنها تنبع من العلم الصحيح بالكتاب والسنة ومن التحليل العميق للنفس البشرية ، وعملية لأنها تميل دائما للجانب التطبيقى وتحث عليه وتذم دائما الاقتصار على الجانب النظرى ، وتنظم ذلك من خلال جدلية عميقة أثارها التصوف الإسلامى فيما أثاره من جدليات ، وهى جدلية العلم / العمل ، فلا عمل مقبول إلا إذا بنى على علم صحيح ، ولا علم صحيح بنافع ما لم يترتب عليه عمل .
 5- وتمتاز الأسس التى قرروها بالثراء الواسع ، والأفق الممتد ، بسبب التمييز الدقيق للتجارب الإنسانية والفروق بينها ، وفتح المجال أمام تعددها ، ووضعوا فى ذلك قاعدة نفيسة : تتعدد الطرق إلى الله بتعدد الأنفاس ، وبعضهم ضيَّق – رغم بقائه متسعا - تفسير هذه القاعدة فجعل الأنفاس هنا تعنى الأشخاص ، ولاحظ أنه معنى متسع جدا أن يكون لكل شخص تجربته وطريقه إلى الله ، فهذا معنى ليس بضيق بحال إلا فى مقابلة التفسير الآخر الذى يجعل الأنفاس هنا بمعنى النفَس (الشهيق والزفير) فلك فى كل نفَس طريق إلى الله تختلف عن النفَس السابق واللاحق ، ولهذا قالوا : ((ليس بصادق مع الله من لم يعرف زيادته من نقصه فى كل نفَس)) ، ويقدمون من خلال هذا أسسا وقواعد ومناهج وأدوات ووسائل يستطيع المرء من خلالها أن يواجه هذا التنوع أو قل : ((التلون)) إذا استخدمنا المصطلح الصوفى المناسب ، وكما قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح ((إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يُقَلِّبُها)) ، وعليك فى هذا التقلب حقوق وواجبات ، وبيان ذلك هو ما اختص به أهل التربية .
 6- وهم على وعى تام بأن من أوجب الواجبات على الإنسان بعد الإيمان والعبادة : عمارة الأرض {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} [هود 61] ، من ثم قرروا أن الدنيا مزرعة للآخرة ، وكانت جدلية الدنيا / الآخرة جدلية من أكثر جدليات التصوف الإسلامى عمقا وتشابكا ودقة ، بحيث يصبح من السذاجة بمكان إطلاق القول بأنهم تركوا الدنيا وراء ظهورهم ، أو أنهم نادوا بالانسحاب من الحياة أو امتاز سلوكهم بالسلبية والانهزامية والتواكل . وطبعا نحن نتكلم عن النماذج الناضجة والواعية والمستوعبة لقيم الكتاب والسنة ، ونقر بوجود الكثير من الممارسات الخاطئة التى كان أول من أنكرها أئمة القوم أنفسهم وعلى رأسهم الشعرانى نفسه والذى خص ذلك بالعديد من المؤلفات ، كما لا تخلو بقيتها من النقد الداخلى والدائم للممارسات الخاطئة وغير السوية . وقد سُبق الشعرانى إلى ذلك ، فلا يخلو نتاج محقق من محققى القوم من نقد لاذع للممارسات الخاطئة التى تقع على أيدى المنتسبين للتصوف ، بداية من القشيرى ، مرورا بالغزالى ، وابن عربى فى كثير من مؤلفاته خاصة روح القدس ، والشيخ أبى الحسن الشاذلى ومدرسته الأصيلة بدءا من المرسى ومرورا بابن عطاء وانتهاء بزروق حيث اهتمت المدرسة الشاذلية بتصحيح السلوك الصوفى وتشييده على الكتاب والسنة وتنقيته من الممارسات الخاطئة ، حتى إذا أَهَلّ زمان الشعرانى وجدناه جعل الإصلاح قضيته الشاغلة بعد أن اختل الطريق بموت الشيوخ الصادقين على حد تعبيره .
 7- ويؤكد القوم على أن الغاية هى تحقيق السعادة لكن بمفهومها الإسلامى الأصيل والعميق ، والتى تمتاز من خلال هذا المفهوم بخصائص وصفات تجعل من نظرية السعادة التى يقدمها القوم أرقى نظرية قدمتها حضارة على وجه البسيطة ، ذلك أنها مستنبطة من القرآن الكريم والسنة الشريفة .
 8- كما يقدم القوم توازنات عجيبة للنفس البشرية ، يستطيع به الإنسان أن يحل الإشكال بين إنيته وذاته ومصلحته الخاصة وبين مجتمعه ومصالح الآخرين ، بين حريته وحرية الآخرين ، ويقدمون حدودا للقوة لئلا تتحول إلى طغيان ، وحدودا للرحمة والسماح والسكينة لئلا تكون ضعفا وتنازلا واستكانة ، كيف لا ينكسر أمام المصائب فى الوقت الذى لا يعترض على قدر الله.
 9- إن النموذج البشرى الذى يقدمه لنا الصوفية المسلمون الحقيقيون والمتحققون – دون المدعين والنصابين - هو نموذج حى وحقيقى وواقعى وليس خرافيا ولا خياليا ، يراعى فى الإنسان أنه بشر من طين ، لكن نفخ الله تعالى فيه من روحه ، فأعطوا لطينيته حقها ، وأعطوا لروحانيته حقها ، وهنا تبرز عظمة الإسلام بوسطيته .
 10- إن الإنسان كما هو بحاجة إلى الطعام والشراب والزواج وسائر الحاجات الحسية ، بحاجة أتم للذكر والصفاء والسكينة والطمأنينة والراحة والسعادة ، بحاجة لأن يشعر أنه فى عناية الله ورعايته ، وأتى الإسلام لينظم أطر كل ذلك ويصبغه بصبغته المتوازنة {ووضع الميزان} [الرحمن 7] .
 11- ما أقسى ذلك النموذج البشرى المعاصر وما أبشعه ، ذلك النموذج القائم على الصراع لا التنافس ، والأنانية لا الإيثار ، وعبادة المظاهر لا تنقية البواطن ، والمادية الصرفة لا المادية الغائية التى ترى المادة وسيلة ورائها غاية أسمى وأنبل ، والقوة الغاشمة لا القوة المنصفة التى تنصف من نفسها أولا وتحكم بالعدل ولو عليها ، وهكذا .
 12- ومع هذا الثراء والاتساع الذى يقدمه القوم ، فلا بد أن نبحث عن الأكثر شبها بظروفنا المعاصرة ومن هنا جاء اختيارنا للعارف الشعرانى ، لنستعرض ذلك من خلاله كتاباته الثرية ، وإنما جاء ذلك لعدة أسباب : - منها أن العارف الشعرانى يمثل قمة ناضجة ورصينة من قمم التصوف الإسلامى ، مع الحرص الواضح على تمثل الكتاب والسنة . - ومنها أنه حرص فى جميع كتاباته على تمثل تجارب شيوخه وشيوخ شيوخه ممن عاصرهم أو عاصر تلاميذهم لينقل صورة كاملة ودقيقة للحياة الروحية فى مصر خلال القرن العاشر الهجرى . – ومنها قرب العهد وتشابه الظروف ، حيث عاش الشعرانى وشيوخه عصر انكسار الدولة المملوكية ، ثم زوالها على أيدى العثمانيين ، وما صاحب ذلك من أحداث عنيفة على كافة الأصعدة السياسية والدينية والعلمية والاجتماعية والثقافية ، ولهذا سيجد فى كثير من المشكلات التى واجهها العارف الشعرانى وحاول حلها تشابها واضحا مع مشكلاتنا العصرية .
 13- ومن جهة أخرى فإن أسلوب العارف الشعرانى يمتاز بالسهولة بنفس القدر الذى يمتاز فيه بالعمق ، وهذه منحى من مناحى العبقرية فى هذا القطب الصوفى المصرى الكبير ، فأسلوبه يصل أحيانا إلى درجة استخدام اللغة العامية الدارجة خاصة إذا كان يحكى موقفا من الحياة العادية ليستخلص منه حكمة أو عظة أو يضرب به مثلا ، ولكنه أغنى ما يكون فكرا ، وأدق ما يكون تحليلا ، وأغوص ما يكون عمقا ، وآصلا ما يكون رأيا .
 14- والعارف الشعرانى فيما يكتب لا يختط خطة معينة بل يكتب كما يقول على الفتوح ، ومن خلال المواقف اليومية التى يواجهها فيكتب بما يفتح الله عليه فيها وبما يختزنه فى صدره من كلام شيوخه ومن سبقهم حول نظير ذلك الموقف الذى يتناوله ، ومن هنا يأتى هذا التنوع الهائل الذى يلمسه القارئ واضحا فى كتاباته ، وبما لا يجد معه أدنى ملل أو سأم وهو ينتقل معه من موضوع إلى آخر فى ثراء عجيب .
 15- والشعرانى فى كل ذلك حريص أشد الحرص على أن يبنى كلامه على فهم عميق وسليم وحقيقى للكتاب والسنة ، وأيضا لحقيقة النفس البشرية ودوافعها ، وفى تساهل وتسامح وقبول للآخر ، وفى حالة من اصطحاب السلام الدائم مع الكون كله عملا بقول صلى الله عليه وسلم كما فى الحديث الصحيح ((ثلاث من الإيمان الإنفاق من الإقتار وبذل السلام للعالَم والإنصاف من نفسك)) .
 16- ونحن فيما سنعرضه من موضوعات إنما نحرص على تناول ما يمس مشكلاتنا الراهنة ، واحتياجاتنا النفسية المعاصرة معيدين قراءة ما كتبه الشعرانى فى ضوئها ، ملتمسين ما يضىء جنباتها من خلال تناول الصوفية المسلمون لنظائرها ، فليس هو عرض صرف لما كتبه ، وإن كنا سنتأسى به فى الكتابة على الفتوح ، فلن نتبع خطة محددة فيما نطرحه من موضوعات ، ولكن سنكتفى بأن يجمعها هاجس واحد هو إصلاح النفس والمجتمع فى ضوء المشكلات المعاصرة .
 17- ومن جهة أخرى فإننى أدين للشعرانى بحب عميق ، وتعلق تام ، ولذلك قصة تعود بدايتها لقرابة عشرين مضت لعل الله ييسر مكانا أرحب لذكرها ، لكن يبقى من تلك القصة ذلك الحب وهذا التعلق ، مما ترتب عليه إدمان مطالعة كتب هذا العارف الكبير ، ومنذ سنين تراودنى الرغبة فى الكتابة عنه وإبراز الكنوز المخبأة فى مؤلفاته ، وتزداد هذه الرغبة كلما وقفت له على كتاب جديد ، أو كلما رأيت من يهاجمه بجهل وتعصب دون أن يقرأوا له سطرا واحدا ، فأشعر بمدى الظلم الذى يقع على رجل كله صدق وكله سنة وكله شرع ، بسبب ما ابتلى به فى حياته وبعد مماته من الدس فى كتبه على ما ذكر هو بنفسه فى أغلب مقدمات كتبه ، حتى وقفت مؤخرا على نصه المهم والقيم ((البحر المورود فى المواثيق والعهود)) ، والذى كنت أتطلبه مدة طويلة حتى تيسر لى ، فإذا هو درة من درره ، ليت المسلمون كلهم يقرأونه ويتذوقونه ، فتفجرت فى تلك الرغبة ، فأرجو أن يكون حليفنُا التوفيقَ فيها ، وقصدُنا النصحَ ، وأن نكون بذلك قد وفينا شيئا
مما يجب علينا من حق الشعرانى رحمه الله تعالى .

أسس إصلاح النفس عند القوم

هذه الأسس تحت الرصد اليومى من خلال المدونة التى أنشأنها خصيصا لهذا الغرض ، ونحاول أن نضيف أساسا أو قاعدة جديدة على الأقل كل يوم ، وإذا كان الغرض من التصوف هو العمل بالكتاب والسنة لا غير ، فإن هذه الأسس والقواعد تبين كيفية هذا العمل ، ولهذا فإن المرء لو وطن نفسه على العمل كل يوم بأساس جديد لكان فى ذلك سعادته فى الدنيا والآخرة .

ولمطالعة هذه الأسس انتقل إلى :

أسس إصلاح النفس