Accueil‎ > ‎

كتاب الف جلسه وجلسه

   

حالات وتحاليل

خطوات مع فرويد في التحليل النفسي

 

 

تأليف

عبد الهادي الفقير

 

           

 

فهرس

 

 

1 - تقديم 

     - في فن التحليل النفسي

 

2 - بين الكبت واللاشعور 

     - الحالة الأولى: بكارة لم تفض...  

     - الحالة الثانية: ... وبكارة يرجى ويخشى فضها

 

3 - بين التحويل والتأويل

     - الحالة الثالثة: الرسالة الملعونة

     - الحالة الرابعة: الشاب الأبله

     - الحالة الخامسة: ماري والأنوثة المجهضة                          

 

4 - خاتمة

 

5 - مراجع 

 

 

 

 

1

تقديم

في فن التحليل النفسي

 

ثورات فكرية ثلاث هزة الإنسانية هزًّا وأسدت ضربات قسوى لتَجَبّرها وتعَنتها النرجسيين : فتلك أولا الثورة الكوبيرنيكية التي أنزلت الأرض درجات من مقام المركز بين السماوات. وبعدها ثانية الثورة الداروينية التي نزعت عن الإنسان تفوقه المُزعم والمفترى على سائر المخلوقات. وثالثا يأتي دور الثورة الفرويدية التي زعزعت ثقة الأنا العظامية بنفسه. فهذا الأنا الذي شد ما ادعى ويدعي بسيادته الواعية والمتعالية على كل أنماط وأشكال العطاءات الفكرية، هاهو ذا رقا لللاشعور، ذاك السيد الأجل والأعظم في دار الأفكار والأفعال والسلوكات الإنسانية؛ الطيب منها والخسيء، الرفيع منها والمتدني الشاذ منها والقويم.

 

إن اكتشاف فرويد لآليات اللاشعور وللقوانين التي تحركها وتنظم سيرها، فتح أبوابا ونوافذ جلى أمام الإنسانية، مكّنتها ومازالت تمكنها من تفقهٍ أعمق لمكوناتها الأنتروبولوجية ومن إدراك أدق لحوافزها النزوية، التدميرية منها والإبداعية، ومن استجلاء أفسح لإمكاناتها العقلية والفكرية. 

 

ومن ثم، فقد تبين إثر الإكتشاف الفرويدي بأن هذا الأنا العارف الذي يَتشدق به ويَستند عليه جل خبراء النفس والعقل والسلوك، التقليديون منهم والعصريون، كان ومازال وسيزال في مقام العبد المسود، يئن تحت سطوة اللاشعور الذى هو سيد الموقف في جل الأحوال والحالات. فلقد تبين بالفعل بأن اللاشعور هو الذي يسود ويقود هذا الأنا في أغلب توجهاته. إنه يتفنن في التأثير البالغ على وظائفه وما يرتبط بهذه الوظائف من عقل وذكاء وتفكير.

 

فمهما وصلت اليه المعارف العلمية من دقة وعمق، يُعلِّق عليهما خبراء السلوك آمالهم للتضييق عن مفعول اللاشعور وللتبخيس من قيمته، ومهما بلغته المنهجيات العلاجية التطويعية منها أو الإنضباطية من جدة وتقنية لإغفال تواجده أو لإبعاده أو لإغلال وتكبيل سيروراته، فاللاشعور يبقى دائما وأبدا أعوص من حساباتها وأبعد عن متناولها. إنه يمازحها مرة ويناورها أخرى ويوقع بها مرات في أفخاخٍ وزلاتٍ ينصبها لها فوران الدوافع النزوية وتتفنن في ترتيبها أو خلطها الرمزية الدلالية وفق قواعدها  المحدَّدة.

 

وهذا ما يدلنا عليه الخطاب الهستيري الذي علا ويعلو صوته في كل الرحاب والأزمان وإن عمل ويعمل المتزمتون، سواء كانوا دينيين أو علمويين، بكل ما يملكون من قوة على تكميم فمه وتكتيم صوته. فالخطاب الهستيري هذا، بشكاويه المتعددة وطلباته المتكررة الى حد التشنج، يعمل جاهدا على الرفع الى أعلى القمم بسطوة السادة، فِعلية كانت أم خوخاء وكذا على إعلاء معارف الخبراء، دامغة كانت أم جوفاء، ليُلقي بها ثانية أسفل سافلين. فتراه داهسا لها بقدمي المتعالي المتكبر، فلا سطوةُ السيد كيفما كان علو مرتبتها، هي كفيلة بضبط وترتيب الجانح من نزواته ولا معرفُة الخبير، مهما كان علو مستواها في سلم المعارف، هي قادرة على تفهم وفك رموز ما تعقَّد وأُلغز في سراديب لاشعوره. 

 

فعلى إثر هذا الإكتشاف تعمقت في جل أنحاء الأرض البحوث الإناسية والإجتماعية وتعددت أبعاد ومجالات العطاءات الأدبية والفنية وتجددت بكثير من الدقة والجدية، النظريات ومناهج التنقيب حول مسببات الإختلالات العقلية والإنحرافات السلوكية، فردية كانت أم جماعية. ولم يكن مثقفوا العالم العربي في تراجع عن الاستفادة والإستنارة بهذا الإكتشاف، بل إن جمعا من بينهم قد حذا في ذلك حذو جل مثقفي الأقطار التي استنارت بضيائه واستفادت برشده.

 

فمنذ زمن كتُبُ ومقالات عدة نشرت وفرضيات شتى من هذا المنظور طُرحت وعُرضت وفحاويها نوقشت في مختلف أنحاء العالم العربي من مشرقه الى مغربه. فحاول بعض المجتهدين العرب التقريب بين النظريات والمفاهيم التحليلنفسية وبين المعطيات الإناسية والثقافية للأقوام العربية الإسلامية وبعضهم حاول تطبيق المفاهيم التحليلية على ما سموه بالشخصية العربية لدراسة مختلف جوانبها وأنماط علاقاتها بأوساطها ومرجعياتها الحضارية. 

 

أما البعض الآخر، وهو من فريق الممارسين العياديين لهذا الفن، فلقد قصد الإستعانة بما قدمه هذا المنظور من جدي وجديد في تفهم وعلاج الإضطرابات النفسية. وهكذا ومن هذا المنحى بالضبط، فإن التحليل النفسي ليس محض منظومة فكرية. فهو ليس من باب الوقفات التأملية أو الشطحات الذهنية وإنما هو نتاج خبرة دؤوبة ملتصقة بالواقع الحي، واقع الإنسان الذي يئن تحت وطأة الإضطرابات والأمراض النفسبدنية التي لم يجد في غير التحليل النفسي سبيلا لإستتبابها وفك رموزها وحل تعقداتها واستكانة قروحها. لذا فضّلتُ في هذا الكتيب أن أعرض لبعض ملامح التحليل النفسي انطلاقا من الجانب المراسي والعلاجي فقط، متجنبا كل تلك التنظيرات والنقاشات الفكرية السجالية التي قد لا تؤدي في بعض الأحيان إلا الى التعتيم والإبهام بخصوص هذا الفن المراسي.

 

وهكذا فإني سأعمد هنا الى التعرض لبعض المفاهيم الأساسية للتحليل النفسي مثل مفهوم اللاشعور ومفهوم الكبت ومفهوم التحويل ومفهوم التأويل. إلا أنني لن أعرض لهذه المفاهيم إلا من خلال أمثلة حية ومن خلال حالات مرضية تم علاجها بعد تحليلها بهذا الفن المراسي. وسوف أستقي  أغلب الأمثلة من عمل فرويد بالذات إذ هو الذي فتح أمامنا أبواب هذا المراس وهو الذي قاد خطانا بدربه.




 

 

 

2

بين الكبت واللاشعور

 

 

التحليل النفسي إذن هو علاج يحد من آلام الاعراض المرَضية فيزيل من شدتها ويخفف من وطأتها، وهو في هذا المنحى لا يختلف عن سائر السبل العلاجية التي عرفتها البشرية في القديم والحاضر. إلا أنه وإن كان يبغي نفس المبتغى فإنه لا يسلك نفس مسالك مختلف العلاجات، إذ لا يكتفي فقط بالتأثير المباشر والفوقي على العرَض بتخفيض شدته أو بإزالته إذا أمكن. فالتحليل النفسي يصبو الى أكثر من ذلك حيث إن كل مجهود المحلِّل يصب في مساندة المريض على الإحاطة بهواماته اللاشعورية، المكبوت منها واللامكبوت، وما تغلفه وتغطيه من المواضيع الشبقية التي تم للمرء ابتغاءها والتشبث بها الى حد إتلاف ذاته في سراديب ومتاهات الإضطرابات والأمراض النفسية والجسدية الناجمة عن هذا التشبث المستميت.  

 

فهذه الهوامات اللاشعورية وما ترتكز حوله من مواضيع شبقية طفولية ثابتة  حتى التحجُّر، هي ما يكتسب الأهمية الكبرى في نشأة وتأصيل الإضطرابات النفسية من وجهة نظر التحليل النفسي. إنها هي التي تصيغ للعرَض النفسي مضمونه اللاواعي والملغِز وتصبغ عليه شكله العلني بما َيطبعه من ثبات وتصلب وتكرار  وهي التي تغذيه أيضا بالقيمة الزائدة من الألم المقرِح وماينتج عنه من متعة مؤلمة في آن. 

 

وبهذا المنحى فقد اقتفى فرويد طريقا مغايرا لكل زملائه، أطباء ومعالجين، الذين بقوا ومازالوا يتأرجحون بين الإيحاء والإفحام، بين الوعظ والوعد. فهم، في تغافلهم الدائب والمصر لأكتشاف فرويد هذا، لم ولن يتوانوا عن فتح أفواههم تجاه مرضاهم مرة بالأمر وأخرى بالنهي وثالثة بالعتاب ورابعة بالعقاب. واصدين بذلك أفواه هؤلاء المرضى ورافضين سماع أنين كِلمهم المكتوم في طيات كلامهم المُجهض والمقهور. وذلك أيضا حال كل خبراء السلوك الذين لا يتوانوا في استعمال الروائز والقياسات المتعددة المداخل والمتسلسلة المدارج والمتباينة الأشكال والبذائل كي يقتحموا قلعة المرؤوز الدفاعية فيسبروا بعلمهم التنجيمي عقرها ويُمْلوا مكنونها مجزءا ومُعلَّبا ومُرقَّما على مسامع مرضاهم الذين لا حول لهم ولا قوة.

 

في هذا القبيل تحضرني قصة ذاك الإختصاصي الأمريكي في القياس النفسي والذي خط رسالة الى فرويد عارضا عليه تقسيم الرغبة الى وحدات قياسية ومقترحا تسمية الوحدة منها بإسم فرويد، تكريما لهذا الأخير وإجلالا به وتقديرا لقيمة عطائه العلمي، على حد زعم هذا الإختصاصي. فما كان من فرويد إلا أن أجابه قائلا : "جازك الله خيرا زميلي الفاضل على هذا العرْض الطيب وإن كنتُ أنا بغير خبير بشؤون الفيزياء. فلك مني أفضل الشكر. إلا أنني أفضل أن أموت ورغبتي غير مقاسة ولا محصاة"[6].

 

فالفرق شاسع إذن بين هذا الإختصاصي النفسي أو ذاك المعالج السلوكي أو ذلك المكوِّن البيداغوجي من جهة وبين المحلل النفسي من جهة أخرى. فالأول يضع نفسه منصب العارف فعلا بما يجب فِعله حتى يتم إعفاء المريض من تفاقم سلوكه أو اختلال ذهنه، فنرى هذا المتخصص تارة يأمر مريضه وتارة يصده عن هذا السلوك أو ذاك التفكير. أما المحلل النفسي فهو يعمل جاهدا على عدم تجاوز مكانة المفتَرَض فيه عارف. فهو بالفعل، وإن كان قد حصل على علم وافر ودقيق وعميق في مجال تخصصه وكذا في مختلف المجالات العلمية المتاخمة لهذا التخصص، فإنه مع ذلك غير عارف البتة بما قد يدور في خَلد مخاطبه وما يخالج وجدان مريضه بخصوص التجارب الحياتية التي غذت أعراضه، سلوكية كانت أم ذهنية، وبخصوص الدَوال اللغوية التي فصَّلت وحاكت ألبسة هذه الأعراض.

 

لم يتوصل فرويد الى هذا الإكتشاف وهذه الحقيقة الجلى إلا بعد جهد وفير من الإجتهاد الفكري والأستبطان الذاتي والعمل العيادي، وبالأخص، عندما أمرته إحدى مريضاته المسماة إيمي فون ن. خلال إحدى الجلسات العلاجية الماقبل تحليلنفسية والتي كانت ماتزال ترتكز على التنويم والإيحاء ـ بالإمساك عن كثرة الكلام، راجية منه الإنصات قدر المستطاع الى ما تود الإباحة به بدون انقطاع. آنذاك اعترف فريد، بكل التواضع المعهود له، بأنه تلقى هاهنا الدرس الذي غير مجرى حياته العلمية والعملية. فأصبح بعد ذلك يلجم فمه أكثر من حين وينصت أكثر مما يتفوه، متأهبا لإستقبال كلام مرضاه المباح، كلاما يسترسل بين داله ومدلوله في تسلسلهما الدائب.



- الحالة الأولى : بكارة لم تفض...

 

إمرأة في الثلاثين من عمره [p. , 3]، متزوجة منذ عشر سنوات. جاءت الى عيادة فرويد الخاصة مشتكية من اضطرابات نفسية متعددة ومختلفة. فكان من بين الوساوس البالغة الحدة التي كانت تشتكي منها هذه السيدة، وسواس قهري يتلخص فحواه في اضطرارها الى التنقل مرات ومرات يوميا من غرفة النوم الى وسط المنزل، لتنادي خادمتها للمثول تواً، وعند حضور هذه الاخيرة، تأمرها السيدة بالإنصراف، سواء أمرتها او لم تأمرها بخدمة معينة. مرت سنوات وهذا الوسواس لا يفارقها بل وتشتد قسوته عليها ويحكم قبضته على تصرفاتها، فينغص عليها أيامها ويجعلها غير قادرة على الانخراط في أي حياة اجتماعية تتطلب منها التفرغ للآخرين والتواجد بينهم والمؤانسة بهم. 

 

حكت هذه السيدة على مسامع فرويد فصائل هذا الوسواس وما يترتب لديها عنه من معاناة. كان فرويد يصغى الى سردها المتوالي ويحثها على الاسترسال في بسط معالم وحيثيات هذا السلوك الذي يقتحم حياتها الرغدة فيقلبها جحيما. كانت فعلا قادرة كل القدرة على الوصف الدقيق والشفاف لما يعتورها من منغصات ذهنية وسلوكية، لكن التعرف على أسباب ومنابع هذه المنغصات المؤلمة لم يكن قط في إمكانها ولا بمتناولها. كانت ترى وتعي ما يصدر منها من سلوك قهري ومن تفكير قسري لكنها كانت أبعد من أن تفهم كنههما او التعديل فيهما.

 

فرويد نفسه، رغم خبرته الطويلة وعلمه الشاسع في مجال خبايا النفس الإنسانية، لم يكن ليعرف المسببات الفعلية لهذا العرَض بالذات ما لم تُطلعه على ذلك المرأة نفسها. وهكذا لا أحد منهما بقادر على الإدلاء مباشرة بالمصدر الحقيقي لهذا المرض. إلا أن عدم المعرفة المباشرة هذه ليست إلا بداية التحليل الذي ستقوم به السيدة نفسها برفقة فرويد وبمساعدته. فالتحليل النفسي هو الذي سيمكن السيدة من استقصاء المضامين والسيرورات اللاشعورية التي أفرزت سلوكها القهري الذي كبَّل حرية تصرفاتها.

 

فما هو ياترى هذا التحليل الذي سيعزم فرويد على تطبيقه ؟ وما هي الوسيلة التي سيتعمدها لذلك؟  ليس بيد فرويد من وسيلة سوى حث المرأة للإدلاء بكل ما يجول بخاطرها. فهو لا يتوانى عن طرح السؤال تلو الاخر حتى يتسنى للسيدة الإحاطة مرات ومرات بكل ما قد يتعلق بهذا المرض. إستمر الأمر على هذه الوتيرة الى أن تمكن فريد، خلال إحدى الجلسات، من مساعدة مريضته على التخلي عن شعور دفين بالذنب يعمل على تأنيب ضميرها وتوبيخه كلما حاولت البوح بأشياء تمُتُّ بصلة بهذ المرض الذي يكدر صفو حياتها. أثناءها تمكنت المريضة من استعادة ذاكريات كانت قد نسيتها كلية. فهكذا رجعت الى ذاكرتها حادثة سقطت في طي النسيان، وقعت منذ عشر سنوات خلت وهي حادثة تتعلق بليلة زفافها.

 

لا بد من وقفة قصيرة هنا للتذكير بأن فرويد لم يتسارع، على غرار أطباء الامراض العقلية والاختصاصيين النفسانيين كافة، الى إعطاء المريضة تفسيرات جاهزة أو تأويلات مسبقة بخصوص ما يعتورها من مرض. إنه كمحلل نفساني يعلم كل العلم، ولا يفتأ بالاقرار كلما سنحت له الفرصة بذلك، أن لاعلم له مسبقا بمكنون المرض ولا معرفة له إلا بما يطلعه به المريض من أفكار وتداعيات وذكريات. فالمريض بهذا المعنى في مقام العارِف قولا وفعلا وليس فرويد بتاتا. أما هذا الاخير، فحضوره وتدخلاته، الصامت منها أو الناطق، ما لهما من فائدة إلا في مساعدة المريض على توليد ما يُكِنه من معرفة يَختفي مكنونها حتى الان عليهما سويا، نظرا لقبوع مضمون هذه المعرفة في غياهب اللاشعور.

 

ههنا فقط، تمكنت المرأة بالإجهار لفرويد بما جرى في هذه الليلة. فماذا حدث ياترى ؟ لنستمع الى ما حدّثَت به فرويد بعد التذكر : كان زوجها رجل مُسِن وعمره يتجاوز سنها بكثير. أما هي فلم تكن فقط في مقتبل العمر، بل كانت عذراء أيضاً. وكان من تقاليد أهل النمسا أنذاك، كما هو عليه الحال حتى اليوم في بلداننا التي مازالت معظم نواحيها محكومة بالتقاليد والأعراف، أن يدخل الزوج على زوجته ليلة الزفاف ويفض بكارتها. لكن الزوج لم يتمكن أثناء محاولته الاولى من تحقيق هذا الواجب، فأمسى من اللازم عليه أن يعاود العملية كي يتحقق قصدُه ويهدأ بالُه. فكان بعد كل محاولة فاشلة يمشى من غرفة النوم الى غرفة مجاورة، ثم يرجع الي غرفة النوم لتكرار المحاولة، وهكذا دواليك مرات ومرات بدون جدوى. 

 

فلما أدركه الصباح، تبين له تحت نوره الساطع سوء حاله وقال لزوجته : "ياويلتاه ! ماذا سيكون رد فعل الخادمة عندما تأتي لاستبدال أغطية السرير فلا تجد أثراً لدم ينم عن فض البكارة ؟" فاسرع لِلتًو لفتح خزانة وأخرج منها قنينة مليئة بالحبر الأحمر. فتح القنينة ورشّ قطرات من الحبر على الفراش حتى يتسنى للخادمة عندما تأتي، أن ترى ما يثبت نجاح العملية وبهذا يكون قد غسل عاره وطمأن نفسه وبرأها من عواقب الصدمة النرجسية المحتملة والمتوقعة.

 

إلا أنه حدث ما لم يكن في الحسبان. فالرجل، بتسرعه ووجله، رش قطرات الحبر في غير المكان اللائق بها من الفراش، الشيء الذي لم يغب عن فاطنة الزوجة إذ انها بَصَرت، ولو ببصيرة لاشعورية، ماغاب عن نظر زوجها الذي لم يكن يهمه في الامر سوى الإسراع في ستْر فضيحته عن القيل والقال واتقاء ما قد ينجم جراءها من إذلال وتحقير نرجسيين لشخصه. 

 

ريثما انتهت المرأة من قص فصائل هذه الحادثة التي طفت على سطح ذاكرتها بفضل تشجيع فرويد لها وحثها على البوح بكل ما يخطر ببالها، تبين لها ان سلوكها القهري المؤلم إنما هو مجرد إعادة لسلوك زوجها ليلة الزفاف. وفضلا عن ذلك، إتضح لها أن سلوكها المَرضي لا يكتفي فقط بنسخ سلوك زوجها الفاشل نقطة نقطة ولا ينحصر على تتبعه خطوة خطوة وإنما يعمل على تكراره قهرا الى ما لانهاية رغم ما يكلفها هذا التكرار القهري من جهد وعناء وألم يصعب تحمله.

 

لكن لمذا ياترى هي التي ورثت، الى حد المرض والمعاناة، سلوك زوجها الفاشل ليلة زفافها ؟ أليس هو الذي، حقا وصدقا، إفتقد القدرة على إنجاز واجبه الزوجي تجاه زوجته الشابة ؟ فلماذا إذن هي التي أصيبت بمرض الوسواس القهري عوض زوجها صاحب السلوك الخائب والمعيب ليلتها. بتعبير آخر، إذا كان هنالك من يُنتظر منه الخِزي والإحساس بالذنْب الى حد المرض فما هو إلا الزوج الفاشل جنسيا بالذات وليست المرأة الفتية التي تنعم بعِزّ شبابها.

 

إنه لغز محيٌر حقا ويعجز عن فهمه كل من لا يأخذ بحسبانه واقع اللاشعور والآليات النفسية البالغة التركيب والتعقيد والتي يسخرها هذا اللاشعور في ابتداع مثل هذه الظواهر والمعطيات التي غالبا ما تبدو في أشد التعقيد والغرابة والتي يعمل التحليل النفسي على فك رموزها واستجلاء آلياتها.

 

فمن خلال ما سمعه فرويد من أقوال مريضته، تبين له بأن هذه الأخيرة أثناء تنقلها القهري والمزمن من غرفة نومها الى الكوريدور، بأنها لا تتوقف بشكل عفوي وإنما تقف في مكان معين ومضبوط بحيث أن الخادمة عندما تأتي تلبية لنداءها، لن تلبث أن تجد نفسها لامحالة قبالة بقعة حمراء مرسومة على الزربية التي تتوسط الكوريدور والتي تفصل بينهما. فما هي وظيفة هذه البقعة الحمراء ياترى في لاشعور السيدة وما قيمتها حتى تحتل هذه المكانة بدون وعي منها في تصرفها المرَضي ومن دون وعي منها؟ ان هذا لَكُنه اللغز. فهذا التصرف القهري هدفه الاساسي أن يجعل من هذه البقعة الحمراء، بدون وعي ولا إرادة من السيدة، موضع نظر الخادمة كلما أتت لتلبية نداء سيدتها اللمتناهي. بهذه الطريقة الملتوية والمضنية واللاواعية تكون السيدة قد أفلحت الى حد ما من جعل الخادمة مقتنعة بأن البقعة الحمراء أمامهما هي فعلا في محلها و ليس في مكان غير لائق بها كما حدث للزوج عندما رش الحبر الأحمر وبكل تسرع في غير محله من الفراش. فهكذا تكون السيدة قد نجحت في إيهام نفسها مَرضيا بأن الخادمة ستقتنع كل الإقتناع بأن قطرات الحبر الأحمر التي رمى بها زوجها من زمان في غير المكان اللائق بها فوق الفراش ليلة زفافها، هي قطرات دم فك البكارة حقا وصدقا.

 

فبواسطة تصرفها القهري هذا، كانت السيدة تسعى جاهدة، كل يوم وبعناء شديد، الي إصلاح ما أخطأه زوجها ليلة واحدة. إنها اختارت لاشعوريا تحمل أصعب المضايقات السلوكية وأعنف الإرتباكات الفكرية وأشد التوترات الوجدانية من أجل ماذا؟ من أجل التخفيف عن زوجها أولا مَذلة الضعف الجنسي الذي بدا عنه أثناء فشله الذريع في تحقيق قدرته الرجولية ومن أجل تصحيح غلطته ثانيا حينما رشّ قطرات الحبر الأحمر في غير محلها مما قد يسبب من خدش في أنانيته و تقليل من اعتزازه بنفسه إذا ما علمت الخادمة بكل هذه اللعبة التي كلَّفت الكثير وأجدت أقل القليل.

 

أما هي، فعوض أن تنتفض على هذه الوضعية المزرية فإنها لم تطالب بالطلاق أبدا ثم إنها بقيت قابعة في عقر دارها حتى تتجنب أي مناسبة قد تفسح لها المجال للإلتقاء برجل قد يفتتن بشبابها وحسنها فيراودها عن نفسها. والأكثر من ذلك أنها واصلت، بسلوكلتها اليومية وتصرفاتها الإجتماعية، العمل كل ما في وسعها من أجل الذود على كرامة زوجها والحفاظ له على مكانة تحميه من كل افتراء يمس بمقامه وباعتزازه بنفسه.  

 

إلا أن استمرار تحليلها النفسي، مكن هذه السيدة من التعرف على الآلية التي جعلتها تحذو هذا النحو رغم أنفها. لقد مكنها من التبصر بأن مجمل سلوكها يسير في المسار المخالف لرغبتها الحقة في تحقيق ذاتها. فلقد تمكنت من التحقق بأن كل ما قامت وتقوم به نيابة ودفاعا عن زوجها لا تقوم به من أجلها هي كامرأة ولا حتى من أجله هو ذاته وإنما تفعله من أجل الرجل الذي احتلت هي محله لاشعوريا. بمعنى آخر، إنها فعلت وتفعل كل ذلك وهي متوحدة لاشعوريا بزوجها. إنها تقمصت لاشعوريا شخص زوجها فاحتلت مكانه وأخذت تتصرف من خلال عرَضها الوسواسي وكأنها هي هو. إن توحدها اللاشعوري بالزوج، جعل حالها يقول من خلال العرض وفي حضرة الخادمة : "ألا ترين ! إنه غير عاجز جنسيا."   

 

 

- الحالة الثانية : ... وبكارة يرجى ويخشى فضها

 

وفي نفس المقام [p. , 3]، يطلعنا فريد أيضا على حالة فتاة شابة في التاسعة عشرة من عمرها، وحيدة لأبويها.  تتمتع بجمال وبذكاء عاليين. وقد تتفوق على أبويها بفطنتها الحادة وبمحصولها الثقافي. منذ صغرها كانت تتميز بطبع يغلب عليه التوحش والكبرياء ومنذ سنوات إنتابها اضطراب نفسي لا مسبب له في واقعها اليومي. فقد أصبحت لا تتوانى في الإفصاح عن تضايقها الشديد تجاه أمها بشكل خاص. كذلك تبدو عليها ملامح الكآبة ويغلب عليها الارتياب والشك، زد على ذلك كونها أصبحت تجد مشقة كبيرة ودائمة في اجتياز الساحات الفسيحة والشوارع العريضة.

 

إنها فعلا تعاني من اضطراب نفسي متعدد السمات و متشعب الأعراض مما يجعل تشخيصه معقدا ومُرَكبا بحيث أنه من بعض جوانبه يوحي بالوسواس القهري ومن أخرى بالخواف ومن ثالثة بالهيستيريا. ونظرا لهذا التشعب الذي لا يزيد العمل الكلينيكي إلا تعقيدا ولا يزيد التوضيح البيداغوجي إلا إرباكا وتعتيما، فإن فرويد أرتآى من الأفضل الاقتصار والتركيز على جانب واحد من هذا المرض المتشعب وعلى إبراز خطوات العمل التحليلي الذي سيقوم به حيال هذا المرض مما يجعل المستمع او القارئ قادرا على استيعاب ما للتحليل النفسي من كفاءة ليس فقط لاستبطان مكنون أي اضطراب نفسي بل للحد من الضرر الذي يخلفه في حياة الفرد وذويه.

 

فهذا الجانب من المرض النفسي الذي تعاني منه الفتاة والذي سيركز عليه فرويد في عرضه، يتمثل في سلوك قهري مزمن ينغص أيام وليالي كل من الفتاة ووالديها على حد سواء. يتلخص هذا السلوك المرضي في عادة غريبة ومضنية تشغل بال وسلوك الفتاة لحظة استعدادها للنوم.

 

فهي من ناحية، تعمل على ترتيب او إبعاد كل ما يُفترض أنه يحدث صداعا في غرفتها ويسبب اضطرابا في نومها. فعند استعدادها للنوم فإنها تنكب أولا على إخراج كل الساعات، الحائطية منها أو اليدوية، كبيرة كانت او صغيرة. وهي ثانيا تتسارع الى وضع كل الأواني المتواجدة في الغرفة، فخارية أم طينية، فوق مكتبها حتى لايصيبها انكسار فتُحدِث ضجة قد تسلب منها نومها. ومن ناحية أخرى فإنها، ثالثا، تحرص على إبقاء الباب الذي يفصل بين غرفتها وغرفة نوم أبويها مفتوحا طوال الليل. وعندما تتأهب الفتاة لولوج فراشها، تعمد، رابعا، على إدخال بعض التعديلات عليه، قد تبدو لها لازمة وضرورية كي يحصل لها النوم. من بين هذه التعديلات، تسهر الفتاة على ألا تمس الوسادة الكبيرة أبدا خشب رأس السرير وأن تأخذ الوسادة الصغيرة شكل المُعَيّن فوق الوسادة الكبيرة ثم تضع رأسها صوب القُطر الطولي للوسادة الصغيرة. وأخيرا تعمل على هز غطاء الريش هزاً حتى ينسحب محتواه من أعلاه الى اسفل مكوِّنا بذلك انتفاخا ملحوظا في جزئه الأدنى ثم بعد ذلك تقوم ببسط ما تم تَكوٌمه من ريش في أسفل الغطاء، وهلمّ جرّا. 

 

كل هذه العمليات مفادها كما تدعيه الفتاة، إعانتها على النوم. إلا أنها، كما يمكن ملاحظته، أفعالا متعددة ومعقدة والبعض منها يتطلب جهدا ودقة مما يجعلها غير مساعِدة البته في إعداد ظروف مسهّلة للنوم. زد على ذلك أن كل هذه الأفعال تتسم بطابع قسري، إذ تجد الفتاة نفسها مضطرة الى معاودة تطبيقها بحذافرها كل ليلة. بل إنها تكون مضطرة إلى إعادة كل فعل من هذه الأفعال مرات ومرات في الليلة الواحدة، بسبب ما يعتورها من شكوك وسواسية تجاهها. إنها أفعال قسرية ومضنية حقا وفي وسعها أن تٌجهد وتقلق الفتاة وأبويها بدل أن تمكن الجميع من النوم الهادئ والمريح. 

 

هذا هو محتوى الوسواس الذي كانت تقاسي منه هذه الفتاة صاحبة الذكاء الفائق والذي كدر عليها وعلى أبويها صفوة الحياة الرغدة التي كانت في متناولهم لولاه. فهذا السلوك القهري، وإن كان واضحا في مظهره فإنه غامض في كنهه. يمكن للفتاة أن تَذكر بكل دقة ما تقوم به من أفعال، واحدا واحدا، إلا أنها غير قادرة على استبيان ما يدفعها الى ذلك. إنها تقوم كل يوم وطوال ساعات بهذه الافعال القهرية وليس في إمكانها أبدا الحد منها ولا حتى التوقف على مبرراتها واستتباب فحاويها الحقيقية. ذلك أن عملية الكبت توفقت، من ناحية، في فك أواصر الصلة بين هذا السلوك القهري كما يبدو للعيان وبين أسبابه ومعانيه الدفينة في غياهب اللاشعور. ثم إنها توفقت أيضاً من ناحية أخرى في تفكيك الروابط بين مختلف الأفعال المكونة لهذا السلوك الشاذ بمجمله بحيث أصبحت هذه الأفعال المتعددة وكأن لا علاقة فيما بينها إلا ما تعمدته الفتاة من تبريرات بَعدية واهية ولا تصمد بتاتا أمام البرهان العقلي. 

 

ففي كل جلسة من الجلسات التي تطلبها التحليل النفسي كانت الفتاة تُطلِع فرويد على كل ما يتبادر الى ذهنها من ذكريات وأفكار، سواء كانت تمُتٌ بصلة لهذا السلوك الشاذ أم لا. وخلال حديثها المسترسل والغير المُقَيد، تمكنت من الوقوف على بعض الذكريات والأفكار المترابطة حينا والمتفرقة أحيانا أخرى والتي تتعلق كلها بشكل أو بآخر بهذا الفعل القهري أو ذاك أو ببعضها أو بكلها جميعا. 

 

ففيما يخص إبعاد جميع الساعات خارج غرفة النوم تفاديا كل إزعاج قد يصدر من دقاتها المتتالية فيوقظها، تمكنت الفتاة خلال تداعياتها من التنبه الى أن تخوفها الخفي والحقيقي يرتبط حقا بدقات بظرها عند انتعاظه وسط الليل. فدقات البظر المتواترة أثناء انتعاظه نتيجة التهيج الجنسي الذي يحصل لها ليلا، إنقلبت في السلوك القهري إلى دقات الساعة التي يمكن إزاحتها وبذلك قد يرجع الحال الى نصابه فتستمر في نومها بدون تهيج ولا حرج.

 

أما فيما يخص مسألة جمع كل الأواني المتواجدة في الغرفة فوق المكتب حتى لا تُحدث ضجة لحظة سقوهطا أو تصادمها، فقد تمكنت الفتاة أول الأمر من استرجاع ذكرى حادثة وقعت لها أثناء طفولتها. كانت الفتاة صغيرة وكانت تحمل آنية من زجاج أو من فخار. أثناءها سقطت أرضا فجُرح أحد أصابعها وسال منه دم غزير. ولما كبرت وتواصل الى مسامعها بعض من التفاصيل عن الحياة الجنسية، أصبحت مشغولة البال حتى الهوس فيما من خوفها ألا ينزف منها دم ليلة زفافها. فلقد خامرتها فكرة أن إمكانية عدم النزيف هذه قد تدفع لا محالة بمن سيتزوجها الى التشكيك في كونها بِكرا وبأن بكارتها قد فُضت ربما بسواه في ليلة سابقة لليلة الزفاف. وعلى هذا المنوال، فلقد تبين لها بأن كل احتياطاتها ضد سقوط وتهشم الأواني ماهي في الواقع إلا تعبير مُحرَّف وملَثم لما يعتورها من أحاسيس متناقضة تتعلق في آن واحد برغباتها في إشباع دوافعها الجنسية من ناحية وبتخوفها وخشيتها من سيلان الدم إثر فقدان البكارة من ناحية أخرى.

 

بعد ذلك، وفي جلسة من الجلسات المتتالية، توقفت الفتاة فجأة وبكل تلقائية على الدلالة المحورية التي يدور حولها كل سلوكها القهري. ذلك أنها تمكنت من استجلاء الواعز الذي يدفعها قسريا الى إبعاد الوسادة عن اللوح العمودي بمقدمة الفراش. فلقد استبان لها أنها تصر بذلك الفعل على الفصل بين الذكر الذي يرمز اليه اللوح العمودي الشكل وبين الأنثى متمثلة في الوسادة. إنها بذلك تُلح على نيتها ورغبتها الدفينتين في الفصل بين أبويها وإبعاد أحدهما عن الاخر ليلا حتى لاتحصل بينهما أية علاقة جنسية. إلا أن هذا السلوك القهري والملغز لم يظهر بين عشية وضحاها، بل إنه امتداد لسلوك فِعلي كانت تقوم به الفتاة سابقا للفصل بين أبويها حيث كانت تقتحم غرفة نومهما ليلا فتنام بينهما وبذلك تعوق فعليا إمكانية أية علاقة جنسية بينهما. بل إنها توصلت الى أكثر من ذلك حيث أنها تمكنت، وهي ما تزال في نعومة أظافرها،  من إجبار أمها على إخلاء مكانها في السرير الزوجي لصالحها هي بالذات وبهذا تكون قد نجحت في الحلول محل أمها في حِجْر أبيها.

 

إلا أن هذه الوضعية ليست بالسهلة، ولا يمكن تحملها نفسيا بكل بساطة مع مر الزمن وإلا فإن الفتاة تبقى هكذا سجينة العلاقة الحميمية بين والديها. فهي كانت تتوق بكل جوارحها الى التفرد بأبيها مما يجعلها تُكن الكره والحقد لأمها إلا أنها وفي نفس الوقت، تخشى العواقب الوخيمة التي قد تنجم لامحالة عن رغبتها الجنسية تجاه أبيها ما لم يتم الحد منها. ومما يزيد هذه الوضعية تعقيدا وإلباسا أكثر - كما يبدو من خلال أحد سلوكاتها القهرية المتمثل في الوضع المتميز لرأسها فوق الوسادة الصغيرة وكأنه ذكر يستعد لولوج فرج متأهب لاستقباله - فإنها أيضا تتقمص لاشعوريا مكانة أبيها وتتماهى به إلى حد يصبح فيه رأسها بل وجسدها كله بمثابة ذَكَره هو وهو يلج فرْج أمها.

 

وهكذا بات فرويد يلاحظ أنه كلما استرسلت الفتاة في كلامها الطليق، كلما قلت شدة سلوكها المرَضي. فمن خلال كل هذه التداعيات الحرة التي عرضتها على محك مسامع فرويد، تمكنت الفتاة، رويدا رويدا، من التقليل في حدة القلق الذي تعاني منه وما يترتب عنه من سلوكات قهرية. ثم أنها في الاخير تخلصت من كل ذلك الى حيث لا رِجعة فيه وكل ذلك في فترة ليست بالطويلة في مسار تحليلها النفسي الذي بقي مستمرا مع فرويد للبث في مرافق أخرى من شخصيتها المرتابة.

   

 

 

3

بين التحويل والتأويل

                

لقد عرف فرويد التحليل النفسي بأنه أولا سبيل لسبر واستجلاء السيرورات والدوافع اللاشعورية، وهو ثانيا طريقة لعلاج الإضطرابات النفسية لا يتم افلاحها إلا بإعتماد وتتبع هذا السبر والإستجلاء للسيرورات اللاشعورية، وهو ثالثا جهاز مفاهيمي يُمَكن من تأطير المعطيات العيادية تأطيرا محكما ويمكن من تسيير الممارسة التحليلية تسييرا دقيقا ورزينا.

 

فالرغبة هذه هي في فوران دائم كالبركان، تخمد تارة وتئز مرات، متحدية ومتجاوزة للعلاجات المنجزة والمعدة سبقا، سواء كانت دوائية وما ينجم عنها من رفع أو خفض للنبضات المخية، وسواء كانت تلك النصائح المتعالية والمبثوثة من أعلى المنابر، دينية كانت أم علموية، إذ تقصد غفيرالناس ولا تسدي نفعا لفرد بالذات، وسواء كانت روائز قياسية أو إسقاطية مجهزة للتنبؤ بالقفزات الشيطانية للعفاريت النزوية وسواء كانت برامج علاجية مختبرية، سلوكية أم بيداغوجية، مقولبة أصلا حول نماذج من سلوكات الكلاب والفئران.

 

إن هذا التعريف الذي أسداه فرويد للتحليل النفسي يرتكز على أبعاد ثلاثة يمكن تشبيهها، إن صح القول، بحلقات ثلاث مشدودة ومربوطة فيما بينها بواسطة حلقة رابعة لامناص منها. أنها رغبة المحلل النفسي في استرسال الإكتشاف الفرويدي واعادة تجريب فعاليته لدى كل فرد يود الإستعانة به لإستجلائه حقيقة رغبته المطمورة تحت رواسب وترسانات الدوافع اللاشعورية وما ينجم عن ذلك من اضطرابات وآلام. إن رغبة المحلل النفسي التي تم إبرازها وتنقيتها وشحذها عبر تحليله النفسي لذاته بمعونة محلل متمرس، هي التي ستشد شدا جوانب التحليل النفسي بما فيها من بحث منهجي دقيق ومن علاج فعال ومن تنظير محكم وهي التي ستعطيه قيمته الحقة المرتكزة على قول المتحلِّل الصائب المتكئ على إنصات المحلِّل الدائب.

 

 

 





 

- الحالة الثالثة: الرسالة الملعونة

 

سيدة في الثالثة والخمسين من عمرها. (فرويد، محاضرات في التحليل) تتمتع بقسط وفير من الحسن واللياقة. متزوجة منذ أكثر من ثلاثين سنة بزوج غني يعاملها بكل لطف وحنان، ويسعى بكل ما وسعه لاسعادها. لهما إبن وإبنة هما أيضاً متزجان وينعمان بالسعادة والطمأنينة العائلية.

 

فكل شيئ على أحسن مايرام إذن. إلا أنه رغم هذه الرفاهية وهذه الحياة السعيدة التي تحظى بها والتي لم تشُبها شائبة حتى الان، فإن هذه السيدة بدأت تشتكي منذ سنة باضطراب نفسي تقاسي منه الشديد من المعاناة والحاد من الألم. فهكذا تَكدّر مزاجها وأصبح غليظا فجّا بعد أن كان ليّنا سمحا. وتكدرت بذلك أيضا الحياة الأسرية بكاملها حيث انقلبت الى جحيم بعد أن كانت تنعم بالعيش الرغد. 

 

فما سبب ذلك ياترى؟ في أحد أيام الله، توصلت السيدة برسالة غير موقعة تومئ بأن زوجها قد اتخذ لنفسه عشيقة من بين عاملات المعمل الذي يقوم بإدارته. فمنذ ذلك الحين ووسواس خيانة زوجها لا تبرحها ليل نهار. إن فكرة كون زوجها يخونها مع شابة من بنات معمله باتت لا تفارق ذهنها ولو لوهلة، فأصبحت لا تفتأ بشتم زوجها ومآخذته بكل قسوة على خيانته نحوها. أما زوجها فقد استسرع كلا من طبيب الاسرة وطبيب المعمل، إلا أن توسطهما لم يُجد فتيلا. ورغم تحمله الكثير من شتائم زوجته فأن الرجل لم يَضق صدره بها رغم أنها تتهمه بما لم يَرتكب وتُحمله بما قد لا يطيق تَحمله. 

 

وبعد تحري بسيط تبين لها وللجميع بأن ما جاء في الرسالة إنما هو محض افتراء وأن زوجها بريئ كل البراءة. والأكثر من ذلك فإنها تمكنت من التحقق بأن صاحبة الرسالة المتسترة إن هي إلا خادمتها وليس غير. وتأكد لها أيضاً أن قصد الخادمة من خلال هذه الرسالة ليس هو الإساءة اليها بالذات وإنما الإساءة لزميلة لها حيث اتهمتها كذِبا وافتراءا بكونها عشيقة الزوج.

 

إن الخادمة وهذه الفتاة كانتا زميلتين خلال فترة دراستهما الابتدائية. إلا أن الحظ ساعف الزميلة في إتمام دراستها الثانوية. وبَعد فترة من التحاقها كأجيرة في معمل زوج السيدة، تمت ترقيتها للإتحاق بسكريتارية المعمل، الشيء الذي رفع من سمعتها وأعلى من قيمتها داخل المعمل وخارجه. فهذا ما لم تتحمله كاتبة الرسالة التي لم تتعدّ رتبة خادمة في منزل السيدة وأصبحت تُكن لزميلتها التي نالت حظا من التفوق، حقدا وكراهية لا حد لهما الى درجة ابتكار هذه التهمة المزعومة، كي تنال من سمعتها وتحط من قيمتها.   

 

فنظرا لكل هذه الإستكشافات، وحتى تعود الأمور الى نصابها، تَم طرد الخادمة المفترية من شغلها، اقتصاصا منها لفعلتها الشنيئة وكذلك تم إبقاء الفتاة البريئة في منصبها بإدارة المصنع. لكن ورغم كل هذه التحريات التي أفشلت افتراء خادمتها الدنيئة وأبانت لها براءة زوجها التامة، فإن السيدة بقيت تقاسي الأمَرين من وسواسها الذي لا يبرحها فتعاودها النّوبة تلو الاخرى وكأنها بوسواسها هذا، وبرغم ما يخلق لها من معانات وما يحدث لها من ألم، تُصر على نفي ورفض الحقائق الواقعية التي لا يمكن بعدُ الطعن فيها.

 

إلا أن شخصية السيدة باتت منقسمة الى شقين : فهي عندما تستعمل عقلها في تدبر ما جرى لها، لا يعتورها شك في أن ما حدث إن هو إلا محض ادعاء من خادمتها ليس له أساس من الصحة. وفي أحيان أخرى، لا تتوانى عن أن تضرب عرض الحائط بما يبرهن لها به عقلها لتستسلم لما يمليه عليها وسواسها المعبّر القوي والأمين عن مكبوتها اللاشعوري.

 

فهذا المكبوت سيلعب أدورا مهمة ومتعددة في مختلف مستويات وسواس هذه السيدة :

 

- فهو أولا يلعب الدور الاساسي إن لم نقل الوحيد في تكوين وبناء هذا التفكير الوسواسي لديها. فلقد تمكن فرويد، خلال استماعه لحديث المريضة، من التقاط بعض الإيماءات اللفظية والتعبيرية التي دلته على النواة اللاشعورية لهذا التفكير المرَضي. فلقد تبين لفرويد في آخر المطاف بأن المرأة كانت تعشق زوج ابنتها ونظرا للتحريم الشديد الذي يخضع له هذا النوع من العشق، فإنها كانت مضطرة الى إبعاد هذا الإحساس ومحوه من سجّل رغباتها.

 

وبما أنها لم تتمكن فعلاً من ذلك، فلقد اضطرت الى كتمانه على الاقل. إلا أن ما بقي لديها في سِر الكتمان، مافتئ يرهق أيامها ويؤرق لياليها ويثقل كاهلها، فأصبح يلجم لسانها ويربك فكرها. فلم يبق لها إلا انتجاع وسيلة تمكنها من الإفلات منه وإن كانت هذه الوسيلة عظيمة الكلفة وباهضة الثمن. فما من كلفة أكبر وما من ثمن أغلى من الجهد المضني الذي تبذله هذه السيدة ليل نهار وعلى مدى شهور بل وسنوات، للتغلب على عذاب هذا الوسواس القهار الذي أرسى سطوته على كل من ذاكرتها وتفكيرها وأحاسيسها؟

 

فلَم يتوان لاشعورها في مآزرتها ومساعدتها على ابتداع هذه الوسيلة وذلك وفق تركيبتها النفسية. فلقد لجأت، بدون وعي منها طبعا، الى عمليتين لاشعوريتين سمّى فرويد الأولى إبعادًا والثانية إسقاطًا. الاولى تعمل على إبعاد الفكرة او الصفة المشينة عن الذات والثانية تعمل على إلساق نفس الفكرة او الصفة بشخص أخر. فما أكثر ما يتم اللجوء بصفة عفوية في الحياة اليومية الى هذه الآلية المزدوجة، حتى يتم إبعاد غالبية الأفكار أو الصفات أو التصرفات أو المواقف التي قد يصعب على الفرد تحمل مغبتها لوحده أمام الآخرين وحتى في قرارة نفسه.

 

إن هذه الآلية بالذات تفعل فعلها لدى السيدة فتنتصب مِحورَ وركيزة عَرَضها الوسواسي. ولكي تُزيل السيدة من على كتفيها ثِقل إحساسها بالذنْب تجاه زوجها، ما وجدت من حيلة إلا أن تفرغ هذا الإحساس على كتفي زوجها نفسه. فهكذا يصبح هو الخائن وهي البريئة. إلا أن هذا الحل، وإن كان مُحبَّذا لدى السيدة ومُرحَّبا به من طرفها، فثمنه المرض على كل حال. وهو إن كان قد ابتُكر للتخفيف من حدة القلق الناجم عن تضخم الإحساس بالذنْب لديها، ماكان ذلك إلا بإرساء العرض الوسواسي محله في آخر المطاف. فالعرَض أو المرض النفسي، كما يبدو هنا، وظيفته إيجاد بدائل ووساط وإن كانت باهضة الثمن، لما لا يمكن لأي نفس تحمله البتة والمتمثل في القلق الخانق الناجم عن أحاسيس الذنْب المكبٌوتة.

 

- ومن ناحية اخرى فإن هذا المكبوت لدى هذه السيدة سيبذل كل ما في وسعه للدفاع عن هذا المرض والإبقاء عليه بعدما عمل على إنشائه وترسيخه. فبعد ساعتين من الحديث مع فرويد خلال هذه المقابلة الأولى والأخيرة، توقفت السيدة فجأة عن الكلام المباح ورفضت الاسترسال في قص المزيد رغم أسئلة فرويد الحاثة. فادَّعت أنها بعد حديثها هذا اصبحت تحس بكثير من الارتياح وأنها تخلصت مما يكدر طمأنينتها ولذا فلا داعي بعدُ للإستمرار في الجلسات التحليلية مع فرويد.

 

إلا أنه لم يخْفَ على هذا الاخير كُنه موقف المرأة هذا. لقد رأى فيه مجرد تهرب وتراجع من طرف السيدة عن تعميق استجلاء مكنوناتها ودوافعها اللاشعورية. فمن بين هذه المكنونات التي تم السكوت عنها يمكن افتراض أحاسيس الحسد الدفينة لدى السيدة تجاه ابنتها، زوجة الضابط الذي تعشقه الأم في سِرّها.

 

ولو ثابرت المرأة على مزاولة جلساتها التحليلية واستمرت في البوح بمكنوناتها لأمكن ربط هذه الأحاسيس مع مجريات الطفولة التي عاشتها السيدة ومع ما يكون قد تخلل هذه المجريات من علاقات أوديبية حسودة تجاه الأخوة والأخوات وبعدهما في اتجاه الوالدين. إن السيدة تعمدت عدم الخوض في كل هذا ربما مخافة البوح بما قد يحط أكثر فأكثر من هالة أناها النرجسية. 

 

                                     

- الحالة الرابعة: الشاب الأبله

 

قدمت له نفسها وطلبت منه أن يحدثها عما يخالجه وعما يحس به[2]. إنها كمحللة نفسانية لم تطلب منه، على شاكلة الأطباء، أن يعرض على ناظريها هذا العرض أو ذاك من أعراضه المتعددة والمختلفة. 

 

إنها ليست في موقف الطبيب العقلي الذي يشد انتباهه حول الأعراض والإضطرابات لكي يدقق النظر فيها فيعزلها ثم يَعُدها ويجمعها ليكوّن منها أرجوحة أو باقة إمراضية تمكنه من تسمية مرض نفسي وعقلي معين. إن السيدة ضولطو لم تسلك هذا المسلك، بل وجهت انتباهها إلى ما قد يقبع من دلالة ومعنى خلف أعراض الشاب ضومينيك المتعددة. لم تطلب منه إذن أن يندفع في عرض أوجاعه المؤلمة والمتكاثرة، وإنما حاولت فقط وقبل شيئ أن تعرف ما إذا كان ضومينيك يرغب في التصريح لها بشيئ ما وبالخصوص إذا ما كان يريد أن يشاركها في ما كان يختلج في نفسه من أحاسيس.

 

-      "حدثني عما تحس وتشعر به"، طلبت منه ضولطو منذ البداية. 

إنه سؤال على قدر عالي من العمومية، لا يقصد اضطرابا بعينه ولا سلوكا بذاته بقدر ما يشير الى حالة ضومينيك بكاملها ويضع نقطة استفهام على إحساسه بوجوده. فما كان من ضومينيك إلا أن أجاب ضولطو على نفس الوتيرة. فها هو يرد عليها بنفس المستوى من التعميم ردا يجعل حالته بصفة عامة موضع تساؤل مباشر، في حين نراه يعطي لأعراضه المرضية مكانة ثانوية  وكأنها ليست هي الأجدر بالإهتمام الأول في نظره. فقال لها وهو يرسم على محياه ابتسامة يغلب عليها التوتر والقلق :

– " أشعر بأني لست ككل الناس. وأحيانا يراودني شعور قوي بأنني عشت فعلا أمورا حقيقية."

– " وهي التي جعلتك غير حقيقي"، عقبت ضولطو على تعليقه، رابطة بالفعل الكلامي بين حالته الراهنة وبين ما قد عاشه طيلة حياته من مناخات عائلية ومن ترابطات هوامية أسست تركيبته النفسية والمرَضية. إن طريقة الإقتراب هاته التي تميز فرانسواز ضولطو بصفتها محللة نفسية تستلزم منا استخلاص الملاحظات  الثلاثة التالية :

 

- الملاحظة الأولى تتمثل في كون ضولطو لم تستعر من أطباء العقل والمخ لغتهم وتعابيرهم في الرد على ضومينيك. فهي لم تستعمل تعبير المرض أو العرض أو الإضراب أو الشذوذ وما شابه ذلك. إنها ردت عليه مستعملة نفس ألفاظه، نفس الألفاظ المتداولة في الحياة اليومية، وهي بذلك بقيت على مقربة من تعابير ضومينيك وإحساساته، من دون ترفع ولا استعلاء قد يدفع إليهما مقام من يدعي العلم والمعرفة على حساب الآخر.

 

إنها لم تقم في حالة ضومينيك بالتفريق بين المرض والسواء بلغة الإختصاصيين، وانما قامت من خلال الألفاظ التي استعملتها مباشرة تعقيبا على جوابه، بالتفريق بين الحق والباطل، بين الحقيقة والكذب، بين ما عاشه ضومينيك حقا وفعلا كما يقول، وبين الأقنعة المرضية والشاذة التي يختبئ أناه ورائها والتي تجعله يبدو متسترا خلف الأعراض كما لاحظت ضولطو. إننا نراها هنا بعيدة كل البعد عن لغة الأطباء وما يتخللها من ألفاظ كألفاظ المرض والسواء وما إليها. بل إنها بالعكس تستعمل لغة النطق العادي والمنطق العقلي.

 

- الملاحظة الثانية تكمن في كونها لم تتعد، من خلال جوابها، الربط بين ما صرح به ضومينيك وما كان يخالج تفكيره وبين ما كان يحسه في قرارة نفسه ويعانيه في واقعه المعاش. فهي لم تقل أكثر من ذلك. لم تنطلق في استعراض عضلاتها المعرفية كما قد يُجهد بعض الإختصاصيين أنفسهم بفعله حتى يبقى نجمهم ساطع في ناظري مستشيريهم. ورغم بساطة هذا التعقيب الذي صدر عن ضولطو، بدا لضومينيك وكأنها إطّلعت على كامل مكنونه، وكأنها تملك كل العلم بكل ما يدور بخلده. لقد بدت له وكأنها عالمة الأسرار وليس فوقها عالم. فقال لها :

– "حقاً ما تقولين ياسيدتي. لكن كيف تعلمين بذلك ؟"

– "أنا لا أعلمه، لكني فكرت في ذلك عندما رأيتك." أجابت ضولطو، وهي تحاول، كما رأينا، ألا تتبجح بعلمها الوافر، وألا تجعل مما حرزت عليه من معرفة، المصدر الوحيد لما يمكن قوله بصدد ما يكنه ضومينيك من علم باطن تفترضه هي، بخصوص قصور ظاهر يتحمله هو. فهي بجوابها هذا تريد أن تبلغه بأنها وإن كانت عالمة بمفاهيم وتقنيات التحليل، فهو الذي في مقام العليم الوحيد بما يكنه في دخيلته وبالكيفية المناسبة للتصرف بصدده. 

 

بعدها مباشرة انطلق ضومينيك في تفسيرات جد خاصة : 

- "فكرتُ أنني كنت في الصالة (salle) عندما كنت صغيرا. كنت تحت وطأة الخوف من السراق. لقد أتوا لسرقة المال، وسرقة الأواني الفضية. وقد لا تتصورين ياسيدتي ما كان بإمكانهم سرقته".

 

إنه كلام غريب حقاً. أتى به ضومينيك من حيث لا ندري، ومن حيث لا يدري هو كذلك. فهو كلام لا رابط له بما سبق ولا تناغم بين عناصره. فلو تلقفته أذن طبيب العقل والمخ لكان مصيره عكس ما سيكون عليه الحال مع ضولطو المحللة النفسانية. فالطبيب يهتم أولا وأخيرا بالمرض من خلال أعراضه الظاهرة للعيان. همه الأساسي يكمن في ترقب الأعراض والإضطرابات فيعمل على تحديدها ثم جمعها حتى يتمكن من تشخيص المرض. وهكذا فإن كلام ضومينيك سيكون لا محالة موضع فحص دقيق تحت ناظري الطبيب. فما يهم هذا الأخير من هذا الكلام هو معرفة مدى سلامته أو اضطرابه. أما إن كان مضطربا، فما هي أنواع ودرجات هذه الإضطرابات وما هي جوانب الكلام المصابة بالإضطراب؟ إنه فعلا سيجده ضعيف الترابط بل ومفككا. سيجد أن نغمة الهذيان تغلب عليه كما تستحوذ عليه سمة الهوس. وهكذا يكون الطبيب قد أدى واجبه المهني عندما يُقدم  الفحص الدقيق لما تبديه الأعراض من ملاح ودرجات وعندما يُحدد المتلازمة الإمراضية التي قد تحصل من جراء توليفة هذه الأعراض.

 

أما ضولطو، كمحللة نفسانية، فهي لا تهتم بهذه المظاهر والملامح بقدر ما تهتم بما سيستدرجه المريض من تداعيات متواصلة حول المضامين الكامنة خلفها. إنها لا تهتم بالإضطرابات الظاهرة للعيان بقدر ما تُرهف الأذن للمعاني المتسترة والمتخفية وراءها. إنها لا تعير كبير اهتمام للفصل بين مظاهر المرض والسواء بقدر ما تتدبر ذكاء الحيل الدفاعية المقَنّعة والجادة في قلب السواء مرضا والمرض سواءا.

 

سكت ضومينيك بعد ما قال كلامه هذا. وأثناء هذه اللحظة، خامرت ذهن ضولطو الفكرة التالية: "أليس من الممكن أن يدل لفظ القاعة (salle) على الخبيثة (sale)" أي أخته بالذات لِما يتخلل هذين اللفظين من تقارب وتشابه  لفظي وإن اختلفا من حيث المعنى ؟ فانطلاقا من هذا الإستنتاج الذي راود فكرها، قالت له للتو : "أو أختك الصغيرة" ؟. من خلال هذه العملية الذهنية التي عدودتها عليها ممارسة التحليل النفسي، قامت ضولطو، بعد أن سمعت ما قاله ضومينيك، بالتفكير في لفظة (sale)التي ترجمْتُها هنا بلفظة "خبيثة". إنها وضعت هذه الكلمة موضع صلة وصل بين لفظة salle التي استعملها ضومينيك في كلامه بخصوص مكان السرقة وكذلك الأشياء المسروقة والباهضة الثمن وبين أخته التي ولدت بعده والتي علِمت ضولطو سابقا من طرف الأم بأن مجرد مجيئها الى الحياة، لعب دورا مهما في ما أصاب ضومينيك من اختلالات نفسية .

 

وبالإجمال يمكن القول أن ضومينيك قبل ولادة أخته كان يحتل مكانة الإبن المدلل من طرف كل أفراد العائلة لحد وصفت ضولطو وضعيته بفالوس الأم. لقد كان في وضعية الأمير يتمتع بكل مزايا الإمارة الى حين ولادة أخته التي كان مجيئها الى الحياة مناسبة في إسقاطه من عرشه واستبداله فيه. كان مجيء الأخت بالنسبة لضومينيك بمثابة الزلزال الذي زعزع الأرض من تحت أقدامه ففقد كُلا من مقامه وقيمتة. فبعد أن كان معيار كل شيء في أنظار الجميع وفي ناظري أمه بالخصوص، أصبح لا يساوي أي شيء. فقدَ مكانته وفقدَ قيمته فكيف لا يفقد عقله فيصبح مجنونا معتوها ! 

 

إن مجرد التقارب الذي أدخلته ضولطو على مستوى اللفظ فقط، بين مكان السرقة (Salle) وبين أخته (Sale) جعل ضومينيك يعتقد بأن ضولطو تعلم بكل حاله، وبأنها تعلم ما يعلن وما يخفي وكأنها تعلم ما بالصدور، فأجابها مندهشا. 

– "أه يا سيدتي، كيف أنت بكل شيئ عليمة ؟"

فردت عليه للتو :

– "لا علم لي بشيء مسبقا. إلا أنك تكلمني عن أشياء بتعبيرك الخاص وأنا أعمل كل ما في وسعي كي أنصت لما تقوله. إنك أنت، ولست أنا، من يعرف ما حصل لك. وإن ساعدَنا الحظ سنتمكن من فهم كل ذلك سويا."

لم يرد ضومينيك على ما قالته ضولطو. إنتظرت المحلِّلة برهة رغم الصمت الذي أطبق على الجلسة، ثم سألته :

- "فيما أنت تفكر الآن ؟" 

- "إني أبحث في أسباب فشل حياتي. وكل رجائي هو أن أغدو ككل الناس. فقد يحدث لي تكرارا، على سبيل المثال، أن أنسى الدرس الذي حفظتُه البارحة. وفي بعض الأحيان أجدني أَكثر بلها من الآخرين وأقول في نفسي : لا شيئ يمشي كما ينبغي وها أنا أفقد عقلي". لم يخفَ على ضولطو الطريقة التي لفظ بها ضومينيك كلمتيه الأخيرتين. لقد تفوه بهما بصوت مرتفع وحاد. فأجابته للتو :

- " لقد فقدتَ عقلك حقاً وإني أرى بأنك قد لاحظت ذلك. أظن أنك تقنَّعت بلباس مهبول حتى تتجنب اللوم والتوبيخ".

- " ذاك محتمل جداً. لكن كيف تعلمين ذلك ياسيدتي ؟"

- " أنا لا أعلمه، لكني أرى بأنك لبست قناع أحمق أو أبله. إلا أنك لست هذا ولا ذاك لأنك تبصر ما يحدث لك ولأنك تريد أن تتغير الأمور لديك".

 

قبل بداية الجلسة الخامسة، تحاورت ضولطو مع أخيه بول ماري، فأبلغها هذا الأخير بأنه أمه كانت دائما ترغب في أن يقتسمها أولادها، وبالتناوب، فراش نومها. وأبلغها أيضا بأنه لا يرغب في الإستمرار على تلبية طلب أمه هذا. 

 

أبلغت ضولطو ضومينيك بما دار بينها وبين أخيه من حوار، فبدا عليه شيء من الإنزعاج. فكر مليا ثم انطلق يحدثها عن أشياء مخالفة تماما لما فاتحته به المحللة. وبدون أدنى رابط، أطبق يحكى لها ما حصل له في أحد الأيام؛ إنه كان في حلبة التزحلق مع أحد أصدقائه القويمي السلوك، فأبصر مندهشا، أخاه وأخته وهما بصحبة أشخاص جانحين ولا تصلح معاشرتهم. إنهما كانا يقومان مع هؤلاء الأصحاب بأفعال دنيئة ومخزية.  

 

لم يغب عن ضولطو فحوى كلام ضومينيك هذا. فعوض أن يجيبها مباشرة عن سؤالها بخصوص رغبة أمه وموقفه منها، فإنه لاذ بالفرار الى الحديث عن أمور لا تمُت الى السؤال المطروح بصلة. فهِمَت ضولطو أنذاك بأنه احتمى هكذا بآلية دفاعية قد تساعده على إبعاد الموضوع المزعج و على تجنب الخوض فيما لا يرضي خاطره. بل والأكثر من ذلك فإنه يكون قد عمل على إسقاط ما كان قد فعله هو نفسه من تصرفات شائنة مع صديقه، على أخيه وأخته. فهمت ضولطو إذن بأن هذا الإفتراء من طرف ضومينيك على الأخ والأخت إنما هو محاولته الرمي على كاهلهما بما كان قد فعله مع صديقه من سلوك شائن والتخلص من الذنب الترتب عنه والذي لا يزيد الى هويته الجنسية إلا تذبذبا أكبر والتباسا أكثر. 

 

وهكذا فإن ضولطو تكون قد فهمت ما كان يدور بخلد ضومنيك من أفكار متفاوتة المستويات، وما كان يؤج بهذه الأفكار من تناقضات متباعدة المنابع وما كان يتحكم بهذه التناقضات من آليات متنافرة المرامي. فلم تكتف بفهم ذلك وإنما عمدت إلى طرح ما فهمته على مسامع ضومينيك، لعله يجد في تأويلها هذا لما قاله، مسلكا يسمح لخطابه التقدم نحو سبر حقيقة ذاته الكامنة خلف اعوجاجات سلوكاته واختلالات أفكاره واضطرابات مشاعره. 

 

فلم يلبث ضومينيك أن رد عليها بالإيجاب هذه المرة، قائلا بأنه هو وصديقه  كانا يلهوان بتلمس بين الفخذين وشق الشرج. وعلى حد تعبيره، إنهما كان يفعلان كما تفعل الأبقار عندما تلحس وتنظف ضرعها بلسانها. وعندما سمعت ضولطو كلام ضومينيك، لم يكن بوسعها إلا أن ردت عليه للتو بأن ما كان يفعله لا علاقة له بأضرع الأبقار وإنما يرتبط بما يحس به فعلا في قرارة نفسه من جراء ما كان يختبره في جسده من رغبة وشهوة ومتعة.  

 

- "أجل. إنه إحساس غريب حقا. ليكن في علمك، سيدتي بأن أختي م زالت تنام مع أمي. ومازلت أنا أيضا أفعل ذلك. هل تدرين سيدتي إن كانت أمي تسمع ما أقوله الآن؟ سأل الشاب بصوت خافت.

- ما أظن أن أمك تسمعك. أجابت ضولطو. يمكنك أن تتحدث بصوت منخفض إن شئت. لكن بما أنك تنام مع أمك في الفراش فإنها تعلم بذلك. فلماذا إذن تريد أن تخفض صوتك ؟ ألكي لا تسمعك وأنت تفاتحني بهذه الأمور ؟ 

- ضومينيك : "لأنني لا أود الإستمرار في النوم ليلا بجانبها. فمنذ أن كان عمري سبع سنوات، كانت تطلب مني ذلك. وحتى الآن، لست أدري ما أنا فاعله. إن ذلك يحدث لدي أشياء غريبة (يقصد انتعاظ قضيبه). أمي تقول لي " تعالى معي الى الفراش لتدفئ مرقدي". وعندما أمتثل أحس بمتعة. لكن عندما يكون أبي حاضرا في البيت، فإنها لا تطلب مني ذلك. أما عندما يغيب طويلا عن البيت فإنها تكفهر ياسيدتي. إن الأمور قد تنقلب الى أفضل لو كان أبي صاحب متجر. آنذاك يكون دوما حاضرا لتدفئة أمي في الفراش. أضيفي الى ذلك سيدتي بأن أمي تقول بأنه على الفتيات أن ينمن بجانب النساء. وهكذا فإن أختي باتت هي أيضا تقتسم مضجع أمي. أما أنا، ياسيدتي فماتزال لدي الرغبة في أقتسام مضجع أمي، لكنني لست أدري. إنها تقول أيضا بأن الأولاد يجب أن يناموا بجانب الأولاد، لأن هؤلاء عندما يكبروا فإنهم يناموا بجانب الرجال. إنها تقول أيضا بأن أبي عندما يغيب من أجل عمله في ألمانيا فإنه ينام مع الرجال ولا يقتسم مضجع امرأة هناك."

- "وأنت عندما تتحدث مع أخيك، بماذا يجيبك بخصوص كل هذا ؟"

- "إنه لا يعير كبير اعتبار لكل هذا. إنه غير مهتم بربط علاقات مع الفتيات (بمعنى أن ربط علاقات مع الفتيات يهمه هو) ثم إن أمي لم تعد تطلب منه أن يسخن مرقدها، لذا فإنه ينظر الى كل هذا بنوع من اللامبالاة. أما أنا فما يعجبني جدا هو مجيئ جدتي، أمُّ أمي، الى بيتنا. لأنها عندما تأتي، فإنها تكتب كل شيء ؛ تكتب ما يلزم شراءه في السوق، تكتب المصروف وتكتب قوائم وجبات الطعام... إنها تكتب كل شيء. إني أفرح وأبتهج كثيرا عندما "يأتي" جدتي الى المنزل...."

 

في هذه النقطة بالذات تلمس ضولطو من خلال كلام ضومينيك، تلميحا لشخصها وهي تكتب مايقوله خلال جلسة التحليل). أنا أفرح كثيرا عندما "يأتي" جدتي الى المنزل (فلتة لسان، عوض قول "تأتي"). 

 

- "... أحب أن أمتلك مشغل تصليح سيارات وأحب أن أملأ سيارات الزبناء بالبنزين. فقلت لماما : لو كان بابا في المنزل فماذا سيكون رد فعله ؟ بالفعل، إن ماما على حق. أما أنا فلست أدري. إن ذلك يحدث لدي إحساسا غريبا، لهذا فأنا لست أدري". 

 

من خلال كل هذا الكلام بدا لضولطو بأن ضومينيك يوجه إليها سؤالا ملحا وإن كان ضمنيا ومعقدا. لقد بدا لها أنه في هذه اللحظة بالذات، يطرح بين أيديها بعضا من جوانب اللغز الذي يُغَيِّب عنه ذاته ويبطل حريته. إنه يستجديها، ولو بطرقة ملتوية، أن تتدخل لتساعده على تجاوز بعض الصعوبات وعلى تخطى بعض العقبات وعلى اجتياز بعض المخاطر، حتى يتمكن من العثور على مفاتيح فك أوصاد الأرصاد اللاشعورية التي تقف حائلا بينه وبين رغباته الحقة وذاتيته الأصيلة. 

فتدخلت ضولطو آنذاك:

- "إنك على حق وأبوك لن يخالفك الرأي. إن أمك لم يكن لها إخوة ثم إنها كبرت وترعرعت داخل دَيْرٍ للراهبات لذا فهي على غير علم بما قد يحدث بجسد ولد عندما ينام ملتسقا طوال الليل بجسد أمه. أما الولد، فإنه لا محالة يحس في قرارة نفسه بأنه من غير اللائق أبدا أن يحل محل أبيه في حضن أمه. أما إن حصل ذلك، لا قدر الله، فإن الولد يبقى مشدوها معتوها، لا يعرف إن كان حيوانا أم طفلا أو طفلة من بني الإنسان. إنك لاحظت بأن أمك صارحتك بأنك لن تلج فراشها مدة حضور أبيك في المنزل. لهذا أأكد لك بأن التشريع الإنساني، في كل زمان ومكان، يمنع الأولاد من مضاجعة أمهاتهم. إنه من غير الممكن أبدا أن يحل الولد حيال أمه محل زوجها. إن تشريع الإنسانية يقضي قطعا بألا يقترب قضيب الفتى من فرج أمه. إن ما أقوله لك إن هو الحق...." 

 

  

- الحالة الخامسة: ماري أو الأنوثة المجهضة

 

أستاذة فلسفة بالسلك الثاني ثانوي. خلفت كتب عدة، من بينها هذا الكتاب[1] الذي تشهد فيه على اضطراباتها النفسية والبدنية وعلى المشوار الطويل والمضني الذي قطعته بين مختلف المصحات والأخصائيين لاستتباب الشفاء ولكن دون جدوى، إلى أن ساعفها الحظ فأوصلتها خطواتها عند محلل نفسي. فهي تشهد أيضاً في هذا الكتاب عن لقياها بهذا الأخصائي النفسي وعن مزايا التحليل النفسي في معالجة هذا النمط من الاضطرابات وبالخصوص، الهلوسة التي سنتعرض الى علاجها التحليل بكثير من التوكيد.

 

إمرأة في الثلاثين من عمرها. متزوجة وأم لثلاثة أطفال صغار، تقضي وقتها كله في تربيتهم والإعتناء بهم. لذا تعتمد الاسرة في معيشتها على راتب الزوج الوافر وعلى مساعدات أسرتها المالية. فهي تنزل من أُسرة غنية من ملاك الاراضي بالجزائر زمن الاستعمار.

 

بدأت تظهر لديها بعض الأعراض والاضطرابات النفسجسدية حوالي السابعة والعشرين من عمرها، أي بعد فترة وجيزة من زواجها. من بين هذه الأعراض التي بدأت تنتابها والتي أصبحت تعاني منها أشد المعاناة ما يمكن إجماله في أربعة مظاهر:

 

- المظهر الاول يتشكل في سيلان مكثف وغير مرتَّب لدم الحيض. يسيل منها هذا الدم بمناسبة او بغير مناسبة. يسيل منها في كل آونة وفي كل حدب حتى استحال عليها الخروج من بيتها لنزهة أو لقضاء حاجة. لم يعد في استطاعتها بسببه المشي على رصيف ولا ركوب حافلة أو سيارة أجرة. أنتزع منها هذا السيلان المباغت والفوضوي حق الجلوس على كرسي مقهى أو على أريكة استراحة أو استقبال.

 

وحَرم عليها بذلك حتى مخالطة الأهل ومجالسة الأصدقاء. فهاكذا بات مجالها الحيوي يتقلص شيأ فشيأ الى أن انحصر على منزلها، ثم على بيت الحمام ودورة المياه، ليس أكثر. يواكب هذا العرض الشديد والمتمثل في هذا السيلان العشوائي عدة اضطرابات أخرى متنوعة في مظاهرها وتعم مختلف أنحاء جسمها. ففي بعض الأحيان كانت تتسارع دقات قلبها الى درجات عالية جداً تفقدها القدرة على التفكير والتمييز أو حتى على الاحتفاظ بتوازنها وهي واقفة منتصبة. آنذاك يتصبب جسمها عرَقا باردا تارة وساخنا أخرى، وتصيب أعضاءها ارتعاشات تشلُّ حركاتها.

 

وأحيانا أخرى يبدو لها وكأن الصُّم قد استحوذ على أذنيها وأن العمى قد استولى على عينيها...الخ. كلها أعراض متمركزة في بدنها، تماماً كعَرض سيلان الدم. إلا أن هذه الأعراض رغم اختلافها وتنوعها كانت على شاكلة رزمة متماسكة العناصر. فهي، في مجملها، بمثابة نوبة تنطلق تارة وتسكن أخرى. فتبدو للعيان في ظروف ومناسبات معينة وبالخصوص كلما كانت في حضور شخص ما.

 

- المظهر الثاني لمرضها ينحصر في عرَض نفسي بحت ومحدد الملامح. يتعلق الأمر هنا بهلوسة محدَّدة. إنها ترى عينا أخرى تنبثق فجأة وتتموضع ثابتة أمام نظرها ولا يفصلها عن عينها إلا أنبوب. فالهلوسة بمجملها تنحصر في هذا المشهد الذي يتكرر بكل دقة وثبات.

 

- المظهر الثالث والأخير يمكن إجماله في معانات نفسية متفاقمة ومسترسلة وفي إحساسات مؤلمة لا تتمركز في موقع معين من جسدها بل تعم كامل ذاتها. إنها حالات من الالم تقبض أنفاسها وحالات من الأسى تنخر كيانها فتنقلب أيامها أنينا ولياليها سهاداً.

 

هذه هي مجمل الأعراض التي كانت تعاني منها ماري والتي أجملتُها في ثلاثة مظاهر. فالذي دفعني الى تجميعها على هذه الشاكلة وفي هذه المظاهر الثلاثة يرجع الى أن ماري كانت قد اتخذت موقفا مغايرا إزاء كل من هذه الأعراض على حدة. لقد كانت تعاني حقا من كل هذه الملامح المختلفة والمتعددة من مرضها، إلا أنها كانت تعطي لبعض هذه الأعراض مكان الصدارة في حين تدفع بالبعض الآخر الى الوراء ان لم تتعمد فعلا وقولا كتمانه : فمن هذه الأعراض ما كانت تحب الكلام فيه ومنها ما كانت تبغض الحديث عنه ومنها أيضاً ما كانت لا تعرف كيف تخوض القول فيه ولا أين تجد كلمات يمكن التعبير بها عنه.

 

- بادئ ذي بدء، يمكن القول بأنها كانت تحبذ الحديث عن أعراضها البدنية وكانت تتسارع في عرضها على الاختصاصيين. فهي لا تجد حرجا في ذلك إذ تعرف جيدا أنه لن يعاب عليها عرْض أعراض تبدو على جسدها ولو كانت من الشدة والحدة بمكان. فلماذا هذا السلوك ياترى ؟ ذلك لأن تواجد مثل هذه الأعراض البدنية قد تجعل المرء يذود بالاعتقاد بأن مصدرها عضوي وأنها لا تمت الى نفسه وذاته الباطنة بصلة. وبهذا السلوك يصبو الفرد الى محاولة تفادي الإعتراف المعيب بأن أعراضه قد ترتبط بكنانة نفسه وخبايا أعماقها الدفينة. فهكذا فعلت ماري طواعية، كما يفعله غالبية الناس عادة وبكل تلقائية. 

 

فلقد عرضت مرضها المتعلق بالسيلان العشوائي لدم الحيض على اختصاصيي الولادة مرات لا عد لها، فتعرضت لفحوض لا تحصى تم خلالها إخضاع رحمها لعمليتي تنظيف وتمشيط لم ينجم عنهما أي تحسن يذكر. فاشتد عليها الأمر أكثر من السابق مما دفعها أيضاً الى التوجه نحو أحد كبار الجراحين الذي قام، وبسرعة فائقة، بتشخيص المرض وبتحديد وقت العملية الجراحية لبتر رحم ماري نهائيا. إلا أن موقف الجراح هذا، بتسرعه وعدم طلب رأي ماري في العملية وفي العواقب المترتبة عنها، قد أثار ارتيابها من شخصه ونزع ثقتها من خبرته. فلقد صممت ولحسن حظها، التخلي عن هذه العملية والتي إن تم إجراؤها فلن تفدي فتيلا كسابقاتها.

 

- ومن ناحية أخرى، هناك الأعراض التي كانت تعاني منها أشد المعاناة إلا أنها كانت تفتقد التعابير اللائقة والكافية للتعبير عنها. فهي حالات تئن تحت وطأتها وتشتكي من قسوتها لكنها لا تعرف كيف تسميها رغم ثقافتها الواسعة وفكرها الوافر. فنراها تطلق على هذه الحالات القاسية والشبحية التي تعتورها، تسميات وكلمات فضفاضة. فلقد سمَّتها أولا ب"الشيء". فهذه الكلمة قد تعني في نفس الوقت كل شيء ولا شيء بالتحديد. إن ماري تستعمل هذه التسميات لتدل على ما يشوش عيشها ويثقلل كاهلها ألما، لكنها لا تمَكنها من تسمية ما يحصل لها بقدر من الوضوح والدقة.

 

أما عندما تفعل كل ما في وسعها من أجل ذلك، فإنها تطلق عليها ثانية كلمة "الخوف". لكن هو الخوف من ماذا ؟ فترد ماري فورا على تساؤلها بأن ما ينتابها ليس الخوف من شيء محدد ومضبوط وإلا قد يسهل الأمر وتخف المعاناة. إنه الخوف من كل شيئ والخوف من لا شيء. إنه الخوف من الموت والخوف من الحياة. بل إنه الخوف من الخوف. إنه الخوف، الخوف، الخوف ...، كما كانت ماري تُردد في أحيان متعددة من شهادتها. ذلك أنه لم يكن في وسعها ولا في متناولها من تعابير محددة وألفاظ دقيقة لوصف ما يعتورها من أحاسيس أليمة ومعاناة ترهق الذات وتفوق التحمل.

 

فهذه الأوصاف التي استعانت بها ماري للدلالة عما يعم كيانها من غم وهَم هي كما قلنا، تعابير فضفاضة قبالة حالة رعب غير محددة المعالم ولا متناهية الطيف، تطفو على الذات كموجة عارمة حتى تكاد تخمد أنفاسها. إنه الإحساس المرعب الذي لا موضع محددٍ يخصه ولا موضوع معين له. إنه القلق المزمن الذي جعل منه التحليل النفسي المركز المحوري للمعانات النفسية والهدف الاساسي لاستجلاء فحاوي هذه المعاناة ولملمة تفاقمها والحد من تبعاتها.

 

- وفي الاخير يأتي دور هذا العرَض التي كانت ماري ترفض الخوض فيه مع بداية التحليل وقبله أيضاً، رغم أنه كان جليا وواضحا أمام عينيها، فهو عرض الهلوسة بالتحديد. إنها، كما قلنا سابقا، كانت تعمل كل ما في وسعها من أجل إخفاء هذا العرض عن أعين الآخرين، لأن الهلوسة، على شاكلة الهذيان، هي من بين الأعراض التي تصَنف عادة في خانة الحمق والجنون. فالشخص الذي قد تبدو منه بوادر هذيان أو هلوسة، يتم إدراجه بكل بساطة من بين الحمقى والمجانين من طرف العامة طبعا ومن طرف ذوي الثقافة كذلك وحتى من غالبية مختصي الطب العام والعقلي. لذا فإن ماري ارتأت أن تكتم عيبها هذا الى حين، خوفا من رميها بالحمق ثم الزج بها في إحدى مستشفيات الامراض العقلية، فيُرمى بها في عقرها، خلف أبواب أُحكم إقفالها، الى أجل غير مسمى. 

 

مرت الايام وتتابعت جلسات التحليل النفسي طوال مدة تفوق السنتين، وماري لا تزال مصرة على عدم الحديث في موضوع هذه الهلوسة. فتخوفها من نعتها بالجنون وإيداعها قسرا بمستشفى المجانين ألجم لسانها وكبّل فكرها. الا أن ماري، بعد ثلاث سنوات من التحليل النفسي، إقتيدت الى الخوض في هذا الموضوع وذلك لأسباب مختلفة وإن كانت مترابطة فيما بينها وتابعة لتقدم تحليلها النفسي :

 

- كلما تمادت علاقة ماري بالمحلل النفسي كلما زادت ثقتها به. فلقد تبين لها بما فيه الكفاية بأنه كان دؤوبا على احترام شخصها وتقدير شخصيتها واعتبار ميولها ورغباتها. فهكذا تأكدت بما فيه الكفاية بأنه لن يرمِها بنعوت الحمق مهما ارتبكت إحساساتها واختلطت أفكارها. وهو لن يرمِ بها في مستشفى المجانين مهما اختلت سلوكاتها وتهاوت قدراتها. فهو لم يشك أبدا في إمكانات ماري الذاتية في التغلب على كل هذه الآفاة إذا ما أتيحت لها الفرصة للتحكم في زمام أمرها وإذا ما تمت مساندتها لذلك بالشكل اللائق. كل هذا جعل درجة ثقتها بالمحلل تزداد علوا ورصانة، وهو ما سيشكل الركيزة في قدرة ماري على الخوض في موضوع الهلوسة بدون ارتياب أو تخوف ؛

 

- في المقابل وحتى هذه الآونة من تحليلها النفسي، فإن ماري قد حصلت من جهتها على ما فيه الكفاية من الثقة بالنفس. فلقد توقف السيلان المستمر والعشوائي لدم الحيض مما جعلها تتمتع بحرية أكثر في التفاعل مع الاخرين وفي التجاوب بكل سلاسة مع متطلبات الحياة اليومية. إنها تمكنت من التخلص من هذا العرض ومن تعطيل مفعوله السلبي في حياتها عندما اكملت استجلاء واستدعاء واستعادة خبرات عاشتها وذكريات دفنتها وأفكار راودتها وأحاسيس انتابها منذ صباها، مرورا بطفولتها وحتى شبابها.

 

فلقد تبين لها تدريجيا بأن هذا العرض (السيلان العشوائي لدم الحيض) يغرس عروقه في تربة صِلتها بأمها. فعلاقة ماري بأمها كانت أشد العلاقات توترا طوال حياتها. وبالاجمال يمكن القول أن أمها كانت في قرارة نفسها تكرهها كرها لا حد له وإن كانت تُظهر عكس ما تخفي، على غرار سلوكات غالبية الناس بخصوص هذه الظاهرة. فإنهم يتصنعون ويغالون في إبداء معالم الحب والحنان تجاه إبن أو إبنة، بقدر ما يُكِنونه ويكتمونه من حقد وكراهية لأحد منهما. فعلى هذه الشاكلة ورغم ماتتصنعه هذه الأم من أحاسيس الأمومة حيال ابنتها، فلقد ذهبت بها هذه الكراهية في يوم من الأيام، وماري مازالت طفلة، الى البوح لإبنتها وبدون تردد ولا مراوغة بأنها كانت، وهي حامل، تتمنى الاجهاض حتى لا يتم مجيئ ابنتها الى الحياة. فهذا القول الشنيع الذي صرحت به الأم بالحرف على مسامع طفلتها، كانت ماري تقرأه دوما في ناظِرَي أمها. فماري في نظر هذه الام لم تأت الى هذه الحياة إلا غلطاً وما وجودها على وجه البسيطة الا خطأُ.

 

لكن ماري كصبية ثم طفلة لم يكن بمقدورها الشك ولا التشكيك في صحة وحقيقة ما يصدر عن أمها من سلوكات وأقاويل. لذا لم يكن لها بُد من الإمتثال لهذا القدَر الذي خُطت معالمه قبل ولادتها ثم تحددت ملامحه مع مجيئها الى قيد الحياة. فلقد حملت على عاتقها وبدون وعي منها، تحقيق تمني أمها الدفين وإن تَطلب منها ذلك تعطيل وتيرة نموها بل وحتى تدمير ذاتها. فالإجهاض الذي تَمنته الام بكل قوة في قرارة نفسها بخصوص ابنتها، عملت ماري بطريقة لاشعورية على تحقيقه بنفسها وعلى حسابها وذلك بإجهاض أنوثتها. فلد تبين لها أثناء هذه المدة من التحليل النفسي بأن عَرَض سيلان دم الحيض العشوائي لديها إن هو إلا تحطيم لا واعي لذاتها ولأنوثتها تلبية لما قرأته في حميمية وجدان أمها من نفور وكراهية. وهكذا يمكن القول أن مجال الرغبة بكامله لدى ماري قد انكمش وتقلص خلال ترادف مراحل نموها السابقة الى هذا الحيز من رغبة أمها نحوها والذي يملأه العتاب وتبخيس الذات والتحسيس بالذنب.

 

- من ناحية أخرى، فإن عرض القلق الذي كان لا يفارقها أينما حلت وارتحلت، أخذ يبتعد عنها شيئا فشيئا فيترك لها فسحات عديدة وشاسعة للراحة والاستمتاع بالحياة أكثر فأكثر. وهكذا أيضا، إزاددت ثقةً في نفسها ووثوقا بما أحرزت عليه من تقدم ونصر ملموسين على كابوس القلق موازاة مع تقدم تحليلها النفسي. إلا أن عرض القلق لم يتم إزاحته كلية. فهو لا يزال ينتابها بين الفينة والأخرى فينتزع منها حريتها في التصرف والتفكير الإحساس. فمرة يكبل هذا العرض أطرافها عندما تريد أن تسلك بتلقائية وعفوية، وأخرى يشتت ترابط ذهنها ويكدر صفو إحساسها عندما تتأهب للإبداء بأفكارها أو للتعبير عن عواطفها.

 

وهكذا، فلقد أدركت حق الإدراك أنها إذا ما أرادت أن تتقدم في تحليلها وتقطع أشواط أخرى في الحوز على ما تبقى مما فقدته من حرية وفي التحرر من بقايا ما سكنها من خوف، فلابد لها أن تقتحم قلعة الهلوسة التي أبقت عليها حتى الآن محصنة منيعة. إن ارتفاع درجة ثقتها بنفسها وثقتها بالمحلل النفسي كما أسلفنا، ثم تغلبها على بعض من أكثر أعراضها ضراوة جعلها على أهبة تامة للغوص أكثر عمقا في قعور لاشعورها وما قد تحتوي عليه من ممرات وسراديب مخبأة قد تؤدي الى قلعة الهلوسة.

 

لقد حاولتْ التلميح لهذه الهلوسة منذ بداية التحليل. فعلت ذلك بعدما وردت في حديثها كلمة "أنبوب"، كلمة أثارت انتباه المحلل النفسي لكثرة ترددها فأوقف نظرها عليها متسائلا : - " أنبوب ! الى ماذا يوحي لك به ؟". فقالت ماري : - " - إنه يوحي لي بعينيّ أبي، إلا أنني لست أدري لماذا." ثم توقفت بغتة عن الاسترسال في الكلام بصدد هذه المسألة، مقتفية موضوعا آخر بعيدا كل البعد عما بدأت الخوض فيه. ففي موقفها هذا تعرفت هي نفسها، وبكل بساطة، على الآلية الدفاعية التي أعتمدتها حتى تتفادى التورط في المسلك العصيب الذي حاول المحلل أن يفتحه أمامها من خلال سؤاله. بعدها مر وقت طويل لم تتجرأ خلاله الخوض في قضية الهلوسة الى أن اكتملت الظروف كما رأينا و حصلت على ما به الكفاية من القوة لمواجهة هذا العرض وتفكيك ما يرتكز عليه من عقد نفسية عالقة ومخاوف هوامية زائفة.

 

ففي جلسة من الجلسات، بعد ثلاث سنوات من التحليل الدؤوب، كما قلنا، دخلت ماري قاعة التحليل وبعد التحية، تمددت على الأريكة واستدعت كل ما في حوزتها من قدرات تأهبا هذه المرة، للخوض في موضوع الهلوسة. إنها أتت الى جلستها هاته مصممة الخوض فيه بدون تراجع مهما تطلب ذلك من ثمن. فحكت للمحلل بكل دقة كيف أن هذه الهلوسة تنتابها باستمرار فتُحدِث في نفسها كل مرة أشد الرعب وأمر الألم. حكت له كيف أن عينيها خلال هذه الهلوسة لا يبصران نفس الشيء في نفس الوقت. ففي حين أن عينها اليسرى تستمر في رأية الواقع كما هو أمامها، فإن عينها اليمنى ترى شيئا أخر مخالفاً تماماً.

 

فبعينها اليمنىى ترى عينا واسعة وثابتة تنظر إليها بتمعن وبقسوة من خلال أنبوب. وفي هذه النقطة بالذات من سردها عاود المحلل الكَرة فسألها مرة ثانية، وذلك بعد سنوات مضت عن تدخله الأول المشار اليه أعلاه، إن كان هذا الأنبوب يوحي لها بشيء. أثناءها لم تقم ماري هذه المرة بتجنب الرد على السؤال تفاديا منها إنذاك الاصطدام بمكبوتاتها، إلا أنها، مع ذلك، لم تَرُد على هذا السؤال إيجابا وذلك بإدلئها بالتداعيات التي قد تحضر إلى بالها بهذا الشأن. إن ردة فعل ماري هذه المرة كانت من الغرابة بمكان وإن كانت مما يمكن توقعه والتعامل معه بطريقة تحليلية. فردّة فعلها كانت جد عنيفة إذ اندفعت تُقرع المحلل بأشنع النعوت وتتهمه بأبشع النقائص والفضائح. فهاهو بسؤاله هذا، يبدو لها من أحقر الناس ومن أكبر الشواذ جنسيا ومن أبخس أولائك الذين لا تهمهم إلا متعتهم الشخصية على حساب الآخرين لا غير...الخ.

 

أما المحلل، علما منه بأن عدوانية هذا الرد إن هي إلا إحدى سبل الآليات الدفاعية ضد المكبوتات التي تكون على وشك البروز خلال التحليل، فإنه بقي على حاله ولم يفعل سوى إعادة السؤال بخصوص ما قد تُوحيه الى ذهنها كلمة أنبوب هذه.

 

إستعادت ماري التحكم في أعصابها خلال نفس الجلسة وهي دائماً مسترخية على أريكة التحليل. كانت آنذاك في الرابعة والثلاثين من عمرها وقد انقضت ثلاث سنوات كاملة منذ بداية تحليلها النفسي. إلا أن هذه المرة وعلى غير المعتاد، إنتابتها نوبة حادة من القلق على شاكلة فرقعات وطقطقات كادت أن تفلق جمجمتها. فهاهي الآن لا تسمع داخل رأسها، وهي دائماً متمددة على الأريكة، إلا دقات متوالية ومؤلمة : طق... طق... طق... طق... طق....، وكأنها ضربات مطرقة تكاد تُهشم رأسها. مع ذلك جمعت كل قواها واستعانت بكل بصيرتها الى أن حضرتها ذكرى حدثٍ وقع في الثالثة أو الرابعة من عمرها وقد لفّه النسيان تماماً حتى هذه الساعة، فاسترسلت ماري في الكلام المباح : 

 

إنها على متن قطار، خلال سفر من الأسفار المعتادة في فصل الصيف. كانت الأسرة تشد رحالها لزيارة الأهل والأقارب في فرنسا ثم في سويسرا، فيتركون الجزائر والأراضي الفلاحية الشائعة والخصبة التي يمتلكونها هناك في فترة ما قبل الاستقلال. تذكر ماري إحدى هذه الرحلات وخصوصا عندما طلبت من أمها الذهاب الى مرحاض القاطرة لتلبية حاجة ملحة. 

 

- " قولي وبدون تمحيص، سيدتي، فيما توحي لك به كلمة أنبوب"

[pp. 147-152, 1]

- "... أنبوب يوحي إلي بأنبوب. أنبوب هو أنبوب... أنبوب يفكرني في قناه... في نفق... أنبوب يفكرني في القطار. في أيام طفولتي غالبا ما كنا نسافر. لقد كنا نقضي فصل الصيف بفرنسا وبسويسرا. كنا نَقِلُّ الباخرة ثم القطار. كان ينتابني الخوف من التبول داخل القطار. كانت لأمي مبادئ صارمة بخصوص النظافة إذ كانت ترقب الميكروبات في كل مكان..."

 

كانت أفكاري تتطاير وكأني أصبت بهذيان. إلتحقَت بيَ الفتاة الصغيرة على أريكة التحليل.  وها أنذا أصبح تلك الفتاة الصغبرة. كنتُ في الثالثة أو الرابعة من عمري عندما نزلنا من الباخرة على الأرض الفرنسية. إنها أراضي قاسية بحيث تستوجب الإنضباط في كل لحظة وتستوجب على الدوام ترديد : " صباح الخير سيدتي، صباح الخير سيدي، شكرا سيدتي، شكرا سيدي، مع السلامة سيدتي، مع السلامة سيدي". إنها أراضي لا يُسمَح لي فيها أن أزيل حذائي وأن أمشي حافية القدمين. إنها أراضي أُمنَع فيها من النطق ولو بكلمة وأنا على مائدة الطعام التي أضطر الى طلب السماح للإنسحاب منها. إنها أراضي يلزمني فيها غسل يدي عشرين مرة في اليوم.

 

كان ذلك في فصل الصيف. كان الطقس شديد الحرارة ونحن بداخل القطار. كانت الرحلة جد طويلة مما جلعني أحس بضجر قوي. كنت في حاجة الى التبول (فكان يلزمني أن أقول لطاطا : "طاطا، رقم واحد من فظلك". فتقوم طاطا برفع طلبي إلى أمي. أما عندما تكون الحاجة أَسْمَك من التبول فإن طاطا تسميها رقم إثنين. ولقد اضطرا أنذاك للبحث عن حقيبة من بين الأمتعة : إنها حقيبة الصيدلة. وكلمة صيدلة لا تومئ إلي بشيء تحمد عقباه، إلا بأشياء تؤلم وتوخِز كصباغة اليود أو الأثير أو الأشياء المستعملة في استئصال الزغْب كاللسقة المشمعة. ولماذا الحاجة الى حقيبة الصيدلة لمجرد رغبة في التبول داخل القاطرة؟ لقد أصبح الأمر مقلقا جدا. 

 

لقد انتهيا الى العثور على جدا في البحث عنه وسط صناديق القبعات والحقائب والأكياس ومستلزمات التطيب. بعدها خرجنا من المقصورة الى ممر القاطرة. مشينا قدما. إمي في الأمام وطاطا خلفها تحمل حقيبة الصيدلة. أما أنا فكنت أتوسطهما. كانت فرصة لتحريك وتطويع ساقَي عوض البقاء قابعين بدون حراك داخل المقصورة. وعندما انتهينا الى آخر القاطرة حيث توجد المراحض، تم هزنا هزا وكأننا داخل سَلّة سَلَطَة، لدرجة يصعب فيها المشي على الأقدام، زد على ذلك ما يصاحب هذا الهز من أزيز مزعج. أخذت أمي وططا تتثبتان بكل ما يقع تحت قبضتهما أما أنا فلقد حاولت التمسك بأطراف ألبستهما. كان الأمر مُسَليا الى حد ما. أما ما لم يكن مسليا أبدا فيمكن في تلك الروائح الكريهة التي تصدر من المكان. رائحة البول القوية، مما يضفي على المكان بذاءة وقلة أدب ثم عار وخزي.

 

قالت أمي لطاطا : "هاتيني كحوول التسعين درجة. قومي أنت بتنظيف جوانب المبولة وسأعمل أنا على تنظيف المِغسلة. وهكذا نغتنم الفرصة لغسل وجهها ويديها. لقد أصبحت كلها سوادا من جراء دخان الفحم. يالها من طفلة تتوسخ بسرعة لا مثيل لها."

 

ثم أمسكتا بقطعتين سميكتين من القطن المبلل بكحول 90 درجة وانطلقتا في نظيف هذا المكان الكريه الرائحة. فقالت أمي أنذاك : "كل هذا مليء بالميكروبات". لقد قالتا لي منذ زمن بأن الميكروبات هي تلك الحشرات الصغيرة التي نخرت رئتَي أبي وقتلت أختي. لم تبق لي بعد كل هذا رغبة في التبول، إلا أنه ليس في مقدوري أن أعبر عن ذلك صراحة. أصبحت مراحض القاطرة تبدو لي وكأنها مفروشة بعقارب لا تراها العين وبأفاعي صغيرة وبزنابير مختفية. ولازال الإهتزاز ولازال الأزيز في صخبهما المتعنت. 

 

وعند انتائهما من التنظيف نشرتا قماشا أبيض على حافتي المرحاض. يمكنني أنئذ أن أتبول. فكت طاطا أزرار سروالي الداخلي. 

 

أصبحت مؤخرتي مكشوفة. حملتني طاطا ثم وضعتني، بعد أن باعدت فخذي، على حافة المرحاض الشاسع الفوهة. أمسكَت بأطراف السروال المتدلية حتى لا تتبلل  بالبول وحاولت الحفاظ على توازنها خلفي وهي تسندني من ظهري. أما أمي فكانت تراقب المشهد بنوع من الترقب، رامية في وجهي : "أسرعي، ألا ترين صعوبة كل ما نفعله من أجلك؟" 

 

في هذه اللحظة، أصبح الأزيز مُصِما للآذان نظرا لمرور القطار على مفترق طرق. كل شيء في القاطرة أصبح يتحرك بشدة لدرجة لم أعد أدري إن كنت أقف على قداماي أم على رأسي.  ألقيت التنظر بين رجلي، فأبصرت من خلال هوة المرحاض الملئ بمواد قذرة ونتنة، الأرض الحجرية وهي تسري تحت القطار بسرعة فائقة.  إنتابني خوف لا حد له. ظننت أن هذه الفوهة ستسرطني لا محالة. إنها ستجرني من بولى ليتسنى لها ابتلاعي ثم ترمي بي مهشمة على الحصى بعد اجتيازي الأنبوب القذر، الممتلئ غائطا. 

- "ليست لي رغبة في فعل رقم واحد".

- " كلا، إنك ستفعلينه رغما عن أنفك. فكيف لا رغم كل هذه الإستعدادات الي قمنا بها، إسرعي".

- "لم تبق لي بعد رغبة في ذلك. إنه لم يعد في مستطاعي".

- " يالك من بهلوانية متصنعة. سوف تؤدين الثمن باهضا على بهتانك هذا".

أما طاطا التي تعرفتي جيدا فقالت :

- "إنها لن تفعل، ياسيدتي".

فبكل هذا الزخم وفي كل هذه الفوضى العارمة، تناهت الى مسامعي نقرة سريعة ومتراتبة : طق طق طق طق طق...

طقطقطقطقطقطقطقطقططق... عمري أربع سنوات. عمري أربعة وثلاثون عاما. كنت ما أزال جالسة القرفصاء على مرحاض القاطرة. كنت مستلقية على أريكة التحليل بالزقاق. طق طق طق طق طق طق. 



لم يكن لي عمر ولم أبق حتى في حالة إنسان. لقد استحلتُ كلية الى تلك الطقطقة، طق طق طق طق طق طق طق، نقرة خفيفة كأقصوصة، وموزونة كأغنية تنويم الأطفال. 

 

فمن أين أتت. لقد أصبح من الضروري أن أقف على منبع هذة النقرة. 

- "دكتور، لقد ألمَّ ألم حاد برأسي".

وجع فظيع. ألم حاد خلف الرأس أقسى من كل الآلام التي عانيتها. وكأن النخاع يتم بتره ضربة ضربة. آلام خاطفة. لمعان المعاناة في أقصى درجاتها. جدور ملتوية بطريقة متوحشة، قابضة بين تشنجاتها وإفرازاتها النّتِنة على هياكل عظمية لتِنانين وبقايا جثث لأخاطيب. جذور تطلق روائح لاتطاق كلما تم استخراجها وتعريتها في وسط النهار.

- "دكتور، إنني أفقد عقلي. يالها من مصيبة. إنني أصاب بالجنون!"

كنت أحس بإنني إن حاولت المساس بهذه الهلوسة فقد يكون حتفي. كان ينبغي علي ألا أصغى لفطرتي التي قادتني نحو هذه الهلوسة. كان ينبغي ألا أخاطر بولوجي هذه الرحاب. كان بودي أن أستمر في حياتي كما قبل، معطوبة وفاترة لكن خارج جدران مستشفى المجانين. أما الآن، فقد فات الأوان. إنني أسقط في خبل حالك، في اضطراب وهيجان يغمران الأخضر واليابس. 

- "دكتور، ساعدني من فضلك."

إن جمجمتي تتهشم. إنني أفقد عقلي، أفقد عقلي...

طق طق طق طق طق طقطقطقطقطقطقطقطق...

طق طق طق طق ... إن الطقطقة هاهنا، قريبة جدا! إنها الشئ الوحيد الذي يخرج عن حوزة الحمق والذي يوجد خارج الهستيريا. يجب أن أقف على هذا الشيء. يجب أن أتجه نحوه

 

أنا الآن طفلة صغيرة مالبثَتْ تمشي على قدميها. كنت بين طاطا وبابا نتجول وسط غابة شاسعة. أراني الآن أفعل "رقم واحد، من فظلك" حيث خبأتني طاطا خلف أعشاب ساترة. لقد بحثتْ طويلا كي تجد مكانا مستورا. كنت أجلس القرفصاء وأقبض على حافة ثيابي وأنا أتملى بمنظر السائل المنهمر مني، وهو يسيل بين رجليّ وبين نعليّ الجميلتين والبراقتين لجِدَّتهما، ليختفي في أحشاء الأرض. 

وفجأة، أثارت انتباهي طقطقة آتية من الخلف... طق طق طق طق طق طق طق طق طق ... أدرت رأسي فوجدت أبي واقفا وهو يمسك قبالة إحدى عينه شيئا غريبا أسود اللون، شيئا شبيها بحيوان حديدي له عين في منتهى أنبوب. أهو ما تصدر عنه الطقطقة! لم يحلو لي أن يراني أبي وأنا أتبول. يجب ألا يرى أبي مؤخرتي. إنتصبت واقفة. سروالي النازل يمنعني من المشي، ومع ذلك قصدت أبي وأخذت ألطمه بكل قواي. إسترسلتُ في ضربه راجية إيلامه بل راجية قتله! 

 

حاولت طاطا أن تنتزعني من بين ساقي أبي الذي كنت أغرس فيه أظافري وأعضه وأضربه لأنه عمد على أن يتحداني ويزدريني بهذه العين الممتدة والمستديرة الشكل. طقطقطقطقطقطق.... كم أكره هذه العين وهذا الأنبوب. لقد غرسا في نقسي حُنقا وكراهية ورغبة في الإنتقام لا حد لهما. 

 

وفي الأخير، حاول أبي وطاطا التكلم معي. لقد قالا لي كلاما فهمت منه بعض الشيء ولم أفهم البعض الآخر. لقد قالا لي " أنتِ حمقاء، سيئة الخلق، شريرة، حمقاء، عديمة الأدب! مافعلته سيء، عار عليك! ممنوع ضرب ماما، ممنوع ضرب بابا! هذا قبيح جدا، هذا عار! أنت مذنبة، حمقاء، قبيحة الخِلقة، قبيحة الخُلق، حمقاء! عار عليك، عار عليك، عار عليك. قبيح، سيء، قبيح. حمقاء، حمقاء، حمقاء." وهكذا فإني انتهيت الى اعتبار أن ما فعلته قد بلغ ذروة الإرعاب والإرهاب. لحظتها إنتابني فجأة إحساس بأن ما فعلته هو كذلك حقا. 

لقد سكنت الطقطقة. تلاها سكون شامل ثم هدوء كبير. 

 

هكذا أكون قد تمكنتُ من نزع النقاب عن الهلوسة واجتثاث شرها. خامرني يقين كامل وشامل بأن الهلوسة لن تعود أبدا. بعدها بدا لي وأن كل شيء حولي قد فقد توازنه. رأيتُني أيضا أنتعش رغم كل هذه المخاطر.

- "دكتور، لقد تبينتُ لب المسألة. إنتهى أمر الهلوسة. إنها تتمثل فيما أتيت على قوله."

- "طبعا. فلنختم الجلسة الآن."

عندمت انتصبتُ واقفة، أحسستُ لأول مرة، باكتمال بدني. أحسستُ بأن عضلاتي تُحرك مفاصلي بسلاسة عالية وجِلد جسدي يغلفها بيسر وسهولة. رأيتُني واقفة، منتصبة القامة وأطول من الدكتور. كنت أتنفس بتأني وبانتظام، القدْر الذي تستلزمه رأتيّ من هواء. أضلعي تحمي قلبي الذي يضخ الدم باستمرار. حضني أصبح عبارة عن حوض أبيض من رخام وكأنه قُصَّ خصيصا لإحتواء أحشائي. ياله من تناسق وتناغم ! رِجلَيّ تقوداني بكل صلابة نحو الباب وذراعٍي يمد يدي نحو يد الدكتور. كل هذا أصبحت أمتلكه والكل يمشي على ما يرام ولا شيء منه بات يخيفني.

- "مع السلامة، دكتور.

- مع السلامة، سيدتي".

 

عندما إلتقى نظري بنظره، كنت على يقين بأن السعادة كانت تغمر قلبه. ياله من عمل جيد أنجزناه سويا ! أليس كذلك ؟ لقد ساعدني على إنجاب ذاتي. وها أنذا قد ولدت من جديد! 

 

إنطلقت في الزقاق. كل شئ فيه بقي على حاله لكن تغير كل شيئ لدي. مطر خفيف كمسحوق الأُرز يبلل وجنتيّ المتوردتين. بلاطات الزقاق الحجرية تداعب  قدماي من تحت حذائي. ينتصب فوق رأسي سماء الليلة الباريزية الأصهب وكأنه قبة خيمة سيركً عظيمة. كنت أتجه نحو شارع صاخب، نحو حفل. 

 

وفجأة، عندما اقتربت من مخرج الزقاق، كل شيء أصبح أكثر خفة، وانشراحا وبساطة. أحسست بأنني أكثر ليونة ورشاقة. ذلك أن كتفي ارتخيا دفعة واحدة، فأطلقا سراح عنقي وقفاي اللذين كان مقفوفان منذ سنوات، فافتقدت من جراء ذلك سعادة الإحساس بالهواء يهز شعري خلف رأسي. أما الأن، فلقد اضمحل الرعب الوارد مما هو خلفي بقدر ما اضمحل الخوف مما هو أمامي.

لم يبق لي أنذاك الأ هدف واحد: العثور على أمي ومساءلتها :

- "أتذكرين ذلك الحادث الذي وقع لي وأنا صبية ؛ لقد ضربت أبي عندما صوّرني وأنا أتبول ؟

- أي نعم، لقد حصل هذا بالفعل. لم أكن حاضرة آنذاك، لكني شاهدت الفيلم. أبوك أراني إياه في تلك الفترة. من الذي حكى لك ذلك ؟ 

- لا أحد. لقد تذكرت ذلك بنفسي. هل تم توبيخي آنذاك ؟

- بدون شك. ربما قد حُرِمتِ من قبلة المساء أو شيء من هذا القبيل ؛ ربما ضربة خفيفة على الفخذ. توبيخ لا يفوت ما يتلقاه الرضَّع، على كل حال. لقد كنت جد متوحشة في صغرك.

- كم كان عمري آنذاك.

- بالإمكان معرفة ذلك. حدث ذلك خلال أول صيف تقضينه في فرنسا. لحظتها جرج أبوك من المصحة وكان يود التعرف عليك. إنه أبوك على كل حال... كان عمرك آنذاك يتراوح نين الخامس عشرة والثامن عشرة شهرا."

 

قالت ذلك وهي تسلط علي نظرة التساؤل والعتاب. لمحتُ في نظرها نوعا من الإستغراب والندم، وكأن كل ما تبقى من كل ذلك هو عبارة عن باقة ورد ذبلت لكن مازالت تبعث روائح. ففي تلك الفترة بالذات، بدأت أمي تحبني كما كنت، أي غير متواقفة مع ما كانت تنتظر أن أكون عليه. 

 

لكن الآوان قد فات. لم يعد بإمكاني انتظار حبها.

                                 


 

 

 

4

خاتمة

 

 

إن الأمراض والإضطرابات النفسية بالنسبة للمحلل النفسي هي، كما أسلفنا، بمثابة كلام مبهم ينم عن دلالات في انتظار تبيان كنهها وبمثابة ألغاز غامضة تتوخى فك رموزها حتى يتم إبراز موضوع الرغبة الحق والمردوم تحت طبقات رواسبها. إلا أن هذا التجلي وهذا الفك ليس بحاصلين إلا برضى من المريض المتعالج، وبعمل مسترسل، شجاع وصبور منه. 

 

فعلى هذا الأساس قطع التحليل النفسي أواصر القربى بالعلاجات التطبيبية والسلوكية بمختلف أنماطها. فهاته العلاجات لا تعير اهتماما للعلاقة المتميزة التي لا محالة تربط المريض بالمحلل والتي سماها فرويد بالعلاقة التحويلية. أما المحلل النفسي فإنه يعير هذه العلاقة انتباها بالغا ويضعها محل الصدارة في اهتماماته. 

 

فإذا كان اختصاصي الأمراض العضوية لا يعير هذه العلاقة أي اهتمام معتبرا عمله تقنيا وموضوعيا محضا، وله في ذلك أجدر الحق، فإن المعالج السلوكي يحذو حذو هذا الأخير ويقتفي خطاه غلطا وضللا إذ يعتبر أن الأعراض النفسية أو النفسجسدية إنما هي أصلا محض اختلالات كيميائية تفرز سلوكات معوجة وأفكار غير صائبة يجب تعديلها وتقويمها بشتى الطرق والوسائل التأديبية. 

 

 

أما المحلل النفسي، فإن كان يمتلك علما نظريا وتقنيا لا ريب فيه، فهو يعلم كل العلم أن لا علم له إلا بما يكُنُه اليه وما يبيحه له المريض بمحض أرادته، عن المعطيات اللاشعورية التي بنت كافة أعراضه بل وحتى مصير حياته ككل. فإن كان فوق كل علم عليم، فما هذا العليم إن هو إلا المريض نفسه والذي لا حول ولا قوة لنا إلا بما يعلنه أو يخفيه قصدنا كمحللين. فلا علم لنا إذاً إلا بما يبديه أو يضمره المريض المتحدث في حضرتنا. فعلمه هو العلم الذي لا ريب فيه وبصحيحه أو كاذبه يقتدي المحلل الى حقيقة الرغبة لديه، إلى حقيقة الرغبة القابعة في غياهب اللاشعور وما ينجم عنها من تطلعات قد تُحبَط ودوافع قد تُردَع حسب ما يرتضيه أو يتحمله الأنا وفقا لطاقاته ومقاييسه وحاجاته الخاصة في تضامنها او تنافرها مع القيم السائدة والتي لا محالة متقلبة ومتغيرة انطباقا لمتطلبات الحقب والرحاب.


 

                                                        

إضافة

 

سيجموند فرويد

صعوبة أمام التحليل النفسي

[1917]

 

ترجمة

 

(تم نقل المقال الى العربية اعتمادا على الترجمة الفرنسية الموجودة في المصدر التالي : سيجموند فرويد، المؤلفات الكاملة في التحليل النفسي، المجلد XV، (1916-1920)، دار النشر الجامعية الفرنسية، 1996، ص. 41-51.)

                                     

أفتتح كلامي قائلا بأنني سوف لن أتحدث هنا عن صعوبة لها ارتباط بالعقل أو بشيئ من هذا القبيل قد يمنع التحليلَ النفسي من بلوغ ذكاء مخاطبه (مستمعا كان أو قارئا)، بل إني أود الحديث عن صعوبة من نوع عاطفي، عن شيئ يَفقد به التحليل النفسي تعاطف المستمع أو القارئ ويجعل هذا الأخير في غير استعداد للثقة به والأقتناع بمصلحته. فهتان الصعوبتان تؤديان الى نفس النتيجة، ذلك أن من لم يحس بما فيه الكفاية من تعاطف مع شيئ ما، فإنه لن يكون بإمكانه تفهمه ببساطة موازية.

 

ومراعاة بقارئي الذي أتخيله من غير ذوي الإختصاص، فإنني أجدني مضطرا للتذكير بالأشياء أولا بأول. ففي التحليل النفسي وبعد تجارب عدة وانطباعات منفردة، تم بناء ما هو معروف بإسم "نظرية الليبيدو". وكما هو معلوم الأن، فإن التحليل النفسي يتم تطبيقه لتفهم وعلاج أمراض تسمى بالأضطرابات العصابية. فلكي تتم مواجهة هذه المسالة، أصبح من اللازم البحث عنها في الحياة النزوية للنفس. وهكذا احتلت بعض الفرضيات المتعلقة بحياة الانسان النزوية مقام الركيزة في منظورنا للإضطراب العصبي. 

 

أما علم النفس كما يتم تلقينه في مدارسنا، فإننا عندما نسائله عن قضايا الحياة النفسية، فإنه لا يعطينا إلا أجوبة ضعيفة الإفادة. وليس هناك مجالٌ تنضب فيه عطاءاته أكثر من مجال النزوات. لذا فإن إيجاد مُنطلَق في هذا الموضوع يقع على عاتقنا نحن. أذكر بإن المنظور الشعبي يفرق بين الجوع والحب ويرى فيهما ممثلين للنزوات التي تصبو، من ناحية، الى المحافظة على الفرد، ومن ناحية أخرى، الى توالده. فإذا ما تبنينا نحن كذلك هذه التفرقة التي تبدو طبيعية بالتمام، فإننا سنعمل أيضا في التحليل النفسي على فصل دوافع البقاء، أو دوافع الأنا، عن النزوات الجنسية ثم نقوم بتسمية القوة التي تتمظهر بواسطتها النزوات الجنسية في الحياة النفسية، بكلمة ليبيدو، بمعنى الرغبة الجنسية، مُدركين فيها شيئا شبيها بالجوع وبإرادة التسلط وغيرهما مما تشتمل عليه دوافع الأنا. 

 

فها نحن نُقَدم في هذا المضمار أولى اكتشافتنا المهمة. إننا نكتشف مايلي : كي نفهم الأمراض العصبية، يتوجب علينا إضفاء الدلالة الكبرى على النزوات الجنسية، ويتوجب علينا اعتبار العصابات على أنها أمراضا ملازمة للوظيفة الجنسية. إننا نرى أيضا بأن سقوط فرد ما تحت وطأة العصاب أو عدم سقوطه، يتوقف على كمية الليبيدو وكذا على إمكانية تفريغها وإشباعها. إننا نفهم بأن الشكل الذي يتخذه مرضه، يتوقف على الطريقة التي اقتفاها نمو وظيفته الجنسية، أو كما اعتدنا قوله، إنه يتوقف على التثبيتات التي اعترضت هذه الوظيفة أثناء تطورها. فالتقتية التي نمتلكها والتي ليست بالسهلة، هذه التنقية التي تخول لنا تأثيرا نفسيا لدى المريض، تمكننا في آن واحد من استجلاء أنواعا شتى من العُصابات وكذلك من التحكم في تراجعها. إن مجهودنا العلاجي يلاقي نجاحا أكبر بصدد رزمة معين من العصابات، تلك التي تصدر عن الصراع بين دوفع الأنا وبين النزوات الجنسية. فقد يحدث لدى الإنسان، أن تطغى متطلبات النزوة الجنسية لديه على قدراته الذاتية، فتبدو له هذه المتطلبات وكأنها خطر يهدد إما وجوده بالذات وإما الإعتبار الذي يكنه لنفسه. أنذاك يتخذ الأنا موقفا دفاعيا فيرفض للنزوات الجنسية ما ترغب فيه من إشباع فيرغمها على اللف والدوران كي تحصل على إشباع بديل قد يتخذ شكل عرض عصبي. 

 

إن العلاج التحليلنفسي يتمكن من إخضاع صيرورة الكبت لمراجعة تمكنه من الإفضاء بهذا الصراع الى حل أفضل، متوافق مع الصحة. وقد يؤاخذ علينا خصوم غير متفهمون، مغالاتنا في التكثير من أهمية النزوة الجنسية، ذلك أن للإنسان في نظرهم اهتمامات متعددة لا تقتصر على الجنس وحده ! إلا أن هذا ما لم يتم من لدننا نسيانه أو نكرانه ولو لحظة. فوجهة نظرنا الحصرية هذه قد تشبه وجهة نظر الكيميائي الذي يُرجع كا مكونات المادة الى قوة الجاذبية الكيماوية. فهو بهذا لا ينكر قوة الثًقل وإنما يترك للفيزيائي مهمة تقييمها. 

 

ففي خلال العمل العلاجي، يَلزمنا الإهتمام بكيفية توزيع الليبيدو لدى المريض. إننا بهذا نبحث عن استجلاء التصورات المرتبطة بالمواضيع التي تثبتت بها اللليبيدو فنعمل على تسريح هذه الأخيرة كي تصبح تحت تصرف الأنا.  وهكذا نكون قد توصلنا الى تكوين صورة متميزة عن التوزيع الأولي للليبيدو لدى المرء. فنكون قد قبلنا بأن الليبيدو (سواء كانت على شاكلة ميول شبقي أو على شاكلة قدرة حُبية)، تكون منذ بداية نمو الفرد، مُثَبتة  على شخصه وتَستغل، كما قلنا، الأنا ذاتَه. ولا يحصل للليبيدو أن تتجاوز الأنا الى موضوعات جارجية الا في فترة متأخرة، معتمدة في ذلك على إشباع الحاجات الحياتية الأساسية. وهذا ما يمَكّننا من التعرف على الدوافع الليبيدية في حد ذاتها ومن تمييزها عن دوافع الأنا. فيمكن للليبيدو أن تنسلخ من جديد عن هذه الموضوعات لتنزوي بداخل الأنا. فنحن نطلق إسم نرجسية على الحالة التي يعمل فيها الأنا على احتجاز اللليبيدو، كذكرى للأسطورة الإغريقية المتعلقة بالشاب نرجس، الشغوف بصورته المنعكسة على سطح الماء.

 

وهكذا فإننا نعزو للفرد القدرة على المضي قدما من النرجسية الى حب الموضوع. إلا أننا لا نعتقد بأن الليبيدو تنكبُّ بكاملها على المواضيع. ففي الأنا يبقى دوما قدْر معين من الليبيدو، وبداخله تقبع بإصرار نسبة من النرجسية رغم حُب موضوعاتي جد متطور. فالأنا عبارة عن مخزن كبير تنساب منه الليبيدو التي تقصد المواضيع وإليه تتراجع من جديد. فالليبيدو الموضوعاتية كانت في البداية ليبيدو الأنا وبإمكنها أن تتحول الى ليبيدو الأنا من جديد. فحتى ينعم الفرد بكامل الصحة، لابد لنزوته الليبيدية أن تحافظ على كامل حركيتها. وكي يتم فهم هذه المسألة، لِنُفكر في الأميبيا التي تتكون في نفس الوقت من مادة متماسكة ومائعة تُمكنها من نشر ألياف وأذيال تسري وتتدفق فيها المادة الحية و كذلك تمكنها بالمقابل من استرجاع هذه المادة في أي لحظة، على نحو يُرجِع النواة الخلوية الصغيرة الى حالتها الأولى.

 

إن ما حاولتُ إيضاحه فيما سبق، يخص نظرية الليبيدو في العصابات، هذه النظرية التي يرتكز عليها تصورنا لطبيعة هذه الحالات المرضية وكيفية علاجنا لها. وما من شك في أننا نعتبر هذه الإقترحات بخصوص نظرية الليبيدو على أنها صالحة أيضا بالنسبة للسلوك السوي. إننا نتحدث عن نرجسية الطفل الصغير وكذلك نُرجع للنرجسية العالية الدرجة لدى الإنسان البدائي اعتقاده في القدرة اللامتناهية لأفكاره تجعله، فيما بعد، قادرا، بفضل تقنية السحر، على التأثير في أحداث العالم الخارجي. 

 

أود الأن، بعد نهاية هذا التقديم، أن أتطرق لثلاثة إذلالات قسوى عاشاها حتى اللحظة،  نرجسية وأنانية الإنسانية عامة، من جراء التنقيب العلمي.

 

أ) ففي بداية هذا التنقيب، كان الإنسان يعتقد بأن  الأرض ترسو ساكنة وسط الكون في حين تتحرك الشمس والقمر والكواكب في محاور دائرية حولها. إنه هكذا يكون قد سلم بكل سذاجة بما تمده به حواسه. ذلك أن الإنسان لا يحس بتاتا بحركة الأرض. وأينما وللى وجههه، فإنه يجد نفسه وسط دائرة تحتوي العالم الخارجي. إن الأخذ بمركزية الأرض هو بالنسبة له ضمانة لمقامها الأساسي في الكون مما يناسب ميله لإعتبار نفسه سيد هذا العالم.  

 

إن انهيار هذا الوهم النرجسي يرتبط في نظرنا بإسم وبعمل نِكولا كوبرنيك، في القرن السادس عشر. ولقد أبدى الفيتاغورين قَبله بزمن، ارتيابهم من هذه المقام الممتاز الذي خُصِّص للأرض. فمنذ القرن الثالث قبل الميلاد، صرح أريسطارك دو صاموص  بأن حجم الأرض أصغر من حجم الشمس وبأنها تتحرك حول هذا الكوكب. وهكذا فإن اكتشاف كوبيرنيك العظيم تم التوقف عليه قبل هذا الأخير. وعندما تم حصول هذا الإكتشاف على تقبل الجميع، إنتاب الإنسان أول إذلال لاعتزازه بنفسه. إنه إذلال كوسمولوجي.

 

ب) لقد اعتلى الإنسان، خلال تطوره الثقافي، مرتبة سيد أشباهه من سلالة الحيوان. إلا أن عدم اكتفائه بهذه السيادة جعله يصبو لتعميق الهوة بينه وبينهم فرفض لهم ملَكة العقل وأسند لنفسه روحا خالدة، ثم تبجح بأصول ربانية أعانته على قطع كل روابط الصلة بينه وبين عالم الحيوان. إنه لمن المدهش حقا أن يبقى هذا الإدعاء غريبا لدى الطفل الصغير وأيضا لدى البدائي. فهذا الإدعاء حصيلة تطور لاحق ويعبر عن تطلعات جد طموحة. أما الإنسان البدائي في مرحلة الطوطيمية، فلم يكن ليجد حرجا في ربط عشيرته بسلف حيواني. إن الأسطورة التي تتضمن بقايا نمط التفكير العتيق هذا، تجعل الألهة يتخلقون بأجساد حيوانية. أما فنون الأزمان البدائية فتخَوِّل للآلهة رؤوسا حيوانية. وكذلك الطفل، فهو لا يحس بأي نوع من التمييز بين ذاته وبين الحيوان. فهو لا يبدي دهشة عندما يصادف من خلال الأحاجي، حيوانات تفكر وتتكلم. إنه بذلك ينقل إحساسه بالخوف تجاه أبيه صوب كلب أو حصان، من دون أن تكون له نية في تحقير الأب. أما عندما يكبر ويحصل ابتعاده عن الحيوان، يتسنى له آنذاك أن يشتم بني جلدته راميا إياهم بأسماء البهائم .                  

 

إننا نعلم جميعا بأن أعمال شارل داروين ومساعديه وتابعيه، قد حدَّتْ من افتراء الإنسان هذا في مهلة لا تتعدى نصف القرن. وهكذا تبين بأن الإنسان ليس أفضل من الحيوان بل إنه ليس غيره. فهو ينزل من السلسلة الحيوانية وتربطه أواصر قرابة شديدة مع بعض الأنواع الحيوانية في حين تتباعد هذه القرابة مع أنواع أخرى. إن ابتكارات الإنسان وإنتاجاته الخارجية لم تتمكن من محو الشهادات الدالة على هذه المعادلة والمتجلية سواءا على مستوى تكوينه الجسدي أو استعداداته النفسية. فهاهنا يكمن الإذلال البايلوجي؛  الإذلال الثاني لنرجسية الإنسان.                                         

 

ت) أما الإذلال الثالث، فإن له صدا أكبر لكونه سيكلوجيا. فمهما بدت درجة تحقير الإنسان من خلال مظاهره الخارجية، فإنه يبقى عزيزا وعالي القيمة في نفسه. لقد صَنع في مكان ما، بصُلب أناه، عضوا يقوم بمراقبة ما إذا كانت عواطفه وأفعاله متوافقة مع متطلباته. فإن لم تكن كذلك، فهاهي تُصد وتُآخذ بدون هوادة. إن الإدراك الداخلي، أي الوعي، يُطلع الأنا عن كل السيرورات المهمة التي تجري بداخل النسق النفسي، فتقوم الإرادة، موجَّهة بهذه المعلومات، بتنفيذ ما يأمر به الأنا، معدِّلة ومُوصلة ما كان يصبو للتحقق بطريقة منفصلة ومستقلة. ذلك أن هذه الروح ليست بالشيئ البسيط وإنما هي عبارة عن تراتب أنساق منها ماهو أعلى وما هو أدنى. إنها حصيلة خليط من الدوافع المتناقضة والمتنافرة في جُلها والتي تعمل كل واحدة منها بشكل منفصل على التحقق، تلبية لأكبر عدد من النزوات ومن العلاقات مع العالم الخارجي. فمن الضروري إذن للوظيفة النفسية أن يكون النسق العلوي منها على علم بما يستجد بها وأن تتمكن إرادته من التغلغل في أي رحب منها كي يفرض سطوته. وهكذا يحس الأنا باطمئنان بخصوص شمولية وصحة المعلومات التي تصله وكذلك بخصوص تنفيذ الأوامر الصادرة عنه. 

 

إلا أن الأمر يسيرُ على عكس ذلك في بعض الأمراض، وخصوصا في العصابات التي نحن بصدد دراستها. فالأنا لا يحس بنفسه على ما يرام إذ يشاهد تقلص سلطته على الروح، التي هي عُقرُ دارِه بالذات. فتنتابه بغتة أفكارٌ لا ندري من أين تأتي، وليس لنا من حول ولا قوة لصدِّها. فيبدو هؤلاء الضيوف الغرباء وكأنهم أشد ممن هم تحت سطوة الأنا. فنراهم يقاومون كل ما للإرادة من قدرات سبق أن أبرزت مفعولها، ويبقون غير عابئين بأية مناقضة منطقية، وغير مبالين بما قد يدلي به الواقع من توكيد مضاد.  ومن ناحية أخرى قد نجدنا أمام دوافع قهرية يبدو وكأنها صادرة من لدن شخص مغاير لدرجة تدفع الأنا لرفضها، لكنه مع ذلك يبقى مَُتَخوفا منها ومرغما لاتخاذ كل الإحتياطات في مواجهتها. فالأنا يعترف بأن هاهنا مرضا، وهاهنا نوعا من الإجتياح الغريب، فيزداد يقظة واحتراسا إلا أنه يبقى غير قادر على فهم الإحساس الغريب الذي يفاجئه بإبطال طاقاته. 

 

إن الطب النفسي لا يوافق، وبِحق، أن تنجم هذه الظواهر عن أفكار شريرة تأتي من الخارج لتقتحم الحياة النفسية. إلا أنه، زيادة على هز الأكتاف، يكتفي بالقول : إنحلال عقلي، قابلية وراثية، تخلف بنيوي ! أما التحليل النفسي فيعمد الى استيضاح هذه الحالات المرضية المخيفة. إنه يُعِدُّ بحوثا طويلة ودقيقة. ثم ينحت مصطلحات إضافية وتركيبات علمية. وفي الأخير يصبح بإمكانه أن يقول للأنا : "إن ما تغلغل في ذاتك ليس بالشئ الغريب عنك. إنما هو جزء من حياتك النفسية، إنسلَخ عن معرفتك وعن قدرة إرادتك للتحكم فيه. ولهذا فإنك تبدو ضعيفا في مقاومتك. إنك تصارع نصفا من قوتك بالنصف الآخر، فلم  يعُد بإمكانك جمع كل قوتك كما لو كنت تصارع عدوا خارجيا. أما ذاك الجزء الذي أصبح يعارضك ويخرج عن سيطرتك، فليس لأنه جزء خسيئ أو أقل قيمة من بين قدراتك النفسية. يلزمني القول بأن الخطأ هو من نصيبك. فلقد غاليتَ في تقدير قوَتك عندما ظننتَ أنك قادر على التحكم  في نزواتك الجنسية واستغلالها كما يحلو لك، معتبرا أنه ليس لزاما عليك البته، الأخذ بعين الإعتبار بتطلعات هذه النزوات. فهاهي قد ثارت ثم اتبعت مسالكها الغامضة كي تتخلص من القمع. إنها غنمت حقها بطريقة لم يعد بإمكانك تقبلها. فأنت لم تعُد تعرف كيف تصرفَت هذه النزوات، ولم تعُد تَعلمُ شيئا عن الطرق التي اختارت اقتفاءها. أما ما وصل الى علمك، فهو العَرَض وحده ولا غير. إنه حصيلة كل ما حصل، وهو يتمظهر من خلال المعاناة التي تقاسيها أنت. لذا فأنت لا تتعرف عليه على أنه حصيلة نزواتك المرفوضة فتجهل بأنه إشباع بديل لهذه النزوات. 

 

"وهذه السيرورة ليست ممكنة الأ بشرط واحد : وهو أنك مازلت على ضلال بخصوص نقطة أخرى مهمة. فأنت تظن أنك على علم بكل ما يدور بخلدك، وبأن وعيك سيطلعك بكل كبيرة وصغيرة تخطر به. أما عندما لم يصلك خبر عن أمر يدور بخلدك، فإنك تؤكد وبكلك ثقة، بأن ليس له وجودا. إنك تذهب الى حد اعتبار ماهو نفسي كمرادف لما يتم الوعي به، أي بما هو معروف من لدنك. وكل هذا رغم البراهين القاطعة بأن ما يحدث في نفسك هو أكبر بكثير مما يصل الى وعيك. فاسمح لنفسك إذن أن تتفقه أكثر حول هذه النقطة. 

 

" إن النفس لديك لا تتطابق كلية مع الوعي. فليس نفسُ الشيءِ أن يُخالج  وجدانَك أمرٌ ما أو أن تكون أنت، إضافة الى ذلك، على علم بما حدث. أشاركك القول بأن ما يصل وعيَك من معلومات قد يكفي عادة لتلبية احتياجاتك، فتكتفي هكذا بإيهامك بأنك تعلم بما هو أهم. إلا أنه في حالات جلى، قد ينشف عِلمك وتبقى إرادتك قاصرة بقدر قصور معرفتك. وفي كل الحالات تبقى معلوماتك ناقصة وغالبا ما تكون غير حقة. وكم يحدث ألا يتم اطلاعك على الأحداث الأ بعد وقوعها وحيث لم يبق لك استطاعة في تعديلها. فمن ذا الذي، وإن لم تُكن أنت بعدُ في حالة مرض، بإمكانه أن يقدِّر ما يدور بخلدك وأنت لا تعلم عنه شيئا أو قد علمت أشياء خاطئة عنه ؟ إنك تتصرف كمَلِك مُطْلق، يكتفي بالمعلومات التي يمده بها كبار وجهاء البلاط ولا ينزل نحو الشعب كي يسمع صوته. فادخُل الى نفسك عميقا وتَفَقه أولا كيف تتعرف عن ذاتك، أنذاك ستفهم لماذا قد تسقطُ مريضا، فيمكنك، ربما أن تتفادى ذلك."

 

إن التحليل النفسي يريد أن يعلِّم الأنا هكذا وبهذه الطريقة، انطلاقا من الإضاءتين اللتين مفادهما أنه من غير الممكن السيطرة الكاملة على الحياة النزوية الجنسية وبأن السيرورات النفسية لهذه الحياة هي لاشعورية في حد ذاتها وهي لا تصبح في متناول الأنا وتكون تابعة له إلا بواسطة إدراك ناقص وغير يقيني. إن هاتين الإضاءتين اللتين قدمهما التحليل النفسي تساويين القول بأن الأنا ليس بالسيد في عقر داره. فهاتين المقولتين لوحدهما يشكلان الإذلال الثالث للإعتزاز الإنساني بالذات وهو ما أسميه الإذلال السيكلوجي. فليس من المدهش إذا الا يحظي التحليل النفسي باعتبار الأنا له بل إن هذا الأخير يرفض بكل عناد أن يضع ثقته فيه.



قليل من الناس بلا ريب، قد قبلوا بهذه الحقيقة بكل وضوح : إن تقبل فرضية السيرورات النفسية اللاشعورية قد تخلف عواقب عظمى سواء على مستوى العلم أو على مستوى الحياة اليومية. لكن لنسارع كي نضيف بأن التحليل النفسي ليس هو أول من قام بهذه الخطوة. من بين هولاء الأولين يمكن الإشارة الى فلاسفة أجلاء وفي مقدمتهم المفكر العظيم شوبنهاور القائل ب "الإرادة" اللاشعورية والتي توازي النزوات النفسية في التحليل النفسي. إنه المفكر ذاته الذي ذكَّر الناس، بواسطة تعابير ذات قوة لا تُنسى، بأهمية تطلعاتهم الجنسية والتي لم تُقَدر حق قدرها. أما التحليل النفسي فلا يحظى الا بالأفضلية الوحيدة المتمثلة في كونه لا يؤكد بطريقة مجردة على هذين الفرضيتين المقرِحَتين جدا للنرجسية واللتين يمكن تلخيصهما في الأهمية النفسية للحياة الجنسية وأيضا في الطبيعة اللاشعورية للحياة النفسية. إن التحليل النفسي يقدم الدليل على ذلك بواسطة عطاءات تخص كل فرد على حدة وتُلزم كل واحد أن يتخذ موقفا قبالة هذه المسائل. ولذا بالذات فإن التحليل النفسي يصبح مصب نفور ورفض الناس الذين مازالوا يتوارون متخوفين أمام إسم هذا الفيلسوف العظيم. 

 

 

7

                                                                       هوامش            


 

 

                                                        

                                                    مراجع 

 

[1]- CARDINAL Marie, Les mots pour le dire, Editions Grasset & Fasquelle, Collection Le livre de poche), 1975.

[2]- DOLTO Françoise, Le cas Dominique, Paris, Editions du Seuil, (Collection Essai), 1985.

[3]- FREUD Sigmund, (1910), Cinq leçons de psychanalyse, Paris, Editions Payot & Rivages, 2001.

[4]- FREUD Sigmund, (1915-1917), Introduction à la psychanalyse, Paris, Editions Payot & Rivages, 2001.

[5]- FREUD Sigmund, (1917), « Une difficulté de la psychanalyse », in Essais de psychanalyse appliquée, Editions Gallimard, 1933

[6]- ROUDINESCO Elisabeth, Pourquoi la psychanalyse ?, Paris, Fayard, 1999.

 

 

 

 

 

Comments