تناقضات حقوق الإنسان وضرورات الأمن القومى


عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية ابحث اتصل بنا

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

    من الواضح أن ثمة تناقضا واسع المدى أمام الإنسانية المعاصرة عليها أن تواجهه وتحله، وهو ذلك التناقض الذى يقع الآن بين التطبيق العملى لكل من حقوق الإنسان بمفهومها الغربى الذى فرضه على العالم ، وضرورات الأمن القومى والاستقرار المجتمعى للدولم([1]) .
 
فى التطبيق العملى والسياسى والواقعى فضلت الأنظمة الحاكمة كافة وبلا استثناء وفى كل دول العالم وعلى مختلف مستوياتها وأنماطها السياسية تقديم ضرورات الأمن القومى على متطلبات حقوق الإنسان (لاحظ مثلا : معتقل جوانتنمو وبدل من تصفيته نقله أوباما إلى داخل أمريكا - ما يحدث فى العراق وأفغانستان - حظر المآذن فى سويسرا - حظر النقاب فى بعض بلاد أوروبا ...) وكلها تطبيقات تنتهك حقوق الإنسان بمفهومها الغربى)، وهذه مجرد أمثلة على تناقضات حقوق الإنسان ومتطلبات الأمن القومى التى رأت الأنظمة الحاكمة فى هذه الدول الغربية الديمقراطية تقديمها على حقوق الإنسان، حفاظا على تماسك مجتمعاتها، ووحدة ثقافتها وتناسق مبادئها.

    لقد وضعت ضرورات الأمن القومى على محك المواجهة مع حقوق الإنسان التى كان الغرب يعدها أفضل وأرقى ما توصل إليه، فقد صارت تكلفتها الآن فوق أن يتحملها من كان يشهرها سلاحا فى وجوه خصومه السياسيين.

    هل يمكن القول أن فرض مفاهيم ثقافة ما على كل الثقافات الأخرى ، ثم التطبيق واسع المدى والخاطئ والمتسرع لها فى أحيان كثيرة أدى إلى إلحاق الضرر بالأمن القومى للبلدان المختلفة، وصير الحفاظ المطلق على تلك حقوق الإنسان ترفا لا يحتمل.

    يبدو فى أحيان كثيرة أنه قد استغلت حقوق الإنسان كثغرة قاتلة لطعن استقرار المجتمعات هنا وهناك ، ومعول هدم لنقض الأسس التى تقوم عليها من قيم وشرائع وتقاليد قامت واستقرت عليها المجتمعات شرقا وغربا لقرون طويلة.

    وبنفس السلاح (سلاح حقوق الإنسان الذى حاول الغرب به اختراق شرقنا) اخترقت حركات العنف والإرهاب المجتمعات الغربية نفسها ، واستغلت حق السفر والانتقال والتعليم فى الدخول وحرية الفكر فى نشر أفكارها الخبيثة وتنفيذ العمليات الإرهابية كأحداث سبتمبر الشهيرة.

    لابد أن نقر أن تنظيم القاعدة استخدم ثغرات حقوق الإنسان بمهارة لينجح من خلالها فى تهديد السلام العالمى كله. لقد تم استغلال حق السفر والترحال ، وحق التعليم ، وحق حرية التدين وحرية الفكر وحرية الاتصال، كل هذه الحقوق استغلت أسوأ استغلال ليتم اختراق الدول الغربية التى كانت مشغولة أيضا باستغلال نفس الحقوق لاختراق الشرق، فبينما كان الغرب يستغل حقوق الإنسان ضدنا ، كان تنظيم القاعدة يستغلها ضده لنجد حولنا آلافا من الإرهابيين تم تدريبهم وتحويلهم إلى قنابل موقوتة تحت مظلة حقوق الإنسان.

    أليس من العجيب أن يكون مسلك الغرب وحركات الإرهاب مسلكا واحدا ، وباستخدام نفس الأدوات، وبنفس المنهج عن طريق استخدام غطاء مشروع كالدين وحقوق الإنسان والأمن القومى واستغلال ذلك الغطاء أسوأ استغلال لتحقيق أهداف خاصة، فمثلما استغلت جماعات الإرهاب حقوق الإنسان الاستغلال الأسوأ لتحقيق أهدافها الخاصة بها، استغل الغرب حقوق الإنسان ثم ضرورات الأمن القومى لتحقيق أهدافه الخاصة ومطامعه السياسية .

    إننا أمام نموذج واحد فى السلوك والتفكير والحركة على أرض الواقع، وفى هذا ما يؤكد على ما سبق أن طرحناه فى مواضع أخرى من أن التطرف والحركات الأصولية والإرهابية هى صناعة غربية خالصة.

    نعم الإرهاب صناعة غربية ، من أول حركة رهبان مالطة والتى ما زالت موجودة إلى اليوم وانتهاء بشركة بلاك ووتر، لقد استعمل الغرب فى هذه الصناعة كل أدواته وخبراته وتقنياته لتكون صناعة منظمة كعادة الغرب فى كل ما يصنع ابتداء من صناعة الفضاء وانتهاء بصناعة الجنس ، ومرورا بصناعة الإرهاب، كل الصناعات الغربية تمتاز بالنظام والدقة، وهذا درس ينبغى أن تتعلمه الإنسانية كلها من الغرب: النظام والدقة.

    ولم يكن الشرق قط متطرفا بل متسامحا، وإنما ظل الغرب يصدر لنا نماذجه المتطرفة والمتعصبة دوما ، عصرا بعد عصر، حتى نجح فى زرعه فينا على أيدى تلاميذه من المستغربين الشرقيين. وعبر التاريخ فإن التعصب والتطرف يأتى دائما من الغرب: الحروب الصليبية، اضطهاد مسلمى الأندلس، الحركة الصهيونية، الأنظمة والحركات العنصرية المختلفة ضد السود والهنود واليهود ، والأنظمة النازية والفاشستية والشيوعية والإسرائيلية، وحركة الغرب فى استغلال واحتلال الشعوب ، والتى أتت عقب حركة الإسلام فى الفتوح، ولكن شتان ما بينهما، ففتوح الإسلام حافظت على الشعوب بلغاتها وأديانها وثقافاتها وحضاراتها وأعراقها، نحن لم نبيد قط شعبا حتى نأخذ أرضه أو نسرق ثرواته.

    ليس هناك فى التاريخ مثال سار فى الاتجاه المعاكس إلا تنظيم القاعدة الذى تكشف التحليلات أنه صناعة غربية أيضا، بداية من جذوره الممتدة إلى الحركة الوهابية التى كشفت وثائق التاريخ شرقا وغربا أنها صناعة غربية محضة، ومن خلال الحركة الوهابية ظهرت كل حركة التطرف والإرهاب فى العالم الإسلامى ، ولطالما أنكر علماء الشرق ومفكروه وعقلاؤه هذه الحركات والأنظمة العنصرية برمتها سواء ما ظهر منها شرقا أو غربا.

    إذن مع سوء استغلال حقوق الإنسان وبهذه الصورة التى نتجت عن ممارسات غربية محضة ، بلغت المأساة قمتها فى أحداث سبتمبر المأساوية ، فاتجه الرئيس الأمريكى بوش إلى فعل ما فعل تحت غطاء الحفاظ على الأمن القومى، واستمر على نفس النهج سلفه أوباما لنفس الدواعى: الحفاظ على الأمن القومى. ولكن الحقيقة أنه كما أساء النظام الأمريكى استخدام غطاء حقوق الإنسان لينشر نفوذه ويعيد السيطرة على العالم، فإنه يسىء أيضا استغلال غطاء الأمن القومى ليحقق مكاسب استعمارية وسياسية واقتصادية وحضارية على حسابنا. ومن الواضح أن النظام الأمريكى بصفة عامة لا يعرف إلا سوء الاستغلال لأى شىء يستعمله ، بحيث يمكن أن نطلق عليه نظام سوء الاستغلال. سوء استغلال موارد الطاقة، سوء استغلال موارد الطبيعة، سوء استغلال حقوق الإنسان، سوء استغلال الحرية الاقتصادية، سوء استغلال السوق الحرة، سوء استغلال الرأسمالية، سوء استغلال الأمن القومى، سوء استغلال الحرية والديمقراطية، النظام الأمريكى ما هو إلا سلسلة من سوء الاستغلال المتعمد لتحقيق مصالحه وحده فحسب.

    يبدو أن الغرب عندما أعلن حقوق الإنسان أراد أن يعلن التوبة من تعصبه بعد أن اكتوى بنار هذا التعصب وإبادته لنفسه ولغيره خلال حروب كونية قضت على ملايين البشر، فرأى الخلاص والتوبة فى حقوق الإنسان، لكنها كانت توبة غير خالصة، وخلاصا مرائيا ومنافقا، حيث أراد المتعصب أن يتوب عن تعصبه ويقر للإنسان بحقوقه، بل ويعلن المتعصب من نفسه راعيا لتلك الحقوق، والآن انتهت اللعبة، ولن يجدى النفاق ولا الرياء، وستسقط ورقة التوت (حقوق الإنسان) والتى لم تنجح فى إخفاء عورة تعصب الغرب، وليعود الغرب إلى تعصبه الأسود مرة أخرى، وهو الآن يكتوى بنار الإرهاب الذى صنعه بنفسه وزرعه فى بلادنا كى يحطمها ويزعزعها ، فانقلب السحر على الساحر، وأصابه ما رمانا به، وحصد الشر الذى زرع.

    ومع هذا لن يكف الغرب عن أكل بلادنا حتى يلتهمها كلها، العراق وأفغانستان والصومال ، وفى الطريق السودان واليمن وباكستان ، ويحاول زعزعة استقرار مصر والسعودية وإشعال نار الفتن فيهما، وربما تكون الخطة أنه على مدى ثلاثين سنة قادمة لابد من تفكيك بلاد المنطقة كلها لتصير مثل الصومال أو العراق، والغرب وهو فى مرحلة الشيخوخة والتراجع السكانى مضطرا اضطرارا إلى هذا فى ضوء الانفجار السكانى الإسلامى، فلتتفكك هذه الدول الإسلامية إذن إلى لا شىء مجرد قبائل أو طوائف أو عرقيات أو مدن أو تنظيمات عسكرية متناحرة ومتصادمة، فهذا يُسهّل على الشيخ الغربى العجوز السيطرة عليها، بعد أن فشلت عوامل الضغط والاحتلال والاستعمار والغزو الثقافى والهجرة والجذب فى إذابة الهوية الإسلامية سواء للمقيمين ببلادهم الشرقية أو للمهاجرين منها إلى الغرب لتطعيم الغرب بدماء جديدة، بل زادت الهجرة من معادلات إسلام الغربيين أنفسهم، فبدلا من أن تكون الهوية الإسلامية طاردة استمرت جاذبة كما كانت دائما رغم الهوان والذل والضعف والتخلف الذى يعيش فيه المسلمون، وليصير الإسلام هو الصداع الدائم فى رأس الغرب.

    فلا بد مع هذا من تفكيك الشرق كله تحت دعاوى حقوق إنسان تارة، وتحت دعاوى الأمن القومى أخرى، وتحت تناقضهما ثالثة.

    وعندما تصادمت وتناقضت حقوق الإنسان وضرورات الأمن القومى الغربية أعطى الغرب نفسه الحق فى أن يقدم ضرورات الأمن القومى ويجعلها على رأس الأولويات، ولتذهب حقوق الإنسان إلى المؤخرة إن لم يكن إلى الجحيم.

    لكنه لا يريد أن يسلم للبلاد الأخرى عندما تغلق الأبواب وبحزم ضد كل ما يهدد أمنها القومى ويزعزع استقرارها من دعوات طائفية أو مذهبية أو دينية تتهددها ، إن الغرب دائما يعطى لنفسه من الحقوق ما لا يسمح به للآخرين، وهذه آفة خطيرة فى السلوك الغربى، فيعطى لنفسه الحق فى التدخل فى شئوننا الداخلية تحت مظلة حقوق الإنسان وحقوق الأقليات التى كان هو بنفسه أول من انتهكها وداسها بأقدامه.

    إن الغرب كان أول من رمى بمظلة حقوق الإنسان وراء ظهره عندما اخترق أمنه القومى، فلماذا يصر الغرب أن يعطى لنفسه من الحقوق والميزات ما لا يسمح بها للآخرين، أى نفاق وأى عهر سياسى هذا الذى يقوم به الغرب، ويريد أن يجرنا إليه ليخرب بلادنا ويهز أركانها ويفتتها تفتيتا.

    أليس من سوء استغلال حقوق الإنسان أن تستغلها الثورة الشيعية الإيرانية لمد التشيع إلى البلاد الإسلامية السنية ونشر الفكر الشيعى ، واتخاذ تقارير حقوق الإنسان غطاء لنشر الفكر الشيعى وإثارة القلاقل فى بلاد ليس فيها شيعى واحد، ويساعدها على ذلك المؤسسات الحقوقية التى تدعى انتهاك حقوق الشيعة، بينما تنتهك نفس الثورة حقوق أهل السنة فى بلاد فارس فى صمت لكن بوحشية شديدة، دون أن ترفع المؤسسات الحقوقية صوتها بنقد هذه الممارسات.

    أليس من سوء استغلال حقوق الإنسان أن تستغلها طوائف وأقليات دينية أخرى عديدة عاشت فى بلادها آمنة مستقرة فى أخوة وسلام ووحدة حقيقية مع سائر طوائف المجتمع وأغلبيته، ثم تريد تلك الأقليات استغلالا لحقوق الإنسان وتسييسا لها أن تنتقص من حقوق الآخرين شركاء المجتمع والوطن والتاريخ، وتحصل على مكاسب سياسية ولو على حساب الأمن القومى لبلادها، ودون أن تبالى باحتراق الوطن وتدميره.

    أليس من سوء استغلال حقوق الإنسان أن تستغلها قوى أخرى فى التبشير بمذاهبها بين أتباع الطوائف الأخرى فى نفس الديانة، أو التبشير بدياناتها على حساب أصحاب الديانات الأخرى دون مبالاة بالاستقرار والحفاظ على النظام العام وسلام المجتمع وأمنه.

    إن كل الطوائف والملل والأقليات والمذاهب والعرقيات والقوى المختلفة التى حاولت الانتشار أو إعادة الانتشار أو تحقيق مكاسب سياسية جديدة أو إعادة صياغة التوازنات المحلية تحت مظلة حقوق الإنسان وانتقاصا من ضرورات الأمن القومى، عليها جميعا أن تعيد النظر فى حساباتها التى بنوها فى ظل هذا الغطاء المتهالك الذى تراجعت وستتراجع أهميته ومشروعيته ومدى قدرته على تلبية مطامعهم ، ولكن لن يكتشفوا ذلك إلا بعد فوات الأوان، وبعد أن يكون قد اخترقوا ضرورات الأمن القومى، وعرضوا أنفسهم لعواقب ذلك الوخيمة، والتى تصل فى بعض الأحيان إلى حد خيانة الوطن.

    ولهذا يمكن القول وبمنتهى الوضوح: أنه كما لا ينبغى استغلال ضرورات الأمن القومى كغطاء لإجهاض قوى المعارضة السياسية المشروعة والقانونية، لا ينبغى كذلك للقوى السياسية والطوائف المختلفة استغلال حقوق الإنسان كغطاء لتحقيق مكاسب طائفية أو دينية أو سياسية غير مشروعة ولا مقبولة، مما يفقد كلا من الأمرين (حقوق الإنسان والأمن القومى) ثقلهما ومشروعيتهما، ويحولهما إلى مجرد لعبة رخيصة وأداة مستهلكة فى أيدى اللاعبين السياسيين.

    وفى ضوء ما سبق من مواجهة التناقض الفعلى والواقعى بين حقوق الإنسان وضرورات الأمن القومى سيزول تناقضا ظاهريا آخر عندما نقول مثلا : نعم لإعطاء الأقباط فى مصر حقوقهم كما أقرها الإسلام (وهذا قيد ضرورى ولازم) قبل أى دستور أو قانون أو ميثاق دولى، ولا للمد الشيعى فى مصر، لأننا عندما نقول نعم لإعطاء الأقباط فى مصر حقوقهم التى أعطاها لهم الشرع الإسلامى أولا قبل أن تعطيهم مواثيق حقوق الإنسان شيئا، نكون بذلك عاملين على تحقيق الشرع الإسلامى وضرورات الأمن القومى وحقوق الإنسان معا، ولم ننتهك أيا منها . وعندما نقول : لا للشيعة فى مصر، فإننا لا نقول لا للشيعة مطلقا ، بل هم أخواننا فى بلادهم ، وأخواننا فى بلاد اختلط فيها السنى بالشيعى، كما أن الأقباط وسائر المسيحيين أخوان للمسلمين فى بلاد اختلطوا فيها طوال التاريخ، لكن تواجد الشيعة فى بلاد ليس فيها شيعى كمصر والمغرب سيثير القلاقل والفتن ويخرق الأمن القومى، ورغم أن الشيعة طائفة إسلامية و{إنما المؤمنون أخوة} ، ورغم أن الأقباط فى مصر مثلا أهل ديانة سماوية أخرى ، لكن بينما يخترق الوجود الشيعى فى مصر ثوابت الأمن القومى حيث لا وجود أصيل للشيعة فى مصر، ولا بد أن نقول لهم : لا ، فإنه من الضرورى أن نقول نعم للأقباط وحقوقهم كما أقرها الإسلام قبل أى دستور أو قانون أو ميثاق دولى لأنهم جزء من هذا الوطن، طوال قرون ماضية وعلى مدى قرون قادمة، وفى ضوء هذا انبنت أسس مجتمعنا وثقافته وحضارته ومدنيته، فنعم لوجودهم وتلاحمهم ، ومن ثم فإن سلامة الأقباط ونيلهم حقوقهم كما أقرها الإسلام - قبل أن يقرها الدستور وحقوق الإنسان - هى إحدى ثوابت الأمن القومى المصرى وركن من أركان هذا الوطن، ولهذا نقول لحقوق الأقباط التى أقرها الإسلام أولا: نعم لهذه الحقوق، وألف لا ولا لاضطهادهم أو الاعتداء عليهم أو الانتقاص من حقوقهم، ومن يعتدى على تلك الحقوق فإنما اعتدى على الشريعة الإسلامية أولا قبل أن يعتدى عليهم.

    تماما مثلما أن أى أقلية فى أى بلد من حقها أن تعيش فى أمن وأمان وسلام، وتنال حقوقها، وتشارك فى بناء المستقبل ، والحفاظ على الحاضر، كالشيعة العرب فى السعودية والكويت وغيرها من بلاد الخليج مثلا، وكالسنة الفرس فى بلاد فارس ، وكالسنة فى عمان، وكالطوائف والعرقيات المتعددة فى العراق، وكالأمزاغية (القبائل) فى بلاد المغرب العربى، نعم لحقوق هذه الطوائف والعرقيات جميعا بما يحقق الاستقرار والأمن والتقدم والرفاهية للجميع، ويحافظ على الثقافات المحلية والخصوصية الحضارية للجميع.

    وهذا هو التوازن الذى يحققه الشرع الإسلامى دائما عندما يعطى لأقلية ما حقوقها دون أن ينتقص ذلك من حقوق الأغلبية، فحقوق الأغلبية لا تنتقص من حقوق الأقلية، ولا حقوق الأقلية تنتقص من حقوق الأغلبية فى نظر الإسلام وتوازنه، ذلك التوازن الذى تخل به الدعوات المثارة الآن تحت مظلة مخترقة ومحترقة هى مظلة حقوق الإنسان، وذلك التوازن الذى يفتقده الغرب دائما والذى يميل أبدا إلى أحد شقيه ولا يعرف كيف يتوازن ، ومنذ تولى الغرب قيادة العالم، وهو يفتقد لهذا التوازن ، ومن ثم يُفْسِد أكثر مما يُصلِح.

    وختاما : هناك سؤال لا بد من طرحه بعد كل ما تقدم عن الغرب، وهو : هل الغرب كله شرير؟ وهل نحب الغرب أم نكره؟

    والجواب من وجهة نظرى أن الغرب كشعوب وأفراد وجماعات أكثره خيّر وطيب وإنسانى ، إننى أعرف أشخاص غربيين كثيرين هم أناس رائعون وصادقون ويحب الإنسان أن يبقى دائما على تواصل معهم، رغم أنهم ليسوا مسلمين.

    وهذا الأكثر من شعوب الغرب يتجهون إلى شتى مناحى الحضارة والمدنية علما وثقافة وفنا وأدبا وفكرا وعلما وتقدما، ينفعون وينتفعون، ويبدعون ويُمتِعون، ويتواصلون ، ويقدمون لنا زخما إنسانيا رائعا.

    أما الأقل الغربى الشرير فيتجهون إما إلى السياسة أو إلى الدعارة والإباحية ويغلبون الأكثر الخير على أمرهم، وقلما نجد نموذجا إنسانيا راقيا ورفيعا وخيرا فى ساسة الغرب مثل جيمى كارتر مثلا الرئيس الأمريكى الأسبق، وإن كانت مقتضيات السياسة والأمن القومى ومؤسساته ستغل إلى حد ما من إنسانيته وتحد من مثاليته إلى أقصى حد ممكن ، لكنه يبقى فى النهاية نموذجا إنسانيا رائعا.

    إن النتيجة المؤكدة التى تريد هذه الورقة أن تصل إليها هو رفض الصراع بكل ألوانه، وأشكاله، وأطيافه:

    - لا للصراع الشرقى / الغربى.

    - لا للصراع الإسلامى / المسيحى.

    - لا للصراع الإسلامى / اليهودى.

    - لا للصراع الإسلامى / الإسلامى.

    - لا للصراع المسيحى / المسيحى.

    لا للصراع بكل أشكاله وألوانه ومسمياته، ونعم للاستقرار والسلام والأمن والطمأنينة.

    ومع رفض الصراع كل الصراع : النداء بالعودة إلى التوازن الذى انبنى عليه الأمن القومى، التوازن الذى انبنت عليه مجتمعاتنا بتقاليدها وثقافتها وحضارتها ، التوازن الذى يحققه لنا الإسلام قبل كل ذلك وبعده.

    وكما أنه لا ينبغى للأغلبية - أى أغلبية فى أى بلد - أن تنتقص من حقوق الأقليات فيها، فإنه لا ينبغى لأى أقلية أن تطغى وتستبد وتنادى بما ينتقص من حقوق الأغلبية تحت دعاوى نيلها لحقوقها، استقواء بقوى خارجية لن تحميها فى نهاية المطاف، وستخرج مثل هذه الأقليات من تلك المعركة وقد خسرت شرفها الوطنى، ومكاسبها المتحققة بالفعل، بعد أن تكون قد دمرت نفسها ووطنها ومواطينها. وهناك الكثير من تجارب الأقليات عبر التاريخ تؤكد على هذه النتيجة السابقة، أقربها لنا فى الشرق التحام بعض الأقليات بالحملة الفرنسية على مصر والشام فى القرن الثامن عشر.

    هل يمكن للإنسانية جميعها أن تعود إلى السلام والاستقرار ، وتعطى كل مظلوم حقه، تعطى الفلسطنيين حقوقهم المشروعية، وتحقق لهم حلمهم فى وطنهم المسلوب، وتعطى الأقليات كل الأقليات حقوقها المشروعة كما نادى بها الإسلام، وتعيد لكثير من الأغلبية حقوقا اهتضمتها أقليات فى جلبة سعيها لنيل حقوقها.

    هل هذا الحلم بعيد المنال، هل هى أوهام مثالية لن تحقق على أرض الواقع، إلى متى يظل أخيار بنى آدم يتركون زمام الأمور إلى أشرارهم ، وينزون إلى فنونهم وآدابهم ونظرياتهم ومعابدهم ومعاملهم وعلومهم، ويتركون ساحة السياسة خالية لهم، آن الأوان للخير أن يعم ، ولأخيار بنى آدم أن يتولوا قيادة الإنسانية، قبل أن يهلكنا أشرارنا.

    وأخيرا : فالكاتب كان له إسهام سابق فى الكتابة عن حقوق الإنسان فى الإسلام (اضغط هنا)، طرح فيها وجهة نظر إسلامية لهذه الحقوق، ولا يمثل هذا المقالة الأخيرة أى تراجع عن إيمانه بتلك الحقوق ، ولا يملك أن يتراجع عنها، لكن تأتى هذه المقالة - وكل إسهامات الكاتب - فى إطار الوسطية والتوازن والتوافق التى هى السمة الأساسية للفكر الإسلامى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}.

     ولا يمكن إلا فى ضوء هذه الوسطية التى يقدمها الفكر الإسلامى إزالة التناقضات بين حقوق الإنسان وضرورات الأمن القومى ، كما يمكن من خلال تلك الوسطية والتوفيق والتوازن الذى يتسم بها الفكر الإسلامى أن يواجه التناقضات كافة االتى أنتجها الغرب فكرا وممارسة، والعودة بهما وبالعالم كله إلى نقطة التوازن والوسط، ذلك الفكر (الفكر الغربى) الذى يقوم دائما على تناقض الثنائيات والميل إلى أحد طرفيها، ويفتقد دائما للقدرة على التوفيق والتوسط، كما يقوم أبدا على الصراع ، يعيش ويحيا من خلاله، ولا يتصور أن يخلو الفكر الغربى وحضارته من صراع، وإلا لفقد الحافز الدائم للحركة والنمو، ولعلها بذلك تكون أسوأ حضارة عرفتها الإنسانية، حيث بنت نفسها وتقدمها على فكرة الصراع، الصراع على مستوى الأفكار ، الصراع على مستوى الدول، الصراع على مستوى الأفراد والجماعات، بينما تقوم حضارتنا الإسلامية على التوفيق والوسطية.



([1])    على مدى هذه الورقة سيكون المعنى بـ (حقوق الإنسان) دائما هو تلك الحقوق بمفهومها الغربى الممثل لقيم الغرب وثقافته وحضارته فحسب، وذلك المفهوم يشمل الإعلانات الدولية لحقوق الإنسان، وما تبعها من آليات ووسائل ضاغطة ومؤسسات مراقبة ونحو ذلك. وفى المقابل هناك حقوق الإنسان كما أقرها الإسلام وتناولها العديد من الباحثين ، ومنهم الكاتب فى بحث حقوق الإنسان فى الإسلام (اضغط هنا)، وحيث أردنا حقوق الإنسان فى الإسلام، قيدناها بذلك ، فيكون قيد ضرورى ، لا يمكن حذفه حيث قيدناه به، ولا بد من فهم الفكر فى إطار هذا القيد.