تحليل لمؤلفات الإمام السيوطى - مقتطف من مقدمة الجامع

عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية   ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

 

ذكرنا أكثر من خمسمائة مؤلف من مؤلفات الإمام السيوطى رحمه الله يمكن من خلال تحليلها إلقاء مزيد من الضوء على علم هذا الإمام الكبير وسعته ، كما أن تحليلها سيساعدنا على تحديد موضعه من خريطة العلوم الإسلامية بدقة أكثر بعيدا عن الانطباعات العامة ، كما سيساعدنا على نقد كثير من الأفكار الشائعة حول هذا الإمام وحول مؤلفاته .

وقد بدأ الإمام السيوطى فى التأليف والتصنيف كما تقدم فى أول الحديث عن مؤلفاته سنة (866 هـ) ، وتوفى سنة (911 هـ) ، عن عمر يناهز (62) عاما ، فيكون قد أمضى (45) عاما من عمره فى التأليف ، يزيد ما يصنفه كل عام على (10) مصنفات ، بمتوسط مصنف كل شهر تقريبا ، وإن كان العقدان الأخيران من عمره لا بد أنهما أغزر إنتاجا وأجود ، حيث اعتزل للتصنيف بعد أن بلغ الأربعين يعنى سنة (889 هـ) تقريبا .

ولن نستطيع فى هذا المحل القيام بالتحليل الداخلى لهذه المصنفات كلها أو حتى بعضها ، والذى لا شك أنها بحاجة إليها عن طريق العديد من الدراسات الأكاديمية المتخصصة ، ولا يسعنا لضيق المحل وحتى لا تخرج هذه المقدمة عن مقصودها إلا التحليل الخارجى لهذه المصنفات ، ولكن هذا التحليل الخارجى سيأخذ أكثر من مستوى .

أولا : على المستوى الإحصائى :

لا يخلو العدد الإجمالى لمصنفات الإمام السيوطى من دلالة واضحة على أنه من كبار المصنفين على مستوى الحضارات الإنسانية ككل ، وليس على مستوى حضارتنا فقط .

وبالنسبة لإحصاء التخصصات التى شارك فيها السيوطى ومن خلال القائمة التى ذكرناها فبيانها كالتالى :

1- التفسير وعلوم القرآن : (44 كتابا) .

2-  السنة النبوية وعلوم الحديث : (162 كتاب) .

3- علوم العربية والأدب : (83 كتابا) .

4-  التاريخ : (25 كتابا) .

5-  المعقولات (6 كتب) .

6-  الفقه الشافعى (91 كتابا) .

7- السيرة والخصائص النبوية الشريفة : (14 كتابا) .

8-  تاريخ العلماء والرواة : (40 كتابا) .

9-  أصول الفقه : (11 كتابا) .

10- القراءات القرآنية : (4 كتب) .

11- فنون متنوعة : (43 كتابا) ويصلح كثير منها أن يعد ضمن علم الأدب بمعناه القديم .

12- التصوف : (22 كتابا) .

13- العقيدة : (10 كتب) .

14-     مؤلفات لم نحدد موضوعها : (23 كتابا) .

وما سبق هو تصنيف مبدئى لمؤلفات الإمام السيوطى ، مع ملاحظة أننا صنفنا بعض الكتب فى أكثر من فن لتعلقها بها بحسب اطلاعنا عليها ، حيث يزاوج السيوطى بين عدة علوم فى الرسالة الواحدة فيسوق أدلتها من ناحية السنة بما يصلح أن يكون جزء حديثيا ، ثم يتكلم عن المسألة من ناحية مذاهب الفقهاء ، ولهذا صنفنا ما كان كذلك مما اطلعنا عليه تحت أكثر من علم . وأما ما صنفناه فى الفنون المتنوعة فبحسب ما يظهر من عنوانه . وبقيت مجموعة من المصنفات (24) كتابا ما اطلعنا عليها ولا وشت عناوينها بموضوعها فوضعنا أمامها علامة (؟*) لذلك.

ثانيا : على مستوى مناهج التصنيف :

إن أول ملاحظة لاحظناها على السيوطى رحمه الله من خلال مؤلفاته أنه ما ترك بابا من الأبواب التى يلج منها العلماء إلى عالم التأليف والتصنيف إلا ولج منه معهم ولوجا قويا ظاهرا غير مستتر ولا متردد ولا وجل . وعلى مدى تألق الحضارة الإسلامية سنجد عادة عامة العلماء أنهم يلجون من باب أو بابين يظل التاريخ يذكر لهم ذلك ، ثم يلمون إلماما ببعض الأبواب الأخرى أو يذرونها أبدا ، هذا شأن الغالبية منهم ، ثم يَبُذُّ منهم كل عدة قرون من يلج من الأبواب كلها أو أغلبها ، ومع قلة هؤلاء على مدى التاريخ الإسلامى فأقل القليل منهم هو الذى يعد من أهل الأبواب الذين هم أهلها المشار إليهم بالبنان .

ولقد كان الإمام السيوطى من هؤلاء الذين لا يمكن لذاكر يذكر أهل الأبواب إلا عد السيوطى معهم ، وإلا كان الذاكر مقصرا إذا أهمله .

لقد نجح السيوطى أن يفرض نفسه فرضا على خريطة العلوم الإسلامية سواء علوم المقاصد أو علوم الآلات بحيث لا يستطيع باحث اليوم أن يكتمل بحثه دون أن يرجع لشىء مما ألفه السيوطى فى العلم الذى يبحث فيه ، هل يستطيع الباحث فى علوم المقاصد كعلم التفسير أو الحديث أو الفقه أو علوم الآلات كالنحو أو الصرف أو البلاغة أو فقه اللغة أن لا يكون ضمن مراجعه مؤلفات السيوطى ، لا شك أن كثيرا من الخلل سيتطرق إلى البحث الذى قرر كاتبه أن يتجاوز مؤلفات السيوطى .

وإذا عدنا إلى الحديث عن الأبواب التى يلج منها العلماء إلى عالم التأليف والتصنيف لنتكلم عنها بشىء من التفصيل ونكشف عن مساهمته فيها فنقول :

1- هناك من العلماء من يهدف إلى تأليف جامع فى الفن الذى يتكلم فيه ، يكون مصدرا وافيا ، أو مرجعا معتمدا يجمع أمهات مسائل العلم أو فروعه ونوادره . وهذا الاتجاه عند الإمام السيوطى فى العديد من مؤلفاته ، كالأشباه والنظائر الفقهية ، وكجمع الجوامع النحوى ، وجامعيه الصغير والكبير فى الحديث الشريف .

2- وهناك من العلماء من يهتم بالتأليف الدراسى ، فيضع المتون المختصرة الدقيقة ، ومنهم من تلقى متونه العناية والاشتهار نظرا لإجادتها كمتون النووى وابن الحاجب وغيرهما . ومنهم من تندثر جهوده فى هذا الباب ولا تلقى الإقبال الكافى . وهذا الاتجاه عند السيوطى فى العديد من مؤلفاته كالألفية فى علم الحديث ، وكالنقاية فى علوم الآلات ، والنفحة المسكية فى علوم متعددة أيضا .

3- ومن العلماء من يوجهه جهده إلى خدمة تلك المتون الدراسية بالشرح والتوضيح ، ونجح فى أن يجعل شروحه معتمدة بين أهل الاختصاص كالإمام المحلى وشيخ الإسلام زكريا والخطيب الشربينى وغيرهم . وسنجد هذا الاتجاه عند الإمام السيوطى فى شروحه المتعددة الكثيرة التى سبق ذكره فى ثبت مؤلفاته .

4- ومن العلماء من يرزقه الله بسطة فى العلم ، يقدر بها على افتتاح التصنيف فى علم من العلوم لم يسبق إلى التأليف فيه ، أو سبق بمحاولات أولية تحتاج بعد إلى وضع النظريات ، وتأصيل القواعد ، وتقعيد الأصول ، أو وضع خطة العلم العامة ، وتنظيم أبوابه ، كالإمام الشافعى فى الأصول ، والأشعرى والباقلانى فى علم الكلام . وهذا الاتجاه نجده عند الإمام السيوطى فى الأشباه والنظائر الفقهية والنحوية ، وفى الاقتراح فى علم أصول النحو .

5- ومنهم من يرزقه الله القدرة على الانتقال بالعلم الذى يؤلف فيه إلى مرحلة جديدة ، كأن يتنقل به من مرحلة التأسيس والوضع بما يعنيه ذلك من عدم استقرار وعدم وضوح إلى مرحلة التحرير والتقرير ، مثل إمام الحرمين والإمام الغزالى والإمام الرافعى والإمام النووى ودورهم الكبير فى المذهب الشافعى ، ونظيرهم ابن قدامة فى الحنبلى ، وابن الحاجب فى المالكى ، والمرغنيانى فى الحنفى . ونجد هذا الاتجاه عند الإمام السيوطى فى جمع الجوامع النحوى مثلا ، ويصلح الأشباه والنظائر الفقهية أن يدرج تحته أيضا باعتبار النظر إلى جهود من سبقه فى هذا الباب كابن السبكى وابن الوكيل وغيرهما من السادة الشافعية ، ولكن من قارن بين أعمالهم تبين عظمة دور الإمام السيوطى فى هذا العلم .

6- ومن العلماء من يعتنى بالنوازل الجديدة ويرى أنها أولى بالاهتمام والبحث والتدقيق وأن المتقدمين قد كفونا الكلام فى المسائل المعتادة والتقليدية ، ولهذا ستجد لهذا الصنف من العلماء الكثير من الفتاوى أو الرسائل الصغيرة التى يتناول فيها النوازل الجديدة ، ولا تكاد تجد له مؤلفات كبيرة ، وهذه الطريقة وإن كانت موجودة فى المتقدمين إلا أنها تكثر فى المتأخرين والمعاصرين كطبقة شيوخ مشايخنا كالشيخ الكوثرى والشيخ سلامة العزامى والشيخ يوسف الدجوى والحافظ أحمد بن الصديق الغمارى ، أو طبقة مشايخنا كمولانا شيخ الإسلام عبد الله بن الصديق الغمارى ، ومولانا شيخ الإسلام ضياء الدين بن نجم الدين الكردى ، رضى الله عن الجميع . وهذا الاتجاه نجده عند الإمام السيوطى فى كثير من رسائله ، وأشهر نموذج لها هو كتابه الحاوى للفتاوى ، الذى جمع فيه فتاويه بالإضافة إلى العديد من رسائله .

هذه أهم الاتجاهات التى يمكننا رصدها من خلال تأمل حركة التأليف فى حضارتنا العريقة ، والتى سنجد أن الإمام السيوطى قد نجح فى جعل نفسه ضمن كبار المشاركين فى كل هذه الاتجاهات .

ويكاد الإمام السيوطى أن يتفرد بجمعه بين هذه الاتجاهات ، إذا قارناه بكبار المصنفين فى الإسلام ، وقد استعرضت جهود غيره من المكثرين فى التصنيف ، فلم يسلم لى أحد دخل من الاتجاهات الستة وبهذه الكثرة غير الإمام السيوطى رحمة الله على الجميع ، وإنما منهم من يدخل من باب منها أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر .

ثالثا : على مستوى التفاعل مع المجتمع :

بالإضافة إلى هذه الاتجاهات سنجد اتجاها آخر لدى العلماء خارج حركة التأليف ، يهتم أكثر بنشر العلم عن طريق ممارسة التعليم أو القيام بما يجب على العلماء من دور اجتماعى أو سياسى ، ولهذا سنجد أسماء علمية كبيرة رغم أنها قليلة التأليف أو نادرته ، وضخامتها العلمية ظهرت من خلال ممارستها لأدوار أخرى للعلماء غير التأليف ، مثل شيخ الإسلام العز ابن عبد السلام ، وشيخ الإسلام تقى الدين السبكى ، وشيخ الإسلام سراج الدين البلقينى ، فالدور الكبير الذى مثله كل واحد من هؤلاء الأعلام لا يأتى فقط من خلال مشاركتهم بالتأليف فى بنيان الحضارة الإسلامية ، وإنما يأتى بصورة أكبر من خلال تلك المهام الأخرى التى قاموا بحمل أمانتها .

وسنجد أن جزءا ليس بالهين من مكانة السيوطى الكبيرة نتج عن ممارسته لبعض تلك المهام الاجتماعية أو السياسية ، ولكن تفرد السيوطى تمثل فى قيامه بهذه المهام من خلال مؤلفاته أيضا ، فرغم المشاركة الواسعة للسيوطى فى حركة التأليف المعتادة ، ورغم اعتزاله للناس والمناصب الرسمية بما فيها المناصب العلمية كالتدريس وألف فى ذلك : ((التنفيس فى الاعتذار عمن ترك الإفتاء والتدريس)) تفرغا لما هيأه الله له بصورة أكبر وهو الاشتغال بالتأليف ، إلا أنه لم يكف عن المشاركة فى حركة المجتمع المصرى والإسلامى من خلال الفتاوى التى كانت ترد إليه ، والتى تارة كان يفرد لها تأليفا مستقلا ، وتارة يقتصر على الإجابة عليها باختصار ، وأدنى تأمل لقائمة مؤلفاته ، وأقل مطالعة ((للحاوى للفتاوى)) يدلنا على ذلك ، ويعطينا صورة واضحة عن أن الإمام السيوطى كان يمثل أحد مراكز الفتاوى فى عصره ، وأنه رغم إعلانه العزلة عن الناس ، لم يكن ليتأخر عن القيام بما أوجبه عليه حق العلم ، وبأقوى ما يكون ، فكم من قضية قضى بها قاض متول للقضاء مخالفة للشرع قام السيوطى بردها وتوضيح الحق فيها ، وكم من تصرف جائر لوال أو حاكم أنكره وقام بالأمر بالمعروف فيه ، ولم يسع الكل إلا الرجوع إلى الحق ، فى عهود رغم كثرة الناعون عليها فقد كانت للعلماء فيها كلمة مسموعة ، وكانوا موضع إجلال وإكبار من قوى المجتمع كلها .

كما أن الإمام السيوطى رحمه الله كان من أكثر أعضاء المجتمع العلمى المصرى فى عصره إثارة للجدل وإثارة للقضايا الشائكة ، مما ساهم فى حركة علمية قوية جاوزت فى بعض الأحيان – وبسبب قوتها - الحدود المقبولة فى الجدل العلمى ، ورغم هذا تبقى دلالتها الأكيدة على ضخامة شخصية السيوطى .

وقد انعكس ذلك كله على مؤلفات السيوطى ، والتى تمثل مرآة صادقة لحياة السيوطى العلمية خاصة ، وللحياة العلمية ككل فى القرن العاشر الهجرى .