دور الإمام المتقى الهندى فى الإصلاح  - مقتطف من مقدمة  جامع الأحاديث

عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

كان الإمام المتقى الهندى ذا أثر بعيد فى المجتمع من حوله ، لسعة علمه من جهة ، ولزهده فيما بأيدى الناس من جهة أخرى ، ولهذا كان له كلمة مسموعة ، ((وكان معتقداً عند الخاص والعام لا سيما ملوك الهند ، وكان راغباً فى أمور الآخرة ، ومرغباً فيما ينفع فى العقبى . وزاهد فى الدنيا لا يراها إلا كالهباء المنثور وكالعدو المشهود ، لا يتدرع منها غير ثوب العفاف ، ولا يأخذ منها إلا مقدار الكفاف . وكان معرضاً عن كل لذة ، وعن العوائد التى للنفوس لها مستعدة)) ([1]).

وقال الفاكهى : ((ومن ثم اشتهر بإقليم مكة المشرفة أشهر من قفا ، وصار يقصده وفود بيت الله كما يقصد المشعر الحرام والصفا ، حتى بلغ صيته لسلطان الإسلام المرحوم سليمان (يعنى السلطان العثمانى المشهور) ، بعد أن كان يفرغ على يديه بل قدميه ماء الطهارة محمود أعظم سلاطين الهند اعتقاداً فيما له من شأن . قال : وشهرته فى الهند وجهاتها أضعاف شهرته بمكة كما لا يحتاج فى ذلك إلى إقامة برهان)) ([2]).

وقال الحسينى صاحب الإعلام بمن فى تاريخ الهند من الأعلام : ((وفد إلى الهند مرتين فى أيام السلطان محمود شاه الصغير الكجراتى وكان من مريديه . قال الآصفى فى تاريخه : إنه وفد عليه من مكة المشرفة زائراً فلم يدع له حاجة فى نفسه إلا وقضاها ، ثم فى موسمه عاد الشيخ إلى مكة موسراً ، فعمر بالقرب من رباطه بسوق الليل بيتاً لسكناه له حوش واسع يشتمل على خلاوى لأتباعه والمنقطعين إليه من أهل السند ، وكان يعيل كثيراً ويعين على الوقت من سأله ، وكان فى وقف السلطان المتجهز فى كل سنة مدة حياته مبلغ كلى يقوم بمن يعول ، وظهر الشيخ بمكة غاية الظهور ، نما خبره إلى السلطان سليمان بن سليم بن بايزيد بن محمد الرومى فكتب إليه يلتمس الدعاء منه له ، وكان يواصله مدة حياته ، ثم دخل الشيخ الهند ثانياً واجتمع بمحمود شاه ، وبعد أيام قال الشيخ له : هل تعلم ما جئت له ؟ فقال : وما يدرينى فقال : سنح لى أن أزن أحكامك بميزان الشريعة فلا يكون إلا ما يوافقها ، فشكر السلطان سعيه ، وأجابه بالقبول وأمر الوزراء بمراجعته فى سائر الأمور ، ونظر الشيخ فى الأعمال والسوانح أياماً واجتهد فى الأحكام ، فأمضى ما طابقت شرعاً ووقف فيما لم يطابق ، فاختل كثير من الأعمال القانونية وتعطلت السياسة وانقطعت الرسوم واحتاج الوزراء إلى ما فى الخزانة للمصرف ، والشيخ قد التزم سيرة الشيخين رضى الله عنهما فى وقت ليس كوقتهما ورعية ليست كرعيتهما ، ولم يمض القليل حتى خرج عن وصية الشيخ مريدُه الذى استخلفه عن نفسه فى تحقيق الأمور العارضة ، وكان يراه أزهد منه فى الدنيا وأعف نفساً وأكمل ورعاً ، فنفض الشيخ يده مما التزمه وقام ولم يعد إلى مجلسه ، قال الآصفى وبيانه : أنه لما تمسك بميزان الشريعة كره أن يجالسه عمال الدنيا وتخلط نفسه بأنفاسهم فى المراجعة ، وكان لديه من يعتمد عليه من تلامذته وأكبر أصحابه ويعتقد فيه ديناً وورعاً ويتوسم فيه التحفظ من الشبهات واسمه ((شيخ جيله)) فأمره أن يجلس مع العمال ويستمع لهم ويخبره بالحال بعد تحقيقه ، فكان يجلس ويسمع ويتحقق ويخبر ويرجع إليهم بجواب الشيخ([3]).

فمما سبق يتضح أن الشيخ المتقى الهندى لم يكن مؤثرا للعزلة عن أمور المسلمين العامة ، ولم يكن سلبيا كما يحلو للبعض أن يتصور شيوخ الصوفية كذلك ، بل حاول القيام بواجبه نحو إصلاح حال المجتمع ، والقيام بتنفيذ أحكام الشرع الشريف ، وإن كانت تجربته لم تنجح ليس فقط للسبب الذى ذكره حاكى القصة ((التزم سيرة الشيخين رضى الله عنهما فى وقت ليس كوقتهما ورعية ليست كرعيتهما)) ، بل ربما كان لنقص خبرة الشيخ العملية فى سياسة الخلق أثناء تطبيق الشرع الشريف ، وهو ما يظهر من بين ثنايا السطور ، فإن القيام بأحكام الشرع لا تحتاج إلى العلم بها فحسب ، ولكن تحتاج إلى معرفة الناس ، وإدراك الواقع بكل ثقله ، وخبرة واسعة فى رياضة النفوس بحيث يستطيع ولى الأمر حملهم على الجادة ، وهو ما يظهر جليا إذا راجعنا مسندى الشيخين أبى بكر وعمر من مشروعنا هذا ، فهناك ثمة شىء آخر بل أشياء لتطبيق الشرع وراء العلم به ، وأرجو ألا يشم من كلامى هذا رائحة إعطاء العذر لتعطيل العمل بذلك ، بل المقصود الاعتبار من تجارب التاريخ حتى لا نفسد حين نريد أن نصلح كما وقع للشيخ الهندى ، فهى تجربة ذات دلالة عميقة ، فقد كانت هناك إرادة عامة للعمل بالشريعة ، وكان هناك مُنَظِّر أو عالم بالأحكام والشريعة ، ومع هذا فشلت التجربة ، لنقص الخبرة ، وهو ما نصادفه الآن فى تجاربنا التشريعية المعاصرة .



([1]) السناء الباهر ، ص 508 .

([2]) النور السافر ، ص 424 – 425 .

([3]) الإعلام بمن فى تاريخ الهند من الأعلام ، ص386 .