تأملات فى الحكمة النبوية من مكفرات الذنوب

عصام أنس الزفتاوى

إلى الصفحة الرئيسية     ابحث

عدد الزوار الكرام لصفحات موقعنا

Amazing Counters

 

 

 

 

 

تأملات فى الحكمة النبوية من مكفرات الذنوب
وأثرها على السلوك الإنسانى - مقدمة لبشارة المحبوب فى تكفير الذنوب
 

تصدير :

هذا المقال كتب كمقدمة للتحقيق الذى قام به مولانا المحدث الشيخ نجاح عوض صيام لكتاب بشارة المحبوب فى تكفير الذنوب ، والذى صنفه الحافظ محمد بن خليل الأذرعى (784 - 869 هـ) .

وفى الحقيقة فإنى أدين بدفعى إلى كتابة هذه الصفحات إلى زوجتى الحبيبة ، التى طالعت هذا الكتاب قبلى فى تجاربه الأولى طالعته مرة بعد مرة ، وأعجبها مرة تلو الأخرى ، وحثتنى ثم حثتنى على سرعة الفراغ من طبعه بعد أن قام بتحقيقه الأستاذ الكبير نجاح عوض صيام نفعنا الله به ، عجبت من تعلقها به عجب من اعتاد رؤية الشىء فأصبح لا يبصر قيمته ولا يدرك أثره ممن لم يعتد رؤيته فينبهر به ، ويغالى فى قيمته .

لقد بصرتنى زوجتى – لعلها دون أن تدرى – بداء أصابنى ولعله يصيب كل من يمتهن مهنة نشر التراث وتحقيقه – ذلك أن طول العهد فى التعامل مع النصوص قرآنا وسنة وكلاماً للأئمة يجعلنا نتعامل معها فى نهاية المطاف بصورة آلية أو حِرَفِيَّة نفقد معها روحنا ، ونفقد معها قلوبنا ويصبح تعاملنا معها يقف عند أطراف أصابعنا ضغطا على أزرار الحاسب ، أو رقماً على صفحات التجارب .

لقد حثنى موقفها على إعادة النظر فى موقفى ، وجعلنى أتوفر على الكتاب توفراً ربما لا يستحقه – من ناحية الصناعة الأكاديمية لضعف تأليفه – لكنه يستحقه قطعاً بما حواه من نصوص نبوية شريفة تستحق أى جهد يبذل من أجل توثيقها ومحاولة فهمها رجاء العمل بها .

وصرت بعد أن كنتُ أعيب فى نفسى على المؤلف ضعف صنعة التأليف فى كتابه ، أحمد له عفويته فى التأليف الذى قصد به أغراضاً عملية – كما أشار فى مقدمته – فتوارت أمام هذه الرغبة فى العمل والحث عليه الرغبةُ فى حبك التأليف ، وتقسيم الأبواب والفصول .

لقد نجح المؤلف ومعه زوجتى فى إخراجى مما أنا فيه ، ودفعى للعيش ولو قليلاً مع هذه الأحاديث أحاول تدبرها وتبصرها . فجزاهما الله خيراً ، وجزى أخونا الشيخ الفاضل المحقق نجاح صيام خير الجزاء ، والذى لولا عمله فى الكتاب ما كان كل هذا .

لقد اضطرتنى محاولة الاقتراب من هذه النصوص المذكورة فى الكتاب إلى وضع كشاف موضوعى لها يحاول أن يرصد تلك الخصال المكفرة للذنوب ، أو الأعمال المبشرة بالجنة ، أو بالعتق من النار ، وأن أضع تلك الخصال – التى رصدها الكشاف – فى إطار كلى يحللها ويتبصرها محاولاً أن يفقهها .

يبدو أننى – رغم دفعى دفعاً للقراءة – لم أستطع أن أتخلص من أدواتى فى القراءة ، ولا أن أقرأه بنفسى العفوية التى كتبه به مؤلفه ، ولولا ذلك – عدم القدرة على التخلص – ما كانت هذه الصفحات ، فالله أسأل أن ينفع بها كما نفع بأصلها ، وأن يرزقنا الإخلاص فى القول والعمل .

-----------

 


تأملات فى الحكمة النبوية
من مكفرات الذنوب وأثرها على السلوك الإنسانى

{اتبع السيئة الحسنة تمحها} هكذا أمرنا الله تعالى بالمبادرة إلى الحسنة وسرعة الخروج من حالة المعصية ، كالماشى يتعثر فإنه يسرع بالقيام من عثرته ولا يستمرأها ، وهكذا الإنسان إذا تعثر بمعصية أسرع بالقيام منها وإتباعها بما يمحو أثرها من الحسنات .

والحسنات فى الإسلام ليس نفعها قاصداً فى كثير من صورها على فاعلها بل يعم نفعها من حول العاصى حتى تعم المجتمع كله بنورها .

وهكذا يتحول العاصى من ظلمة المعصية إلى نور يتلألأ ويضىء ما حوله بما أتبع سيئته من حسنات ، وكأن بالظلمة قد استحالت نوراً ، وكأن بالنقمة قد صارت نعمة ، وكأن المعصية قد انقلبت طاعة .

ولو أننا عملنا بهذا الأدب الربانى (واتبع السيئة الحسنة) لصار المجتمع بأسره نوراً فى نور ، فإنه لا يخلو حالنا بين طاعة عملناها ابتداء أو معصية ((وكل ابن آدم خطاء)) – اتبعناها بحسنة فلا نزال ننتقل من حسنة إلى أخرى .

ولهذا يتلمس أهل الله فى كل ما يرد عليهم حكمة الله فيه فإنه ((ما نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه))([1])

حتى المعصية يتأملون حكمة الله فى وقوعهم فيها ويرجون من ورائها ما يعيد صلتهم به تعالى . ((فمعصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً))([2])

وأنت إذا تأملت ما شرعه لنا الله ورسوله من مكفرات للذنوب ستجد أن تلك المكفرات تسرع بالعاصى إلى إعادة السكينة إلى نفسه والتواصل مع ربه والتناغم مع الكون كله من حوله ، فإن المعصية فى شىء من حقيقتها اضطراب وشذوذ وخروج عن سنة الكون ، وعدول عن استقرار النفس وتغيير لفطرتها التى فطرها الله عليها ، وقطع لصلتها بربه ، وحجب للأنوار الإلهية عن القلب بما نورته من ظلمة وران وحجب عليه .

لكن سرعان ما تشرق أنوار الحسنات فتتبدد بها ظُلَم السيئات .

وحكمة الله فيما قدره علينا من المعاصى أن تورثنا الانكسار بين يديه ، فيتحول الشر إلى خير ، فإن ((خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك وترد فيه إلى وجود ذلتك))([3])

ما أجمل أن تشيع أيها العاصى الخير والطاعات والفضائل حولك وأنت منكسر مفتقر لله تعلم من نفسك أنك تحاول بها تكفير معاصيك ، الناس يرونك طائعاً محسناً ، وأنت ترى نفسك عاصياً مسيئاً ، فلا طاعتك تورثك كبراً لما تعلمه من نفسك ، ولا معصيتك تورثك يأساً وقنوطاً لما تبادر به من حسن عملك مما جاد الله به عليك من مكفرات .

والحق أنه ((لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك ، ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك))([4])

ودائما وأبداً ((إذا وقع منك الذنب فلا يكن سبباً ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك))([5])

وكما تعيد مكفرات الذنوب إلى النفس توازنها الذى أفقدها إياه الوقوعُ فى الذنب فإن المكفرات قبل ذلك تبعث فى النفس حسن الظن بالله بأنه قد عفا وغفر بتوفيقه تعالى للطاعة بعد المعصية . فإن من وقف عند المعصية ولم يأخذ سبيل الطاعة بعدها فى الحال ربما أورثه ذلك قنوطاً ويأساً تعظيماً لذنبه مع عدم انفتاح باب العفو والمحو بإتباع الحسنات ، ولهذا ينبغى أن ((لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله تعالى ؛ فإن من عرف ربه استصغر فى جنب كرمه ذنبه))([6]) .

لكن ((خف من وجود إحسانه إليك ، ودوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجاً لك {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}([7]) .

وها هنا ميزان دقيق على المرء أن لا يخرج عنه وهو أنه لا يستصغر الذنب حتى يتجرأ على المعاصى ، ولا يتعاظمه حتى ييأس من رحمة الله فإنه ((لا صغيرة إذا قابلك عدله ، ولا كبيرة إذا واجهك فضله))([8]) .

وعلى المرء أن يعلم أن ((من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلات))([9]) .

فمتى وجدت نفسك لا تندم على معصية فعلتها ، ولا تحزن على طاعة فوتها ، فأقم العزاء على موت قلبك ، أو أسرع الأوب إلى من يحيى العظام وهو رميم ، الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ، واسأله أن يحييه عليك ، وإلا فتبا لجسد يحمل بين حشاياه قلباً ميتا لن يبثه إلا دماء الظلمة .

أو تعرف أيها العاصى ما أوقعك فى معصيتك : رضاك عن نفسك ، فإن ((أصل كل معصية وغفلة وشهوة : الرضا عن النفس ، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها))([10]) ولهذا فإن آفة الآفات الرضا عن النفس .

وإذا تأملنا طرفاً من حكمة المكفرات التى أراد الشارع أن يجعلها عملية وتشمل كافة جوانب علاقة الإنسان بالمجتمع حوله بكل عناصره ربما وجدنا أن شيئاً من الحكمة منها أن العاصى حين معصيته قد أصابته حالة من الغفلة والذى أدت به غفلته إلى معصية ربه وسوء الأدب معه أفلا يبعد أن تؤدى به غفلته أيضا إلى سوء الأدب مع الكون وحده فلعله فى غفلته أساء الأدب إلى والديه أو إخوانه أو الناس من حوله أو أساء التصرف فى مال أو غير ذلك مما لا يخلو منه الإنسان حين الغفلة ولهذا أتت المكفرات لتعيد الصلة التى فقدها فى غفلته مع الأكوان من حوله ليتواصل معها تواصل المسلم الحقيقى الذى بينه وبين المكوَّنات كلها رحم ممدودة أمر أن يبلها ببلالها أليست هى وهو (صنع الله) ، وربما كان فى قوله تعالى {فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتقطعوا أرحامكم} إن توليتم أنفسكم وأعرضتم عمن ناصيتكم بيده وغفلتم عنه أن تفسدوا فى الأرض بالمعاصى والآثام وتقطعوا أرحامكم الممدودة المتصلة بكل من حولكم من مكوَّنات ، ولهذا تأتى المكفرات من إدخال السرور على الإخوان والإصلاح بين الناس وإطعام الجائع وإكرام الضيف والتسامح فى البيع والشراء وحفر آبار المياه ورفع الأذى من الطريق والعفو عن الدم أو الديات وقضاء حوائج الإخوان وقيادة الأعمى وأداء الحقوق والديون وإعانة الأخرق والمظلوم وبر الوالدة وستر عورة الإخوان وفك الأسير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإنظار المعسر أو العفو عنه وعيادة المريض وغير ذلك من الخصال التى ورد ذكرها فى الكتب إما مكفرة للذنب أو وعد عليها بالجنة أو الإبعاد من النار فهذه الخصال وغيرها كما ترى تنتظم الكثير من جوانب معاملة الإنسان لمن حوله .

ومن ناحية أخرى – ربما كان أولى أن نبدأ بها – فإن المعصية تؤثر تأثيراً مباشراً على علاقة العاصى بربه ، فالمعصية تحجب العبدَ عن ربه ، وتبعده عنه ، فلا يحتاج العاصى لشىء مثل حاجته إلى تلك الخصال التى تعيد علاقته بربه إلى سابق عهدها بل إلى ما هو أرفع منها ، تأمل الكشاف لترى تلك الخصال تجد أولها :

إجلال الله ، ها هو العاصى قد حجبته معصيته عن رؤية جلال ربه وعظمته ، فيأمره النبى صلى الله عليه وسلم بإجلال الله تعالى وتعظيمه حتى يغفر الله له معصيته . كما جعل النبى صلى الله عليه وسلم من الخصال المكفرة للذنوب : الأذان ، وما أعجب هذه الحال ، العاصى لسان حاله يؤذن حين معصيته بالبعد عن الله ، وبالقطيعة وبعدم إكبار الله ، لسان حاله : حى على القطيعة بدل الصلاة ، حى على الخسران بدل الفلاح ، فيأمره النبى بأن يقف ينادى على الله يشهد بألوهيته وبرسالة نبيه يدعو إلى الصلاة يدعو إلى الفلاح ويكبر الله أولاً وآخر ، سبحان الله شتان ما بين الحالين ، ما أقوى هذا العلاج فى دفع ظلمة المعصية ورفع حُجُب النفس .

فإن لم يستطع الأذان فليستمع له وليردد خلف المؤذن كلما الأذان ثم ليدع بما ورد من أدعية فيها تجديد الإيمان وتجديد الشهادة وإعلان رضاه بالله رباً وبالإسلام دينا وبسيدنا محمد رسولاً ، ذلك الإعلان الذى لابد منه يعلنه لنفسه مرة بعد مرة ومعصية بعد معصية يعلنها أنها ولو عصت ما عصت وغلبته ما غلبته فإن الله ربه حرم المعاصى والإسلام دينه بما فيه من حلال وحرم والنبى صلى الله عليه وسلم رسوله بلغ وشرع وسنَّ ، يعلنها بكل هذا لتتحول من الغفلة إلى اليقظة ومن الحجاب إلى الوصلة .

إلى أين تذهب أيها العاصى ما أشد حاجتك إلى مكان تسرع الذهاب إليه يبعدك عن مكان معصيتك ويساعدك على ذكر ربك ، وليس ذاك إلى المساجد فبادر بالذهاب إليها وأكثر من الخطا إليها ، أو قم ببنائها لتهيىء مكاناً يذكر الله فيه ويسجد له به .

وفى المسجد ينضم العاصى إلى جماعة المسلمين فى صلاتهم تشمله بركتهم وتحفهم ملائكة ربهم تصلى عليهم . وهكذا إذا ذهبنا نتأمل الخصال الواردة فى الصلاة حثاً على أنواع منها أو على السعى والحرص على أمر من أمورها سنجد أن المعنى فيها جميعاً سرعة الفيئة من حال المعصية .

انظر مثلا لجعل صلاة الجماعة فى الصف الأول من المكفرات ، إنك كى تصلى فى الصف الأول عليك بالاستعداد إلى الصلاة مبكراً والمبادرة إليها أول الأذان أو ربما قبله حتى تدرك الصف الأول إن هذا لا يكون إلا لقلب تعلق بالله تعلقاً ودافع عنه ظلمة المعاصى مدافعة وأحرقه الشوق إلى الصلاة فبادر إليها مبادرة .

وخصلة أخرى : الاستغفار ، والاستغفار : طلب المغفرة ، وأنت ترى هذه الخصلة ليست بحاجة إلى بيان الحكمة منها فليس للعاصى مثل الاستغفار نادمة نفسه باكية عينه خاشعة روحه بين يدى ربه عساه يغفر له .

وليس أمكن للمرء من البعد عما دلاه بغرور من الذكر ذكر الله على كل حين وفى كل حال وقبل كل أمر وبعده وفى أثنائه ، وهكذا يأتى نور الذكر فتنقشع به ظلمة الغفلة سريعاً ، وتأتى حرارة الذكر لتذيب جمود القلب وتزيل الران عن مرآته وتعيد لها صفائها ورونقها فيعود خاشعاً متبتلاً صافياً لا يُرْى فيه إلا الله عز وجل .

ومن باب الذكر أيضاً : الإكثار من الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم ، وأثر الصلاة على النبى مقرر فى القرآن الكريم والسنة النبوية فى الإخراج من الظلمات إلى النور ، فقد ثبت فى السنة أن من صلى على النبى صلى الله عليه وسلم مرة صلى الله عليه عشراً ، ومن صلى الله عليه أخرجه من الظلمات إلى النور لقوله تعالى {هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور}([11]) .

والظلمات كثيرة والنور واحد ، والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم تخرجك من هذا الكثير المظلم إلى ذلك النور الواحد نور الوحدانية .

وكما يذهب الماء بالدرن والوسخ والأتربة عن ظاهر البدن يذهب بدرن الآثام عن باطن المرء إذا كان استعمال الماء فى عبادة من عبادات الطهارة التى شرعها النبى صلى الله عليه وسلم كالوضوء مع إسباغه وإحسانه وغسل الجمعة فليس على المتوضىء أو المغتسل حرج لو نوى مع الوضوء أو الغسل الوضوء من الحدث الظاهر والباطن أو الغسل من الدرن الظاهر والباطن ويسأل الله تعالى مخلصا أنه كما طهر ظاهره بالماء أن يطهر باطنه بالتوبة .

إن النبى صلى الله عليه وسلم لم يدع خصلة من الخصال شرعها الله تعالى لتخرج من الظلمات إلى النور إلا أوصى بها كعلاج ناجع من ظلمة الأوزار ، ولهذا جعل النبى صلى الله عليه وسلم من المكفرات المؤكدة الإكثار من القرآن الكريم أو قراءة سورة معينة ترق القلب وتدفع عنه حجب المعصية ، وكيف لا يكون القرآن الكريم كذلك وقد قال تعالى {رسولاً يتلو عليكم ءايات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور}([12]) ، وقال تعالى {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور}([13]) ، وقال تعالى {هو الذى ينـزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور}([14]) ، إلى غير ذلك من الآيات .

ما أعجب هذا عاصى لم يفرغ لتوه من معصيته يسرع إلى وَضوئه([15]) يتوضأ فيكفر عنه ما كتب الله للوضوء أن يكفره ثم يسرع إلى مكان طاهر آخذاً مصحفه يستقبل ببدنه وقلبه القبلة ، ذلك القلب الذى انحرفت به المعصية عن قبلته ، يقرأ بعينه ويتلو بلسانه ويسمع روحه كلام ربه غضاًَ طرياً كما أنزل ، أما كنت عاصٍ مذنب مذ قليل ، أم كنت محجوب مظلم القلب . ما أسرع الفىء وما أقرب التوب ، وما أقوى الأنوار الإلهية إذا وردت على القلوب فليس يقف أمامها شىء من شهوات النفوس ونزغات الشيطان حتى تطرحه وتزيله إزالة يبقى معها القلب كأنه لم يصبه درن معصية قط .

فالله الله إن عصيته لا تستحى من معصيتك أن تمسك بكتاب ربك تستعصم به من نفسك وتستنـزل به رحمة مولاك وترجوه أن يخرجك مما أنت فيه .

لست أحب أن أطيل الكلام فأقف حجاباً بينك – قارئى – وبين الكتاب ، تقرأه كما قرأتُه وتعايش نصوصَه كما عايشتُه ، كما أنه ليس يقف على تمام حكمة الشارع واقف ولكن ((سددوا وقاربوا)) ، ولو ذهبنا فى تأمل كل ما ورد من خصال لطال بنا المقام ولا ينتهى الكلام ، ولكن إن كانت ثم كلمة جامعة تأخذ بأطراف ذلك كله فهى أن المكفرات الواردة لم تدع سبباً لإذهاب الظلمة وإعادة النور للقلب إلا التمسته ولا تركت معوجاً فى النفس إلا أقامته ولا ثلماً يتسرب منه الشيطان إلى النفس إلا سدته ورأبته ، ولا فاسد من مساوىء الأخلاق إلا سعت لإصلاحه .

هذه قبسات من قبس النبوة ، ونفحات من الرحمة الإلهية تَعَرَّضْ لها تَعَرَّضْ .

اللهم باعد بيننا وبين خطايانا كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقنا من خطايانا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلنا من خطايانا بالماء والثلج والبرد ، اللهم آمين .

وكتبه

عصام أنس الزفتاوى

القاهرة 18 صفر 1425

                                      8/ 4/ 2004



([1])  (الحكم ، 22) .

([2])  (الحكم ، 97) .

([3])  (الحكم ، 101) .

([4])  (الحكم ، 126)

([5])  (الحكم ، 150)

([6])  (الحكم ، 50)

([7])  (الحكم ، 66)

([8])  (الحكم ، 51)

([9])  (الحكم ، 49)

([10])  (الحكم ، 35)

([11])  الأحزاب ، 43

([12])  الطلاق ، 11 .

([13])  إبراهيم ، 1 .

([14])  الحديد ، 9 .

([15])  الوَضوء بفتح الواو : الماء الذى يستخدم للوُضوء .