تمهيد لمشروع جامع الأحاديث - مقتطف من مقدمة الجامع1

عصام أنس الزفتاوى

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

 

تمهيد

الحمد لله الذى هدانا لهذا ، وما كنا لولا أن هدانا الله لنهتدى ، والصلاة والسلام على من بسنته نقتدى ، وبذكر آثاره النفوس ترتوى .

وبعد : فهذا ((جمع الجوامع)) للإمام السيوطى رحمه الله ، أوسع دواوين السنة النبوية موردًا ، وأكثرها عددًا ، قمنا بالاعتناء به ، وتخريج أحاديثه ، وأدرجنا فيه ما استدركه الإمام المناوى فى كتابيه : ((الجامع الأزهر من حديث النبى الأنور)) ،
و
((كنوز الحقائق فى حديث خير الخلائق)) ، وما أورده السيوطى رحمه الله فى ((الجامع الصغير ، وزيادته)) ، واللذين جمعهما النبهانى فى ((الفتح الكبير))
، مما لم نجده فى جمع الجوامع ، بالإضافة إلى ما وقفنا عليه أثناء العمل من متون لم نجدها فيما سبق من مصادر فأدرجناها فى محلها ، وسيأتى الكلام بالتفصيل عن ذلك تحت
ترجمة :
((منهج العمل)) .

وما زال جمع السنة هو رغبة العلماء والحفاظ منذ قرون ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلانى فى مقدمة المطالب العالية : ((الاشتغال بالعلم - خصوصا الحديث النبوى - من أفضل القربات ، وقد جمع أئمتنا منه الشتات على المسانيد والأبواب المرتبات ، فرأيت جمع جميع ما وقعت عليه من ذلك فى كتاب واحد ليسهل الكشف منه على أولى الرغبات ، ثم عدلت إلى جمع الأحاديث الزائدة على الكتب المشهورات فى الكتب المسندات ، وعنيت بالمشهورات الأصول الستة ، ومسند أحمد وبالمسندات على ما رتب على مسانيد الصحابة)) ، فليت الحافظ رحمه الله لم يعدل عما رآه أولا ، لكفانا مؤنة ذلك ، على أن السيوطى قد سار على خطة مغايرة لما سار عليها الحافظ ، فإن الحافظ قد سار على الأبواب فى المطالب العالية ، ذاكرا لأسانيد ما يورده من حديث ، أما السيوطى فقد حذف الأسانيد ورتب الأحاديث على حروف الهجاء .

وقد قال صديق حسن خان فى أبجد العلوم فى بيان التدوين فى علم الحديث الشريف ، والمراحل التى مر بها : ((وأما مبدأ جمع الحديث ، وتأليفه ، وانتشاره ، فإنه لما كان من أصول الفروض وجب الاعتناء به ، والاهتمام بضبطه وحفظه ؛ ولذلك يسر الله سبحانه وتعالى للعلماء الثقات الذين حفظوا قوانينه ، وأحاطوا فيه فتناقلوه كابرًا عن كابر ، وأوصله كما سمعه أول إلى آخر ، وحببه الله تعالى إليهم لحكمة حفظ دينه ، وحراسة شريعته .

فما زال هذا العلم من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة ، والتابعين ، وتابعى التابعين ، خلفًا بعد سلف ، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى إلا بقدر ما يحفظ منه ، ولا يعظُم فى النفوس إلا بحسب ما يُسمع من الحديث عنه ، فتوفرت الرغبات فيه ، فما زال لهم من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن انعطفت الهمم على تعلمه ، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ، ويقطع الفيافى ، والمفاوز ، ويجوب البلاد شرقًا وغربًا فى طلب حديث واحد ليسمعه من راويه … .

وكان اعتمادهم أولاً على الحفظ والضبط فى القلوب ، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب الله سبحانه وتعالى .

فلما انتشر الإسلام ، واتسعت البلاد ، وتفرقت الصحابة فى الأقطار ، ومات معظمهم وقَلَّ الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث ، وتقييده بالكتابة ، ولعمرى إنها الأصل ؛ فإن الخاطر يغفل ، والقلم يحفظ .

فانتهى الأمر إلى زمن جماعة من الأئمة مثل عبد الملك بن جريج ، ومالك بن أنس وغيرهما ، فدونوا الحديث حتى قيل : إن أول كتاب صُنف فى الإسلام
كتاب ابن جريج .

وقيل : موطأ مالك بن أنس .

وقيل : إن أول من صنف وبوَّب الربيع بن صبيح بالبصرة .

ثم انتشر جمع الحديث ، وتدوينه ، وتسطيره فى الأجزاء والكتب ، وكثُر ذلك وعظُم نفعه إلى زمن الإمامين أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى ، وأبى الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى النيسابورى ، فدونا كتابيهما ، وأثبتا فيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته وثبت عندهما نقله ، وسَمَّيَا الصحيحين من الحديث .

ولقد صدقا فيما قالا ، والله مجازيهما عليه ؛ ولذلك رزقهما الله تعالى حسن القبول شرقًا وغربًا .

ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف وكثُر فى الأيدى ، وتفرقت أغراض الناس ، وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر الذى قد اجتمع واتفق فيه مثل أبى عيسى محمد بن عيسى الترمذى ، ومثل أبى داود سليمان بن الأشعث السجستانى ، وأبى عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائى ، وغيرهم فكان ذلك العصر خلاصة العصور فى تحصيل هذا العلم وإليه المنتهى .

ثم نقص ذلك الطلب ، وقَلَّ الحرص ، وفترت الهمم ، فكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول ، وغيرها ، فإنه يبتدئ قليلاً قليلاً ، ولا يزال ينمو ويزيد إلى أن يصل إلى غاية هى منتهاه ثم يعود إلى النقص .

وكأن غاية هذا العلم انتهت إلى البخارى ومسلم ، ومن كان فى عصرهما ، ثم نزل وتقاصر إلى ما شاء الله .

ثم إن هذا العلم على شرفه وعلو منزلته كان علمًا عزيزًا ، مشكل اللفظ والمعنى ، ولذلك كان الناس فى تصانيفهم مختلفى الأغراض .

فمنهم من قصر همته على تدوين الحديث مطلقًا ليحفظ لفظه ، ويستنبط منه الحكم كما فعله عبد الله بن موسى الضبى ، وأبو داود الطيالسى وغيرهما أولاً ، وثانيًا أحمد بن حنبل ومَنْ بعده ، فإنهم أثبتوا الأحاديث من مسانيد رواتها فيذكرون مسند أبى بكر الصديق رضى الله عنه ، ويثبتون فيه كل ما رووا عنه ، ثم يذكرون بعده الصحابة واحدًا بعد واحد على هذا النسق .

ومنهم من يثبت الأحاديث فى الأماكن التى هى دليل عليها فيضعون لكل حديث بابًا يختص به ، فإن كان فى معنى الصلاة ذكروه فى باب الصلاة ، وإن كان فى معنى الزكاة ذكروه فيها كما فعل مالك فى الموطأ إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث قَلَّت أبوابه .

ثم اقتدى به مَنْ بعده فلما انتهى الأمر إلى زمن البخارى ومسلم وكثرت الأحاديث المودعة فى كتابيهما كثرت أبوابهما([1]).

واقتدى بهما مَنْ جاء بعدهما ، وهذا النوع أسهل مطلبًا من الأول ؛ لأن الإنسان قد يعرف المعنى ، وإن لم يعرف راويه … ، فإذا أراد حديثًا يتعلق بالصلاة طلبه من كتاب الصلاة ؛ لأن الحديث إذا أُورد فى كتاب الصلاة علم الناظر أن ذلك الحديث هو دليل ذلك الحكم فلا يحتاج أن يفكر فيه بخلاف الأول .

ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظًا لغوية ، ومعانى مشكلة فوضع لها كتابًا قصره على ذكر متن الحديث ، وشرح غريبه ، وإعرابه ، ومعناه ، ولم يتعرض لذكر الأحكام ، كما فعل أبو عبيد القاسم بن سلام ، وأبو محمد عبد الله بن
مسلم بن قتيبة ، وغيرهما .

ومنهم من أضاف إلى هذا الاختيار ذكر الأحكام ، وآراء الفقهاء مثل أبى سليمان حَمْد بن محمد الخطابى فى معالم السنن ، وأعلام السنن ، وغيره من العلماء .

ومنهم من قصد ذكْر الغريب ، دون متن الحديث ، واستخراج الكلمات الغريبة ، ودَوَّنَها ورتَّبَها وشرحها ، كما فعل أبو عبيد أحمد بن محمد الهروى ، وغيره من العلماء .

ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغيبًا وترهيبًا ، وأحاديث تتضمن أحكامًا شرعية غير جامعة ، فدوَّنَها ، وأخرج متونها وحدها ، كما فعله
أبو محمد الحسين بن مسعود البغوى فى المصابيح ، وغيره .

ولما كان أولئك الأعلام هم السابقين فيه ؛ لم يأت صنيعهم على أكمل الأوضاع ، فإن غرضهم كان أولاً حفْظ الحديث مطلقًا ، وإثباته ، ودفع الكذب عنه ، والنظر فى طرقه ، وحفظ رجاله ، وتزكيتهم ، واعتبار أحوالهم ، والتفتيش عن أمورهم حتى قدحوا ، وجرحوا ، وعدَّلوا ، وأخذوا ، وتركوا ، هذا بعد الاحتياط ، والضبط ، والتدبر ، فكان هذا مقصدهم الأكبر ، وغرضهم الأوفى .

ولم يتسع الزمانُ لهم والعمرُ لأكثر من هذا الغرض الأعم ، والمهم الأعظم ، ولا رأوا فى أيامهم أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن ، التى هى كالتوابع ، بل ولا يجوز لهم ذلك ؛ فإن الواجب أولاً إثبات الذات ، ثم ترتيب الصفات ، والأصل إنما هو عين الحديث ، ثم ترتيبه ، وتحسين وضعه ؛ ففعلوا ما هو الغرض المتعين ، واخترمتهم المنايا قبل الفراغ والتخلى لما فعله التابعون لهم ، والمقتدون بهم … ، ثم جاء الخلف الصالح فأحبوا أن يظهروا تلك الفضيلة ، ويشيعوا هذه العلوم التى أفنوا أعمارهم فى جمعها إما بإبداع ترتيب ، أو بزيادة تهذيب ، أو اختصار ، أو تقريب ، أو استنباط حكم ، أو شرح غريب .

فمن هؤلاء المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف
والاختصار ، كمن جمع بين كتابى البخارى ومسلم مثل أبى بكر أحمد بن محمد البرقانى ، وأبى مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقى ، وأب
ى عبد الله محمد الحميدى ، فإنهم رتبوا على المسانيد دون الأبواب ، وتلاهم أبو الحسن رزين بن معاوية العبدرى فجمع بين كتب : البخارى ، ومسلم ، والموطأ لمالك ، وجامع الترمذى ، وسنن أبى داود ، والنسائى ، ورتب على الأبواب .

إلا أن هؤلاء أودعوا متون الحديث عارية من الشرح ، وكان كتاب رزين أكبرها ، وأعمها حيث حوى هذه الكتب الستة ، التى هى أم كتب الحديث وأشهرها ، وبأحاديثها أخذ العلماء ، واستدل الفقهاء ، وأثبتوا الأحكام ، ومصنفوها أشهر علماء الحديث ، وأكثرهم حفظًا ، وإليهم المنتهى .

وتلاه الإمام أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزرى ، فجمع بين كتاب رزين وبين الأصول الستة بتهذيبه ، وترتيب أبوابه ، وتسهيل مطالبه ، وشرح غريبه فى جامع الأصول ، فكان أجمع ما جمع فيه .

ثم جاء الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى فجمع بين الكتب الستة والمسانيد العشرة وغيرها فى جمع الجوامع ، فكان أعظم بكثير من جامع الأصول من جهة المتون ، إلا أنه لم يبال بما صنع فيه ، من جمع الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة([2]) .

وكان أول ما بدأ به هؤلاء المتأخرون أنهم حذفوا الأسانيد اكتفاء بذكر من روى الحديث من الصحابة إن كان خبرًا ، وبذكر من يرويه عن الصحابى إن كان أثرًا ، والرمز إلى المُخَرِّج ؛ لأن الغرض من ذكر الأسانيد كان أولا إثبات الحديث وتصحيحه ، وهذه كانت وظيفة الأولين ، وقد كُفوا تلك المؤنة فلا حاجة بهم إلى ذكر ما فرغوا منه([3]))) انتهى من أبجد العلوم([4]) .

وبهذا يتضح لنا المراحل التى مر بها التدوين فى علم الحديث الشريف ، وكيف انتقل من مرحلة الحفظ إلى الكتابة الأولى ثم التصنيف على المسانيد ثم الأبواب ، ثم الجمع بين أحاديث عدة مصادر فى كتاب واحد ، حتى وصل الأمر إلى الإمام السيوطى ومن جرى مجراه ، والذين نحاول اليوم أن نقوم بخدمة جهودهم فى جمع السنة بأن نضم هذه الجهود بعضها إلى بعض قدر طاقتنا ، ونزيد على ذلك - حيث اقتصر السيوطى ومن نحا نحوه على ذكر متن الحديث وراويه مع عزوه إلى مخرجيه - من توثيق النصوص التى أوردوها ببيان محلها من مصادرها التى وقفنا عليها ، وعدم الاكتفاء بالعزو إلى المصدر فقط ، ونضيف إلى ذلك الكلام على الضرورى من غريب الحديث ، ونقل ما وقفنا عليه من كلام العلماء على درجة الحديث ورواته ، وذلك دون توسع نظرا لضخامة المشروع .

إن العلوم والأعمال التى أنتجها الإسلام وحضارته هى أدل دليل على أنه خير وحق وعدل وجمال ، وأن الله نزهه عن الشر .

فإن الأمور إنما يعرف مدى اقترابها من ذلك وبعدها عنها من نتائجها
وما ترتب عليها ، خاصة فى أكثر تلك النتائج تطرفا التى تتمثل خلاصة أصول
ما بنيت عليه ، فالحضارة التى أنتجت الفاشية والنازية والمحافظين الجدد ،
بل وأنتجت ورَعَت الحركات الأصولية المتطرفة عندنا
(
[5]) ، هى حضارة بعيدة
عن الخير والحق والعدل والجمال ، الحضارة التى لم تر إلا نفسها ، الحضارة التى بنت نفسها وما زالت تستمد قوتها من امتصاص
(
[6]) واستنزاف عقول وثروات الأمم([7]) ، الحضارة التى تكذب وتؤخذ منك أكثر مما تعطيك ، وتدعى خلاف
ذلك
(
[8])  ، الحضارة التى حولت الفن – وهو أرقى تعبير عن مشاعر الإنسان ووجدانه – إلى تعرية أقبح شىء فى الإنسان ، حولته إلى شىء رخيص ومقزز وإباحى ، الحضارة التى قتلت الملايين من أبناء الشعوب حتى تقوم قائمتها ، ثم استدارت على نفسها فقتلت الملايين من أبنائها فى حربين عالميتين ، ثم تهالكت فى صراع تسليح بددت فيه ثروات الأرض ، ثم رجعت تفتك بشعوب الأرض مرة أخرى تريد أن تفنيهم كما أفنت الهنود الحمر ، تلك الحضارة هى حضارة بعيدة عن الحق والعدل والجمال .

ثم بعد كل هذا يتخيلون أن هذه الحضارة لم تفعل شرا قط ، وأن نبينا – حاشاه – هو الذى أتى بالشرور ، ومن ثم يجب استأصل آثار شروره من على وجه الأرض ، ومحو دينه وما انبنى عليه من علوم وحضارة وقيم .

إن الأحاديث التى يحويها هذا الكتاب - مع القرآن الكريم طبعا - هما الأساس التشريعى والقيمى والحضارى والسلوكى والوجدانى الذى سار عليه المسلمون فى علومهم ، وفى حضارتهم ، وفى جهادهم ، وفى فتوحهم للبلاد شرقا وغربا ، وهما اللذان كونا وجدان هذه الأمة وعقلها الجمعى وضميرها الجماعى فضلا عن مناهجها وعلومها وحضارتها .

إن المسلمين حين فتحوا العالم حافظوا على أديان الآخرين وحضارتهم وأعراقهم وثقافتهم ، ورحبوا بكل من أحسن شيئا وأعطوه مكانته التى يليق بها فى المجتمع الإسلامى ، لقد كان أطباء الخلفاء والملوك والسلاطين غالبا من غير المسلمين حيث كانوا يتقنون الطب ، وكثيرا ما كان أصحاب بيت المال (= وزير المالية أو الخزانة) من غير المسلمين أيضا حيث تفوقوا فى ذلك .

ستجد فى هذا الكتاب أن النبى صلى الله عليه وسلم لما ذهب إليه اليهود بزانيين أرجعهم إلى التوراة ، ولم يحملهم حملا على القرآن الكريم ، بل لم يطلب منهم أن يتحاكموا إليه أصلا حتى كانوا هم الذين ذهبوا إليه بمحض إرادتهم لمعرفتهم بعدل الإسلام ، ونزاهة نبيه صلى الله عليه وسلم .

وغير ذلك من مئات الوقائع التى تشعر إذا اطلعت عليها أن هناك ((عملية تزوير عالمية)) للحقائق بل للحضارات ، نسأل الله تعالى أن يحق الحق فيها ويزهق الباطل .

ولهذا فإن مشروعنا ليس مجرد كتاب يحقق ، أو نص ينشر ، بل
عمل حضارى فى الأساس الأول له ، هكذا أفهمه ، وهكذا عملت فيه ، وهكذا أرجو أن يكون .


([1]) الجدير بالذكر أن أصل تبويب مسلم يرجع إليه ، حيث صنف صحيحه ورتب أبوابه دون
تراجم ، لكن التراجم من صنع العلماء بعده ، وممن وضع تراجم له الإمام النووى فى شرحه.

([2]) فى كلام الشيخ صديق حسن خان القنوجى نظر ، فغرض السيوطى أولا هو جمع كل أحاديث المصادر التى أدخلها فى كتابه ، فمتى لم يذكر حديثا هو فيها كان مخالفا لشرطه ، من ثم التزم بإيراد كل ما فيها من صحيح وضعيف وموضوع ، فنقد الشيخ صديق حسن خان ليس فى موضعه ، فإنما ينتقد ذلك على من شرط ألا يجمع إلا الصحيح فلا يصح له أن يورد الضعيف والموضوع .

والسيوطى إنما شرط ألا يورد حديثا لا إسناد له كما سيأتى الكلام على منهجه ، فوفى
رحمه الله تعالى بما شرط ، فخلا كتابه مما لا إسناد له سوى متن واحد نبه عليه .

ومن جهة أخرى فإن السيوطى نبه كثيرا على كون هذا الحديث أو ذلك موضوعا ، أو واهيا  ، أو فى إسناده منكر ، ونحو ذلك ، فلم يورد الموضوعات دون تنبيه ، وإن كان لم يطرد على ذلك أيضا ، وقد حاولنا إكمال ذلك على ما سيأتى وصفه عند الكلام على منهج العمل .

ومن جهة ثالثة فإن الجمع يأتى أولا ثم النقد ، فمن كان فى المرحلة الأولى لا ينبغى لنا أن نؤاخذه بمقتضى المرحلة الثانية ، والسيوطى لم يفرغ من الجمع حتى وفاته ، بل ونرجح أنه ترك قسم الأفعال مسودة لم تبيض ، والظن به أنه كان متى فرغ عاد لتجويد عمله بما يطالبه به =
=القنوجى ، ولهذا نرى الإمام السيوطى قد صنع ذلك فى الجامع الصغير حيث وضع رموز إمام كل حديث (ص) للصحيح ، (ح) للحسن ، (ض) للضعيف ، ولكن هذه الرموز أصابها الاختلال بسبب النساخ بحيث صارت لا يؤخذ بها لعدم الوثوق بصحته ، ولهذا أعتقد أن السيوطى كان سيفعل ذلك فى جامعه الكبير إذا فرغ منه .

([3])  وهذا الذى قاله الشيخ القنوجى إنما هو تحليل منه واستنتاج ، لم يصرحوا هم به ، ويحتمل الأمر غير ما ذكره ، فإنما حذفوا الإسناد لكونه مثبتا فى الأصل وقد دلوا القارئ عليه ، فمن احتاج إلى النظر فى إسناد الحديث رجع إلى أصله المخرج منه ، فإنه لا يحتاج إلى النظر فى الإسناد كل قارئ بل القارئ المتخصص فحسب فما الداعى لإثبات الأسانيد فى عمل يخاطب به فى الأساس غير المتخصص ، ويساعد المتخصص على الوصول إلى مظان الحديث فحسب . فمن احتاج الإسناد رجع إلى الأصل المخرج منه الحديث ، ومن لا يحتاجه فقد ذُكر له ما يكفيه ، نعم يحتاج أيضا إلى التنبيه على الصحة والضعف ، وقد ذكر الإمام السيوطى لهذا ضابطا إجماليا يأتى ذكره ، وقد حاولنا إتمامه قدر الطاقة بنقل ما وقفنا عليه من كلام العلماء عن الحديث .

([4]) أبجد العلوم ، بتحقيق عبد الجبار ذكار ، ط دار الكتب العلمية ، سنة 1978 ، (ج2 / ق1 / 273 - 278) .

([5])لاحظ أن كل الحركات الأصولية المتطرفة فى عالمنا الإسلامى هى أيضا صنيعتهم ، لا صنيعتنا ، وكل علمائنا ومجتمعاتنا ومفكرينا ومثقفينا يرفضونها ، ومع ذلك تستمر بدعم من الآخر ، حتى تظل تدمر ما بقى من حضارتنا . ووثائق الخارجية البريطانية مثلا أدل دليل على ذلك ، والتأريخ المنصف لهذه الحركات الأصولية المتطرفة يشهد بأن الاستعمار هو الذى رعاها . انظر على سبيل المثال : - الجزيرة العربية فى الوثائق البريطانية (نجد والحجاز) ، اختيار وترجمة وتحرير : نجدة فتحى صفوة ، بيروت ، : دار الساقى ، 2001 . - من الوثائق البريطانية فى تاريخ الخليج والجزيرة العربية ، تأليف : عبد العزيز عبد الغنى إبراهيم ، العين : مركز زايد للتراث والتاريخ ، ط : 1422 هـ / 2001 م . - مجموعة المعاهدات والتعهدات والسندات ذات العلاقة بالهند (البريطانية) والخليج والجزيرة العربية ، جمع وتصنيف : سى يو اتجيسون بى سى اس ، وكيل حكومة الهند البريطانية فى الخارجية الهندية ، ترجمة العميد الركن : عبد الوهاب عبد الستار القصاب ، تقديم : أ .د : محمود على الداود ، بغداد : بيت الحكمة ،ط1 ، 2001 م .

([6])يمثل مصاص الدماء (دراكولا) الأسطورى جزءا من الضمير الجمعى الغربى ، ذلك المصاص الذى يمتص دماء ضحاياه لينال الخلود والاستمرار أبدا . ويظهر ذلك بوضوح فى الآداب الغربية =
=سواء القديمة أو الحديثة ، ليبقى فى الوجدان أن السيد يكتسب قوته من مص دم الضحية .

أما أساطير شعوبنا ((الغلبانة)) فهى أساطير أبى زيد الهلالى ، والزناتى خليفة ، والشاطر
حسن ، والأميرة ذات الهمة ، أساطير تعبر عن الشهامة والفروسية والأخلاق الكريمة والقيم السامية ونصرة الضعيف ، أو أساطير تتحدث عن الأولياء وكراماتهم التى نتجت عن شدة قربهم من الله تعالى ، أساطير تبحث عن رفع الظلم ، وإطعام الفقير ، ونصرة الضعيف ، وإنقاذ الناس مما وقعوا فيه . ولم تنتج حضارتنا أبدا أسطورة عن مصاصى الدماء ، فضلا أن تفعل ذلك بالفعل على أرض الواقع .

فحتى فى أساطيرنا وأساطيرهم نحن أقرب للخير والحق والعدل والجمال منهم .

وقد اعترف بابا الفاتيكان الحالى فى بحث أخير له بأن حضارة العالم الغربى  قامت على سرقة الشعوب واستنزاف ثرواتها .

([7])من أمثلة ذلك ما حكاه الجبرتى فى تاريخه عند ترجمته لأبيه ، أن الأفرنج كانوا يأتون إليه
ليتعلموا منه الرياضات والفلك والكيمياء والميكانيكا ونحو ذلك من العلوم ، ونشروا هذه العلوم عنه فى بلادهم ، وأخرجوها من القوة إلى الفعل ، فلما أتت الحملات الاستعمارية أُحرقَت مكتبته، وصار المستعمرون يقتلون كل يوم من الأزهريين عددا ، حتى يُقضى على عقول الأمة ، ولا تبقى العلوم إلا فى أيديهم ، ليسيطروا بها علينا . انظر : تاريخ الجبرتى (1/461) .

([8]) ويشهد بذلك حركة الأموال من عالمنا إلى عالمها ، فالأموال التى تخرج من عندنا إليها أكثر مرتين ونصف من الأموال التى تأتى منها إلينا ، كما تشهد بذلك تقارير البنك الدولى ، ثم يمنون بأننا نأخذ منهم معونات يدفعها دافعو الضرائب ، معونات مشروطة بتغيير القوانين والثقافة والتعليم !!