ضوابط شرح غريب الحديث 1

عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

 

غريب الحديث

قواعده وضوابطه – محاولة أولية

 

 

 

عصام أنس الزفتاوى

 

 

 

القاهرة

1422 هـ - 2002 م

 

------

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذى اختص لغة العرب بأن جعلها وعاء لكتابه ، والصلاة والسلام على أفصح من نطق بالضاد .

وبعد : فهذه ورقة أولية حاولت أن تدرس غريب الحديث ، والخطوات الكفيلة بضبطه ، وتقعيده ، حيث كان هذا الفن يقوم به العلماء الجامعين للعلوم المختلفة من لغة وفقه وحديث … ، ولم يكونوا بحاجة إلى ضبطه وتقعيده .

وقد أصبحت الحاجة ماسة اليوم إلى رصد هذه الفنون ، واستخراج قواعدها ، وضوابطها ، حتى تتم فى أطر محددة ومنضبطة ، خاصة فى حالة الأعمال العلمية الجماعية، التى يتعدد فيها المشاركون ويتفاوتون بينهم ، مما يوجب توحيد أطر العمل ، من خلال صياغة القواعد فى صورة إجراءات يسهل تطبيقها .

وقد بدأت هذه الورقة ببيان المراد بغريب الحديث ، وبيان تعريفه عند العلماء ، وحكمه ، وأهم ما كتب فيه ، والغرض منه ، وبيان أهميته ، وصعوبته ، وأن الجهود التى تمت فيه لم تستقص غريب السنة النبوية ، وبيان سبب عدم تقعيد (كتابة قواعد) عملية شرح الغريب هذا الفن العملى ، الذى كان يكتفى فيه بالتلقى والممارسة ، وبيان مدى الحاجة الآن إلى هذا التنظير .

وقد طرحت الورقة فى هذا الصدد تصورها حول كيفية هذا التقعيد والتنظير .

ثم تناولت بعد ذلك ما أمكن رصده من قواعد شرح غريب الحديث ، بادئة بما نص عليه علماء الحديث ، ثم تلاها غيرها من القواعد التى أمكن رصدها ، وقد بلغ ما ذكرناه (27) قاعدة .

نسأل الله تعالى أن نكون قد وفقنا فى ما طرحناه ، والله من وراء القصد .

                                                                                          القاهرة

عصام الدين الزفتاوى

1422 هـ - 2002 م

 


 

غريب الحديث الشريف :

غريب الحديث    هو ما وقع في متن الحديث من لفظة غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها([1]) .

وعرفه السخاوى بأنه ما يخفى معناه من المتون لقلة استعماله ودورانه ، بحيث يبعد فهمه ، ولا يظهر إلا بالتفتيش فى كتب اللغة([2]) .

ومعرفة غريب ألفاظ الحديث من المهمات المتعلقة بفهم الحديث والعلم والعمل به ، لا بمعرفة صناعة الإسناد ، وما يتعلق به([3]) .

قال الحاكم : وهذا علم قد تكلم فيه جماعة من أتباع التابعين منهم مالك والثوري وشعبة فمن بعدهم ، فأول من صنف   الغريب  في الإسلام : النضر بن شميل ، له فيه كتاب هو عندنا بلا سماع ، ثم صنف فيه أبو عبيد القاسم بن سلام كتابه الكبير([4]) .

وقد ذهب العز بن عبد السلام في أواخر القواعد إلى أن شرح الغريب واجب ، فقال فى تقسيمه المشهور للبدع : البدعة خمسة أقسام فالواجبة كالاشتغال بالنحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله لأن حفظ الشريعة واجب ، ولا يتأتى إلا بذلك فيكون من مقدمة الواجب ، وكذا   شرح الغريب  وتدوين أصول الفقه ، والتوصل إلى تمييز الصحيح والسقيم ...([5]) .

ويشير الحافظ ابن حجر إلى وجه الحاجة لشرح الغريب فيقول : ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني ، فإن خفى المعنى احتيج إلى شرح الغريب  وبيان المشكل منه([6]) .

ثم يشرح الحافظ ذلك بقوله : (فإن خفى المعنى) بأن كان اللفظ مستعملا بقلة (احتيج إلى) الكتب المصنفة فى (شرح الغريب) ككتاب أبى عبيد القاسم بن سلام ، وهو غير مرتب ، وقد رتبه الشيخ موفق الدين ابن قدامة على الحروف ، وأجمع منه كتاب أبى عبيد الهروى ، وقد اعتنى به الحافظ أبو موسى المدينى فنقب عليه واستدرك ، وللزمخشرى كتاب اسمه الفائق حسن الترتيب ، ثم جمع الجميع ابن الأثير فى النهاية ، وكتابه أسهل الكتب تناولا مع إعواز قليل فيه . وإن كان اللفظ مستعملا بكثرة لكن فى مدلوله دقة احتيج إلى الكتب المصنفة فى شرح معانى الأخبار (وبيان المشكل) منها ، وقد أكثر الأئمة من التصانيف فى ذلك كالطحاوى والخطابى وابن عبد البر وغيرهم انتهى كلام الحافظ .

ويوسع السخاوى الغرض منه فيقول : وهو من مهمات الفن لتوقف التلفظ ببعض الألفاظ فضلا عن فهمها عليه ، وتتأكد العناية به لمن يروى بالمعنى .

ويقول ملا على القارى : وهو فن مهم يقبح جهله للمحدثين خصوصا ، وللعلماء عموما ، ويجب أن يتثبت فيه ، ويتحرى([7]) .

ويؤكد الإمام النووى رحمه الله تعالى على صعوبة هذا الفن فيقول : وهو فن مهم ، والخوض فيه صعب فليتحر خائضه ، وكان السلف يتثبتون فيه أشد التثبت([8]) .

قال السيوطى : فقد رُوِّينَا عن أحمد أنه سئل عن حرف منه فقال : سلوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن . وسئل الأصمعي عن معنى حديث : (الجار أحق بسبقه) فقال : أنا لا أفسر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن العرب تزعم أن السقب اللزيق([9]) .

وإلى مثل هذا ذهب الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على ألفية السيوطى فقال : هذا الفن من أهم فنون الحديث واللغة ، ويجب على طالب الحديث إتقانه ، والخوض فيه صعب ، والاحتياط فى تفسير الألفاظ النبوية واجب ، فلا يقدمن عليه أحد برأيه ... ثم إن من أهم ما يلحق بهذا النوع البحث فى المجازات التى جاءت فى الأحاديث ، إذ هى عن أفصح العرب صلى الله عليه وسلم ، ولا يتحقق فى معناها إلا أئمة البلاغة ، ومن خير ما ألف فيها كتاب المجازات النبوية تأليف الإمام العالم الشاعر الشريف الرضى([10]) .

والحق كل الحق مع الإمام ابن عبد السلام ومن وافقه فى إيجاب شرح الغريب ؛ فهذا الفن من أهم فنون الحديث ، وأصعبها أيضا ، لأنه يجمع إلى علم الرواية وقواعد ضبط الألفاظ ، وتصحيح النسخ ، ومعرفة ألفاظ الحديث ورواياته بما يعين على فهم اللفظة الغريبة الواقعة فى أحد الروايات ، علمَ الدراية بأوسع ما يكون معناه من اطلاع جزئى على معانى الحديث : حديث حديث ، إلى اطلاع كلى على أحوال النبوة ، ومعاشه الشريف صلى الله عليه وسلم ، وأحوال صحبه رضى الله عنهم ، ومجتمع العرب بدوه وحضره .

ويجمع أيضا علوم العربية نحوها وصرفها وبلاغتها ، ومعرفة لغاتها ... .

ولهذا تجد أنه لم يقدم على شرح غريب الحديث فى العلماء المتقدمين الذين افتتحوا هذا الفن إلا مـن بلغ رتبة الاجتهاد أو كاد كالحربى وأبى عبيد القاسم بن سلام ، وابن قتيبة ، والخطابى ، وابن الجوزى ، فإن هؤلاء وغيرهم جميعا أخذوا بأكبر الحظ من علوم الرواية والدراية ، ورحلوا ، وسمعوا ، ورووا ، وفقهوا ، مما يسر الأمر على من أتى بعدهم ممن جمع كلامهم وهذبه كابن الأثير فى نهايته ، والسيوطى فى مختصرها ، ولا ننسى الزمخشرى فى فائقه ، ولا يخفى قدر الزمخشرى فى علوم اللغة ، وإن كان لم يخل كتابه من اعتزال شأنه فى عامة مصنفاته الأخرى([11]) .

ومن ثم يقول الإمام النووى : ولا يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة أجلة([12]) .

قال السيوطى شارحا عليه : كمجمع الغرائب لعبد الغفار الفارسى ، وغريب الحديث لقاسم السرقسطى ، والفائق للزمخشري ، والغريبين للهروي ، وذيله للحافظ أبي موسى المديني ، ثم النهاية لابن الأثير ، وهي أحسن كتب الغريب ، وأجمعها ، وأشهرها الآن وأكثرها تداولا وقد فاته الكثير([13]) .

وهؤلاء الذين افتتحوا ، وهؤلاء الذين جمعوا وهذبوا إنما كانت عنايتهم بأمهات كتب السنة المشهورة كالصحيحين والسنن ، أو الأحاديث الأكثر دورانا ، وأن ذلك أيضا لم يكن على سبيل الاستقراء والحصر ، وقد وقفنا فى عمل سابق لنا اهتممنا فيه بشرح غريب مسلم على عشرات الألفاظ لم يذكرها ابن الأثير فى نهايته ، وهو أوسع كتب الغريب وأوعبها ، وإذا كان هذا هو الحال فى غريب مسلـم ، فإننا لا نوافق الحافظ فيما قاله من أن فى النهاية إعواز قليل ، بل إعوازه فى غريب الدواوين الستة ليس بقليل ، فإذا خرجنا عنها بات الإعواز أشد ، وهو ما لقيناه فى شرح الغريب ديوان السنة النبوية : جمع الجوامع ، والذى جمع الأمهات والفروع .

ويتأيد قولنا هذا بما سبق أن قاله الحافظ السيوطى فى مقدمة مختصره للنهاية : وهو (يعنى كتاب النهاية لابن الأثير) أحسن كتب الغريب وأجمعها ، وأشهرها الآن ، وأكثرها تداولا ، وقد فاته الكثير فذيل عليه الصفي الأرموي بذيل لم نقف عليه . قال السيوطى : وقد شرعت فى تلخيصها تلخيصا حسنا مع زيادات جمة والله أسأل الإعانة على إتمامها ، انتهى كلام السيوطى([14]) .

وقد نبه القاسمى فى تقسيمه لطبقات كتب الحديث على أن مما يميز الطبقة العليا من كتب الحديث اهتمام العلماء بشرحه وضبط ألفاظها وغريبها ، وأنه قد وقع الإهمال فى العناية بالطبقات الأخرى من كتب الحديث ، وقد ذكرنا كلامه بتمامه عند الكلام على ترتيب كتب الحديث .

فإذن ما زال فن شرح الغريب بحاجة إلى استكمال ، وتتميم ، وهو بحاجة قبل ذلك إلى تنظير وتأصيل ، فرغم أهميته لم يتم تسجيل قواعده ، حيث إنه أحد الفنون العملية التى لم يعتن أئمتنا بتسجيل قواعده ، ووضع أصول يقوم عليها ، اكتفاء بالتلقى ، والممارسة ، ونقل الخبرة من الشيخ إلى تلاميذه ، واعتبار أن ما يحتاجه من أصول تنتشر بين علوم الراوية وعلوم الدراية وعلوم اللغة .

ولا يخفى على المتمرس لكلام أصحاب الغريب أنه  كان لديهم مجموعة من الأسس والقواعد تحكمهم شأنه فى ذلك شأن العديد من الفنون العلمية الإسلامية ، التى لم ترصد قواعدها العلمية ، وما أشبه ذلك بعلم الفقه قبل تدوين أصوله ، فقد كانت هناك أصول للفقه غير مسجلة تتم من خلالها العملية الفقهية ، وكذلك كلام العرب بناء على قواعد النحو قبل تسجيلها وتدوينها كعلم .

ولا شك أننا أصبحنا بأمس الحاجة إلى الكشف عن أسس هذه الفنون الإسلامية ، ومحاولة تنظيرهـا ، وتسجيل أصولها .

وربما يبدو أن الطريق إلى ذلك هو تكوين الخبرة المناسبة بالفن المطلوب تأصيله كفن شرح الغريب بالطرق التقليدية ، عن طريق التلقى - وهو ما يكاد ينقطع فى عصورنا تلك - والمراجعة والمطالعة المستمرة لكلام الأئمة لتكوين الملكة المناسبة ، ثم الممارسة العملية لهذا الفن ، واختبار النفس بمعنى شرح غريب حديث استقلالا ثم البحث فى كلام العلماء فيه ، وهكذا مرارا ، حتى تستقيم الملكة ، ويطمأن المـرء إليها .

ثم تأتى بعد ذلك عملية التأصيل ، وذلك بتأمل العمليات الذهنية ، والإجراءات التى يتخذها المـرء ، واستبطان ذلك واستكشافه ، ومحاولة تسجيل ما كان يحدث تلقائيا من خلال الملكة المدربة .

ولنبدأ أولا بما وقفنا عليه من كلام أئمة هذا الشأن رحمة الله عليهم :

تابع بقية البحث : ضوابط شرح غريب الحديث 2



([1]) التقريب للإمام النووى ، ص 77 ، ط مؤسسة الكتب الثقافية .

([2]) فتح المغيث ، 3/45 ، ط دار الكتب العلمية .

([3]) اختصار علوم الحديث ، لابن كثير ، ومعه الباعث الحثيث للشيخ أحمد شاكر ، ص 141 ، ط دار التراث ، ط 3 ، 1399/1979 .

([4]) معرفة علوم الحديث ، ص 88 .

([5]) فتح الباري ج: 13 ص: 254 .

([6]) نخبة الفكر ص 47-48 ، ط المكتبة العلمية بالمدينة المنورة ، ط 3 ، د ت.

([7]) نقله فى لقط الدرر للشيخ حسين العدوى على شرح نخبة الفكر ، ص 85 ، مط عبد الحميد حنفى ، 1323 هـ .

([8]) التقريب ، ص 77-78 .

([9]) تدريب الراوى ، 2/185 .

([10]) ألفية السيوطى ، ومعه تعليق الشيخ أحمد شاكر ، ص 201-202 ، مصورة دار المعرفة بيروت .

([11]) انظر الكلام بالتفصيل على الكتب المصنفة فى شرح غريب الحديث : فتح المغيث للسخاوى 3/45-56 . والرسالة المستطرفة ، ص 154 - 158 .

([12])التقريب للإمام النووى ، ص 78 .

([13]) تدريب الراوى 2/185-186 .

([14]) تدريب الراوى 2/186 ، ونقله عنه فى الرسالة المستطرفة ، ص 156 . وانظر : مقدمته لمختصر النهاية ، مطبوع بهامش النهاية فى غريب الحديث .

تابع بقية البحث : ضوابط شرح غريب الحديث 2