alhalwasa

الهلوسة


  

              

كان الكاتب الجميل الراحل جلال عامر برغم قدرته المدهشة على إضحاك قرائه حتى البكاء يقول في أواخر أيامه ساخطا لمحاوريه من الصحفيين: "اشتمني بأمي ولا تقل أني كاتب ساخر"، بعد أن رأى ما تعرض له هذا اللقب الذي كان متميزا ورفيعا من ابتذال وامتهان، على أيدي وأرجل عشرات كتاب غلاظ شداد، وكان عمنا وتاج رأسنا محمود السعدني يقول عن نفسه أنه كاتب ساخر دائما وشاخر أحيانا، لأن الظروف المحيطة أحيانا تستوجب السخرية بالشين وليس بالسين فقط، والكاتب السوداني العزيز تاج السر الملك ـ الذي شرفت بصداقته كقارئ قبل أن أعرفه شخصيا، وتلك أرفع درجات الصداقة ـ هو كاتب ساخر حقا وصدقا، بالسين وبالشين إذا لزم الأمر، وفي أوطاننا المنكوبة كثيرا ما يلزم الأمر.

كشأن كل الساخرين العظام، يخفي تاج السر الملك في ثنايا تأملاته الساخرة وداخل تفاصيل شخصياته الغرائبية التي نفخ فيها من روحه العابثة، روحا حزينة على حالها ومكروبة على مآل ناسها ووطنها، وحين يظهر أثر ذلك الحزن في كتابته جليا، لا يتركه تاج السر الملك يتملك منه طويلا، فيعود سريعا إلى الدغمسة والمألسة وذكر "إيش لون تمشي الأحمسة"، وأنت لأنك ستصير صديقا لتاج السر بعد قراءة فصل أو فصلين من كتبه، ستتواطأ معه ذلك التواطؤ الحميد بين القارئ والكاتب، وستتظاهر أن ما قرأته له فبعث منك الضحك للركب وأثار فيك في نفس الوقت الرغبة في البكاء المرير، ليس سوى هلوسة عابثة منزوعة الأسى، لا تثير الحزن ولا تقلب المواجع على أحوال البلاد والعباد، ولا تدفع للتفكير في سبيل إلى الخلاص، قبل أن ننادي جميعا "ولات حين مناص"، وهو لأنه طيب وابن حلال سيصدقك وسيواصل هوايته في إثارة البهجة والأسى والتأمل.  


                                                                                       بلال فضل 


Comments