تمهيد لمشروع جامع الأحاديث - مقتطف من مقدمة الجامع 2

عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث     اتصل بنا

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

وبعد : فإننا نقدم بين يدى العمل بمقدمة تشتمل على أربعة أبواب وخاتمة :

الباب الأول : فى تراجم مؤلفى المصادر التى اعتمدنا عليها فى هذا الإصدار ، وفيه تمهيد ، وأربعة فصول :

الفصل الأول : ترجمة الإمام السيوطى .

الفصل الثانى : ترجمة الإمام المتقى الهندى .

الفصل الثالث : ترجمة الإمام المناوى .

الفصل الرابع : ترجمة الإمام النبهانى .

وألقينا فى هذه الفصول الأربعة الضوء على حياة هؤلاء الأئمة ، وناقشنا فى ثنايا تراجمهم - خاصة ترجمة السيوطى - العديد من القضايا ذات الأهمية المشتركة بين زمن السيوطى وزماننا المعاصر ، وحرصنا على أن نقدم من خلال سيرهم الكريمة نماذج وضاءة للعالم المسلم الربانى المجاهد القائم بواجبه كعالم ، هذه النماذج التى تصلح للاقتداء جيلا بعد جيل .

والباب الأول من هذه المقدمة هو فى الحقيقة نتاج أمر رئيسى أعتبره طوق النجاة فى هذا الزمن الملىء بالفتن ، ألا وهو حب أئمة هذه الأمة وعلمائها من عصر الصحابة وإلى يومنا هذا والتعلق بهم ، فلولا هذا الحب ما كانت تلك الصفحات التى حاولتْ أن تتمثل سيرة من تناولتهم ، فحبهم ينبغى أن يكون هو الباعث الفاعل والوحيد عند البحث فى تراجمهم لأدوات البحث العلمى من الرصد والتحليل والمقارنة . . . إلخ ، وليس الرغبة فى نقدهم ، فضلا عن الاستطالة
عليهم ، نسأل الله أن يحشرنا معهم فإن المرء مع من أحب ، وكما روى عن سيدنا على بن أبى طالب : ((محبة العالم دين يدان بها ...
مات خزان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقى الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم فى القلوب موجودة))(
[1]) .

الباب الثانى : فى مقدمات المصنفين ، وفيه أربعة فصول :

الفصل الأول : مقدمات الإمام السيوطى فى الجامع الكبير ، والجامع الصغير.

الفصل الثانى : مقدمة الإمام المتقى الهندى فى كنز العمال .

الفصل الثالث : مقدمات الإمام المناوى فى الجامع الأزهر ، وكنوز الحقائق .

الفصل الرابع : مقدمة الإمام النبهانى فى الفتح الكبير .

وهذه المقدمات ضرورية لفهم أسس المشروع ، والمصادر التى بنى عليها ، وشرط كل كتاب منها ، وكل ذلك يتضح من خلال مقدمات مؤلفيها .

 

الباب الثالث : منهج السيوطى ومن تبعه من مصادر العمل ، وفيه سبعة فصول :

الفصل الأول : تقسيم الكتاب ، وترتيبه .

الفصل الثانى : طريقة إيراد المتون .

الفصل الثالث : الحكم على الأحاديث .

الفصل الرابع : مصادر التخريج ، وطريقة ترتيبها .

الفصل الخامس : رموز التخريج .

الفصل السادس : بيان أن الجامع الكبير يخلو مما لا إسناد له ، وإن لم يخل من الأحاديث الموضوعة .

الفصل السابع : استدراك المصادر والمتون .

 

الباب الرابع : عملنا فى جامع الأحاديث - التصحيف والغريب والرجال والتعقبات ، وفيه أربعة فصول :

الفصل الأول : التصحيف فى الحديث .

الفصل الثانى : شرح الغريب - قواعده وضوابطه . وقد حاولنا فى هذا الفصل أن نُقَعِّد لهذا الفن من علوم الحديث من خلال الخبرة المتراكمة أثناء المشروع .

الفصل الثالث : علم الرجال والجرح والتعديل .

الفصل الرابع : التعقبات التى اتفقت لنا .

الخاتمة : تناولت فيها منهجنا فى العمل ، وفريق العمل ، وذكرت فيها إسنادى إلى الإمام السيوطى ، ومنه إلى الإمام البخارى رحمهما الله تعالى ، بآخر حديث من صحيح البخارى . ويلى ذلك ملاحقان مهمان فى التواريخ الإسلامية ، والمقاييس الشرعية .

وبعد : لقد حاولنا من خلال هذه المقدمة أن نرصد ما تراكم من خبرات متنوعة أثمرها العمل فى المشروع ، وقد تأثرت هذه المقدمة بتلك الخبرات بشكل واضح ، فهناك فصول برمتها هى نتاج هذه الخبرة ، والتى لولا العمل فى هذا المشروع ما كانت ، مثل فصل شرح الغريب ، وفصل التصحيف ، وغيرهما من فصول الباب الأخير من المقدمة .

لقد تطور فريق العمل داخل هذا المشروع عدة مرات ، وتطورت معه
أدواته ، ومع كل مرحلة ينتقل إليها المشروع كنا ننتقل نحن أنفسنا إلى مرحلة جديدة ، وكنا نشعر مع كل قراءة كأننا نقرأ العمل لأول مرة ، ونرى فيه أشياء ما رأيناها فى القراءة السابقة ، ونتعجب لهذا ، وليس بعجيب ، فمع المضى قدما فى العمل كنت أرى عملية نضج العمل ، وعملية نضج الفريق نفسه ، وتطور بعضهم – وأنا أحدهم - يوما بعد يوم ، وتكامل أدواتهم ، واستكمال العوز لديهم ، لقد كانت تجربة متميزة بكل المقاييس الحضارية ، أحمد الله تعالى أن ضرب لى بحظ وافر منها ، ولقد استمتعت بكل لحظة قضيتها فى العمل رغم الجهد والتعب والضغط الكبير الذى ظللنا نعمل تحته حتى يخرج هذا العمل الكبير فى مثل تلك المدة ، يأتى هذا المشروع بالنسبة لى تتويجا لخمسة وعشرين مضت فى محاولة مستمرة لم تيأس فى تحصيل علوم الإسلام خاصة علوم الحديث الشريف ، ولا أدرى أنجحت فى هذا التحصيل أم لا فتقويم ذلك متروك لك ، ولكن حسبى أنى لم أيأس ولم ينقطع أملى رغم ضغوط الحياة التى نعلمها جميعا ، ورغم صعوبة تحصيل العلم وقواطعه التى
لا تنتهى ، كما يأتى هذا المشروع عند تمام أربعين سنة مضت ، أحلى ما فيها هو تلك اللحظات التى انقضت فى الرحيل بين أسطر كتاب ، أو الجلوس عند أقدام شيخ ، أو الحضور فى مجلس ذكر ، وأصعب ما فيها هو الصبر على فتن الدنيا وأصعب تلك الفتن هو رغبة النفس فى التصدر والرئاسة فرحا بتحصيل نذر لا يؤبه له من علم أو أدب ، ولطالما أخذتها بالتأدب مع سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم فإنه ما بعث إلا على رأس الأربعين ، مع كمال عقله ، وتمام مواهب الله عليه ، ومع ما رزقه الله من الوحى ، والإلهام الصادق ، والعلم الكامل ، فليس من الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدر المرء قبل الأربعين خاصة مع نقصان عقولنا وقلة علمنا ، بل يصبح من التهور التصدر أصلا ، فضلا عن استعجاله قبل الأربعين ، ولطالما كرهت أن نعمل فى سنته صلى الله عليه وسلم ونخالف الأدب معه فى كبير من الأمر أو صغيره ، فلطف الله بالفقير فتأجل خروج هذا المشروع الكبير مرة بعد أخرى أملا فى الوصول به إلى أفضل صورة ممكنة فى ضوء الإمكانات المتاحة حتى مضت الأربعون .

ومن جهة أخرى فإن هناك العديد من الأهداف التى سعى هذا المشروع إلى تحقيقها :

فمن تلك الأهداف : العمل على تكامل أبعاد هذه التجربة التى أعدها تجربة حضارية بكل المقاييس ، بتضافر جهود الوعاة من أصحاب الأموال ، مع الوعاة من أصحاب الفكر ، مع الوعاة من المسئولين فى مصر والكويت ، الوعاة لأهمية مثل هذه المشروعات العلمية الكبرى ، فلولا عناية الأستاذ الدكتور العارف حسن عباس زكى نفعنا الله به وأطال بقاءه بمثل تلك المشروعات العلمية - وهذه ليست أول مأثرة له ، ولا آخرها بإذن الله تعالى - لما كان لهذه المشروعات أن ترى النور أبدا ، فقد هيأ بارك الله فيه كل ما احتاجه فريق العمل ، ولم يضن علينا بشىء طلبناه
أبدا . ثم أتت مشاركة وزارة الأوقاف الكويتية ممثلة فى المكتب الكويتى للمشروعات الخيرية بالقاهرة ليكمل المسيرة ، ويدفع بالعمل إلى المطبعة ، فلهم منا عميق الشكر ، على ما قدموا ، وعلى ما تحلوا به من صبر جميل حتى خرج العمل إلى النور ، وتفهمهم لبعض المعوقات التى أخرت بخروج العمل شيئا من الوقت ، ذلك التأخر الذى سرعان ما سينسى ، ولن يبقى لنا إلا جودة العمل الذى سيشرف به الجميع ، أو عدم جودته ، فنسأل الله أن يكون قد رزقنا التوفيق .

ومن تلك الأهداف : تربية الكوادر العلمية ، فهذا المشروع سعى لأن يكون نموذجا مشرقا لتضافر جهود المخلصين من قادة هذه الأمة من أصحاب المال وأصحاب الفكر والمسئولين ، والذين كان من مقاصدهم ليس فقط إخراج مشروع علمى ، بل وتربية كوادر علمية ، وخبرات متميزة من خلال أمثال تلك المشاريع ، بما يمثل إضافة حقيقية لتقدم الأمة ، فإنما الأمم برجالها وخبراتها ، لقد كانت هذه الأهداف واضحة تماما عند شيخنا الأستاذ الدكتور على جمعة حفظه الله تعالى ونحن نضع خطة المشروع ، وظل حريصا عليها طوال مراحله المختلفة ، وهذه أحد همومه الكبرى التى حملها على عاتقه : تكوين الخبرات ، وتربية الرجال حتى يكونوا قادرين على العمل على تقدم الأمة ورقيها ، خاصة فى مجال العمل العلمى الجماعى الذى تحتاجه الأمة بصورة ماسة ، ولا يمكن تحقق المشاريع العلمية الكبرى إلا من خلاله .

ومن تلك الأهداف : سعى هذا المشروع إلى استقطاب العديد من الباحثين ومساعديهم ، وإبقائهم داخل دائرة العلوم الإسلامية والعمل على إحيائها ، وتنشيط الحياة العلمية التى أصابها الركود ، وأظن أنه لولا أمثال هذه المشاريع لانقطع أكثر الباحثين فيها عن العلم ، وسعوا إلى تحصيل أسباب الرزق فى أعمال أخرى بعيدة عن المجال العلمى ، فأتى هذا المشروع ليحيى به الله من خلاله علم السنة النبوية فى نفوس هؤلاء ، وقد كانت الاستفادة العلمية للفريق وتطورهم العلمى أمرا مهما راعيناه طوال مراحل العمل ، وإن كان تحقيق ذلك مَثَّل حملا ضخما على الإدارة التنفيذية للمشروع بين تحقيق الهدف العلمى دون الإخلال بالهدف العملى ، ولهذا فإنى أعتقد أن إدارة عمل علمى هو من أصعب الأمور ؛ لصعوبة تحقيق التوازن بين الأهداف العملية من تحقيق معدلات إنتاج محددة فى أوقات محددة بتكاليف محددة ، والأهداف العلمية التى تبغى إحياء العلوم من خلال إخراج عمل علمى يقوم عليه فريق يراد ترقيته علميا ، وعمليا أيضا .

ومن تلك الأهداف : تقديم نموذجا قابلا للتكرار فى مشروعات أخرى ، ويفتح بابا واسعا تتضافر من خلاله جهود أصحاب المال والفكر والسلطة لما فيه نهضة الأمة ، وأحيانا أعجب من أن ثمن سيارتين فاخرتين فحسب ، أو ثمن شقة فى حى راق يكفى ريعه لإنشاء مشروع كهذا من خلال وقف خيرى يبقى أصل المال لصاحبه ، ولورثته ، وينفق ريعه فى مثل هذه المشروعات ، وليعود الريع أو بعضه بعد ذلك من تسويق الإنتاج العلمى بعد إصداره ، فضلا عما يترتب على ذلك من الثواب والفضل والأجر لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .

ومن تلك الأهداف : السعى إلى تحقيق أهداف علمية عديدة ، أرجو أن نكون قد نجحنا فى تحقيقها بالفعل ، ولا شك أن تقويم هذا متروك لأهل العلم والمختصين ، على أننا قدرنا للعمل قدره ، ورأينا الإمام السيوطى قد بذل جهدا فائقا فى جمع هذا العدد الضخم من الأحاديث الشريفة فى جامعه الكبير ، وله اليد العليا علينا فى ذلك ، فأقل الشكر له أن نمضى قدما فى مشروعه الكبير الذى توفى دون أن يتمه ، وبقدر ما تيسره لنا الإمكانات والخبرات المتاحة ، وفى ضوء الوقت المخطط لهذا الإصدار ، فنرجو من الله أن يكون ما قدمناه خطوات مضافة للعمل الأصلى هى خدمة جديرة بالسنة الشريفة ، وأن نكون قد وفقنا فى ذلك :

1- فقد سعينا إلى جمع أكبر عدد ممكن من السنة النبوية الشريفة فى مكان واحد ، وهذا هو الهدف الأساسى للمشروع ، وذلك من خلال مصادر العمل الأساسية التى بنينا عليه المشروع للسيوطى والمتقى الهندى والمناوى والنبهانى
رحمهم الله تعالى ، ومن خلال الزيادات الكثيرة التى وقفنا عليها أثناء العمل ، والتى سنقدم إحصاءات عامة عن كل ذلك فى فصول هذه الدراسة .

يقول العلامة الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطى فى قيمة الفتح الكبير
للنبهانى : ((وهو أعظم مؤلفاته وأنفعها ، وما تم طبعه إلا بعد وفاة المؤلف بنحو
سنة ، وهو كتاب لا تستغنى عنه خزانة محدث ، إذ لم يوجد من المطبوعات فى الحديث مرتبا على حروف المعجم اليوم أكثر منه فيما وقفت عليه ، والله أعلم ، مع التزام تخريج كل حديث وضبطه بالشكل الكامل))
(
[2]) .

وما قاله الشيخ الشنقيطى ينسحب بالضرورة بل هو أولى على مشروعنا لأنه يحوى أكبر عدد من الأحاديث الشريفة ، رغم الكثرة الوافرة التى طبعت من مصادر السنة منذ كتب الشيخ الشنقيطى كلمته ، فإن لم يحتج المحدث إليه – وأراه سيحتاجه – فلن يستغنى عنه بيقين عموم المسلمين من المثقفين والقراء وطلبة العلم .

ولكن مع كونه الأكثر فيما أحسب ففى الوقت نفسه أعده مرحلة أولى ، أرجو أن ييسر الله الأسباب لمراحل أخرى ، تهتم أحدها بجمع المزيد من الأحاديث ، فمن خلال العمل والزيادات التى وقفنا عليها فى أثنائه ودون أن نقصد إلى جمعها أعتقد أن هناك قرابة عشرين ألف حديث يمكن إضافتها ابتداء من الكتب الستة ، ويكفى هنا كنموذج أن نحيل القارئ على باب كان (الشمائل الشريفة) ، أو باب نهى من حرف النون ، أو باب قضى من حرف القاف ، أو على مسانيد سمرة بن جندب وعبد الله بن زيد بن عاصم وأبى عمرة الأنصارى وأم عطية الأنصارية وأم عمارة من قسم الأفعال ليرى عدد الأحاديث التى تم استدراكها على ما ذكره السيوطى ، كما ينبغى أن تستقل مرحلة بجمع زيادات الروايات بعضها على بعض على نحو ما صنع الإمام ابن الأثير فى جامع الأصول ، فإن الإمام السيوطى عادة ما يقتصر على رواية واحدة ، وربما يكون فى روايات نفس الحديث زيادة مهمة كما هو معروف ، ويمكن أن نستعين بما قدمه ابن الأثير بخصوص روايات الكتب التى جمعها فى جامعه ، ونكمل عليه روايات غيره . فضلا عن الآلاف من الآثار عن الصحابة والتابعين الذين لم يقصد السيوطى إلى جمعهم ، ويمكن أن يشملهم المشروع بعد ذلك فى أحد مراحله التالية نظرا لأهمية هذه الآثار فى تكوين الفهم الصحيح لعلومنا الإسلامية ، فإن هذه الآثار أثرت بقوة على التشريع الإسلامى وحركة الفقه الإسلامى ومذاهبه ، كما أن العديد منها يتمثل فيه المنهج الإسلامى فكرا وفقها وحياة . ونرجو أن نتمكن من ضبطه بالشكل الكامل فى إصدار لاحق ، كما يمكن أن تهتم مرحلة أخرى بانتخاب شروح للحديث من خلال الشروح المعتمدة على كتب السنة الشريفة ، وتهتم مرحلة غيرها بذكر أسانيد الأحاديث على طريقة المزى فى تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ، لكن مع جمع أسانيد الحديث فى موضع واحد وعدم تفرقتها على التراجم ، إلى غير ذلك من المراحل التى يمكن أن يُطَوَّر المشروع إليها ، نسأل الله تعالى أن يمن علينا بكرمه وجوده بتيسير أسباب القيام بذلك .

2- كما سعينا إلى إخراج نصوص سليمة خالية من التحريف والتصحيف الذى شاع فى المصادر المخطوطة والمطبوعة جميعا ، وهذا أهم هدف علمى سعينا إلى تحقيقه ، فقد سعينا إلى أن يقرأ القارئ الكتاب وهو مطمئن إلى ما بين يديه ، دون أن يحيره النص الذى أمامه ، ويستوقفه ، بل ويشككه فى قدرته على الفهم ، وأرجو من الله تعالى أن يكون قد وفقنا إلى تحقيق هذا الهدف .

3- كما سعينا إلى وضع مكنز موضوعى تحليلى ألفبائى للسنة النبوية ، وأعتقد أن هذه أول محاولة تقدم لهذا العدد الكبير من الأحاديث الشريفة ، بما يشمل العديد من جوانب العقيدة والتفسير والفقه والسيرة والأخلاق والتصوف والحضارة الإسلامية وخصائصها ومناهجها العامة .

وقد حاول هذا المكنز ألا يقف عند الدلالات التى يقدمها عادة علماء الحديث فى جوامعهم للسنة النبوية ، بل سعى إلى تقديم دلالات لبعض العلوم المعاصرة تحفيزا لأهل تلك العلوم أن يبحثوا فى السنة النبوية عما يمكن أن يعطى لتلك العلوم وجهته المعرفية الإسلامية ، ولترجع هذه العلوم إلى أصالتها الإسلامية ، وهذا أمر محورى وأساسى إذا أراد المسلمون أن يعود لهم استقلالهم الحضارى ، والذى لن يتحقق أبدا طالما اسْتَمْرَأْنَا أن نعيش عالة على حضارة الآخر ، مكتفين بأن نكون مستهلكين لإنتاجه علما وثقافة وحضارة وفنا وتقنية .

ولا شك أن إسهام هذا المكنز فى العلوم العصرية لا يعدو أن يكون تقديم نموذج وأمثلة بحسب وعينا القاصر واتصالنا غير المتخصص بهذه العلوم ، وليس بتحليل شامل لما يمكن أن يفيد فى هذه العلوم ، والذى يحتاج إلى فرق عمل متخصصة فى كل علم ، وقد كانت هناك العديد من المحاولات لتكشيف القرآن الكريم أو كنز العمال من ناحية علم الاقتصاد أو علم الاجتماع أو العلوم
السياسية ، قام بها علماء مختصون بتلك العلوم ، بعضها رأى النور ، وبعضها لما
يره ، وكانت جميعها تحت إشراف شيخنا فضيلة الدكتور على جمعة حفظه الله
تعالى ، ويمكن الاستفادة بها فى هذا المجال .

4- كما سيجد القارئ المئات من الكلمات الغريبة المشروحة ، والتى لم تُذْكر العشرات منها فى كتب غريب الحديث ، وسيظهر من خلال فهرست غريب الحديث الألفاظ التى لم تذكر فى النهاية فى غريب الحديث أوسع كتب الغريب ، مما يصلح أن يكون ذيلا على النهاية .

5- كما سيجد القارئ الكثير من التراجم لرواة صرح الهيثمى بأنه لم
يعرفهم ، فوجدنا لهم تراجم فى المصادر ، ويصلح ذلك أن يكون ذيلا على
الهيثمى ، فضلا عن العديد من الرواة الذين لم نقف لهم على تراجم فى المصادر التى بين أيدينا فأنشأنا لهم ترجمة جمعنا فيها ما وقفنا عليه من شيوخهم وتلاميذهم وأحوالهم ، وليصبح هذا العمل هو المرجع الأساسى لتراجمهم ، وسننشئ بإذن الله فهرسا خاصا لذلك يسهل معه الوقوف على مواضعه .

6- كما حاول المشروع أن يقدم تطبيقات عملية لقواعد علم الجرح والتعديل ، ذلك العلم أو الفن العملى التطبيقى ، الذى ما زال بحاجة إلى جهود كبيرة لإكماله ، والبناء على الجهود النظرية الأصيلة التى أحياها وقدمها العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى ، وهو أحد العلوم الحديثية الصعبة والدقيقة والتى كادت أن ترتفع من الأرض لقلة المشتغلين بها ، فحاول أن يقدم المشروع إسهامه فى هذا المجال وبحسب ما تقتضيه المناسبات والسياقات ، إحياء لهذا العلم الإسلامى الأصيل ، وشحذا لهمم المهتمين بعلوم الحديث للتعقيب والاستدراك والأخذ والرد والتدارس فإن حياة العلم مدارسته ، وفى هذا الإطار تأتى هذه المواضع التى أثرنا فيها العديد من المناقشات فى هذا العلم الجليل . ونأمل من الله تعالى أن تحقق التعقبات والتذييلات التى قدمناها فى هذا الصدد ما نرجوه من أثر فى الحركة العلمية الحديثية ، وأحسب أن ما قدمناه من الكثرة والتنوع والتعلق بالعديد من أكابر الحفاظ المتقدمين والمتأخرين على السواء ما يحرك الهمم ، وحتى ولو لم يحالفنا التوفيق فيها .

7- تقديم تراجم وافية للإمام السيوطى والمتقى الهندى والمناوى والنبهانى ، ورغم أن هناك العديد من الدراسات الممتازة حول الإمام السيوطى ، إلا أننا حاولنا أن نلقى مزيدا من الضوء حول حياة هذا الإمام الكبير ، وأن نغطى العديد من الجوانب الخاصة بحياته الشخصية أو العلمية والتى وجدنا أنها بحاجة إلى مزيد من العناية . أما بقية هؤلاء الأعلام كالمتقى الهندى والمناوى والنبهانى فإنهم لم يلقوا بطبيعة الحال العناية التى لقيها الإمام السيوطى ، ولهذا فلا يكاد يقف القارئ على تراجم معاصرة وافية لهم توفيهم حقهم علينا ، من ثم كانت أهمية دراسة حياتهم وتقديم ترجمة واسعة قدر الطاقة عنهم([3]).

ويأتى على رأس الأهداف ما نختم به الكلام هنا : وهو السعى إلى الاقتراب أكثر من سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم ، ومن صحابته رضوان الله عليهم ، الاقتراب من ذلك العهد الشريف بكل جوانب الحياة فيه ، ثم الاقتراب أكثر من حياة أهل الحديث بعاداتهم وتقاليدهم العلمية الرصينة ومعايشة تلك الأجواء
العلمية ، وإنما أقصد الاقتراب الروحى والقلبى والوجدانى منهم ، ولهذا سيجد القارئ مواضع كثيرة كان حادى حديثنا فيها هو تلك الرغبة فى الاقتراب
والمعايشة ، وذلك ما أزعم أنى كنت أحاول أن أعيشه فى ساعات العمل فى المشروع وكنت أحاول أن أحمل فريق العمل على معايشته ، وأدعو القارئ إلى أن يعايشه ، ولهذا كنت أعجب أشد العجب وأحزن أشد الحزن إذا اكتشفت وقوع شىء بين فريق العمل مما يقع بين النفوس البشرية حياء ممن نحن بحضرته ليل نهار أن يكون بيننا شىء من ذلك ، ثم أعود فأعذرهم فإنما نحن بشر ، وهاهم أولئك الذين كانوا فى المعية المحمدية الشريفة تأخذهم بشريتهم لما جبل عليه البشر فلما اشتكوا ذلك إلى سيد الخلق قال صلى الله عليه وسلم : ((لو تدومون على ما تكونون عندى لصافحتكم الملائكة)) ، وفى رواية أخرى : ((والذى نفسى بيده لو كنتم تكونون فى بيوتكم على الحال الذى تكونون عليها عندى لصافحتكم الملائكة ولأظلتكم بأجنحتها ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)) ، وفى رواية ثالثة : ((لو أنكم تكونون على كل حال على الحالة التى أنتم عليها عندى لصافحتكم الملائكة بأكفهم ولزارتكم فى بيوتكم ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كى يغفر لهم)) ، فاللهم اجعلنا من أهل الحضور بين يديك ، وأنعم علينا بأن نكون من أهل حضرتك وحضرة نبيك ، ولا تخرجنا منها طرفة عين حتى وإن كنا فى أحوالنا البشرية فتحفظنا بذلك من المعصية والإثم والغفلة ، وهذا هو السر فى أن النبى صلى الله عليه وسلم سَنَّ لنا أدعية وأذكارا فى أمورنا كلها صغيرها وكبيرها ، ليس فقط فى العبادة بل مع كل عادة من مطعم ومشرب وملبس ومنكح وقضاء حاجة ، لنكون دائما فى ذكر الله تعالى ، وهو ما يسميه القوم بالحضرة الإلهية .

ولهذا فإن الخاسر الحقيقى هو من تتاح له فرصة المعايشة الطويلة للسنة النبوية ولا يخرج أكثر قربا لله ولرسوله ولصحابته وللسلف الصالح ولعلماء الحديث ، أكثر قربا منهم وأكثر حبا وإعظاما لهم ، ثم لا يعايش ولا يتقرب .

الخاسر الحقيقى هو من يرى ضياء الشمس يملأ الكون فيؤثر عليه ظلمة
الليل ، الخاسر الحقيقى من لا يدع ضياء السنة النبوية والشرع الشريف يسرى إليه ليزيل ظلمة النفس ، وشكوك القلب ، ويمسح عن النفس ضنك الحياة ، واضطرابها به فتنة بعد فتنة ، وضيقا بعد ضيقا ، فلا يجد شيئا يملأ النفس دفء وطمأنينة وسكينة إلا تلك الشمس المضيئة لا تغيب ، ثم يعرض عنها .

ولولا خشية الدعوى لقلت : لقد كنا فى الحضرة المحمدية لا نغادرها إلا لماما لأغراضنا البشرية ، ثم نسرع الفىء لتلك الحضرة نهرب إليها من كَبَد الحياة
الدنيا ، نسأل الله تعالى ألا يخرجنا من تلك الحضرة الشريفة وإن فرغ العمل من المشروع ، وجزى الله عنا أحسن الجزاء كل من هيأ لنا أسباب ذلك الخير كله .

وختاما فقد أهمنى قوله تعالى {وقل اعملوافسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} ، فتلك تبعة عظيمة أن تقدم لنفسك عملا فيرده الله عليك ، فتأتى به رسوله فيرده عليك ، فترجو المؤمنين يشفعوا لك فيردوك ، فيُسْقَط فى يد المرء ، أهمنى قوله تعالى {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ، وقوله تعالى {الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} ، فما أسهل ما يخدع المرء نفسه .

لقد سبب هذا الهاجس والرغبة فى الإتقان صراعا طويلا بينى وبين إدارة العمل وجهات التمويل والإشراف الذين طال عليهم الوقت ، وهم مرهونون بآماد محدودة وعقود ، واتفاقات مبرمة وعهود ، وكل ذلك مثَّل ضغوطا كبيرة عليهم أوقعوها بطبيعة الحال علينا ، وعلىّ بوجه خاص بسبب رئاستى لفريق العمل ، فكنت بين شقى رحا : ضغوط التصحيف والتحريف وكثرة الأخطاء وعوز المصادر على كثرتها ، وخشية رد المولى والنبى صلى الله عليه وسلم للعمل ، وضغوط الإدارة العليا ونفاذ التمويل وضرورة الالتزام بمواقيت العهود .

أزعم أنى – ومعى فريق العمل - نصحنا لله ورسوله ولعامة المؤمنين قدر طاقتنا وقدر ما أعطانا الله من وقت وفهم وبحث وعلم مهما كان ضعيفا أو يسيرا فإننا لم ندخر شيئا فى سبيل الإتقان ، ولست أحب أن نمن على القارئ بما بذلنا من جهد ، ولا أن نتاجر بما تحملناه من مشقة وتعب ، فذاك اطلع الله عليه منا ، نحتسبه عنده ، ونرجوه لديه فليس لدينا بعده كبير عمل نقدم عليه به .

وإنما أقول ذلك تقديما للمعذرة بين يدى عمل ضخم أنجز فى وقت قليل ، فوالله ثم والله ما استخففنا بالعمل ولا استهنا به ، ولكنه جهد المقل ، كيف وقد قال أبو عاصم رحمه الله : ((من استخف بالحديث استخف به الحديث)) ([4])  .

والله أسأل أن يجزى معالى الأستاذ الدكتور العارف بالله حسن عباس زكى ، ووزارة الأوقاف الكويتية ممثلة فى المكتب الكويتى للمشروعات الخيرية بالقاهرة خير الجزاء بما أنفقوه على هذا العمل حتى خرج بهذه الصورة ، وبما تحملوه من مخاطرة وصبر وطول نفَس يحمد لهم جميعا ، خدمة منهم للسنة النبوية المطهرة .

كما أسأله تعالى أن يجزى شيخنا فضيلة الدكتور على جمعة مفتى الديار المصرية الحالى خير الجزاء بما بذله من جهد ، ونصيحة ، وإشراف على هذا العمل الكبير ، ومهما أصف الأحمال العظيمة التى تحملها فضيلته ، والضغوط من كل صوب ، وهو صابر محتسب فلن أبلغ أن أصور حقيقتها ، فالله أسأل أن يرزقه الصواب فى القول والعمل ، ويزيده بسطة فى العلم والجسم والرزق ، ويقويه على تحقيق ما يسعى إليه من إصلاح شأن هذه الأمة فكرا وفقها وعلما ومناهج .

وأسأله تعالى أيضًا أن يجزى فريق العمل عبر مراحل المشروع المختلفة خير الجزاء ، بما بذلوه من جهد ، وسهر ، وعمل متواصل لم ينقطع ، حتى خرج هذا العمل الكبير فى هذه المدة اليسيرة ، حيث بدأنا العمل فى شهر المحرم سنة 1421 هـ ، الموافق شهر إبريل سنة 2000 م ، واستمر العمل حتى شهر المحرم أيضا سنة 1428 هـ / 2007 م .

ولا شك أن إصدار مثل هذا العمل ، على هذا النحو الذى نرجو أن يلقى قبول أهل العلم كان وراءه جهد لم يكل ، ولم ينقطع ، ولا توقف طيلة هذه المدة اليسيرة . فالله أسأل أن يتقبل من الجميع ما قدم وبذل ، {فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} .

اللهم مهما تعددت الحظوظ من أمثال تلك المشروعات الكبيرة فاجعل حظنا منها رضاك عنا ورضا رسولك ، اللهم إن كان من الناس من يرضى أن يرجع من مثل هذه الأعمال بالدنيا مالاً وصيتًا فإنا رضينا أن نرجع منها برسول الله صلى الله عليه وسلم خدمة لسنته وإحياء لدينه ، اللهم فإنا نذرنا لإكمال ذلك ما بقى من أعمارنا فاقبل ذلك منا ، ويسره لنا ، وأتمم به نعمتك علينا ، وبارك لنا فيه ، وأكرمنا به ، ولا تقطعنا عنه ، وأقم اللهم أسبابه ، وأزل موانعه ، اللهم إنا قد أوينا إليك فأونا ، وأردنا رضاك فلا تردنا ، واجبر منا ما انكسر فيك ، فإنه لا جابر لنا سواك ، وتألفنا مهما بعدنا عنك .

اللهم وإن كان قد أظل زمان تُوَسَّدُ الأمورُ فيها إلى غير أهلها ، فإنه لن تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ، على ما أخبرنا به المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فاجعلنا اللهم من تلك الطائفة الظاهرة على الحق بالحق للحق ، ولا تجعلنا ممن يُوَسَّدُ إليهم أمرٌ ليسوا له أهلا ، {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} .

خادم الحديث الشريف
عصام الدين بن السيد أنس بن
مصطفى بن محمد الزفتاوى العُمَرِىّ الشافعى الأزهرى الأشعرى النقشبندى

القاهرة فى غرة محرم ، 1428 هـ ،
الموافق 20 يناير ، 2007 م



([1]) أخرجه أبو نعيم فى الحلية (1/79) ، وابن عساكر (50/254) ، وسيأتى بتمامه فى قسم الأفعال بطرف : ((عن كميل بن زياد قال : أخذ بيدى على بن أبى طالب . . .)) .

([2]) مقدمة شواهد الحق فى الاستغاثة بسيد الخلق للشيخ يوسف بن إسماعيل النبهانى ، كتب المقدمة الشيخ الشنقيطى (ص7) .

([3]) لمزيد من التفصيل راجع : خاتمة الدراسة ، عملنا فى هذا المشروع .

([4]) معرفة علوم الحديث ، للحاكم ، ص 17 .