رؤية للموسيقى من منطلق حضارى إسلامى

عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

بسم الله الرحمن الرحيم

رؤية للموسيقى من منطلق حضارى إسلامى - مجلة المسلم المعاصر عدد 95

عصام أنس الزفتاوى

بداية فإن هذا التعقيب سيحاول جاهدا أن ينأى عن تكرار القول ، إلا أن محاشاة التكرار لا تعنى دوما عدم  إعادة الطرح ، طالما أن هناك جديد يُقال ، ويُطرح على بساط البحث ، محاولا تأييد وجهة النظر هذه أو تلك.

          1- وغنى عن البيان أن هناك خلاف فقهى قديم واقع على مستوى الأدلة الجزئية الفروعية فى حكم الموسيقى والغناء المصاحب لها ، بين مُحِلٍّ ، ومُحَرِّم ، ومُتَوَسِّط باختيار تفصيل لصور الغناء ، وتقسيمها على الأحكام المختلفة ... .

          2- واستمر هذا الخلاف إلى العصر الحديث ، والذى انحاز فيه إلى الفريق القائل
بالإباحة : أولئك الذين تشبعوا بالحضارة الغربية ، فى فلسفتها ، ومنهجها ، فى غايتها ووسائلها . وهؤلاء لا يعنيهم - بحكم تحيزاتهم الحضارية -  وربما أيضا لا يفهمون - بحكم تكوينهم الثقافى - الدليلَ الجزئى الشرعى للمسألة ، ويطرحون نظرة كلية مشبعة بمفاهيم الجمال والفن فى ضوء الفلسفات الغربية .

          3- ولهذا فعند طرح المسألة للحوار تجد المتشرعين يعتمدون على الدليل الجزئى - إن حِلاًّ أو حرمة - وحين يقابلون بالطرح الكلى يتهافت موقفهم أشد التهافت ، أما القائل بالحل فلعله أن يُسلِّم بقِيَم الجمال والفن الغربية غير منتبه إلى شدة مفارقتها لقيم الجمال والفن الإسلامية . وأما القائل بالحرمة فلعله أن يقف موقفا معاديا من قيم الجمال والفن فى نفسها ؛ حيث شعر أنها وراء إباحة ما حرمه الله ، فيجعل بموقفه هذا الشرعَ الإسلامى فى موقف معاد للجمال والفن ، وهو موقف أعتقد أنه خاطئ تماما ؛ لأنه غنى عن البيان إيمان الإسلام بالجمال ، لكن فى ضوء خصائص الإسلام ، ومميزاته .

          4- ومن الملاحظات الجديرة بالإثبات : أن الباحث المنصف فى مصادر التشريع الإسلامى واجتهادات الفقهاء المختلفة عبر القرون فى فهم هذا التشريع لا يستطيع أن يغفل الدلالات الواضحة للكثرة الكاثرة من نصوص الشارع ، وكلام الفقهاء على تحريم
الموسيقى ، وأن هذا التحريم كان مستقرا فى التراث الفقهى إلى حد الاتفاق (ولو فى دائرة المذاهب المتبعة) - رغم محاولات إيجاد ثغرة خلاف يتكأ عليها المبيحون ، لا تتجاوز حد الشذوذ الفقهى - وعبر أبواب الفقه المختلفة فى المذاهب جميعها يستطيع الباحث أن يرصد بيسر ودون كبير عناء تلك الفروع الفقهية الكثيرة المفرعة على القول بتحريم الموسيقى وآلالاتها .

          5- حتى أولئك الذين يُتَّكَأُ عادة عليهم للقول بالإباحة تجد الكثير منهم موافق لتلك الوجهة السائدة ، وأبرز هؤلاء هو حجة الإسلام أبو حامد الغزالى ، حيث تدوولت بعض عبارات له حملت على محمل الإباحة ، لكن تأمل تراثه الفقهى ككتابيه العظيمين فى الفقه الشافعى : ((الوجيز)) ، و((الوسيط)) ينبأك عن التزامه بالوجهة السائدة القائلة بالحرمة ، مما يلقى بظلال من الشك على ذلك الفهم المعاصر لعباراته تلك المتداولة ، ويؤكد أن تلك العبارات قيلت فى سياق آخر ، ولعله يريد به - فى اعتقادى - إنشاد الصوفية ، وقصائد العشق الإلهى ، وليس الغناء المعاصر بصورته الراهنة ، ونقل الكلام من هذا إلى ذاك هو من باب تحريف القول إن تعمد ، أو سوء الفهم فى أحسن تقدير.

          6- على أننا لو سلمنا صحة الفهم هذا فإنه فهم متروك لأن القاعدة المقررة فى فهم كلام الفقهاء : أنه إذا تعارض كلام الفقيه فى المتن مع كلامه فى الفتاوى والشروح ونحوها قدم ما فى المتن ؛ لأنه المقصود أصالة ببيان الأحكام([1])  .

          7- ولهذا فإن من الافتئات على حجة الإسلام الغزالى محاولات ترويج أنه قائل بالإباحة ، مع مخالفة ذلك صراحة لكتبه الفقهية التى لها مكانة كبيرة([2])  فى الفقه الشافعى خاصة والتشريع الإسلامى عامة وإلى يومنا هذا ، والتى هى - حسب القواعد المقررة - مقدمة عند اختلاف كلامه على غيرها من مصنفاته .

          8- ولهذا فليس من المبالغة أن نعترف بأن القائل بالإباحة لا يجاوز الشذوذ فى الوسط الفقهى الإسلامى .

          9- تأسيسا على ما سبق : فإننا ننحاز - وبقوة - للوجهة السائدة القائلة بالتحريم : اقتناعا بما استدلوا من أدلة فروعية جزئية - لن نتطرق إليها اكتفاء بالجهود السابقة فى هذا
الصدد - واستنادا إلى رؤية كلية ترتكز على أن للحضارة الإسلامية خصائصها ومميزاتها التى يجب - وبضراوة إن اقتضى الأمر - المحافظة عليها وعلى نقائها بشتى السبل .

          10- وبالنسبة للأدلة الجزئية فى المسألة فلى تعليق إجمالى عليها : فإنه مهما ضعفت أغلب الأحاديث المروية فى الباب ، فإنه يبقى حديثان أو ثلاثة على الأقل أسانيدها صالحة للاحتجاج ، وهذا كاف جدا فى المسألة إذ أنها من مطالب الظن ، التى يكفى فيها الآحاد ، وليست من المسائل القطعية ، كما هو مقرر فى أصول الفقه .

          11-  كما أن تلك الأحاديث الضعيفة بعد استبعاد الواهى منها ، والضعيف ضعفا شديدا بما يمنع الاعتبار والاستشهاد ، فإنه يبقى منها جملة تصلح للاعتبار ، ويقوى بعضها بعضا على قاعدة حفاظ الحديث ، بما يجعلها ترقى إلى درجة الحَسَن إلى غيره ، وهذا كاف فى إثبات الحرمة كما هو مقرر فى محله من علم مصطلح الحديث وأصول الفقه .

          12- ومن جهة أخرى فإنه وقع فى ثنايا بحث فضيلة الدكتور عمارة بعض التعميمات التى بحاجة إلى تريث كبير ، واستقراء واسع حتى يمكن القول بها من ذلك قوله حفظه الله
تعالى :
((جرت السنة بإباحته منذ غنت الجوارى ، وسمع الرجال فى بيت النبوة ، وبيت الصحابة)) ، ((عرض الفكر الإسلامى للغناء باعتباره فطرة إنسانية تحاكى بها الصنعة الإنسانية الخلقة الإلهية فى الطيور والأشجار ...)) ، ((وإذا كان هذا هو منطق الفطرة وبرهان العقل ، فإن برهان النص والنقل فى الإسلام يدعم هذه النظرة التى جعلت الغناء من المباحات فى ذاتها)) ، ((كان للغناء مكانه فى المجتمع النبوى)) ، ((هذا هو النموذج الإسلامى فكان للغناء مكانه فى المجتمع النبوى ، والسنة النبوية ، بالقول والإقرار حتى أصبحت هذه السنة من السنن العملية)) .

إن مثل هذه العبارات تشير إلى أن ذلك كان لهم ديدنا وعادة ، ولم يكونوا
- يعلم الله- فى ذلك من شىء ، وأدل دليل على ذلك حديث عائشة والجوارى اللاتى كن يغنين ، وإنكار أبى بكر عليهن ، فإنه أدل دليل على كون ذلك لم يكن شائعا فى بيوتهم ، ولا له مكانة فى مجتمعهم ، ولا كان نموذجا إسلاميا .

          13- ومن جهة أخرى فإنه لا يستفاد من تلك الوقائع كونها نماذج إلى آخر ما قاله الأستاذ الكاتب إلا إذا أصبغنا عليها صفة العموم ، وذلك مخالف للقواعد الأصولية ، إذ المقرر فى علم الأصول أن وقائع الأعيان والأفعال لا عموم لها ، فكيف يستفاد من واقعة عين (غناء الجوارى فى بيت عائشة) أن ذلك ((جرت السنة بإباحته منذ غنت الجوارى وسمع الرجال فى بيت النبوة وبيت الصحابة)) ، أو أن يصبح بتلك الواقعة مكان للغناء فى المجتمع النبوى على حد تعبير الكاتب .

          14- ومهما رُئِيَت تلك الوقائع من السنة على أنها تدل على الإباحة ، فإن ذات تلك الوقائع تدل على أن الواقع الذى نعيشه - والتى ستؤدى فتوى الجواز إلى تكريسه وتبريره - ليس من الإسلام فى شىء ، فأين تلك الوقائع التى تدل على جواز شىء من اللهو البرىء فى بعض الظروف الاستثنائية ، وغير اليومية ، وغير المعهودة ، من واقعنا الذى تمثل الموسيقى فيه ركنا ركنيا ، وزادا يوميا ، وطقسا من طقوس الحياة المعاصرة .

          15- ولهذا فإن القضية اليوم ليست هل الموسيقى حلال أم حرام . بل القضية : هل النموذج المروج له اليوم حلال أم حرام ، ذلك النموذج التى تدخل الموسيقى وفنون الغرب فى سداه ولُحمته .

          16- ومن ثَم فإن المقارنة إنما هى بين نموذجين للحياة ، ولهذا فتقديم الوقائع التى يستنبط منها الجواز على أنه نموذج لمجتمع النبوة ابتسار شديد له ، واختزال مخل بقيم المجتمع الإسلامى حتى توضع فى صورة معادلة لمجتمع اليوم ، وأنا أربأ بالكاتب الكبير أن ينتهى به الكلام إلى تلك النتيجة .

          17- والذى لا بد من تأكيده أن المفتى كما ينظر بعين إلى نصوص الشرع ، وعصر النبوة ، فعليه أن ينظر بعينه الأخرى إلى الواقع المعاش ، حتى تخرج فتواه دواء شافيا لأمراض عصره . تذكرنى فتاوى الإباحة بواقعة حدثت فى الهند ، عندما أراد الهندوس من المسلمين أن يتركوا ذبح البقر ، ولهم ما يشاءون ، فأبى الشيخ الدهلوى رحمه الله ذلك ، وقال : إن ذبح البقر من أعظم القربات الإسلامية ، وكان فتواه حائلا دون ضياع المسلمين ضياعا تاما فى الهند ، ولو كان اقتصر على النظر للدليل الجزئى لأوصله ذلك إلى أن ذبح البقر مباح يجوز تركه وفعله ، فلا بأس إذن بتركه إذا ترتبت عليه مصلحة من انتهاء الفتن
والمذابح ... ، لكن فى الحقيقة فإن ذلك كان سيؤدى إلى تكريس وضع الضياع ، وسيكون فاتحة شر لتضييع خصوصيات المسلمين واحدة تلو الأخرى ، حتى يتم إذابتهم فى مجتمع الهندوس .

          18- وفى الحقيقة فإن الفتاوى المبيحة للموسيقى والغناء ، أو الفتاوى غير الحاسمة التى تكتفى بالقول بأن الغناء والموسيقى صوت حسنه حسن وسيئه سيىء هى فتاوى تكرس الواقع المعاش ، والذى لا يشك أحد فى بعده عن النموذج الحقيقى لمجتمع النبوة .

          19- والمستفتى العادى لا يسأل عن الموسيقى كصورة ذهنية مجردة ، أو قضية منطقية (إن كان ...فيكون ...) ، وإنما يسأل عما يعرض عليه ليل نهار فى ((الفيديو كليب)) ، والألبومات الغنائية  وليالى التلفيزيون وغيرها ، هل هو حسن أم قبيح ، وما مدى قربه أو بعده من النموذج الإسلامى ومجتمع النبوة ، هل هذا الغناء وتلك الموسيقى الشائعة اليوم ، هى تلك التى كان لها مكانة فى مجتمع النبوة على حد تعبير الدكتور عمارة . ولهذا فإن الإجابة بعيدة عن محل السؤال ، أو غير مباشرة ، والمستفتى يريد إجابة حاسمة ، وليس قسمة
عقلية ، وقاعدة كلية يقيس عليها .

          20- أما قياس الموسيقى على أصوات الطبيعة فإنه قياس مع الفارق الشاسع ، فالموسيقى ليست مطلق صوت بسيط جميل كأصوات الطبيعة ، بل صوت يؤثر انفعالات نفسية معقدة ، ولا زال العلماء المختصون مختلفين فى أسباب ذلك التأثير العميق للموسيقى على النفس الإنسانية ، وهو تأثير أبلغ وأقوى من تأثير أصوات الطبيعة . ويكفى للدلالة على ذلك أننا لم نر أحداً أثارت فيه أصوات الطبيعة انفعالا عنيفا ، أو رغبة آثمة ، أو تحفيزا لقتال ، أو رعبا وخوفا ... إلى غير ذلك من الانفعالات العجيبة التى تنتجها أنواع الموسيقى المختلفة .

          21- ولو سلمنا بإباحة الموسيقى فأى موسيقى تباح ، هل هى تلك الموسيقى التى نبتت فى معابد اليونان ، وترعرعت فى أحضان الكنيسة الغربية ، ثم خرجت من عباءتها ، وأخذت تعبر عن فلسفات النهضة والاستنارة ، والحداثة وما بعد الحداثة .

          22- ويكفى الاطلاع مثلا على كتاب بول هنرى لانج عن الموسيقى والحضارة (طبعا الحضارة الغربية) لنعرف مدى تلك العلاقة الوثيقة بينهما ، فبينما نبتت الموسيقى نباتا طبيعيا فى أحضان تلك الحضارة عبر مراحلها المختلفة عبر التاريخ ، وتطور الموسيقى فيها يعد مظهرا من مظاهر تطورها الحضارى بكل اتجاهاتها حتى التقنى منها .

وعلى العكس فإن الموسيقى فى حضارتنا ابنا لصيقا تسرب إلينا مع ما تسرب من فلسفات اليونان حينما كانت الموسيقى جزء من العلم الرياضى ، وتسرب إلينا مع بقايا الحضارة الفارسية القديمة . واستمر محصورا فى أضيق حدود داخل صرح الحضارة الإسلامية ، حتى هيمنت علينا حضارة الآخر بكل ثقلها ، والذى لا بد أن نعترف معه بأننا متحيزون - ولو رغما عنا - للموسيقى فى ظل الحضارة القائمة ، والذى لا يعرف حتى القائل بالتحريم كيف يتجنبها .

فمسألة إباحة الموسيقى أو حرمتها هى أعمق وأعقد من مجرد النظر فى الأدلة الجزئية ، ولا يمكن نزع المسألة من إطارها الحضارى المهيمن .

          23- وليس من المتوقع أن يفهم الآخر موقفا معاديا للموسيقى ؛ لأن تلك الموسيقى جزء من ضميره ، وطقوسه الدينية ، كما هى جزء من تاريخه الحضارى ، تماما كما أنه لا يمكن له أن يفهم موقفنا من مدينة القدس لأنها أيضا جزء من ضميره الدينى ، وأبعاده التاريخية الحضارية([3]) ، فكما لا يتسنى له أن يعى أن الناصرة وبيت لحم ومهد المسيح يجب أن تكون أرضا إسلامية ، فإنه لا يتسنى أن يعى موقفا حضاريا أصيلا مخالفا للقالب الفنى الذى ينشد فيه ترانيمه وصلواته . ثم ها هو فى صراعه الحضارى يستصحب معه ذلك القالب للتعبير عن كل ما مر به من إصلاح دينى ، وإصلاح سياسى ، وحروب دامية ، وتيارات فكرية ... ، لدرجة أنى أعتقد أنه لا يمكن لأحد أن يفهم الموسيقى الغربية فى مراحلها المختلفة إلا إذا كان كاثوليكيا بروتستانتيا إنجيليا ... ، ثم بعد ذلك ملحدا تنويريا عقلانيا ... ، وهو فى كل ذلك واعيا لحركة الحضارة الأوربية ، بكل أبعادها .

          24- ولكن ما شأننا نحن المسلمون بكل ذلك ، والحضارة ليست حضارتنا ، بل والزمان ليس زماننا ، ونحن لسنا فى تفاعل حضارى ، بل فى انفعال حضارى ، إن لم يكن
انسحاقا
(
[4]) .

          25- ولهذا ففى مثل تلك الفترة الحالكة حضاريا ينبغى أن يكون أول واجب فكرى علينا هو الذود والدفاع عن كل خصوصية حضارية لنا ، حتى ولو كانت شكلية ، أو قُل الدفاع عما تبقى لنا من خصوصيات ، فكم هى تلك التى فقدناه خلال قرنين من الانفعال/ الانسحاق الحضارى .

          26- إذن -وفى هذا الإطار الحضارى- فعلى من يميل إلى إباحة الموسيقى أن يقيدها - حفاظا على شىء من الخصوصية - بأن تكون نابعة من نفس مؤمنة موحدة بالله تعبر فى فنها عن ذلك التوحيد تماما كما عبرت فنون الإسلام من عمارة وزخرفة وخط ... عن كلمة التوحيد ، فأين تلك الموسيقى التى تشعرك بحضارتك وإسلامك وقيمك وخصوصيتك تشعرك بلا إله إلا الله تماما كما تشعرك العمارة الإسلامية بالله فى كل حجر وزاوية .

الموسيقى ورؤية حضارية :

          27- وكى لا تختلط الأوراق فإننا ينبغى أن ننبه - رغم بداهيته - على أن الموسيقى وغيرها من القوالب الفنية لا تتجاوز أن تكون وسائل لتحقيق مقاصد حضارية ، وأنه مهما كانت تلك المقاصد - جدلا- محل اتفاق بين الحضارات فإنه ليس من الضرورى أن تكون وسائل تحقيقها فى ذات المحل من الاتفاق ، وأنه ليس للوسائل دوما حكم المقاصد .

          28- ودائما وأبدا : إذا قلت : الموسيقى حرام . جابهوك بقولهم : وهل يكره الإسلام
الجمال ، وهل يكره الإسلام الذوق الرفيع ، والمشاعر الرقيقة . وهكذا ينتقل البحث من الكلام عن وسيلة - مجرد وسيلة - إلى الكلام عن المقاصد ، ودون أن ينتبه بعض المتشرعين يسقطون فى شرك تلك المغالطة ، فيعترف فريق بتلك المقاصد ، ويتعدى اعترافه إلى ما يحققها من وسائل غربية ، ويتأثم فريق - نظرا للأدلة الجزئية - من إباحة تلك
الوسيلة ، ويقف حيرانا أمام ما رُفع فى وجهه من مقاصد حضارية . وبينما يبدو الفريق الأول فى نظر المتدينين فى صورة المتساهلين فى دينهم ، يبدو الفريق الثانى فى نظر المتشبعين بحضارة الغرب فى صورة غلاظ المشاعر ، جفاة الذوق ، قساة القلوب .

          29- ولهذا فلا بد أن نؤكد - أعظم ما يكون التأكيد - أن الحضارة الإسلامية متميزة أشد التميز إن فى مفاهيمها ، أو مقاصدها ، أو وسائلها .

          30- وليس بالضرورى إذا آمنا بالجمال والفن أن يكون مفهومنا الإسلامى له مطابقا ، أو موافقا ، أو مقاربا له فى الحضارة الغربية ، كيف ولكل فليسوف غربى مفهومه الخاص وفلسفته الخاصة للجمال والفن ، فلماذا تمارس كل أساليب القصر والإرهاب الفكرى لحمل الفكر الإسلامى على تبنى وجهات نظر غريبة عنه ، ليست محل اتفاق فى البيئة التى خرجت منها .

          31- وإذا كانت الموسيقى تعنى بتنظيم الانفعالات الإنسانية حسب قواعد الجماليات ، فإن التسليم لموسيقى الآخر هو تسليم لفلسفته ، وقيمه الجمالية الخاصة به ، والتى لا ينبغى إملاؤها علينا .

          32- وفضلا عن التميز فى المفاهيم ؛ فللحضارة الإسلامية مطلق الحق فى أن تتميز فى وسائل تحقيق تلك المفاهيم ، ودون أن تتهم بتحجر المشاعر وانعدام الذوق والجمال . ولهذا يصبح من السلوك الحضارى الشائن ما يمارسه دعاة الاجتهاد والعصرية لفرض قوالب فنية غريبة على الحضارة الإسلامية .

          33- وفى نفس الوقت فإنه لا يجب على الفنان المسلم المعاصر أن يحصر نفسه فى القوالب الفنية الإسلامية التراثية حتى يستشعر بإسلامية فنه ، بل عليه أن يبدع قوالب فنية لن نقول لا تتجاوز أحكام الشريعة - فالشريعة حضن دافئ وليست سجنا حاصرا - بل نقول : قوالب فنية متشبعة بتلك الشريعة وتعبّر عن فلسفتها  ، شأن أى فنان أصيل يعبر فى فنه عن قناعاته الحضارية ، وليس ملزما فى التعبير عن إبداعه اتخاذ قالب فنى معين يصطدم مع قناعاته الفقهية ، بل له أن يتخذ غير ذلك من القوالب الفنية ، أو يبدع قوالب جديدة ، يستشعر فيه عن صدق قيمه الحضارية .

          34- ومن جانب آخر فإن قيم الحضارة الإسلامية الصافية ليست فى حالة اضطرار إلى القالب الموسيقى للتعبير عنها ؛ فالقول بتحريم الموسيقى لا يعنى أن الإسلام يعادى صورة من صور الحضارة ؛ لأن الموسيقى مجرد قالب فنى طرحته بعض الحضارات ، وليس ملزما لكافة الحضارات الأخرى ، ومحاولة فرضها وتعميمها ، بل وجعلها مقياسا للحضارة هو من قبيل القسر الفكرى ، والاضطهاد الحضارى .

          35- ومهما قيل بما للموسيقى من تأثير فى الترقى الروحى ، فإن ذلك لا شك نابع من الأصول الكنسية للموسيقى ، والتى تدخل الموسيقى فى نسيج طقوسها وشعائرها الدينية ، ولا يمكن أن يكتب تاريخ الموسيقى بعيدا عن تاريخ الكنيسة فى الغرب ، وحتى بعد الخروج على الكنيسة لا زالت الموسيقى ملتحمة أشد الالتحام بالتطور الفكرى والفلسفى للغرب ، والذى نعلم جميعا إلى أى مدى وصل إليه .

          36- فكما تدعو بعض الموسيقى للإيمان والرقى ، يدعو بعضها الآخر للإلحاد
والإباحية ، فهى إذن وسيلة ليست خالصة للترقى الروحى .

          37- وفى المقابل فإن الإسلام يطرح وسائله الخاصة فى ترقية النفس والروح وتهذيبها ، وتنظيم الانفعالات النفسية الإنسانية ، وهى وسائل أنجع وأبلغ فى تخليص النفس
من آصارها .

          38- وحسب هذا التعقيب أنه يحاول أن يضع إحدى مشكلاتنا  فى إطارها الصحيح ، فى خطوة نحو حل واع وعميق لها ، ولهذا فلست هنا بصدد الحديث عن فلسفة جمال إسلامية فلها مجالها ومتخصصوها .

كما أننى لست فى صدد طرح أو اقتراح وسائل ما بديلة ، فالوسائل الفنية لن تأتى أبدا من خلال كلمة تكتب أو تقال ، وإنما تأتى من خلال معاناة فنية لروح مبدعة تشبعت بقيم الإسلام وجماليته وأخلاقه ، ورؤيته الشاملة للكون والحياة وما ورائهما ، والله تعالى أعلم .



([1]) وهذه قاعدة مطردة ، نصوا عليها فى أماكن كثيرة ، ولهذا تقدم مصنفات النووى -  مثلا- الفقهية على فتاواه ، وكذلك الحال بالنسبة إلى ابن حجر والرملى وكلاهما لهما عدة مؤلفات فقهية كما له فتاوى مشهورة ، وتقدم المصنفات الفقهية على الفتاوى ، ومهما قيل بترتيب تلك المصنفات الفقهية من حيث المنزلة - حسب الدقة - فإن أدونها منزلة مقدم على الفتاوى ، فلا بد من مراعاة ترتيب الكتب .

([2]) لمعرفة هذه المكانة : نحيل على الفوائد المكية للسقاف ضمن مجموعة سبع كتب
مفيدة ، طبع مصطفى الحلبى ، حيث يعلم منه أن مدار كتب الشافعية على كتب الغزالى منذ ألفها . كما نجد نصوصا للإمام النووى يصرح فيها بأن وسيط الغزالى كان أحد أربعة متون متداولة ، بالإضافة إلى الكثرة الوافرة من الإشارات فى كتب الطبقات الدالة على أهمية كتب الغزالى الفقهية وخاصة الوسيط والوجيز (راجع : دراسات فى المذهب الشافعى - للباحث - تحت الطبع) .

([3]) راجع لهذا الموضوع : ((اختلاق إسرائيل القديمة - إسكات التاريخ الفلسطينى)) لـ : كيث وايتلام ، ومقدمة المترجمة الدكتورة سحر الهنيدى ، (عالم المعرفة - عدد 249) والكتاب ومقدمته مليئان بالإشارة إلى ذلك ، راجع على سبيل المثال : ص 20 ، 45، 47، 51 ، 74، 77 ، 83،
 86 : 94 .

([4]) فى اللغة : تفاعلا إذا اشتركا فى فعل واحد ، كتقاتلا ، وتضاربا ، ... .

أما الانفعال فهو الوقوع تحت فعل الغير ، ضربه فانضرب ، وقتله فانقتل ، وسحقه
فانسحق .