ضد العولمة = التعريف بالطريقة العلية النقشبندية = يا أصحاب الحضارات اتحدوا = الوعى بالذات ؟!


عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية  ابحث  اتصل بنا

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ضد العولمة = التعريف بالطريقة العلية النقشبندية = يا أصحاب الحضارات اتحدوا = الوعى بالذات ؟! (1)

 

بقلم : عصام أنس الزفتاوى

 

تفضلا ولطفا اقرأ هذا العنوان هكذا: ضد العولمة = (علامة يساوى) التعريف بالطريقة العلية النقشبندية، وبيان أصولها = يا أصحاب الحضارات اتحدوا ؟!. لاحظ: جملة (التعريف بالطريقة...) هى جملة ليست اعتراضية، بل موازية، فيمكنك أن تقرأ هكذا: ((ضد العولمة = يا أصحاب الحضارات اتحدوا  = التعريف بالطريقة العلية النقشبندية = الوعى بالذات))، واستعمال علامة (=) الرياضية هنا مقصودة وليست خطأ مطبعيا، ولأن فى المنطق الرياضى ما قبل علامة (=) يساوى ما بعدها ، فيمكن البدء به إذ لا فرق فى حدود علاقة العلامة (=) ، ومن ثم فيمكن قراءة العنوان هكذا أيضا ((الوعى بالذات= التعريف بالطريقة العلية النقشبندية = ضد العولمة = يا أصحاب الحضارات اتحدوا)) أو ترتيبها بأى احتمال آخر ممكن رياضيا فى هذه المعادلة ، فالكل فى هذا العنوان يساوى بعضه بعضا .

لا شك أن ثمة مساحة - ليست بالهينة - من المتلقين لهذا الكلام سيتعجبون من العنوان، بينما سيرى آخرون فيه تناقضا، أو تفككا وعدم ارتباط، على حين سيعتقد بعضهم بلاعقلانية الخطاب، ولا شك أن طائفة من المحبين سيظن أن سيدى محيى الدين ابن عربى بدأت آثاره تظهر على عقل الكاتب، وسيهمس نفر منهم بأن هذه هى نتيجة  الدخول فى الفلسفة - قديمها وحديثها - بعقلانيتها وماديتها وحدسيتها، بتنويرها وحداثتها ومابعد حداثتها، ببِنْيَوِيَّتِها وتَفْكِيكِيَّتِها.

لكنى أرجو فى النهاية ألا يطلع الكل بنتيجة مؤداها لا أحد يفهم شيئا (=بالعامية المصرية ما حدش فاهم حاجة) ، ربما ولا الكاتب نفسه .

مدخل – من الخاص إلى العام وبالعكس:

نبدأ من الخاص: رغم أن المقصود هنا هوبيان الأصول الخاصة بهذه الطريقة العلية، والتى بها تختص عن سائر الطرق الموصلة إلى سبيل الله تعالى، ولا شك أن كافة الطرق الصوفية تشترك فى أصول عامة لا تختلف فيها، كوجوب العمل بالشريعة، ووجوب التوبة، ووجوب المجاهدة، والذكر... إلخ، وبالتحقق بهذه الأصول العامة يصير المرء صوفيا، ثم تختص كل طريقة بأصول خاصة بها تستحق بها أن تنفرد باسم خاص بها، كما انفرد مثلا المذهب الشافعى، أو المذهب المالكى، أو المذهب الحنفى، أو المذهب الحنبلى باسم خاص به لاختصاص كل مذهب بأصول خاصة به فى طرق الاستدلال واستنباط الأحكام الشرعية، مع اتفاق الجميع فى أصول عامة ولو إجمالا، كالاتفاق على حجية الكتاب والسنة وخبر الآحاد، وعلى وجود عموم وخصوص فيهما... إلخ، ثم اختص كل مذهب بأصول خاصة فى ترتيب ذلك، وفى دقائق أصولية تعرف بمراجعة علم أصول الفقه الخاصة بكل مذهب.

وكما كان لفقهاء أهل السنة والجماعة مذاهب كثيرة للغاية تلخصت وانحصرت فى المذاهب الأربعة المشهورة والمعمولة بها، فقد اختصت طرائق علماء أهل السنة والجماعة بأصول عامة فى تقرير مذهب أهل السنة والجماعة عقلا ونقلا، فظهرت عدة طرق لأهل السنة والجماعة فى تقرير عقيدة أهل السنة، استقرت وانتهت وتلخصت فى طريقة أبى الحسن الأشعرى الكلامية، وطريقة أبى منصور الماتريدى الكلامية.

وكذلك الطرق الصوفية شأنها شأن المذاهب الفقهية والمذاهب العقدية، بعد أن اتفقت على أصول عامة، اختصت بأصول خاصة فى تربية النفس، وتدريج السلوك، وأصناف الذكر، يصل السالك عن طريقها إلى التحقق بالعبودية، وبمرتبة الإحسان التى وصفها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث سيدنا جبريل المشهور.

ولهذا فأصول الطرق الصوفية – خاصة الكبرى منها – دقيقة وجليلة، ومن العمق بمكان، شأنها شأن أصول المذاهب الفقهية والعقدية.

ومن ظن أن تلك الصروح المذهبية الشامخة قد انبنت بسهولة، وليس ورائها أنساق فكرية متكاملة، وجهود علمية جبارة، فقد جهل بالإسلام وبفقهه، ومن ظن أن تلك الصروح العقدية قد أتت من فراغ وليست مبنية على أصول الكتاب والسنة وتعقُّلها فقد جهل بالإيمان وبعقيدتنا السنية.

وكذلك من ظن أن تلك الصروح الصوفية الشامخة هى بدعة أو مخالفة للدين، فقد جهل بالإحسان وبفقهه.

وقد تمكن من الجهل واقتعد منه مقعدا من سعى إلى إلغاء المذاهب الأربعة، أو إلغاء عقيدة أهل السنة والجماعة الأشعرية والماتريدية، أو إلى إلغاء الطرق الصوفية السُّنِّية السَّنِية، وهم بذلك إنما يرمون إلى هدم الملة بمراتبها الثلاثة: الإسلام – الإيمان – الإحسان، مهما حاول هؤلاء أن يظهروا بمظهر المجددين، أو الإصلاحيين، فهؤلاء الساعون خير أحوالهم الجهل، وإن فعلوا ما فعلوا عن علم فإنما أتوه عن زندقة وإلحاد وبطانة سوء لم تنصح لله ولا لرسوله ولا دينه، ولهذا اشتد نكير علماء العالم الإسلامى وعلى رأسهم علماء الأزهر الشريف قاطبة وعلماء الإسلام فى شتى بقاعه شرقا وغربا على هؤلاء الزنادقة المتلبسين زورا بزى الإصلاح والتجديد، وما يرومون إصلاحا ولا تجديدا، وإنما فتنة وهدما.

إن هدم هذه الأركان الثلاثة التى قامت عليها – ضمن ما قامت عليه - مؤسساتنا الدينية، وانتظمت من خلالها مجتماعاتنا الإسلامية، وانطلقت فى ظلالها حضارتنا المجيدة هو هدف سعت إليه الحركة الغربية الاستعمارية الكبرى منذ أربعة قرون تقريبا، عندما غزونا فى بلادنا، واصطدموا بتماسك مجتمعاتنا، وبدأوا ينظرون فى أسباب هذا التماسك، ويعملون على تفكيكه، ويساعدون كل من يسعى إلى ذلك، ولهذا ساعدوا محمد بن عبد الوهاب فى الحجاز كما هو ثابت بالوثائق التاريخية، كما ساعدوا غيرها من الحركات المدعية للإصلاح والتجديد، كما ساعدوا محمد على باشا وأسرته فى مصر على القيام بهذا التفكيك لتلك المؤسسات، وفى هذا الإطار الفكرى يمكنك فهم سعى محمد على باشا إلى السيطرة على الأزهر الشريف، وعلى نقابة الأشراف وغيرها من النقابات، وعلى الطرق الصوفية، وعلى غيرها من مؤسسات المجتمع المدنى، ثم البدء بوضع القوانين الوضعية المأخوذة عن غير الشريعة الإسلامية.

نذهب إلى العام: وما زالت الحضارة الغربية الضاغطة بوجهها المتعولم الكريه يضغط علينا لتغيير القوانين المحلية، ومناهج التعليم المحلية، وفرض ثقافة العولمة، والآن بعد أن ظهر وجهها القبيح واقتنعت أنظمتنا الحاكمة بأنهم لا يريدون بنا خيرا أبدا، وتحققوا من صدق قوله تعالى {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}.

وحقا قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}، فلم يقدموا لنا  إلا الخبال والغش والفوضى غير الخلاقة (= الهدامة)، وقلقلة استقرار مجتمعاتنا، وبدت البغضاء من أفواههم بالتصريحات التى يخرج بها قادتهم ومفكريهم علينا، وبالرسومات المسيئة، وبغير ذلك مما يعلنون به بغضهم، وكل سياساتهم إنما تسعى لتكريس تفوقهم الحضارى، وتكريس تخلفنا، واستنزاف ما تبقى من ثرواتنا ومواردنا، ويستخدمون فى سبيل ذلك كافة الأدوات وكافة الحيل حتى تلك المؤسسات التى أنشأوها ووصفها بالدولية كالبنك الدولى وصندوق النقد الدولى([1]).

رغم هذا فلا تعجب سيدى القارئ أن يجرنا الحديث عن طريقة من الطرق الصوفية إلى الحديث عن العولمة، أو يذهب بنا الكلام عن المذاهب الفقهية إلى الكلام عن صندوق النقد الدولى.

ولست أريدك أن تعتبر هذا الكلام شطحَ فقير صوفى أتلفت مجالس الذكر دماغه، أو ذهبت ترهات الصوفية بلبه وعقله، فاختلطت عليه الأمور.

إن الدفاع عن الإسلام وحضارته بكل ما نشأ تحت ظله من مذاهب فقهية وطرق صوفية وعلوم شرعية ولغوية وفنون وآداب هو واجب كل مسلم اليوم، إن كل ما دار حول الإسلام وحاطه وحماه شأنه شأن الحمى الذى يحفظ لنا ديننا الذى به هويتنا وحقيقتنا وذاتنا، وأى تفريط فى شىء من هذا هو تفريط فى جزء من هويتنا.

لقد فقه خصومنا ومنافسونا وأعداؤنا ذلك ووعوه وعملوا على هدمه ومنذ عدة قرون، وساعدهم عليه الأغرار من بنى جلدتنا، وإن ادعوا التمسلف، أو التجديد، أو الاجتهاد، فضلا عن التنوير والإصلاح.

والغريب أننا لم نفقه هذا بعد، ولم ننتبه له، حتى صدمتنا الحضارة الغربية بعولمتها المتغولة (صارت غولة، ذلك الوحش الخيالى الذى نخيف به الأطفال، لكن الآن الحضارة الغربية غولة حقيقية، ولكن السؤال إلى متى سنظل أطفالا نخاف من الغولة)، والمتوحدة (التوحد مرض نفسى خطير يبدو أنه يصيب الحضارات كما يصيب الأفراد) فكرا وقانونا وثقافة وتعليما واقتصادا وحضارة، ومن سيخالف سيصبح مارقا وإرهابيا، وليس فقط متخلفا ورجعيا كما كانوا يصفوننا قريبا. فإما أن تصير متعولما أو تعد إرهابيا، وهذا من دهاء الحضارة الحديثة، وقد أيقنوا أننا لن نقبل أن نترك ديننا إلى دين غيره، كما لن يقبل أهل الديانات الأخرى أن يتركوا دينهم، إذن فلتتعولم وابق على دينك ظاهريا، لأن العولمة لن تترك للدين – أى دين - مجالا غير الظاهر الطقوسى الخارجى، أما الأسس والأصول والقواعد الحقيقية فستنسخها، ولهذا فإن العولمة المتغولة والمتوحدة هى روح العلمانية الغربية، وحقيقتها التى أسفرت عنها العلمانية الغربية أخيرا. ولا ينفى هذا وجود عقلاء داخل تلك الحضارة، أدركوا أن الليبرالية المعاصرة أول مارق على روح الليبرالية القائمة على التعدد، وأن الديمقراطية المعاصرة هى ضد الديمقراطية الحقيقية، وهذا هو الحساب الختامى للحضارة الغربية المعاصرة: الغولة تأكل نفسها، الليبرالية ضد الليبرالية (لا تعدد حقيقى)، والديمقراطية ضد الديمقراطية (لا معارضة سياسية حقيقية)، والحرية ضد الحرية (لا حرية للآخر)، والتقدم ضد التقدم (عوامل التقدم المبنى على الاستهلاك الأحمق تمنع مزيدا من التقدم بسبب تآكل الموارد واستنزاف الثروات)، والعلم ضد العلم (العلم أحادى النظر والوسيلة ضد العلم بوسائل أخرى)، والموضوعية ضد الموضوعية، والنزاهة ضد النزاهة.... وهكذا.

دائما كانت الحركة الفكرية لكل حضارة تتصارع مع القيمة المناقضة، ومن خلال حركة الجدل مع المتناقض تنشأ الثقافات والحضارات والتيارات الفكرية، أما تلك الحضارة العجيبة فإن قيمها تتصارع مع بعضها البعض، ويأكل بعضها بعضا، قامت أولا على التناقض، لكنه التناقض مع نفسها، فهى حضارة ضد نفسها (ومن كان ضد نفسه فهو ضد الآخر من باب أولى ، ولا تنسى حروب وسيطة لا نهائية ، ثم حربين حديثتين عالميتين ، ثم حرب باردة أنفق فيها أضعاف ما أنفق فى الحربين، ثم حروب تفكيكية عدمية عبثية ناشئة من فلسفة ما بعد الحداثة العبثية التفكيكية العدمية أيضا) من أول يوم وإلى آخر يوم فيها ولهذا فهى حضارة مريضة بمرض التوحد، ذلك المرض النفسى الخطير، ولهذا يحاولون تأخير أن تفنى نفسها بنفسها بأن يعطوا لها أى شىء تأكله قبل أن تأكل نفسها تماما ، كحضارة مسكينة مثل الهنود الحمر ، أو حضارة عجوز مثل الحضارة الإسلامية ، هات أى شىء وادفعه فى أتون هذه الغولة ستحطمه وتسحقه وتأكله .

وهذا التحليل السابق هو تحليل مغاير للطرح الآخر أن أزمة الحضارة الغربية هى أنها حضارة منافقة تؤمن بشىء وتفعل - خاصة تجاه الغير - ضده، ومع الإقرار بأنها فى بعض دوائرها - خاصة الدوائر السياسية وما يرتبط بها - هى كذلك بالفعل، لكنها فى المضمون الفلسفى والفكرى ليست أزمتها من كونها منافقة كلية، بل من كونها ضد نفسها .

 

نعود إلى الخاص متدرجا إلى العام: على أية حال، فلقد ولدتُ إنسانا، مسلما، عربيا، مصريا، ولدت أول ما ولدت مجبرا على ذلك، لكنى الآن أختارها جميعا بمحض إرادتى، وعلى أتم الاستعداد للدفاع عن جميعها بالغالى والنفيس.

آمنت بالله، وآمنت برسوله، وآمنت بالقرآن، وآمنت بالسنة، وآمنت بالبعث والقيامة، وآمنت بحضارتى بعلمائها وبعلومهم، ومن هذا الإيمان المقتنع ومن هذا الحب لهم، صرت شافعيا، وصرت نقشبنديا، وصرت أشعريا، وأدافع عنها لأنى أدافع عن نفسى وعن كيانى.

وبعد أن آمنت بإسلامى، آمنت بعربيتى، لغتى الجميلة، وحفظت – قدر استطاعتى - لمهجتى العربية رونقها وصفائها من أن تتلوث بلغة غيرها، فأنا الآن مختار لعربيتى بكل كيانى، ولا أرغب عنها أبدا ما حييت، وأتدين الله بعربيتى كما أتدين له بصلاتى وصيامى وسائر نسكى، العربية عندى ركن الهوية.

كما آمنت ببلدى مصر، وأحببتها، وآمنت من بعدها بكل بلاد الإسلام وأحببتها، ثم بكل بلاد الإنسان حيث هو إنسان، ولهذا فأنا مختار لأن أكون مصريا ولست مجبرا ويمكننى الهجرة منها، ولكنى أختار مصريتى أبدا، وأختار قاهريتى ولم أطق الخروج من قاهرتى الحبيبة بكل ما فيها من زحام وضجيج، ولا أطيق السفر الطويل منها إلا إن كان للحرمين الشريفين.

آمنت ببلدى مصر بكل ما فيها من تنوع وتعدد والتقاء حضارى وثقافات محلية وديانات سماوية، بصراعاتها الفكرية، وجدلياتها الثقافية، وزخمها الدينى والفنى والأدبى والاجتماعى والفكرى، تموج بالمحافظين والإصلاحيين والتجدديين والحداثيين وما بعد الحداثيين، بالمتدينين (بدرجاتهم) والعلمانيين (بطوائفهم) ، بالديمقراطيين والاشتراكيين والناصريين ، وهذا أروع وأجمل ما فيها يتسع صدرها لأشد حركات الفكر انغلاقا  وأقصى حركاته انفلاتا، ما أجمل محاضرات المفكرين العقلية، وما أعمق مجالس ذكر علماء الصوفية، وما أطرف حلقات اجتماع الصوفية الشعبية، فيها مساجد تقوم ليل رمضان كله بعشر أجزاء كل ليلة، ومساجد تقومه بعشر آيات، ولا أتصور بلدى يوما مسطحة الفكر، مهمشة الدور، تعادى التعدد، أو تعارض الحراك، أو يكون البشر فيها (إسطمبة واحدة)، هذه هى مصر التى أحبها، وأتمنى أن تكون بلاد الدنيا كلها كذلك.

ثم آمنت بكل العالم شرقا وغربا وبالإنسان من حيث كونه إنسانا لا أبغض أحدا لذاته، وأحب له من السلام ما أحبه لنفسى، وأكره له ما أكرهه لنفسى، وقد ورد عن سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم ((ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالَم، والإنصاف من نفسك)).

فبكونى إنسانا، وبكونى مسلما، وبكونى عربيا، وبكونى مصريا قاهريا، وبكونى شافعيا، وبكونى أشعريا، وبكونى نقشبنديا، آمنت مختارا بالتعددية المضادة للعولمة مدركا لكل ما يترتب على ذلك من تبعات ومسئوليات، وأولها احترام وتقدير خصوصيات الآخرين وتعددهم الثقافى والحضارى والدينى، بالقدر نفسه الذى أحب منهم أن يحترموا خصوصياتى الثقافية والحضارية والدينية.

ولكل هذا – ومع كونى أجبرت أن أولد إنسانا – فإنى بدفاعى عن إنسانيتى بكل مقوماتها من دين وحضارة ووطن وثقافة ولغة فإنى مختار أن أظل إنسانا بمحض إرادتى، ولن أتحول يوما – بإذن الله - إلى حيوان (ربما سيأتى يوم يكون فيه حيوان = إنسان متعولم، مع الاعتذار للحيوانات) يأكل ويشرب وينكح من قابلته – أو حتى قابله (زيادة واجبة للحفاظ على حقوق الشواذ!) - فى الطريق.

فكل مكوناتى تلك (بكونى إنسانا، وبكونى مسلما، وبكونى عربيا، وبكونى مصريا قاهريا، وبكونى شافعيا، وبكونى أشعريا، وبكونى نقشبنديا) تدعونى إلى قبول التعدد واحترامه والحفاظ عليه، هذا جزء أصيل فى مكوناتى:

1- فالإنسانية تعدد {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}، والإسلام بنى على التعدد مع كون الدين واحد ، بإيمانه بجميع الرسل والأنبياء كما فى حديث الصحيحين وغيرهما ((الأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد))، والعربية لغة التعدد بما احتوته من ثقافات وحضارات، ولهذا لم تحارب العربية أيام مجدها وأبان حضارتها لغة ما بل حافظت عليها جميعا وتفاعلت معها.

2- ومصريتى القاهرية هى مظهر التعدد بما شملته قاهرتى الحبيبة من مذاهب وحضارات وديانات وأجناس وتيارات وأفكار.

3- وشافعيتى تدعونى للتعدد بما أن مذهبى الشافعى أكثر المذاهب مجتهدين، وتنوعا فى الآراء والاجتهادات حتى قالوا: ما من قول فى المذاهب الأربعة وإلا وستجد له متابعا عندنا معاشر الشافعية وقائلا به منهم، إما تخريجا أو اختيارا. والمذهب الشافعى لم يستبد بأى بلد انتشر فيه ، بل دائما ترك للمذاهب الأخرى مساحتها ، بخلاف المذاهب الثلاثة الأخرى متى انتشر أى منها ببلد استبد به (المالكى بالمغرب - الحنبلى بنجد - الحنفى ببلاد الهند) .

4- وأشعريتى تدعونى للتعدد بما حوته من اجتهادات رائعة لكبار عقول الأشاعرة، الذين هم من أكبر من رأتهم الإنسانية عقولا، وبما التزمته فى حوارها مع كافة الفرق والطوائف من أصول علمية رصينة لم تخرج بها عن الجادة واحترام الآخر. ودائما المذهب الأشعرى يسع الآخرين ، ولا يسعه الآخرون ، (لم ينتشر بقوة السلطان ، بل كان أئمة الأشعرية ممتحنين مشردين ، القشيرى وإمام الحرمين وغيرهم ، راجع رسالة شكاية أهل السنة ، وكان فى وزراء بنى أيوب معتزلة وشيعة وطوائف أخرى ، فلم ينتشر بدولتهم ، بل بقوة الحجة ، وفى سيادة المذهب الأشعرى لم يمتحن - على المستوى الرسمى - صاحب مذهب أو رأى باستثناء ابن تيمية، ولولا وقوف قضاة الشافعية التقى السبكى وغيره ضد قتله لأراق الباقون دمه).

5- وأما صوفيتى النقشبندية فتدعو فى سلوكها نحو حقيقة التوحيد بالله والإخلاص له، فبصوفيتى عامة أؤمن ككل الصوفية بأن الطرق إلى الله تتعدد بتعدد الأنفاس، وبنقشبنديتى خاصة أجد أن سلوكنا النقشبندى دائرى وليس ارتقائيا تصاعديا – كما سيأتى بيانه – والدائرة تتعدد فيها الأقطار وإن توحد فيها المركز.

فبتلك المكونات التى أنا مختار لها حين أتكلم عن خصوصية من تلك خصوصيات، إنما أدعو للحفاظ على كل خصوصيات الآخرين، والاستماتة فى الدفاع عنها قبل أن يغرقها طوفان العولمة. لقد حافظ الإسلام على خصوصيات كل الأديان السماوية، وكل مواثيق النبوة والخلافة الراشدة مع أهل الكتاب تؤكد على الحفاظ المطلق على هذه الخصوصيات، وتجعل الحفاظ عليها أحد واجبات الإسلام دينا ودولة ومجتمعا وأفرادا، وواجب الحفاظ لا ينافى واجب الدعوة فى إطار {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن}.

وبتلك الخصوصية التى أنافح عنها - ليس عن خصوصيتى وحدى بل عن خصوصيتك أنت أيضا - أفتح كل ذراعى وكل قلبى لكل صاحب خصوصية وأدعوه أن يحافظ عليها ضد العولمة، وإن كنت أتمنى من كل قلبى أن يراجع كل منا خصوصياته وينقيها من الشوائب والأغلاط والأخطاء ويمحصها كلها حتى تصير حقا صرفا لا شوب فيه، ويبتغى فيها وجه الله وحده حتى يرشده إلى الصواب.

وعلى طريقة الاشتراكيين يوما عندما رفعوا شعارهم ضد الرأسمالية المتوحشة: يا عمال العالم اتحدوا.

فإنه ينبغى اليوم أن نرفع جميعا هذا الشعار ضد العولمة المتغولة (= صارت غُولَة): يا أصحاب الحضارات اتحدوا.

نرجع من العام إلى الخاص متدرجا: إذن – ومن خلال هذه الصورة التى لك أن تسميها بما شئت شطحا صوفيا أو فكرا عقلانيا أو تأملا وجدانيا - فالكلام أو الاشتغال بهذه الطريقة الصوفية العلية – أو غيرها – ليس هو عندى انسحابية ولا انهزامية ولا سلبية، بل هو محض الإيجابية والتفاعل مع معطيات الزمن الحاضر. وإدراك لعنصر مهم من عناصر تَكَوُّن الذات المدركة العاقلة المختارة فى حركتها العقلية والحسية والدينية والوجدانية نحو الكمال فى نفسها، والتكامل مع الكون من حولها.

وأظن أن فى ذلك جوابا كافيا عن سؤال وجهه لى بعضهم متعجبا: هل مثلك مع الاشتغال بالفكر والفلسفة يَقْبَل على نفسه أن يكون منضما لأحد الطرق الصوفية، فنعم الاشتغال بذلك هو الذى أدى بى إلى هذا، فمن حركة العام أوصلنى إلى الخاص (أن أكون نقشبنديا) ومن حركة الخاص أوصلنى إلى العام (أن أكون إنسانا بكل ما تعنيه الكلمة)، ومن لم يصل من العام إلى الخاص ومن الخاص إلى العام فأظنه قد سرى إليه مرض الحضارة الغربية (التوحد)، وصارت حركته أحادية تأكل ذاته.

وختاما: أنا ابن حضارة لم تأكل نفسها ، ولا أكلت غيرها ، احتوت كل الحضارات والثقافات ورعتها، بل أحيت حضارات ماتت (الحضارة اليونانية مثلا) ، واستبقت حضارات كادت تموت ، وبقت فيها اليهودية بطوائفها (الطائفة السامرية بقت إلى يومنا هذا بأرض فلسطين الحبيبة غير مهددة ، ولم يتهدد بقاؤها إلا بقيام دولة إسرائيل) ، ونهضت فيها المسيحية بطوائفها، بينما أكلت المسيحية الغربية طوائفها - جذور التوحد الحضارى الغربى فيما يبدو - حتى صارت كلها - من خلال حروب طاحنة - كاثوليكية، ولم يظهر البروتستانت إلا بعد حروب طاحنة أخرى.

أنا ابن حضارة لم تتناقض يوما مع العلم ولم ينافق علماؤها سلطةَ الدين كى ينجوا بحياتهم، فى مقابل حضارة خاف ديكارت (مؤسس المنهج الحديث عندهم) فى أولها أن يعلن كروية الأرض فيحاكم مثل جالليو فى محاكم التفتيش الكنسية، فآثر السلامة، أو نافق سلطة الدين.

أنا ابن حضارة - طالما ظلمها أبناؤها قبل الأغراب عنها - دوائرى العامة والخاصة متداخلة تماما، ودائرتها الأعم (دائرة الإنسان) تتفاعل تماما مع كل الدوائر الأخص، ليس بينها تقاطعات ولا انقطاعات.

وسلوكى النقشبندى الدائرى الأخص يتفاعل مع كل الدوائر الأعم منه.

فى هذه الدوائر سلوكى وحركتى خلالها يمثل فحسب قطرا من أقطار غير محصورة تسعى دائما باتجاه البحث عن الحقيقة، ولهذا تعريف الإنسان عندى هو: الكائن المتحرك دائما بحثا عن الحق والحقيقة.

وعفوا فمن لم يبحث عن الحق والحقيقة فلن يدخل معنا فى هذه الدوائر.

ستكون إلى جانب الهوية العربية هويات أخرى تمثل أقطارا أخرى من أقطار الدائرة، وإلى جانب الوطن المصرى أوطان أخرى، وهكذا.

ولاحظ أن هذه الدوائر تمثل فحسب حركة السعى نحو الحقيقة {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}، {وهديناه النجدين}.

وحركة السعى هذه هى قاسم مشترك بين البشرية كلها، ولكن الوصول إلى عين الحقيقة يختلف من إنسان إلى آخر، فالتقاطع ليس فى الدوائر، ولكن فى امتداد أقطار الدائرة الكبرى فمنها ما  يمتد حتى يصل إلى المركز ومنها ما ينقطع.

فتداخل الدوائر يحل مشكلة التعدد والاتفاق الإنسانى المشترك فى السعى نحو الحقيقة.

واتصال القطر أو انقطاعه يحل مشكلة الوصول أو عدم الوصول، فليس كل رحلة بحث عن الحقيقة تنتهى دائما بالوصول إليها.

ولاحظ أن فى الحضارة الإسلامية : يكون الانقطاعُ شخصيا ومحدودا بالذات الباحثة ( انقطاع القطر = خطأ الحركة الذاتية فى البحث عن الحقيقة) ، والتواصلُ عامًّا (حركة الحضارة الإسلامية ككل مع كل الحضارات) ، بخلاف حركة الحضارة الغربية فإنها على العكس : الانقطاع عام ، والتواصل شخصى ، فهى حضارة الانقطاعات ، بينما لو وجد من يتصف بالتواصل من مفكريها وفلاسفتها وعقلائها فعلى مستوى شخصى لا يستطيع أن يبلور من ذلك اتجاها حضاريا عاما .

وفى الحضارة الإسلامية: وحدة المركز (الحقيقة) لا تعنى اتصال كل الأقطار إليها فضلا عن اتحاد الأقطار الواصلة، من ثم فحق التعدد، لا يعنى حقية كل المتعدد، فهناك متعدد واصل ومتعدد منقطع، فوحدة الحقيقة بمركزيتها تقتضى تعددية الأقطار بدائريتها.

ومهما تعددت الطرق إلى الله فالوصول واحد، ومهما تعددت الأديان فالدين الحق واحد، ومهما انقطعت بالباحث عن الحقيقة طريقه فعليه أن يأخذ بطريق آخر عساه يوصله، ولا ييأس من الوصول، والسعيد من هدى من أول بحثه إلى الطريق الواصل بلا انقطاع.

 

(لقراءة المقال فى صورة pdf اضغط هنا)



([1])  وأوضح مثال على ذلك ما يصطدم به المطالع للكتاب المهم ((ضحايا العولمة)) لجوزيف ستجليتز، والذى فضح فيه هذه السياسات، رغم أنه أحد المشاركين فيها وفى تنفيذها وعلى أعلى مستوى، حتى حصل على جائزة نوبل فى الاقتصاد سنة (2001 م)، وتولى رئاسة مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكى كلينتون، ثم شغل فى أواخر التسعينيات منصب كبير الاقتصاديين فى البنك الدولى. والكتاب نشر بالقاهرة، ترجمة لبنى الريدى، وتقديم الدكتور جلال أمين، القاهرة: القراءة للجميع، مكتبة الأسرة، سلسلة الفكر،  2007 م.