تنقل

أثــار العنــف و إســاءة معاملــة الأطفــال علــى الشخصيــة المستقبليــة..

أثــار العنــف و إســاءة معاملــة الأطفــال علــى الشخصيــة المستقبليــة

أ.  سوســن شاكــر الجلبـي

 كليــة التربيــة

 

 رئيســة الجمعيـــة العراقيـــة لدعـــم الطفولـــة 2003

اشراف : الاستاد الدكتور احمد شاهين

دكتوراه في مناهج العلوم التربويه

 

 

                  مقدمة

    بدأ الاهتمام بالطفل في مطلع العشرينات من القرن الماضي بظهور قوانين لحماية الطفل حيث صدر أول إعلان لحقوق الطفل في العام 1923 وتبلور عنه إعلان جنيف لحقوق الطفل في العام 1924 ثم اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1959 إعلانا عالميا لحقوق الطفل و تلى ذلك إعلان عام 1979 سنة دولية للطفل . وفي عام 1989 صدرت اتفاقية حقوق الطفل التي تعهدت بحماية وتعزيز حقوق الطفل ودعم نموه ونمائه ومناهضة كافة أشكال ومستويات العنف الذي قد يوجه ضده . وتضمنت المادة (19) من الاتفاقية حماية الطفل من كافة أشكال العنف والإيذاء البدني والعقلي والاستغلال الجنسي وغيره ووجوب اتخاذ الدولة الإجراءات الكفيلة بمنع ذلك بما فيها تدخل القضاء ( 6) 

   و ألقت ظاهرة سوء معاملة الأطفال وإهمالهم اهتماما مجتمعا متزايدا خاصة في العقود الثلاثة الماضية وخاصة بعد إقرار اتفاقية حقوق الطفل و إقرار هذه الحقوق في وثائق دولية وتشريعات قانونية .

    ومن معالم هذا الاهتمام المتزايد خصصت الرابطة الأمريكية لعلم النفس في مؤتمرها السنوي الذي عقد في أب من عام 2001 في سان فرانسيسكو 30 جلسة عن ظاهرة سوء معاملة الأطفال child abuse وتراوحت ما بين ( جلسات بحوث ، وحلقات نقاشية ، وورش عمل ، وتدريب التعليم المستمر للاختصاصين والعاملين في هذا المجال والمهتمين به ) (1)

 

                  حجم ظاهرة العنف والإساءة ضد الأطفال

    من الصعوبة بمكان تحديد عدد الأطفال الذين تعرضوا للإساءة أو العنف إلا أن المدير الإقليمي للشرق الأوسط بمنظمة الصحة العالمية أشار إلى ان استخدام العنف ضد الأطفال يمثل كارثة ومأساة حقيقية لطبيعتهم الرقيقة وضعفهم في المقاومة غير انه وراء إصابة (80 ) مليون طفل دون الخامسة عشر من العمر بالإدمان من مجموع أطفال العالم (7)

    وكشفت الدراسة الوطنية لمعدلات حالات سوء المعاملة والإهمال للأطفال التي صدرت عام 1996 ان عدد الأطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة قد ارتفع عددهم إلى 2,8  مليون في الولايات المتحدة الأمريكية . وتشير الإحصاءات في الأردن إلى ان عدد الاعتداءات على الأطفال وصل في عام 1995 إلى 17115 حالة (8 ) . وتشير بعض البحوث إلى ان سوء معاملة الأطفال يحدث في كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وتبين ان 80% إلى 90% من الحالات يكون الشخص المسيء أو المنتهك من الذكور وغالبا ما يكون قريبا أو صديقا للأسرة (1) 

 

                  مفهوم الإهمال وسوء المعاملة

·   ·    شهد تعريف سوء المعاملة الطفل تطورا ملحوظا في العقود الماضية فمن المفاهيم الكلاسيكية التي طرحت عن هذه الظاهرة ما قدمه كمب و آخرون عام 1962 عن متلازمة الطفل المنسحق battered child syndrome  وتصف هذه المتلازمة سوء معاملة الطفل على أنها إيقاع الأذى الخطر او إصابات خطرة بالأطفال الصغار بواسطة الوالدين او مقدمي الرعاية وغالبا ما ينتج عن الإصابات التي تشمل كسورا وتجمعات دموية بالدماغ و إصابات متعددة في الأنسجة الرخوة وعجز مستديم وحدوث وفاة .

·   ·    ذكر قاموس وبستر ان من معاني سوء المعاملة والإهمال للطفل هو ممارسة القوة الجسدية بغرض الإضرار بالطفل وقد يكون الإضرار مادي من خلال ممارسة الضرب او معنوي من خلال تعمد الإهانة المعنوية للطفل بالسب او التجريح او الإهانة (3)

·       ·         ويوسع جيل gil   1974  مفهوم سوء المعاملة للطفل ليشمل أي فعل يحرم الطفل من ان يحقق إمكاناته الجسمية والنفسية .

·   ·    وتعرفه إدارة الصحة والخدمات الإنسانية بالولايات المتحدة الأمريكية 1981 بانه الإيذاء الجسدي او الإساءة الجنسية او المعاملة القائمة على الإهمال او سوء المعاملة للطفل تحت سن الثامنة عشر من العمر وذلك بواسطة شخص يكون مسئولا عن رعاية الطفل ورفاهيته تحت ظروف تتعرض فيها صحة الطفل او رفاهيته للأذى او التهديد (1)

·   ·    وعرفه قانون الحماية والعلاج لسوء معاملة الطفل بالولايات المتحدة الأمريكية الذي صدر عام 1996 بان سوء المعاملة والإهمال هو ( في حده الأدنى هو أي فعل حديث او فشل في فعل من جانب أحد الوالدين او مقدم الرعاية تنتج عنه وفاة او إيذاء جسمي او انفعالي خطير او إساءة جنسية او استغلال جنسي او أي فعل او فشل في فعل ينتج عنه خطر وشيك الحدوث لأذى خطير ) (1)

·   ·    ان مفهوم سوء المعاملة والإهمال للأطفال قد يتسع ليتضمن ظاهرات وحالات عديدة من سوء المعاملة للأطفال ومن الأساليب الخاطئة في تنشئتهم  . بل قد يمتد أيضا ليشمل صدمات الطفولة او الأطفال المصدومين نتيجة للخبرات المؤلمة او الصدمية التي تعرضوا لها وهي خبرات تعطل او تعوق ارتقائهم النفسي . ولاشك ان تعرض الأطفال لخبرات سوء المعاملة والإهمال يشكل في حد ذاته ( صدمة ) للطفل وصدمة الإساءة لها من التبعات والعواقب والمظاهر التي تؤثر على الصحة النفسية للفرد (1)

 

                  أنماط إساءة المعاملة للطفل :

   هناك أنماط عديدة لإساءة المعاملة للطفل والعنف ضده وهي ما يأتي :

1.   1.   الإساءة الجسدية وهي أية إصابة للطفل لا تكون ناتجة عن حادث وقد تتضمن الإصابة كالكدمات او الخدوش او آثار ضربات أو لكمات بالجسم او الخنق والعض والدهس والمسك بعنف وشد الشعر والقرص والبصق  او كسور في العظام او الحرق او إصابة داخلية او حتى الإصابة المفضية الى الموت

2.   2.   الإساءة الجنسية وهي حالة ما يعمد شخص اكبر الى استخدام الطفل لأجل أغراض جنسية مثل الاغتصاب والتحرش الجسدي والجنسي في الشوارع والمواصلات والأماكن المزدحمة والتحرش من قبل أرباب العمل او من خلال إجبار الأطفال على ممارسات جنسية متنوعة(8)

3.      3.      الإساءة الانفعالية : استخدم bassared.hard  مجموعة من صور الإيذاء النفسي الذي يظهر في الأشكال الآتية :

·   ·    الازدراء وهو نوع من التصرف يجمع بين الرفض والذل فمثلا يرفض أحد الوالدين مساعدة الطفل ويرفض الطفل نفسه وقد ينادي الطفل بأسماء تحط من قدره ووصفه بأنه وضيع .

·   ·    الإرهاب ويتمثل بالتهديد والإيذاء الجسدي للطفل او التخلي عنه اذا لم يسلك سلوكا معينا او بتعريض الطفل للعنف او التهديد من قبل أشخاص يحبهم او تركه بمفرده في حجرة مظلمة

·   ·    العزلة وهي عزل الطفل عن من يحبهم او ان يترك بمفرده لفترات طويلة وربما يمنع من التفاعلات مع الزملاء او الكبار داخل وخارج العائلة

·   ·    الاستغلال والفساد ويتضمن تشجيع الطفل على الانحراف مثل تعليمه سلوكا إجراميا او تركه مع خادم او تشجيعه على الهروب من المدرسة او الاشتراك في أعمال جنسية

·   ·    إهمال لردود الأفعال العاطفية ويتضمن إهمالا لمحاولات الطفل التفاعل مع الكبار مثل اللمس والكلام والقبلة والوالدان هنا يشعران الطفل انه غير مرغوب فيه عاطفيا . (  9)

4.      4.      الإهمال وهو في حالة ما يترك الطفل غالبا وحيدا لمدة طويلة او يهمله الوالدان بما يتسبب فيه حدوث مشكلات انفعالية او صحية للطفل

5.   5.   الإساءة الصحية ويتمثل في معاناة الطفل من الجوع والبنية الهزيلة والتقمل والملابس غير المناسبة ويشعر الطفل نتيجة لذلك بعدم وجود أحد يرعاه

 

                  آثار الحصار الاقتصادي الجائر والحروب على إساءة المعاملة والعنف ضد الأطفال في العراق

    منذ فرض الحصار الجائر على العراق في عام 1990 وتعرض العراق لحرب ضروس عام 1991 وعام 2003 ،  نجد ان الأطفال هم الضحايا البريئة الذين تأثروا بآثار ذلك والفئة الأكثر تضررا وتعرضا للإساءة والعنف والإهمال بسبب ما افرزه الحصار والحروب من ضغوط ومآسي نفسية واجتماعية وصحية وتربوية على العائلة العراقية فمن مظاهر الإساءة والعنف التي سببتها الحروب والحصار لأطفال العراق هي ما يأتي : 

·   ·    ازدياد معدلات وفيات الأطفال  دون سن الخامسة من العمر بسبب نقص التغذية والخدمات الصحية والأدوية والعناية الطبية من 25 حالة وفاة لكل ألف ولادة حية سنة 1990 الى 137 حالة وفاة لكل ألف ولادة حية عام 2000

·   ·    تردي الوضع التغذوي وارتفاع نسبة الإصابة بفقر الدم ونسبة الولادات الناقصة الوزن من 4,5%  عام 1990 الى 25,6 % عام 2001 بسبب نقص السعرات الحرارية في الطعام ونقص كمية البروتين

·   ·    نقص اللقاحات والفيتامينات وقلة المعقمات والمطهرات والتلوث البيئي الذي أسيء للطفل  بشكل خاص و أدى الى انتشار الأمراض وخاصة الكوليرا والجرب والتيفوئيد وذات الرئة والتهاب الكبد الفيروسي والخناق ( 10 )

·   ·    استخدام القوات الأمريكية لليورانيوم المنضب بسبب قصفها  واستخدامها للأسلحة المحرمة دوليا الذي أدى الى انتشار حالات السرطانات بين الأطفال والإسقاط والتشوهات الخلقية واعتلال العضلات والأعصاب وضمور الغدة الدرقية وتأخر النمو وعجز الكليتين وتقرن الجلد وازدياد حالات استسقاء الدماغ وعدم نموه ( 11)

·   ·    الإساءة للطفل وحرمانه من التعليم والالتحاق بالمدرسة وازدياد ظاهرة التسرب بسبب اشتغال الأطفال ببعض الأعمال ومساعدة أسرهم وبلغ مجموع التاركين الدراسة عام 1998 ( 111552) طفلا وطفلة

·   ·    الإساءة النفسية والانفعالية للطفل من خلال حرمان الطفل من توفير ابسط مستلزمات العيش له فضلا عن ازدياد حدة المشكلات الأسرية وغياب الأب و الام عن البيت وازدياد حالات التفكك الأسرى بسبب طلاق أحد الوالدين او الهجرة الى خارج الوطن او الوفاة  مما أدى الى شعور بعض الأطفال بالقلق والخوف والتهديد والخطر وفقدان الثقة بالنفس والسلوك العدواني وقلة النشاط والخمول

·   ·    تعرض الأطفال للاجهاد والتعب والإساءة الجسمية والانفعالية والجنسية  والمخاطر والحوادث من خلال التحاقهم بالعمل وفي سن مبكر  وقد أظهرت دراسة أجريت في عام 2001 الى ازدياد حدة المشاكل السلوكية بين الأطفال العاملين وتبلورت بالتدخين والعودة في ساعات متأخرة  من الليل الى البيت وتعاطي المسكرات والتردد على دور السينما والنوم في الشوارع والسرقة والمضايقات والمعاكسات والتحرش من قبل الكبار .(12)

·      ·         ازدياد عدد حالات جنوح الأطفال الأحداث بسبب الحرمان الأبوي والأموي وظروف الحصار الاقتصادي الجائر

 

                  العوامل المسببة لإساءة الأطفال

1-    1-    العوامل الأسرية

   تعد الأسرة هي المصدر الرئيسي في عملية التنشئة الاجتماعية لما لها من دور كبير في رعاية الطفل وإشباع حاجاته الأساسية من طعام وشراب و إشعاره بالأمن .

    الا ان ظروف الحصار الاقتصادي الجائر الذي امتد اكثر من أحد عشر عاما على العراق والحروب التي تعرض لها العراق أدى الى ان تكون هناك العديد من العقبات أمام الأسرة واثر ذلك تأثيرا كبيرا على عملية التنشئة الاجتماعية واتبعت كثير من الأسر ممارسات أساءت بها الى الطفل ومنها ما يأتي :

1.      1.      خروج الأم للعمل واستمرارها به لساعات طويلة خلال النهار وحرمان الطفل من العطف والحنان

2.      2.      الخلافات الأسرية بسبب الظروف الاقتصادية وما نجم عن ذلك من فراق او طلاق بين الوالدين

3.      3.      انشغال الآباء بالعمل او الهجرة الى خارج الوطن وغيابهم المستمر عن الأسرة

4.      4.      ازدياد عدد حالات الأسر التي تعيش تحت خط الفقر  المدقع وسوء التغذية

5.      5.      الضغوط النفسية التي يعانيها أحد الوالدين او كلاهما التي تؤثر تأثيرا كبيرا في رعاية الطفل

6.      6.      ضيق المسكن وكبت حرية الطفل

7.      7.      قضاء الأطفال الوقت الطويل خارج المنزل

8.      8.      جهل الوالدين بأساليب  التنشئة الاجتماعية السليمة

9.      9.      ارتفاع عدد أفراد الأسرة الذين يعيشون في منزل واحد

10.  10.   المعاملة التمييزية ضمن الأسرة

11.  11.   عزلة الأسرة اجتماعيا وضعف العلاقات الأسرية والشخصية والاجتماعية

12.  12.   ضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه أفراد الأسرة

    كما ان بعض الأسر قامت بأدوار وممارسات عديدة أثناء تربيتها لأطفالها وبشكل ضمني او بشكل واضح ملموس من خلال أفعال كالترهيب او بث القلق والخوف في نفوس الأطفال او معاقبتهم او صب اللعنات عليهم او عدم إشباع حاجاتهم العاطفية . وتقوم بعض الأسر بسوء معاملة الطفل نفسيا كإشعاره بأنه لا قيمة له وانه غير محبوب او غير مرغوب فيه او سبه بأقذع الشتائم وإهانته أمام الآخرين

    و أكد العديد من علماء الاجتماع على وجود مستويات عدة تسهم في إساءة معاملة الطفل ومنها اثر تاريخ الأسرة على ممارسات الأب والأم والنظام الخارجي للأسرة وخصائص الجيران ومساندة الأسرة ومكونات ثقافة الأسرة  (2)

ولوحظ ان الأطفال الذين يعيشون الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يقع الآباء تحت وطأتها تكون اكثر عرضة للإساءة النفسية . كما ان الأسرة التي تعاني من أزمات اقتصادية والتي لا تعدل في معاملتها بين الجنسين والتي لا توفر العون والمساعدة لأطفالها هي اكثر الأسر التي تدفع أطفالها الى المعاناة النفسية (2) (14)

2-    2-    الضغوط الاجتماعية

    وتتمثل الضغوط الاجتماعية في الأسرة بالفقر والبطالة وعدم التكافؤ الاجتماعي ووجود طفل معاق وغالبا ما يكون ضحايا الإهمال للفقر والفشل في توفير المأكل والمسكن والرعاية الطبية وزيادة حجم الأسرة ونقص الموارد المالية تمثل ضغطا اجتماعيا كبيرا . ويعد الحصار الاقتصادي المفروض على العراق والحروب التي تعرض لها الضاغط النفسي والاجتماعي الكبير الذي هدد كيان الأسر (13)

 

                  النتائج المترتبة عن إساءة معاملة الأطفال على شخصياتهم المستقبلية

    ان سوء معاملة الطفل وإهماله يؤثر ذلك تأثيرا كبيرا على شخصيته المستقبلية من خلال ما يأتي :

1.      1.      ضعف الثقة في النفس

ان ثقة الفرد بنفسه وقدراته عامل مهم يؤثر في شخصيته وفي تحصيله وإنجازاته وقد أشارت كثير من الدراسات الى ان هناك ارتباط كبير بين مفهوم الذات وبين التحصيل الدراسي فالطفل الذي لم تنم لديه الثقة في نفسه وقدراته ويخاف من المبادرة في القيام بأي عمل او إنجاز، يخاف الفشل ويخاف التأنيب لذا تراه مترددا في القيام بأي عمل . ان هذا الخوف متعلم نتيجة العبء الثقيل الذي يتركه الوالدين على عاتق الطفل والتنافس الاجتماعي ما بين أفراد الأسرة الواحدة (6)

2.      2.      الشعور بالإحباط

ان الطفل يشعر بالإحباط إذا ما تهدد أمنه وسلامته ويرى ماسلو ان الإحباط الناشئ عن التهديد واستخدام كلمات التحقير أمام زملاء الطفل والاستهزاء بقدراته وعدم إشباع الحاجات الفسيولوجية للطفل يؤثر تأثيرا كبيرا على سلوك الطفل (6)

3.      3.      العدوان

ان شدة العقاب والإهمال الذي يوقعه الوالدين في الطفل يثير من عدوانية الطفل وشراسته وقد يكون رد فعل الطفل الإمعان في سلوك العدوان على الآخرين

4.      4.      القلق

ان سوء معاملة الطفل وإهماله يؤدي إلى شعور الفرد بالقلق الدائم وعدم الاستقرار النفسي والتوتر والأزمات والمتاعب والصدمات النفسية والشعور بالذنب والخوف من العقاب فضلا عن الشعور بالعجز والنقص والصراع الداخلي

5.      5.      المشكلات النفسية والسلوكية الطويلة الأمد

كشفت نتائج الدراسات التي أجريت على الأطفال ضحايا سوء المعاملة والإهمال عن صورة إكلينيكية واضحة المعالم تكمن بؤرتها في صدمة الإساءة التي قد تتبدى آثارها فيما يعرف باضطراب ضغوط ما بعد الصدمة عند الأطفال وهو اضطراب يظهر في متلازمة من الأعراض مثل ( الخوف الشديد والهلع والسلوك المضطرب او غير المستقر ووجود صور ذهنية او أفكار او ادراكات او ذكريات متكررة وملحة عن الصدمة والأحلام المزعجة ( الكوابيس ) أثناء النوم والسلوك الانسحابي والاستثارة الزائدة وصعوبة التركيز وصعوبات النوم . ان المشكلات النفسية والسلوكية الناتجة عن صدمة الإساءة تظل قائمة ونشطة التأثير على الصحة النفسية للطفل لأنها بقيت كخبرة والصدمة تعيش مع الطفل والطفل يعيش معها (1)

6.   6.   سلوكات شاذة وغريبة وتشمل عادات غريبة في الأكل والشرب والنوم والسلوك الاجتماعي واضطراب في النمو الذهني والعجز عن الاستجابة او للمنبهات المؤلمة كما يظهر لدى هؤلاء الأطفال أعراض انفعالية تتضمن الغضب والإنكار والكبت والخوف ولوم الذات والشك والشعور بالعجز وانخفاض تقدير الذات والشعور بالذنب والبلادة (1)

 

    ويوضح الجدول الآتي مظاهر الشخصية  المستقبلية المتوقعة للأطفال الذين تعرضوا لإساءة المعاملة والإهمال والعنف بسبب الحصار الاقتصادي الجائر المفروض على العراق

 

 

آثار الحصار والحروب على الأطفال في العراق

نوع الإساءة المستخدمة

الشخصية المستقبلية المتوقعة للطفل

الحرمان الغذائي / الهروب من المدرسة / انخفاض المستوى التحصيلي / ترك الدراسة / بطء التعلم / الفشل الدراسي

القسوة والعنف البدني واللفظي

ضعف الثقة بالنفس / العدوانية / الرفض في التعبير عن المشاعر / الاضطرابات العصابية / اللامبالاة / التبعية الاجتماعية للآخرين وعدم/ الاستقلالية / الخوف الشديد / ضعف المبادأة / التفكير بالانتحار

خروج المرأة للعمل/  غياب الوالدين لساعات طويلة خارج المنزل / ضعف التفاعل الاجتماعي مع الطفل  / ترك الطفل لوحده لساعات طويلة / حرمان الطفل من شراء الحاجات والمستلزمات الخاصة به

النبذ الصريح للأطفال

الشعور بفقدان الأمن / السلوك العدواني والرغبة في الانتقام / الحقد / العناد / الوحدة والعزلة / الخضوع / الخجل / ضعف القدرة على تبادل العواطف مع الآخرين / سوء التوافق الاجتماعي

العمل المبكر للأطفال / جنوح الأحداث / بقاء الطفل لوحده مع الخدم داخل المنزل / طلاق الوالدين / المشاكل الأسرية / وفاة أحد الوالدين

الإساءة الجنسية للطفل

الشكاوي الجسمية / الكوابيس / الشعور بالتعرض الدائم للهجوم / السلوك العدواني تجاه الآخرين ، الانسحاب / السرقة ،الهروب من المنزل ، استخدام المشروبات الكحولية / استخدام المخدرات / التدخين ، القيام بأعمال غير مشروعة 

البطالة / الفقر وسوء التغذية / الإصابة بالأمراض لأحد أفراد الأسرة / إعاقة أحد أفراد الأسرة / العقاب المدرسي / الأزمات الصحية للأسرة

الإساءة الانفعالية

الشعور بالنبذ والكراهية للأفراد الذين حول الطفل / الأعراض السيكوباثية / القلق / الجفاء / انخفاض تقدير الذات / الرغبة في الموت / الشعور بالوحدة / عدم القيام بالواجبات المدرسية / مضايقة الزملاء / الرفض الاجتماعي / عدم الأمانة

عدم تلبية حاجات الأسرة / انشغال الوالدين / كثرة عدد أفراد الأسرة / الضغوط الأسرية / الفقر / البطالة / عدم تحمل المسئولية من قبل أحد الوالدين

الإهمال

فقدان الانتماء الأسرى / السلوك المضطرب / فقدان الإحساس بالمكانة الاجتماعية داخل الأسرة / عدم الرضا عن المجتمع / السلوك الغريب في الأكل / الخروج المستمر عن القواعد / الميول الانتحارية / مفهوم الذات السلبي / انخفاض المستوى التحصيلي / عدم التوافق مع البيئة

 

                  التوصيات

    ومن خلال ما تقدم يمكن ان توصي الباحثة بما يأتي :

1.      1.      ضرورة رفع الحصار الظالم المفروض على العراق ورفع المعاناة عن أطفال العراق الذي لم يعد له أي مبرر مسوغ .

2.      2.      توعية الأسرة والمدرسة والمجتمع ببنود اتفاقية حقوق الطفل من خلال مجالس الآباء والأمهات ووسائل الإعلام المختلفة

3.      3.      ضرورة مكافحة العنف وكافة أشكال الإساءة والمعاملة للأطفال من خلال أجهزة الإعلام المختلفة وتطوير أساليب التدريس وتضمين المناهج الدراسية الحقوق التي ينبغي ان يتمتع بها الأطفال وضرورة احترامها

4.      4.      تفعيل دور المؤسسات الدينية التثقيفي والتوعوي في مكافحة العنف والإساءة ضد الأطفال

5.   5.   ان تقوم المنظمات والجمعيات النسائية  بالدور الكبير في توعية وتثقيف الأمهات بمعنى الإساءة للطفل وأشكالها وأضرارها وتأثيرها على الصحة النفسية

6.      6.      ضرورة قيام المؤسسات الإعلامية بفحص الأفلام والبرامج الخاصة بالأطفال ومراعاة خلوها من العنف والإساءة للأطفال

7.      7.      معالجة مشكلة تسرب الأطفال من المدارس وتطبيق القوانين للحد من هذه الظاهرة

8.      8.      الاهتمام بتعيين المرشدين التربويين في المدارس الابتدائية للتدخل في معالجة مشكلات الأطفال المساء إليهم

 

المصادر

1.       1.       مجلة الطفولة والتنمية ، نحو ستراتيجية لحماية الطفل من سوء المعاملة والإهمال 2001 ( ص21-24)

2.       2.       مجلة الطفولة والتنمية ، سوء المعاملة النفسية للطفل في الأسرة الفلسطينية ، 2001 ( ص 249-250)

3.       3.       مؤتمر العنف ضد المرأة والطفل ( من شبكة الانترنيت ص1)

4.       4.       القطامي والرفاعي ، نمو الطفل ورعايته ص51 بيروت لبنان 1989

5.       5.       ناصر ، لميس ، تقرير العنف ضد الأطفال اليونيسيف ص33

6.       6.       الطراونة ، إساءة معاملة الطفل الوالدية أشكالها ودرجة التعرض لها ، مجلة دراسات العدد 2 (2000) ص414

7.       7.       اين ، سهى المتخلفون عقليا بين الإساءة والإهمال ، دار قباء للطباعة والنشر 2000 ص33

8.       8.       الجلبي ، سوسن ، انتهاكات الحصار الاقتصادي لحقوق الأطفال في العراق 2002

9.       9.       الحداد ، سلمى ، تأثير اليورانيوم المنضب على الحالات السرطانية في العراق 2001

10.   10.   الجلبي ، سوسن ، العمل المبكر للأطفال في ظل ظروف الحصار 2001

11.   11.   الجلبي ، سوسن ، اثر الحصار الاقتصادي على الجوانب النفسية والاجتماعية والتربوية والصحية للأطفال في العراق في ضوء اتفاقية حقوق الطفل ، وزارة الثقافة والإعلام 1994

12.  12.   حسن ، سمر الحاج إساءة معاملة الطفل ، مؤسسة نهر الأردن ( ص5 ) 2001

 

 

 

 

تشرين ثاني 04, 2003 - 15:17 أثــار العنــف و إســاءة معاملــة الأطفــال علــى الشخصيــة المستقبليــة

( دراسة في زمن الحصار الاقتصادي والحروب على العراق )

أ. د.  سوســن شاكــر الجلبـي

 كليــة التربيــة- ابــن الهيثـــم

 جامعــــة بغــــداد

 رئيســة الجمعيـــة العراقيـــة لدعـــم الطفولـــة 2003


إعاقة الطفل العقلية كإحدى عوامل الخطورة المحركة لإيقاع الإساءة عليه

سيد عادل توفيق رطروط - أخصائي توعية وتدريب - مؤسسة نهر الأردن - الأردن

ملخص الدراسة : هدفت هذه الدراسة إلى التعرف على احتمالية إصابة الطفل المعاق عقلياً بمخاطر سوء المعاملة الوالدية ،والى كيفية تعامل الأسرة مع طفلها المعاق عقلياً.

استخدمت الدراسة منهج دراسة الحالة الفردية القائم على دراسة وضع الطفل المعاق ودراسة أسرته كوحدة تحليلية رئيسية.واستخدمت الدراسة أداة على شكل استبانه وجهت أسئلته إلى المشرف على رعاية الطفل المعاق ، بالإضافة إلى استخدام أسلوب المقابلة المعمقة .

أما عينة الدراسة فكانت قائمة على اختيار طفل معاق عقلياً ممن صنفت حالته في سنة 2000 على أنها إساءة جسدية في مكتـب الخدمة الاجتماعية / إدارة حماية الأسرة وبطريقة مقصودة. وبناء على ذلك فان نتائج هذه الدراسة لا يمكن لها الانسحاب في التعميم على مجتمع الدراسة الأشمل من الأطفال المعاقين عقلياً، ولكن قد تكون نتائج هذه الدراسة مؤشراً لأبرز الظروف والأمور التي قد تشكل قاسم مشترك لموضوع التقبل أو عدمه في الدراسات الأخرى. وقد خلصت الدراسة إلى جملة من النتائج التي انبثقت من التساؤلات المطروحة في الدراسة ، ومن أبرزها :

1-الطفلة تعرضت إلى الإساءة الجسدية وإساءة الإهمال المتمثلة بالتخلي عنها " رميها قرب إحدى سكك الحديد " ، وتعرضها للحرق بماء ساخنة نتيجة إهمالها وذلك بسبب إصابتها المرضية.

2-الأسرة غير متقبلة للطفلة المعاقة إلى حد كبير ، وهناك كثير من السلوكيات الخاطئة والممارسات الخاطئة في عمليات التفاعل والتعامل مع الطفلة .

3-تفتقد الطفلة المعاقة للمهارات الاستقلالية الأولية واللازمة لها نتيجة عدم اهتمام الأسرة وقلة وعيهم بإصابة طفلتهم .

4-تدني المستوى التعليمي للأبوين وتدني المستوى الاقتصادي للأسرة أدى إلى التسريع في إساءة المعاملة للطفلة .

5-لا يتم إشراك الطفلة المعاقة في التفاعل مع أفراد أسرتها ومع المحيط الاجتماعي الخارجي .

6-تنظر الأسرة إلى إعاقة طفلتهم العقلية على أنها وصمة اجتماعية ضاغطة عليهم ، وهي تؤثر عليهم سلباً

مشكلة الدراسة وتساؤلاتها :

إن وجود طفل مصاب بإعاقة عقلية في الأسرة يفرض على هذه الأسرة الشروع بتعامل خاص مع هذه الإعاقة سواء أكان ذلك على نطاق الأسرة أو على نطاق المحيط الاجتماعي. ومن هنا تحاول هذه الدراسة الإجابة عن التساؤل الرئيسي التالي : هل تلعب إصابة الطفل بإعاقة عقلية دوراً في تحريك أو إيقاع الإساءة الجسدية أو الإهمال على هذا الطفل المعوق؟

ويتفرع من هذا التساؤل عدة أسئلة فرعية لها علاقة بمشكلة الدراسة أعلاه :

1- ما الخصائص الديموغرافية لهذا الطفل المعوق عقلياً ؟

2- ما الخصائص الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية لاسرة الطفل المعوق عقلياً ؟

3- ما هي الأساليب الرعائية المتبعة من قبل الأسرة مع طفلها المعوق عقلياً؟

4- هل الطفل المعوق عقلياً متقبل من قبل أسرته ؟

5- هل لخصائص الأسرة الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية دور في وقوع الإساءة على هذا الطفل المعوق عقلياً ؟

** أهمية الدراسة ومبرراتها :

إن التزايد المستمر في إعداد الأطفال ذوي الإعاقات العقلية قد يساهم في زيادة أعباء ثقيلة على اسر وذوي هؤلاء الأطفال مما لهذه الإعاقة من طبيعة خاصة تفرضها في توفير الأجواء الإيجابية أو السلبية لهؤلاء الأطفال . ومن هنا فإن أهمية هذه الدراسة تعود لجملة من الأمور يمكن إيجازها على النحو التالي :

1- قلة الدراسات والأبحاث العلمية التي طرقت موضوع إساءة معاملة الأطفال وعلاقتها بالإعاقة العقلية المصاحبة للأطفال المعوقين.

2- ارتكاز الدراسة على المنهج الكيفي النوعي القائم على إيجاد مساحة واسعة للذين تم مقابلتهم من أفراد أسرة الطفل المعوق من التعبير عما يجول في أذهانهم من آراء وأفكار عن إصابة طفلهم بهذه الإعاقة وكيفية التعامل مع هذه الأزمة من وجهة نظرهم.

3- محاولة الخروج بنتائج علمية وعملية قد تفيد العاملين في مجال الإساءة ضد الأطفال ، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة وعي الأسرة في كيفية التعامل مع أطفالهم المعوقين عقلياً.

** منهج الدراسة :

يستخدم هذا البحث المنهج النوعي القائم على دراسة الحالة ، والذي يقوم على دراسة الفرد المعوق واسرته.وبذلك تكون حدود الدراسة محكومة بهذه الأبعاد .

** مجتمع الدراسة :

يتألف مجتمع الدراسة من جميع حالات الإساءة الواقعة على الأطفال خلال منتصف عام 2000 والتي تعامل معها مكتب الخدمة الاجتماعية في إدارة حماية الأسرة والبالغ عددها 345 حالة إساءة.

** عينة الدراسة :

تم اختيار حالة إساءة واحدة – لطفلة أنثى- من ضمن الحالات الواردة إلى مكتب الخدمة الاجتماعية والتي كانت تعاني من الإعاقة العقلية وممن صنفت حالتها بعد الفحص الطبي الشرعي والدراسة الاجتماعية الأولية المعدة لها ولاسرتها على أنها تعرضت للإساءة الجسدية ( سكب الماء الحار على الطفلة ) ، والإهمال ( رمي الطفلة على أحد السكك الحديدية المجاورة لمنطقة سكن الأسرة).

** أداة الدراسة :

نظراً لطبيعة المنهج الكيفي فقد عمد معد الدراسة إلى الارتكاز على أسلوب طرح الأسئلة المفتوحة والمغلقة من خلال تصميم استبانة المقابلة التي تم إعدادها لطرحها من خلال الحوار والمناقشة مع القائمين على رعاية وتربية الطفلة ، حيث كان ذلك من خلال عدة مقابلات وجلسات أفردت خصيصاً ، علماً بأن والدي الطفلة وبعد شرح الهدف من هذه الدراسة لهم ابدوا استعدادهم للتجاوب مع الباحث ، لا سيما وان المعلومات التي تم رصدها موظفة لأغراض البحث العلمي فقط.

** مصادر جمع البيانات :

1- الملف الاجتماعي الخاص بالطفلة المعوقة عقلياً الموجود في مكتــب الخدمـة الاجتـماعية ( الدراسة الاجتماعية الأولية+ملف دراسة الحالة المعمق).

2- تقرير الطبيب الشرعي الذي أجرى الفحص الطبي الشرعي للطفلة .

3- أوراق التحقيق الشرطية الخاصة بالحالة .

** محددات الدراسة :

تتحدد الدراسة بمحدد أساسي هو اقتصار الدراسة على حالة واحدة من حالات الأطفال المعوقين عقلياً والتي تم الإساءة إليها. وبالتالي تتحدد نتائج هذه الدراسة فقط على الحالة مدار البحث ولا تنسحب بالضرورة هذه النتائج على باقي الأطفال المعوقين بنفس الإعاقة أو بإعاقات أخرى .

** المفاهيم النظرية والإجرائية للدراسة :

الأسرة : هي عبارة عن الوحدة الاجتماعية الأولى التي تهدف إلى المحافظة على النوع الإنساني وتقوم على المقتضيات التي يرتضيها العقل الجمعي والقواعد التي تقررها المجتمعات المختلفة ( النورجي ،1990 ،ص23 ).

الطفل : هو الفرد الذي يتراوح عمره ما بين سن الولادة وحتى 18 سنة.

الطفل المعوق : هو الطفل الذي لديه حاجات أساسية والتي تكون موجودة لدى الأطفال العاديين ، إلا انه نتيجة الاضطرابات السلوكية والجسدية والعاطفية تصبح لديه حاجات خاصة (الخطيب، 1993 ).

الطفل المعوق عقلياً : هو شخص يعاني من نقص أو تخلف أو بطئ في نموه العقلي يؤدى إلى تدني في مستوى ذكائه ومستوى تكيفه الاجتماعي ، فلا تتناسب قدرته العقلية ولا تتوافق مع عمره الزمني(نور،1973 ،ص10).

التخلف العقلي : انخفاض ملحوظ في القدرات العقلية العامة وعجز في التكيف يظهران في مرحلة النمو (الخطيب،1993،ص9 ).

خصائص الأسرة : هي تلك السمات المميزة لهيكل الأسرة من حيث (الخصائص الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية لافراد الأسرة ).

الدعم الاجتماعي : حاجة الأفراد إلى متنفس وفرصة كافية للتعبير عن مشاعرهم من مصادر متنوعة ( كالأقارب ، الجيرة ، الأصدقاء).

الإساءة : هو الفعل المقصود غير العرضي الصادر من قبل أحد أفراد الأسرة القائمين على رعاية وتنشئة الطفل بهدف إيذائهم والحاق الضرر بهم.

** الفصل الثالث :

* نتائج الدراسة توصياتها

** نتائج الدراسة ومناقشتها :

أولاً : الخصائص الديموغرافية للطفلة المعوقة : تدعى الطفلة نداء وهي تبلغ من العمر سبع سنوات ، وهي الطفلة الثالثة في ترتيب مواليد اسرتها. لها أربعة أشقاء كلهم من الذكور.لم تلتحق الطفلة مطلقاً بالمدرسة بسبب إصابتها بالإعاقة العقلية والشلل الدماغي.

ثانياً : موجز عن تكوين الأسرة : تزوج والدي الطفلة عام 1989 بحكم الجوار ومعرفة الأهل دون وجود صلة قرابة بينهما حيث أن كل منهما من بلدة مختلفة عن الآخر. وبسبب وجود بعض الأمراض عند ألام تأخر الزوجان في الإنجاب ولمدة عامين .بعدها رزقا وعلى التوالي بولدين –ذكرين- يعاني الأكبر منهما من إعاقة سمعية ونطقية ، أما الآخر فهو بصحة جيدة .بعدها كان الحمل الثالث وبفاصل زمني قصير –سنة واحدة- وكانت نتيجة هذا الحمل ولادة الطفلة نداء مدار البحث ، حيث ولدت -وحسب كلام ألام – وهي بصحة جيدة ولا تعاني من أي إعاقات ، إلا انه وبعد ثلاثة شهور أصيبت الطفلة بالحمى واهمل علاجها من قبل والديها الأمر الذي أدى إلى تفاقم حالتها وإصابتها بالشلل الدماغي وتلف في الدماغ مما أدى إلى الإعاقة العقلية. بعد هذه الولادة انجب الأبوين ولدينذكرين آخرين- وهم يعانون من بطئ من تأخر في الكلام.

ثالثاً : الخصائص الأسرية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة : يبلغ الأب من العمر 35 سنة وهو ذو مستوى تعليمي متدني إذ أن تحصيله العلمي لم يتجاوز التعليم الأساسي (الصف الخامس الابتدائي) .يعمل الأب بشكل متقطع كسائق عمومي على بعض سيارات السرفيس أو الشحن ، ولكنه لا يكاد يعمل حتى يترك هذا العمل ولاسباب تتعلق بطبيعة هذه المهنة ،وعدم الاستقرار هذا لا يمكنه من الحصول على دخل يُمكن أسرته من تغطية احتياجاتها الأساسية .ومما يذكر هنا أن الدخل المتأتي من عمل الأب –في حال بقاءه بالعمل- هو 130 دينار أضف على ذلك المعونة النقدية المتكررة التي يتقاضاها عن ابنته المعوقة نداء والبالغ قيمتها 30 دينار من صندوق المعونة الوطنية التابع لمديرية تنمية عمان الشرقية. أما بخصوص ألام فهي تبلغ من العمر 30 سنة وهي ربة بيت ومستواها التعليمي متدني ولم يتعدى الصف السادس الابتدائي.وقد تزوجت ألام من زوجها وهي في سن مبكرة ( 18 سنة) ، حيث ذكرت ألام بأنها لم تكن ترغب بالزواج في هذا العمر وانما كان إجبار أهلها لها هو السبب الرئيس في إتمام هذا الزواج إيماناً منهم بأن الزواج هو " ستيره للفتاة ... " ؟. تعيش الأسرة في بيت طابق ارضي وهو ملك ومكون من غرفة واحدة بالإضافة إلى منافعها . يوجد في البيت ماء وكهرباء وهو مربوط بشبكة الصرف الصحي .

رابعاً : التاريخ التطوري لاعاقة الطفلة والإساءة الواقعة : أشارت ألام بأنها لم تتعرض وهي حامل بطفلتها –مدار الدراسة- إلى مخاطر الأشعة المختلفة .وان ولادتها كانت طبيعية وغير معسرة ، وان ابنتها –وحسب مفاهيم ألام- صرخت بشكل طبيعي وكان وزنها ضمن الحدود الطبيعية ، ولكن بعد مضي ثلاثة اشهر أصيبت الطفلة ندا بالتهاب رئوي مصحوباً بارتفاع في درجة حرارتها.أهملت الأسرة علاج الطفلة مما أدى إلى تفاقم حالتها واصابة دماغها بالتلف والإعاقة العقلية .ومن هنا يمكن القول بأنه هذا التقصير هو أول بوادر علامات الإهمال ، فلو تم عرض الطفلة على الاختصاصي الطبي المناسب لاختلف – في رأي الوضع-. ويمكن عزو هذا الإهمال إلى جهل ألام والأب في مثل هذه القضايا ، أضف إلى ذلك إهمال الأب وعدم اهتمامه بأحوال وشؤون أسرته بشكل كافي .إن هذا الإهمال – وحسب كلام ألام – الصادر من زوجها أدى إلى أن تتحمل هي مسؤولية الإشراف والمتابعة الخاصة بشؤون طفلتها المعوقة " وكأنها بنتي بس وليست بنته" . وهنا تلتقي هذه النتيجة مع نتيجة دراسة الملكاوي ، والطراونة القائلة " بأن الأمهات أكثر معاناة في تعاملهم مع أمراض أطفالهم المزمنة ومنها الإعاقة".وتتفق ايضاً مع نتيجة دراسة جبريل ، والحديدي القائلة " بأن وجود طفل معوق في الأسرة من شانه أن يشكل مصدر تهديد بحيث يخلق هذا الوجود ضغوطاً جديدة تؤثر على أدوار الأسرة وعلاقاتها ".

وفي سياق مجريات المقابلات أشارت ألام انه بعد أن عرفوا بحالة الإعاقة العقلية التي أصيبت بها طفلتهم أصيبوا بخيبة أمل وشعورٍ باليأس والحزن والاستغراب والاستنكار والخجل الاجتماعي. وهذه المعلومات تتلاقى مع نتائج دراسة البداينة ويوسف وجبريل. ولقد ذكرت ألام بان ابنتها المعوقة قد عانت وتعاني كذلك من مضاعفات أخرى رافقت الإعاقة العقلية مثل ( فقدانها السمع الشبه كلي ، وفقدانها مهارات الكلام والحركة والمهارات الاستقلالية الذاتية ، هذا كله يقود إلى استنتاج عقلاني مفاده بوجود الإهمال الأسري كان قد وقع – ولا يزال- على هذه الطفلة ، ويمكن عزو هذه الاستنتاج إلى عدة أمور أبرزها :

1- تدنى المستوى التعليمي الخاص بأسرة الطفلة مدار الدراسة .

2- التدني في المستوى التعليمي أعلاه أدى إلى عدم وجود المعرفة الحسية الكافية للوالدين باحتمالية إصابة طفلتهم بإعاقة عقلية ، وخصوصاً عندما أهملت الأسرة معالجة الحالة المرضية العادية للطفلة والتي كانت مصحوبة بارتفاع درجة حرارتها . وحيث أن هذه الأمور لم تلاحق فقد كان لها الدور الرئيسي في إحداث مضاعفات انعكست وبشكل سلبي على هذه الطفلة .

3- ظنت الأسرة انه وبسبب عدم وجود تاريخ مرضي (أي وجود إعاقات ) في أسرتي الزوجين أن ابنتهم لن تصاب بهذه الإعاقة وخصوصاً عندما ارتفعت حرارتها ولم تعالج.

4- أما إذا افترضنا جدلاً بأن الأسرة لاحظت وجود مؤشرات سلبية على وضع وصحة طفلتهم ، ولكن يبدو أن الظروف الاقتصادية المتدنية المميزة لهذه الأسرة قد لعبت دورها كذلك في عملية إهمال معالجة هذه الطفلة .

إن هذه الاستنتاجات تتفق إلى حد ما مع ما جاءت به نتيجة دراسة يوسف حول أن إصابة بعض أطفال ذوي الدخول المتدنية بالإعاقة العقلية والشلل الدماغي تكون اكثر من إصابة ذوي الدخول المرتفعة بهذه الإعاقات.

ولقد أشارت ألام بأنها وزوجها لم يقومان أو يحاولان إجراء معاملة لإدخال طفلتهم إلى إحدى المراكز الخاصة المعنية بتأهيل ورعاية مثل هذه الإعاقات ، بل حاولت الأسرة عن طريق الأب التخلص من هذه الطفلة المعوقة عن طريق " إلقاءها على سكة الحديد التي يسير عليها القطار والمحاذية لسكن الأسرة قاصداً – أي الأب – أن يدوس القطار ابنته لإزهاق حياتها ، إلا أن إرادة الله لم تشأ ذلك حيث قام بعض الأفراد الذين شاهدوا هذا المنظر بإنقاذ هذه الطفلة وإرجاعها إلى أسرتها . علماً بان هذه الحادثة قد تناهت ووصلت إلى على إحدى المراكز الأمنية القريبة من منطقة سكن الأسرة وتم اتخاذ إجراء – اعتقد بأنه غير رادع- بحق الأب . وقد تداعت هذه الحادثة بنتائجها ، فقد عمدت وزارة التنمية الاجتماعية إلى تخصيص معونة نقدية ثابتة لهذه الطفلة كانت بقيمة 40 دينار وبهدف محاولة تحفيز الأسرة وإزالة بعض مشاعر الإحباط والألم الذي يعانوه .

إلا أن ذلك لم يردع الأب حيث قام مرة أخرى بسكب الماء المغلي على طفلته مما أصابها بحروق شديدة نوعاً ما ، وفي هذا الصدد ذكرت ألام ومن باب التبرير بأن زوجها لم يكن يقصد إيذاء الطفلة ولكن بطريق الخطأ انسكب الماء منه على الطفلة واصابها بالحروق.وتتفق هذه النتيجة مع نتيجة دراسة الطراونة القائلة بان الآباء أكثر عنفاً على أطفالهم من الأمهات .

وبسؤال ألام عن شعورها حيال الطفلة وما حدث لها من قبل والدها ، بدأت ألام بمحاولة التهرب وإطلاق الصفات غير السوية على ابنتها المعوقة فقالت بأنها ( كثيرة الغلبة ، تأكل كثيراً ، تبول لاإراديا على نفسها ، بتوسخ على حالها ، ما بتنام في الليل ... ) وفي هذا الإطار لاحظ الباحث أن ألام تخشى من قول الحقيقة عن زوجها وانه مسيء ، وفي المقابل شعر الباحث بأن ألام متأثرة بوضعية طفلتها المعوقة وأنها في ضائقة نفسية قد تصل –من وجهة نظر الباحث- إلى حد الإصابة بالاكتئاب أو بالإحباط ، وهذا الأمر تجلى في قولها " والله منا عارف شو أسوي وكيف أتصرف مع هذه البنت ، ولكن الله بعين هذا نصيبي ..." . وتتفق هذه النتيجة مع نتيجة دراسة ملكاوي بان الأمهات هن الأكثر معاناة لمرض طفلهن وقد يصل الأمر إلى الإصابة بالاكتئاب.

وللتعرف اكثر على أسباب هذه المعانة التي تمر بها ألام فقد أشارت إلى عدة أمور قد تكون هي المسؤولة عن هذا الضغط النفسي وهي :

أنها تشعر وكأنها هي المسؤولة عن إنجاب هذه الطفلة المعوقة الذي شكل ازعاجاً لزوجها.

لا توجد مساندة اجتماعية كافية للام حول كيفية تقديم الرعاية اللازمة لهذه الطفلة ، سواء من أسرتها أو من الجهات الخارجية.

عدم قدرتها على طلب المساندة الطبية بسبب وضع أسرتها الاقتصادي المتدني.

وجود مشاكل عائلية بين الزوجين قد تصل في بعضها إلى درجة العنف الجسدي على ألام أو الأطفال من قبل الزوج.

عدم معرفة الأسرة بالجهات التي يمكن أن تلعب الدور الاسنادي لها ، وخصوصاً على الصعيد العلاجي والتأهيلي الوظيفي.

تعليق على النتائج :

إن نتائج الدراسة التي تم استعراضها آنفاً تبين أن هناك عدة أسباب تؤدي إلى حدوث الإعاقة . والحالة التي تم تناولها تؤكد بأن هناك عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية تداخلت مع بعضها البعض وشكلت أرضية خصبة لحدوث تلك الإعاقة وما نتج عن ذلك من رفض واضح وعدم تقبل لوجود طفل معوق داخل أطر الأسرة.

فإخفاق الأسرة في التعامل مع حالة مرضية عادية لطفلتهم أدى إلى تفاقم حالتها وبالتالي إصابتها بالإعاقة العقلية والشلل الدماغي ، ومع استمرار هذا الوضع السلبي المتمثل برفضٍ صارخ لهذه الطفلة بعد الإصابة بالإعاقة مع تدني المستوى التعليمي والثقافي للأبوين قد حال –وبشكل أكيد- دون استخدام الأساليب الرعائية والتربوية التي تتفق وخصائص الطفلة المعوقة وحاجتها إلى الرعاية المباشرة . هذا كله دخل ضمن إطار وعالم الإساءة ، فأصبحت الطفلة تتعرض إلى الإهمال المتتالي تبعها محاولة التخلص بالقاءها خارجاً وفي أماكن خطيرة جداً – سكة الحديد - .

ومن هنا فإننا نجد الأهمية الكبيرة للدور الذي يمكن أن يلعبة الاختصاصي الاجتماعي مع باقي الفريق الاختصاصي والمهني الآخر ، والذي يحتم عليهم جميعاً واجبهم المهني التعامل مع طرفي المعادلة ( الطفل المعوق & والقائمين على الرعاية والتـنشئة ) بعلمية وبصبر خلاق من حيث تعريف الأباء والأمهات بالمراحل النمائية المختلفة التي يمر بها أبنائهم وخصوصاً إذا كانوا معوقين.

** توصيات الدراسة :

1- الاهتمام بإجراء اعديد من الدراسات حول موضوع التقبل للطفل المعوق من قبل أسرته ومحيطه الاجتماعي الخاص والعام ، ومدى احتمالية وقوع الإساءة عليه نتيجة تلك الإعاقة.

2- العمل على توعية الوالدين بظروف الإعاقة العقلية تحديداً وباقي الإعاقات الأخرى عموماً ، وتشجيعهم على تقل قدرات الطفل المعوق واقناعهم بإمكانية استغلال هذه القدرات لانتاج طفل معوق فاعل.

3- تشجيع الأسر التي لديها أطفال معوقين على الاتصال بالمؤسسات الرسمية والأهلية للاستفادة من خبراتهم ، كذلك العمل على تعريفهم بهذه المؤسسات العاملة داخل المجتمع.

4- العمل على توفير الدعم المالي لكل الأطفال المعوقين ولاسرهم كذلك وبشكل سريع جداً ، والاختصار من الإجراءات البيروقراطية الطويلة في عمليات الصرف النقدي تلك.

5- عقد الدورات والندوات التوعوية والإرشادية لاسر الأطفال المعوقين عقلياً حول الرعايئة التربوية والنفسية والاجتماعية الصحيحة، حيث أن هذا الأمر يعزز من عملية العلاج.

6- محاولة إيصال الأسر إلى مرحلة التقبل والتكيف مع وضع الطفل المعوق عقلياً ، وبالتالي العمل على إدماجه في محيطه الأسري والاجتماعي بشكل فاعل.

7- إنشاء جماعات مساندة من المتطوعين واهالي الأطفال المعوقين للتشارك في الآراء حول افضل الطرق الخاصة بمساعدة الأطفال وذويهم .

8- العمل على توفير وسائل الترفيه والتثقيف اللازمين للفئة المعوقة ولاسرهم .

----------------------------------------------------

قائمة المراجع :

1- أبو شريف ،لبية، 1991 .الأنماط السلوكية غير التكيفية للأطفال المعوقين عقلياً والمرتبطة بالإساءة البدنية من قبل والديهم. رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الدراسات العليا ، كلية العلوم التربوية ،الجامعة الأردنية.

2- البداينة ، ذياب،1996 .الاوصمة الاجتماعية والإعاقة .مؤتة للأبحاث والدراسات ،السلسلة (أ) من مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، المجلد 11 ،العدد 3 ،عمادة البحث العلمي والدراسات العليا.

3- البداينة ، ذياب،النصير،رافع ،آخرون،1993 .واقع المعاقين في محافظة الكرك في الأردن ، مجلة مركز البحوث التربوية ، قطر ، العدد 4 .

4- بركات ، مطاع ،1999 .العدوان والعنف في الأسرة ، عالم الفكر ، المجلد 27 ، العدد 4 ، أبريل ، الكويت.

5- البلبيسي ،بشير،1997 .حجم مشكلة إساءة معاملة الأطفال في المجتمع الأردني ، ورقة عمل مقدمة في فعاليات ندوة الإساءة للطفل المنظمة من قبل جمعية نهر الأردن ، عمان ، الأردن.

6- الحديدي،منى ،آخرون،1996 .اثر إعاقة الطفل على أسرته، مجلة كلية التربية ، جامعة المنصورة ،العدد 31 .

 

 

.

** الفصل الأول

- الإطار النظري للدراسة.

- الدراسات السابقة .

** المقدمة :

تعتبر الإعاقة من الأمور التي قد تصيب الأطفال في عمر مبكرة وذلك نتيجةً لعديد من الظروف والعوامل التي قد تكون وراثية أو بيئة مكتسبة أو لظروف مجتمعية . لأن هذا الأمر قد يشكل لبعض الأسر مصدراً للقلق والخوف وبالتالي قد يفقدها الكثير من الأساسيات الواجب اتباعها وتطبيقها لرعاية وتنشئة هذا الطفل المعاق عقلياً ، الأمر الذي قد يؤدي إلى الوقوع في مصيدة عدم التقبل (الضمني أو المعلن ) من قبل الأسرة لهذا الطفل ، مما قد يدفع الآسرة إلى إيقاع الأذى بمختلف أشكاله على هذا الطفل المعاق .

ومن هنا فإن هذه الدراسة في خطاها النظرية والميدانية ستحاول التعرف على أهم المسببات والعوامل التي تؤدي إلى إحداث الإعاقة العقلية ، وكذلك للتعرف على بعض التعريفات والتصنيفات العلمية المتبعة في هذا المجال من الناحية النظرية ، وذلك من خلال مراجعة الأدب النظري المرتبط بعنوان الدراسة. وفي سياق هذه الدراسة سيتم التعرض لأهمية الدراسة ومبرراتها وذلك بغية تقديم تفسير واضح ومقنع . فكما هو معلوم فإن الوصوم الاجتماعية التي قد تلحق وتصيب فئة المعاقين عقلياً قد تجعلهم يفقدون الكثير من حقوقهم ، الأمر الذي قد يؤدي إلى أن تلعب هذه الفئة الأدوار المرضية الذي ينتج عنه –في الغالب- الظلم الاجتماعي والانسحاب من الحياة الاجتماعية .وسيتم بعد ذلك التطرق إلى بعض الدراسات الميدانية السابقة المرتبطة بموضوع هذه الدراسة أو القريبة منه ، وذلك بغية توظيفها واستخدامها في خطوات الدراسة .

أما الجزء الميداني لهذا العمل فإنه سيشمل على تحديد ما ينبغي دراسة في موضوع الإعاقة العقلية من حيث احتمالية تعرض الطفل المعاق عقلياً للإساءة من ذويه ، وذلك من خلال منهج دراسة الحالة لإحدى الحالات الواردة إلى مكتب الخدمة الاجتماعية /إدارة حماية الأسرة ولأسرته بغية الوصول إلى نتائج يمكن قراءتها وتحليلها كيفياً .ومن ثم ستعرج الدراسة إلى استخلاص أبرز النتائج لمحاولة وضع التوصيات العلمية والعملية المناسبة والمتوائمة مع تلك النتائج.

** المدخل النظري للدراسة :

يعتبر تكوين الأسرة من المهام الاجتماعية التي تهدف للحفاظ على استقرار المجتمع واستدامته ، ويكون ذلك من خلال محاولة إيجاد تفاهمات مشتركة بين الأزواج المكونين أصلاً لهذه الخلية الحيوية . ومما لا شك فيه أن للأسرة جملة وظائف اجتماعية ونفسية ، تبدأ من تفريغ الشحنات الجنسية بطرقها المشروعة ، مروراً بالاستقرار العاطفي المنشود وإنجاب الأطفال وتنشئتهم بشكل سليم . وكما هو معلوم فإن عملية التفاعل الاجتماعي ما بين الطفل وأفراد أسرته هي عملية مستمرة ومتطورة ، حيث تبدً هذه العملية بالتنشئة الاجتماعية التي توضح مكانة هذا الفرد والأدوار المتوقعة منه ، ومن هنا تبدأ عملية تحويل الكائن من كائن بيولوجي بحت إلى كائن اجتماعي متفاعل .وتعد هذه المرحلة التحولية والتفاعلية –والتي قد لا تكون مألوفة للآباء- من أدق المراحل حساسيةً وصعوبة وبالتالي تلزمها الحذر والحرص الكبيرين(عمر،1994 ).

إن هدف الأسرة من خلال إنجابها الأطفال الأصحاء (جسمياً وعقلياً ونفسياً ) الوصول إلى الاستقرار والتوازن المعيشي والرعائي لهم .أما في حالة وجود خلل في العملية الإنجابية –واقصد هنا إنجاب طفل معاق عقلي- فإن ميزان الاستقرار المنشود سوف يختل ويختلف من حيث الصعوبة التعايشية والتكيفية مع هذا الوضع الجديد ، مما يستلزم بذل المزيد من الرؤى المنهجية والمهنية الصحيحة في التعامل مع الفرد المعاق عقلياً ومتطلباته الجديدة بشكل عام .

إن الاهتمام بمشكلة المعاقين أصبح اهتماماً عالمياً لما لهذه الظاهرة من آثار سلبية على المستوى الفردي ( الطفل المعاق ) وعلى المستوى المجتمعي أيضا.فقد أولت منظمة الأمم المتحدة جل اهتمامها بهذا الشأن من خلال إعلان المنظمة في عام 1969 لحقوق الطفل المعوق ، كما واحتفلت هذه المنظمة في سنة 1981 بالعام الدولي للمعاقين(البداينة ، 1993 ).كما ويذكر أن التقدم الطبي في هذا المجال قد زاد من فرص منع وقوع الإعاقة بأشكالها المختلفة وذلك من خلال مهارات الاكتشاف المبكر لهذه الإعاقات .

إن لمشكلة المعاقين إعاقة عقلية آثارها النفسية والاجتماعية التي تضفي عليها مزيداً من الاهتمام والانتباه . فمن خلال التقارير والأرقام يلاحظ ازدياد في إصابة الأطفال بالإعاقة العقلية ، وان انتشارها بات يهدد استقرار واتزان نظام الأسرة والمجتمع بأكمله ، الأمر الذي دفع بصانعي القرار من جهات حكومية وغير حكومية إلى صياغة وسائل التوعية والتثقيف من مخاطر زواج الأقارب وبعض المخاطر التي يمكن أن تتعرض له الأم الحامل ... الخ ، ومن تكثيف وسائل الرعاية الصحية للحامل قبل واثناء وبعد عملية الولادة .

ولعل فلسفة هذا التركيز على تلك النواحي التوعوية إنما تنطلق من مرتكز أساسي ألا وهو محاولة الكشف عن طبيعة الوصوم الاجتماعية والنفسية التي قد تلصق بهؤلاء المعاقين عقلياً والذي ينتج عنه الظلم الاجتماعي والإحباط والقهر وتعطيل الأدوار . إن المجتمع والأسرة قد ينظران إلى المصاب بإعاقة عقلية على انه شخص مهمش وغير قادر على أداء الأدوار الفاعلة والمناطة به ، وهذا الأمر قد يكون مقبول من قبل الشخص المصاب بهذه الإعاقة كونه عاجز وغير قادر على تحصيل المساواة مع غيره من المعافين الأصحاء . وفي هذا الصدد ميز " جنكيز " بين ثلاث محددات للإعاقة ، -والتي هي مرتبطة بتعريفه للتلف " وهو فقدان أو ضعف أحد الأعضاء أو أحد الأطراف "- وهي :

1-التلف الفيزيائي والعقلي والجسمي.

2-العجز أو التعوق : وهذا البند مرتبط بالتلف من حيث إمكانية فقدان أو انحسار وظيفته .

3-الإعاقة : وهي الأوضاع السلبية والضغوط الناتجة عن العجز(البداينة ، 1993 ).

ولكن مما يؤخذ على هذه المحددات التي جاء بها جنكيز ، أن بعض الأشخاص أو الأفراد في المجتمع قد يصابون بدرجة من التلف لاحد أعضائهم بحكم التقدم بالعمر ، وعلى ذلك فإنه يمكن القول والاستدلال إلى أنه " ليس كل مصاب بتلف هو عاجز ".

إن تصنيف الشخص المعاق يعتمد على عدة مداخل فمنها ما يتعلق بالمداخل الاجتماعية ومنها ما يتعلق بالمداخل الطبية وكلاً الفريقين يرى الإعاقة من منظوره الخاص.ولكن يمكن القول بأننا وجدنا انسب تفسير نظري لهذا الموضوع هي " النظرية الوظيفية " (المرض والإعاقة ) والتي جاء بها تالكوت بارسونز .وينطلق هذا التفسير من فكرة أساسية مفادها " أن وجود أعداد من المعاقين في المجتمع يعني تعطل للأدوار والوظائف ، وأن على المجتمع بحكم علاقته الوظيفية مع الأنساق الأخرى ملئ هذا الفراغ ومحاولة إرجاع التوازن والاستقرار لانساقه المصابة بالاهتزاز. ويمكن أن يعتمد جزء من محركات إرجاع التوازن المطلوب للمجتمع بإعفاء الشخص المعاق من المسؤوليات الاجتماعية التي كان من المتوقع إنجازها.

** الوظائف الاجتماعية والنفسية للإعاقة :

لقد ميز ميرتن بين الوظائف الكامنة والوظائف الظاهرة لأي ظاهرة اجتماعية.فالإعاقة لها وظائف سلبية على الصعيد الفردي والمجتمعي وقد سبق وان تعرضنا بالحديث عن بعضها ، ولها كذلك من الوظائف الإيجابية والتي يمكن إيجازها بما يلي :

1-المحافظة على الصحة العامة للفرد والمجتمع ، فمن خلال هذه الوظيفة يشعر أصحاب القرار بضرورة رسم التشريعات والأنظمة اللازمة للحد من هذه الظاهرة السلبية.

2-العمل على معالجة أسباب وجود الإعاقة وذلك من خلال دراسة المسببات والمؤثرات التي تنتج هذه الظاهرة ، ولا يكون هذا الأمر إلا من خلال رسم استراتيجية واضحة تأخذ في أعينها الخدمات الوقائية والتأهيلية من خلال التشخيص المبكر للإعاقة ، وهذا الأمر لا يتم إلا من خلال التنسيق بين الجهات الحكومية وغير الحكومية في إيجاد الوسائل التربوية والصحية التي ستقدم لهذه الفئة ، مع مراعاة ايجاد الجانب العلاجي والمتابعة ايضاً.

3-العمل على دمج الفرد المعاق في مجتمعه من خلال تأهيله بشكل علمي وتربوي ، فلا ينظر إلى الشخص المعاق على انه شخص معطل بل ينظر إلى مصادر قوته التي يمتلكها.

4-العمل على ايجاد وسائل إعلام تكون مهمتها نشر الوعي والتثقيف بين صفوف المجتمع ، والتحذير من مخاطر زواج الأقارب وبشكل متلاحق (تقارب الأجيال ). بالإضافة إلى التعريف بالإعاقات والمعاقين وحقوقهم المشروعة .

5-إيجاد التكافل الاجتماعي بين أفراد الأسرة اولاً وباقي فئات المجتمع الأخرى ثانياً.وهذا الأمر من شانه أن يقف وبشكل صلب أمام الاوصمة الاجتماعية الضارة والسلبية والتي يمكن أن تُلحق الأذى بالفرد والأسرة.فعلى الأسرة أن لا تستجيب إلى هذه الأمور السلبية الناتجة من نظرة المجتمع ، بل تعمل على إعطاء الفرد المعاق احتراماً لذاته ، وأن تتاح له الفرصة الكافية للخروج من هذه الأزمة بإيجابية وفاعلية(البداينة ،1993 ).

** بعض أسباب الإعاقة العقلية:

يمكن القول بأن الإعاقة العقلية هي حالة قد تصيب الطفل منذ لحظات ولادته ولغاية سن الثامنة عشرة من عمره. ومن المفيد في هذا المضمار أن نتعرض لمفهوم الضعف العقلي والذي يقصد به " حالة نقص أو تخلف أو توقف أو عدم اكتمال النمو العقلي يولد بها الفرد أو تحدث في سن مبكرة نتيجة لعوامل وراثية أو مرضية أو بيئية وتؤثر على الجهاز العصبي للفرد مما يؤدي إلى نقص في الذكاء" (زهران ،ص423 ،1986 ).أما بالنسبة لتعريف المعاق عقلياً فيمكن تعريفه على انه " الشخص الذي يعاني من نقص أو تخلف أو بطئ نموه العقلي الأمر الذي يؤدي إلى تدنٍ في مستوى ذكائه وتكيفه الاجتماعي والمعيشي ، بحيث لا تتناسب قدراته العقلية مع عمره الزمني" (صندوق الملكة علياء للعمل الاجتماعي التطوعي الأردني ،ص13 ،1994).

هذا ومن المفيد أن نفرق ما بين الإعاقة العقلية والمرض العقلي .حيث يشير الأخير إلى إصابة الفرد بإصابات مرضية تحتاج إلى علاج من مختصين أو تتطلب الحاجة إلى الإدخال إحدى المؤسسات الخاصة التي ترعى مثل هذه الأمور (مثل المستشفيات)، في حين أن الفرد المعاق عقلياً قد لا يحتاج إلى إدخال مستشفى بل يحتاج في حقيقة الواقع إلى خدمات تعليمية وتربوية وتدريبية للتكيف مع المجتمع.

أما إذا تعرضنا إلى أهم وابرز المسببات والعوامل المؤدية إلى إحداث الإعاقة العقلية فيمكن لنا إجمالها بالأمور التالية –مع عدم الجزم بأن هذه الأسباب أو العوامل هي حتمية أو قطعية - :

1-العوامل الوراثية :فقد تلعب الموروثات الجينية كأسباب في حدوث أو إصابة الطفل بالإعاقة العقلية ، وذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، فبدل أن تحمل الجينات ذكاء محدداً تحمل قصوراً يترتب عليه تلف لأنسجة المخ . كما ويمكن أن تلعب الأمور الوراثية دورها السلبي –والتي قد تؤدي للإعاقة العقلية- خلال الانقسام للخلايا ومن خلال العامل الريزيسي(زهران ،1986 ).

2-العوامل البيئية : في هذا المجال قد تلعب المؤثرات الخاصة بعملية ما قبل أو خلال فترات الولادة وما يتبعها دوراً في إحداث الإعاقة العقلية ، ومن ابرز هذه العوامل (صندوق الملكة علياء للعمل الاجتماعي التطوعي الأردني ،1994) :

إصابة ألام الحامل بعدوى الحصبة الألمانية .

تعاطي ألام الحامل لبعض المواد الطبية دون استشارة الطبيب وخصوصاً في اشهر الحمل الأولى.

إدمان ألام الحامل على تناول الكحول أو المؤثرات العقلية (أثناء فترات الحمل تحديداً).

تعرض ألام الحامل لمخاطر الأشعة السينية ، أو تعرضها للمواد الكيميائية .

تعرض المولود لعوامل الخطورة أثناء الولادة (كالتفاف الحبل السري حوله واعاقة وصول الأوكسجين إليه مما قد يتسبب في الاختناق أو تلفٍ في الدماغ ).

إصابة الطفل بعد ولادته ببعض الأمراض الخطيرة كمرض السحايا.

إصابة الطفل وتعرضه بعد الولادة لمخاطر سوء التغذية المزمنة والشديدة .

وتعليقاً على العامل الأخير المذكور آنفاً ، فقد أشار تقرير اليونيسف لعام 1998 " إلى أن الدمار الذي يتسبب فيه سوء التغذية لا حدود له .حيث يعاني الأطفال دون الثانية من العمر والذين يفتقرون إلى الحديد في قوامهم من مشكلات تتصل بالترابط والتوازن الجسمي والعقلي ، كما وانهم –أي هؤلاء الأطفال- يميلون إلى العزلة والتردد ، ومثل هذه العوامل يمكن أن تعيق قدراتهم على التفاعل مع البيئة والتعلم منها ، وقد يؤدي ذلك إلى الحط من قدراتهم الذهنية" (وضع الأطفال في العالم ،ص15 ،1998 ).

يلاحظ مما تم التعرض له من عوامل ومسببات ، أن للأسباب والعوامل البيئية دوراً اكبراً وملحوظاً من نظيراتها الوراثية لنشوء أو إحداث الإعاقة العقلية ، كما وان الأسباب والعوامل التي ترافق عمليات الحمل إلى مرحلة الإنجاب قد تأخذ الحيز الاشمل من تلك العوامل ، الأمر الذي يكشف عن حقيقة الاحتياط والتدخل الواجب اتخاذه في تلك المراحل الحرجة ، في حين أن عكس ذلك قد يكون سبباً في حدوث الإعاقة العقلية للأطفال والتي قد نكون نحن المسؤولين عنها.

** تصنيف الإعاقة العقلية :

هناك خلاف غير حاد بين المهتمين والمشتغلين في هذا المجال من حيث الاتفاق على تصنيفٍ واحد للإعاقة العقلية. فمنهم من يصنفها بناء على أسس تدريجية (إعاقة بسيطة ، إعاقة معتدلة ، إعاقة شديدة )،ومنهم من يرى أن هذا المصطلح يرتبط بالضعف العقلي (البسيط،المتوسط،الشديد،العميق) حيث تصل نسبة الذكاء للفئتين الأولى والثانية ما بين 40-69 ، بينما يقل عن ذلك فئتي الشديد والعميق. كما ويقال أن الفئة الأولى والثانية أعلاه تكون اكثر فاعلية للتعلم والتدريب من الفئة الثالثة والرابعة، ويستدل على صحة هذا القول بأن المصابين بالعاقة العقلية الشديدة والعميقة يكونوا في الغالب اكثر اعتمادية على الآخرين أو على القائمين على تربيتهم وتنشئتهم ، وانهم بحاجة ماسة إلى الرعاية المستمرة والحثية(الرفاعي،1987 ).

وبهذا التصنيف يمكن القول بأن كل فئة من الفئات السابقة لها خصوصيتها ومشاكلها ووسائل التعامل معها وبرامجها الخاصة كذلك ، ولكن يبدو أن اصعب هذه الإعاقات ما تم تصنيفه على انه شديد وعميق ، والتي –حسب وجهة نظري- تحتاج إلى أماكن خاصة بهم تكون مهمتها الرئيسية تعليمهم الحاجات الأساسية اللازمة لهم وعلى رأس تلك الحاجات (مهارات الاستقلال).

أما بالنسبة لفئة المصابين بالإعاقة العقلية البسيطة فإن أمور رعايتهم تكون اسهل وذلك لارتباط ذلك بنمط إعاقتهم أصلاً ، ولكن قد يواجه المجتمع مشكلة التعامل معهم فيما يتعلق بأنهم قد يسلكوا سلوكيات منحرفة (كالسرقة أو الكذب ) وهذه الانحرافات في الغالب الأعم تكون غير مقصودة بحكم قلة إدراكهم وفهمهم.

وقد ذهب في المقابل فئة من المختصين رأوا أن تصنيف المعاقين عقلياً يتبع لاسس أخرى ، كالتصنيف على أساس مسبب هذه الإعاقة .فهناك الضعف العقلي الأولي والتي تلعب عوامل الوراثة كمسببات رئيسية في تلك الإعاقة والتي تصل نسبتها إلى 80%.وهناك الضعف العقلي الثانوي وهنا تلعب العوامل البيئية ما نسبته 20% في تكوين تلك الإعاقة (زهران ،1986 ).

أما الفريق الآخر في مجال التصنيف فقد اعتمد في تصنيف الإعاقة العقلية على أساس نسبة الذكاء ، فكان تصنيفهم على النحو التالي :

1. المعتوه : وهو الفرد الذي تصل نسبة ذكاؤه إلى درجة منخفضة جداً وتقـدر بـ 20-25 ، حيث يعجز هذا الفرد عن تعلم الكلام أو فهم الآخرين .وهذه الفئة تعتبر من الفئات التي تحتاج إلى رعاية فائقة وخاصة انهم لا يستطيعون الحياة بدون رعاية أو معونة الآخرين .

2. الابلة :وهو الفرد الذي يستطيع أن يتعلم بعض الكلام أو عمل بعض حاجياته ، ولكنه لا يستطيع متابعة تعليمه وهو بحاجة إلى رعاية خاصة ومساعدة القائمين على رعايته وتنشئته ، أما حاصل ذكاؤه فلا يتجاوز 40 أو 50 .

3. المأفون : هنا الفرد يأتي فوق مستوى الابلة ، فحاصل ذكاؤه يتراوح ما بين 50-70 .وهنا يستطيع هذا الشخص التكيف مع ظروف حياته وقد يعتمد على نفسه أحياناً ، ويمكن لهذا الشخص أن يلتحق بالتعليم ولكن ينصح بوضعه في صفوف خاصة مجهزة بوسائل ومصادر تلائم وضع هذه الإعاقة.

4. البليد : هنا يكون حاصل ذكاء الفرد مرتفع عن سابقه بشكل اكبر ويقدر ما بين 70-80 ، ولكن لا يستطيع هذا الفرد النجاح بسهولة في مواده الدراسية كما وانه لا يستطيع التفوق بسهولة.

5. البليد السوي أو (لمتوسط البلادة ) : وهنا يكون حاصل ذكاء الفرد ما بين 85-90 ويستطيع الاستمرار في العملية التعليمية وخصوصاً المرحلة الابتدائية والإعدادية ، أما المراحل التعليمية المتقدمة فقد يواجهها بصعوبة أكبر (الرفاعي ،ص447-449 ،1987 ).

** بعض أشكال العنف أو الإساءة الموجهة إلى الأطفال :

قبل الحديث عن تصنيفات أنماط العنف أو الإساءة التي يمكن أن يتعرض لها الأطفال ،لا بد من الحديث وبشكل مقتضب جداً عن مفهوم العنف.فالعنف بحد ذاته إشكالية مفاهيمية تختلف من ثقافة إلى ثقافة أخرى، ومن مجتمع إلى مجتمع آخر ، ومن شخص إلى آخر وهكذا . فالذي يصنف عنفاً في أحدها قد لا يعتبر عنفاً عن الآخر . إلا انه ومن خلال البحث والدراسة وجُد أن غالبية المشتغلين بهذا المضمار متفقين على لإطار عام لما يعتبر عنفاً أو إساءة ، ومن هنا يمكن تصنيف العنف والإساءة الموجهين نحو الأطفال إلى كل أو بعض الأشكال التالية :

1-العنف أو الإساءة الجسدية : ولها اكثر من تعريف وحسب الجهة التي تقوم على هذا التصنيف. فقد يعرف من منظور طبي شرعي على انه " وجود إصابات غير عرضية على جسم الطفل المساء إليه كالحروق أو الرضوض أو الكدمات أو السحجات والجروح" .أما من الناحية الاجتماعية فيمكن تعريفه بأنه " كل فعل أو امتناع يمكن أن يحدث من خلاله ضرراً مقصوداً يوقعه القائم على رعاية وتنشئة هذا الطفل".

2-العنف أو الإساءة الجنسية : إن الأطفال قد يكونوا مهددين في كثير من الأسر بالتعرض إلى مثل هذا النوع من المعاملة قبل أبويهم أو من قبل القائمين على رعاية هؤلاء الأطفال . ولقد عُرف الاستغلال الجنسي من قبل منظمة الصحة العالمية في عام 1986 على انه " استخدام الطفل بطريقة غير مشروعة بهدف الحصول على اللذة الجنسية للراشد".وقد ينطوي هذا الاستغلال على أشكال عدة منها (الحديث الجنسي المفضي إلى إثارة الطفل جنسياً ، إجبار الطفل على أعمال الدعارة أو تصوير الأفلام الإباحية )(بركات ،ص252-253 ،1999).

3-العنف أو الإساءة القائمة على الإهمال : يمكن القول بأن هذا الإساءة تنطوي بشكل كبير واساسي على " إخفاق الوالدين القائمين على أسلوب التنشئة والتربية لأطفالهم في توفير متطلبات أبناءهم الأساسية والضرورية لنموهم أو تطورهم وبشكل مقصود ومتعمد او بشكل إظهار اللامبالاة بهذه الحاجيات.

إن إساءة معاملة الأطفال ظاهرة سلبية لها آثار مستقبلية على الصحة النفسية والعقلية لهؤلاء الأطفال ، ناهيك أن يكون هؤلاء الأطفال مصابين بإعاقات عقلية قد تتطور إلى مراحل متقدمة ومستعصية على العلاج في حالة تعرضهم المتكرر للعنف أو الإساءة نتجية إخفاق الأسرة في التعامل مع حاجات ومتطلبات أبناءهم من ذوي الإعاقات المختلفة عموماً والعقلية منها تحديداً.

لقد دلت بعض الأبحاث والدراسات إلى أن الأطفال المعوقين أو المصابون بتخلف عقلي هم اكثر من غيرهم عرضةً لإيقاع الإساءة والعنف عليهم ، كما وان هذه الإعاقة قد تكون مصدر مثير للضغط والتوتر لدى الآباء المسيئين بسبب حاجة هؤلاء الأطفال إلى العناية والإشراف اللازمين (بركات ، 1999 ).ولعل من المفيد هنا التطرق إلى بعض الظروف المسرعة لأحداث الإساءة على هذه الشريحة من الأطفال ،والتي منها :

1-حلقة العنف : ويعنى بها أن يكون الآباء قد تعرضوا هم أنفسهم إلى العنف والإساءة في طفولتهم ،مما يجعلهم اكثر ميلاً واستعداداً إلى إسقاط تجاربهم السلبية على أطفالهم وخصوصاً الآباء الذين لديهم أطفالاً معاقين عقلياً(رمو ،1997 ).

2-الوضع الاجتماعي : إن كثرة المشاكل بين الزوجين واستحكامها تزيد من حدة التوتر والضغط داخل المنزل مما قد يساهم في تسريع فرص تفريغ ثورات الغضب التي تنتاب الآباء على أطفالهم وبالتالي وقوعهم –أي الأطفال- في دائرة الإيذاء والعنف.وإذا كان هذا الأمر يتم مع أطفال أصحاء فإنه من المتوقع في حالة وجود طفل معاق عقلياً أن تزيد احتمالية الخطر لا سيما وان كل من الوالدين يحمل الآخر المسؤولية عن الإعاقة الخاصة بطفلهم.

3-الوضع الاقتصادي : إن عجز أرباب الأسر عن تامين احتياجات أفراد أسرهم نتيجة لسوء الوضع الاقتصادي الملازم بهم أو نتيجة عوامل البطالة المختلفة قد يؤدي إلى نشوء صراع بين الزوجين وقد تكون في العادة نتائجه سلبية وتنعكس هذه الصور –المتمثلة بالإساءة –على بعض أفراد الأسرة الضعفاء وخصوصاً ألام وبعض الأطفال.

4-الكروب الاجتماعية : إن تظافر وجود الضغوطات الحياتية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة والمركبة والتي يتعرض لها أرباب الأسرة خارج المنزل قد تزيد من حدة التوترات والهزات المحتملة لهذه الأسر وبالتالي انتقال حلقة العنف إلى داخل أطر هذه الأسرة ، والتي قد تزداد حدتها في حال وجود طفل أو أطفال معاقين عقلياً والذي يحملون –وبشكل غير مقصود- أسرهم الوصوم السلبية.

5-جهل كثير من أرباب الأسر بالخصائص النمائية والسلوكية المتعلقة بالأطفال المعاقين عقلياً مما قد يدفع بهؤلاء الأرباب إلى إيقاع الأذى بأطفالهم .

** الدراسات السابقة :

لدى مراجعة الباحث لأدبيات الدراسات السابقة في مجال العنف ضد الأطفال المعاقين عقلياً من أسرهم ،تبين وجود كم من الدراسات تناولت هذا الجانب من منظور نفسي فقط ، وكان بعض هذه الدراسات قد نجح في التوفيق بين الجانب النفسي والاجتماعي للطفل عقلياً للوصول إلى تحليل مكتمل. وفيما يأتي سيتم التعرض لابرز الدراسات التي جمعت عن هذا الموضوع.

ففي دراسة (القمش ،1999) كان الهدف هو التعرف على المشكلات الشائعة لدى الأطفال المعوقين عقلياً داخل الأسرة كما يراها الأهالي ، وكذلك التعرف على الاستراتيجيات التي يستخدمها الأهالي في التعامل مع هذه المشكلات .

وقد تألفت عينة الدراسة من 220 فرد من الأطفال المعوقين عقلياً والذي تراوحت أعمارهم ما بين سنة الولادة إلى سنة الثامنة عشرة ، واختيرت العينة بالطريقة العشوائية .وقد طور لهذا الغرض أداتين ،اشتمل الجزء الأول على مقياس يقيس مستويات حدوث المشكلات لدى الأطفال المعوقين عقليا داخل الأسرة كما يراها الأهالي ، في حين اشتمل الجزء الثاني على بيان الاستراتيجيات المستخدمة من الأهالي في التعامل مع هذه المشكلات.وقد توصلت الدراسة إلى عدة نتائج نذكر منها ، أن اكثر المشكلات شيوعاً لدى هؤلاء الأطفال الحركة الزائدة ، ثم الانسحاب الاجتماعي فالسلوك النمطي ثم العدوان ثم إيذاء الذات.كما ودلت النتائج إلى أن كل مشكلة من هذه المشاكل كان يواجه بأساليب مختلفة ، فكان يستخدم مع مواجهة مشكلة العدوان الحرمان واحتل هذا الأسلوب المرتبة الأولى ،جاء بعدها أسلوب الحوار والمناقشة ،العقاب الجسدي،التوبيخ اللفظي ،العزل،التنبيه اللفظي.

أما مشكلة الحركة الزائدة فأستخدم معها التعزيز المادي للسلوك البديل ، العزل ،الحرمان.وقد أشارت نتائج الدراسة كذلك إلى أن اكثر الاستراتيجيات استخداماً مع الأطفال المعاقين عقلياً هو العقاب الجسدي في مواجهة مشكلة إيذاء الذات، بالإضافة إلى استخدام الحرمان والتنبيه والتوبيخ اللفظي.

أما دراسة (أبو شريف،1991 ) فقد هدفت إلى التعرف على الأنماط السلوكية غير التكيفية المرتبطة بإيقاع الإساءة البدنية على الأطفال المعوقين عقلياً الملتحقين بمدارس التربية الخاصة ومراكزها في عمان ، والى معرفة الأنماط السلوكية غير التكيفية التي تميز بين الأطفال المعوقين عقلياً المساء إليهم والأطفال المعوقين عقلياً غير المساء إليهم ، بالإضافة إلى معرفة مدى ارتباط هذه الأنماط بكل من متغيري الجنس والعمر.أما عينة الدراسة فتألفت من 200 طفل نصفهم من الأطفال المعوقين عقلياً (أسيء إليهم بدنيا) والذي تم التعرف عليهم بواسطة أداة صممت لهذه الغاية ، أما النصف الآخر فكانوا من الأطفال المعاقين عقلياً غير المساء إليهم بدنياً.

وقد توصلت الدراسة إلى أن اكثر السلوكيات غير التكيفية ارتباطاً بالإساءة البدنية للأطفال هي :(النشاط الزائد،الانسحاب،العدوان،القلق والخوف،التمرد والسلبية،الفوضى والتخريب ،العادات الشاذة والسلوك النمطي). وقد كان أقل المشكلات رصداً هي مشكلات إيذاء الذات. ودلت النتائج كذلك إلى انه لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية للأطفال المعوقين عقلياً المساء إليهم بدنياً على جميع أنماط السلوك غير التكيفي يعزى لمتغير الجنس.

إلا انه توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الأطفال المعوقين عقلياً المساء إليهم بدنياً في مختلف الفئات العمرية على أنماط سلوك النشاط الزائد والتمرد والسلبية والمشكلات الخلقية والفوضى والتخريب وإيذاء الذات والقلق والخوف.في حين لم تظهر الدراسة فروق ذات دلالة إحصائية على بقية أنماط السلوك غير التكيفي على بعد العمر.

أما دراسة (البداينة،1996 ) فقد هدفت إلى معرفة مدى تقبل الإعاقات وقياس المسافة الاجتماعية بين المعاقين في المجتمع الأردني.وهدفت ايضاً إلى معرفة اثر متغير الجنس والمستوى الأكاديمي في النظرة للإعاقة.واخيراً مقارنة تقبل الإعاقات في المجتمع الأردني مع جنسيات عالمية .

أما عينة الدراسة فتألفت من 433 مشارك ومشاركة ،وقد طورت أداة مناسبة لخدمة أغراض هذه الدراسة.

أما النتائج فقد دللت إلى أن هناك عدم تقبل للإعاقات بشكل عام ، وان هناك فروق ذات دلالة إحصائية في تقبل الإعاقات.كما تبين أن الإعاقة الخفيفة(السكري،التهاب المفاصل) قد لاقت قبولاً أفضل من الإعاقات الأخرى.كما أن الإعاقات الظاهرة (التخلف العقلي،المرض النفسي،الشلل الدماغي) كانت أكثر الإعاقات رفضاً لعينة الدراسة.وتبين من النتائج كذلك أن هناك توافق في اتجاه قبول الإعاقات لدى الجنسين تعزى لمتغيري الجنس والمستوى الأكاديمي.اخيراً أظهرت نتائج الدراسة وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين الجنسيات المختلفة في قبول الإعاقات، وأن هرمية هذه الإعاقات متشابهة عالمـياً.

أما دراسة (الحديدي،وآخرون،1996) فقد أجريت على مراكز التربية الخاصة بمدينة عمان.وبينت أن الجوانب الأكثر تأثيراً في الإعاقة هي العلاقات بين الاخوة من حيث الإعاقة والتعايش معها ،والعلاقات الاجتماعية والوضع العام للوالدين.إضافة إلى التحديات والصعوبات التي تواجه الأسرة بشكل عام والتي تتحدد في ضوء إعاقة الطفل ذاته ، علاوة على الاتجاهات السلبية للأفراد في المجتمع ،وعدم توفر الخدمات التي تشكل مصدر ضغط وتأثير كبيرين على الأسرة ، علاوة على التنقل من طبيب لآخر بحثاً عن التشخيص والعلاج . كما بينت نتائج الدراسة إلى أن وجود طفل معاق في الأسرة قد يترك تأثيرات متفاوتة على جميع أفراد الأسرة.

وقد جاءت دراسة (ملكاوي ،1993 )والتي أجريت على الأطفال وذويهم ممن يعانون من الأمراض المزمنة ومنها الإعاقة ،لتؤكد على بعض ما جاءت به دراسة الحديدي من حيث أن أسر هؤلاء الأطفال تتعرض لضغوطات مادية نتيجة متطلبات الرعاية اللازمة لهؤلاء الأطفال ، وان هذه الأسر تحاول التكيف والتعايش مع مرض هؤلاء الأطفال حتى تقل المشاكل الانفعالية ومشاعر الاستياء وغيرة أخوة الطفل المعاق.وبينت النتائج كذلك إلى أن علاقة ألام بزوجها لم تتأثر بشكل كبير وأن الأمهات هن الأكثر معاناة نتيجة مرض طفلهم حيث تعاني معظمهن من الاكتئاب نتيجة مصاحبة طفلها خلال مسيرة العلاج.

ودلت النتائج ايضاً أن اغلب المحيطين بالأسرة ينظرون إلى الطفل وأسرته نظرة شفقة وحزن .أخيراً أكدت الدراسة أن أسرة الطفل لم تبتعد عن الاختلاط بالناس بل إن غالبية الأمهات يصطحبن أطفالهن خارجاً أمام الناس.

أما دراسة (جبريل، وآخرون،1995 ) والهادفة إلى دراسة مراكز التربية الخاصة في الأردن ، فقد جاءت نتائجها منسجمة مع بعض نتائج دراستي ملكاوي والحديدي من حيث أن الطفل المعاق يمكن أن يشكل مصدر تهديد على وحدة الأسرة بحيث تُخلق ضغوطاً جديدة ويمكن أن يطال هذا التهديد علاقات الأسرة وادوارها.وقد تؤدي هذه الضغوطات كذلك إلى تشكيل ضغوطات نفسية لدى بعض أفراد الأسرة مما قد يؤدي إلى إصابتهم بالأمراض ، وقد يؤدي هذا الأمر في نهاية المطاف إلى خلق جو من عدم التنظيم الأسري .

وقد دلت نتائج هذه الدراسة كذلك إلى أن وجود طفل معاق في الأسرة من شانه أن يضيف إلى أعباء الأسرة النفسية والاجتماعية أعباء مالية واقتصادية .كما وان وجود هذا الفرد المعاق قد يحد من فرص النشاط الاجتماعي لدى اخوة هذا المعاق ، وبالتالي يحد من الاستمتاع بدرجة اكبر من حياتهم الخاصة وفي التعامل مع الرفقاء.

واشارت الدراسة اخيراً إلى ابعد من ذلك عندما أكدت إحدى نتائجها إلى أن المظهر الجسمي والسلوك المخالف للمعايير الاجتماعية يلعب دوراً في شعور أخوة المعاقين بالحرج وخصوصاً فيما يتعلق بالنشاطات الأسرية والحفلات والرحلات .

أما دراسة (يوسف،1991 ) والمجراة على عينة من 1998 فرد من الأفراد المخدومين من مؤسسة العناية بالشلل الدماغي -المعنية بتوثيق أعداد المصابين بهذه الإعاقات- والموزعين على مناطق (عمان ، الزرقاء ، السلط ،أربد ،العقبة)فقد جاءت لتؤكد على أن أكثر العوامل المسببة للشلل الدماغي هي عوامل مرتبطة بالولادة نفسها حيث شكلت ما نسبته 41.13% ، أما عوامل ما قبل الولادة (أثناء فترات الحمل) فساهمت بنسبة 32.27%،أما عوامل ما بعد الولادة فكانت نسبها لا تتعدى 19%،في حين أحتلت العوامل غير المعروفة والمسببة للشلل الدماغي ما نسبته 16.32 %.

وتوصلت النتائج إلى أن الشلل الدماغي قد يصاحبه إعاقة من نوع آخر (كنوبات الصرع ،التخلف العقلي ،الإصابة بالإعاقات السمعية أو البصرية أو النطقية) . ومن بين النتائج المهمة التي توصلت إليها هذه الدراسة ما يلي :

1- إن نسبة إصابة الذكور أعلى من نسب إصابة الإناث .

2- إن نسبة إصابة الأطفال بالشلل الدماغي ممن ولدوا في البيوت أعلى منها في المستشفيات.

3- إن نسبة الإصابة بالشلل الدماغي لدى ذوي الدخل المتدني أعلى منها لذوي الدخل المرتفع.

ولقد أجرت (الطراونة ،1999) دراسة على عينة من طلبة الصف العاشر الأساسي في محافظة الكرك،بهدف التعرف على أشكال إساءة معاملة الوالدية وعلاقتها ببعض المتغيرات الديموغرافية والنفسية .وتكونت عينة الدراسة من 455 طالب و458 طالبة اختيروا بالطريقة العشوائية الطبقية والعنقودية .وقد استخدم مقياس الإساءة الوالدية للأطفال كما يدركها الأبناء أنفسهم ،ومقياس التوتر النفسي كأدوات بحثية للدراسة. وقد أسفرت الدراسة عن جملة من النتائج يمكن لنا عرضها على النحو التالي :

1- يتعرض أفراد الدراسة إلى الإساءة النفسية في المرتبة الأولى يليها إساءة الإهمال ومن ثم الإساءة الجسدية.

2- يتعرض الذكور إلى تلك الإساءات اكثر من الإناث.

3- كان مصدر هذه الإساءات هم الآباء في المرتبة الأولى يليهم الأمهات ثانياً.

4- توجد علاقة إحصائية بين تدني المستوى التعليمي للوالدين وإيقاعهم الإساءة على أبنائهم .

5- يوجد أثر لتدني دخل الأسرة في إيقاع الإساءات على الأطفال. أما (البلبيسي ،1997) فأجرى دراسة مكتبية تحليلية على حالات الاعتداء التي وقعت على الأطفال خلال عامي 1994 و1995 ،بهدف تحليل أنواع الاعتداءات الجسدية والجنسية التي وقعت على الأطفال ،وتحديد خصائص مرتكبي هذه الاعتداءات .وقد خلصت الدراسة الى جملة من النتائج أهمها :

1-كلما زاد عمر الطفل زادت فرصة تعرضه للإساءة الجسدية والجنسية.

2-لا توجد علاقة بين جنس الطفل وتعرضه للإساءة الجسدية.

3-إن لعامل البطالة دور في رفع نسبة الاعتداءات على الأطفال.

4-هناك علاقة ما بين تدني المستوى التعليمي وارتكاب الإساءة الجسدية ضد الأطفال .

أما (خلقي،1990 ) فقد أجرت دراستها على عينة مقدارها 102 حالة من حالات الإساءة المسجلة في مديرية الأمن العام كإساءات جسدية وجنسية وخلال الفترة الواقعة ما بين عام 1983-1989 ، وذلك بهدف معرفة بعض متغيرات الطفل وأسرته المرتبطة بالإساءة.وقد خلصت هذه الدراسة -والتي جاءت بعض نتائجها منسجمة مع نتائج كل من الطراونة والبلبيسي- إلى أن نسبة الإساءة الجسدية والجنسية الواقعة على الأطفال الذكور اقل منها لدى الإناث ، وأن اكثر مرتكبي الإساءات هم من الذكور.وانه لا توجد علاقة دالة احصائياً بين وضع الطفل الصحي ووقوع الإساءة عليه ، في حين أظهرت النتائج وجود علاقة دالة احصائياً ما بين ترتيب الطفل في أسرته ووقوع الإساءة عليه.أما بالنسبة لمرتكبي الإساءات الجسدية والجنسية فكانوا جميعهم في مستويات تعليمية متدنية .أخيراً أظهرت النتائج انه كلما تدنى المستوى الاقتصادي للمسيء زادت معه فرص إيقاع الإساءة الجسدية والجنسية على الأطفال.

أخيراً جاءت دراسة (مانديرز اليزابيث ،1996) لتدرس آثار وجود طفل معاق جسدياً أو عقلياً أو سلوكياً على احتمال تعرضه للإساءة من خلال استجابات هؤلاء الأطفال لسلسلة من صور الإساءة المحتملة ، والذين تم التعامل معهم في قسم حماية الطفل /جورجيا.وقد دلت نتائج هذه الدراسة إلى أن الأطفال المعوقين معرضين وبشكل اكبر من الأطفال الأسوياء إلى خطر الإساءة والإهمال من قبل آبائهم. وقد تبين كذلك أن حالات الإساءة تلك تحدث بسبب الخصائص المتعلقة بالأطفال أكثر من تلك الخصائص المتعلقة بالآباء المسيئين.

** الفصل الثاني :

*منهجية الدراسـة

** مشكلة الدراسة وتساؤلاتها :

إن وجود طفل مصاب بإعاقة عقلية في الأسرة يفرض على هذه الأسرة الشروع بتعامل خاص مع هذه الإعاقة سواء أكان ذلك على نطاق الأسرة أو على نطاق المحيط الاجتماعي. ومن هنا تحاول هذه الدراسة الإجابة عن التساؤل الرئيسي التالي : هل تلعب إصابة الطفل بإعاقة عقلية دوراً في تحريك أو إيقاع الإساءة الجسدية أو الإهمال على هذا الطفل المعوق؟

ويتفرع من هذا التساؤل عدة أسئلة فرعية لها علاقة بمشكلة الدراسة أعلاه :

1- ما الخصائص الديموغرافية لهذا الطفل المعوق عقلياً ؟

2- ما الخصائص الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية لاسرة الطفل المعوق عقلياً ؟

3- ما هي الأساليب الرعائية المتبعة من قبل الأسرة مع طفلها المعوق عقلياً؟

4- هل الطفل المعوق عقلياً متقبل من قبل أسرته ؟

5- هل لخصائص الأسرة الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية دور في وقوع الإساءة على هذا الطفل المعوق عقلياً ؟

** أهمية الدراسة ومبرراتها :

إن التزايد المستمر في إعداد الأطفال ذوي الإعاقات العقلية قد يساهم في زيادة أعباء ثقيلة على اسر وذوي هؤلاء الأطفال مما لهذه الإعاقة من طبيعة خاصة تفرضها في توفير الأجواء الإيجابية أو السلبية لهؤلاء الأطفال . ومن هنا فإن أهمية هذه الدراسة تعود لجملة من الأمور يمكن إيجازها على النحو التالي :

1- قلة الدراسات والأبحاث العلمية التي طرقت موضوع إساءة معاملة الأطفال وعلاقتها بالإعاقة العقلية المصاحبة للأطفال المعوقين.

2- ارتكاز الدراسة على المنهج الكيفي النوعي القائم على إيجاد مساحة واسعة للذين تم مقابلتهم من أفراد أسرة الطفل المعوق من التعبير عما يجول في أذهانهم من آراء وأفكار عن إصابة طفلهم بهذه الإعاقة وكيفية التعامل مع هذه الأزمة من وجهة نظرهم.

3- محاولة الخروج بنتائج علمية وعملية قد تفيد العاملين في مجال الإساءة ضد الأطفال ، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة وعي الأسرة في كيفية التعامل مع أطفالهم المعوقين عقلياً.

** منهج الدراسة :

يستخدم هذا البحث المنهج النوعي القائم على دراسة الحالة ، والذي يقوم على دراسة الفرد المعوق واسرته.وبذلك تكون حدود الدراسة محكومة بهذه الأبعاد .

** مجتمع الدراسة :

يتألف مجتمع الدراسة من جميع حالات الإساءة الواقعة على الأطفال خلال منتصف عام 2000 والتي تعامل معها مكتب الخدمة الاجتماعية في إدارة حماية الأسرة والبالغ عددها 345 حالة إساءة.

** عينة الدراسة :

تم اختيار حالة إساءة واحدة – لطفلة أنثى- من ضمن الحالات الواردة إلى مكتب الخدمة الاجتماعية والتي كانت تعاني من الإعاقة العقلية وممن صنفت حالتها بعد الفحص الطبي الشرعي والدراسة الاجتماعية الأولية المعدة لها ولاسرتها على أنها تعرضت للإساءة الجسدية ( سكب الماء الحار على الطفلة ) ، والإهمال ( رمي الطفلة على أحد السكك الحديدية المجاورة لمنطقة سكن الأسرة).

** أداة الدراسة :

نظراً لطبيعة المنهج الكيفي فقد عمد معد الدراسة إلى الارتكاز على أسلوب طرح الأسئلة المفتوحة والمغلقة من خلال تصميم استبانة المقابلة التي تم إعدادها لطرحها من خلال الحوار والمناقشة مع القائمين على رعاية وتربية الطفلة ، حيث كان ذلك من خلال عدة مقابلات وجلسات أفردت خصيصاً ، علماً بأن والدي الطفلة وبعد شرح الهدف من هذه الدراسة لهم ابدوا استعدادهم للتجاوب مع الباحث ، لا سيما وان المعلومات التي تم رصدها موظفة لأغراض البحث العلمي فقط.

** مصادر جمع البيانات :

1- الملف الاجتماعي الخاص بالطفلة المعوقة عقلياً الموجود في مكتــب الخدمـة الاجتـماعية ( الدراسة الاجتماعية الأولية+ملف دراسة الحالة المعمق).

2- تقرير الطبيب الشرعي الذي أجرى الفحص الطبي الشرعي للطفلة .

3- أوراق التحقيق الشرطية الخاصة بالحالة .

** محددات الدراسة :

تتحدد الدراسة بمحدد أساسي هو اقتصار الدراسة على حالة واحدة من حالات الأطفال المعوقين عقلياً والتي تم الإساءة إليها. وبالتالي تتحدد نتائج هذه الدراسة فقط على الحالة مدار البحث ولا تنسحب بالضرورة هذه النتائج على باقي الأطفال المعوقين بنفس الإعاقة أو بإعاقات أخرى .

** المفاهيم النظرية والإجرائية للدراسة :

الأسرة : هي عبارة عن الوحدة الاجتماعية الأولى التي تهدف إلى المحافظة على النوع الإنساني وتقوم على المقتضيات التي يرتضيها العقل الجمعي والقواعد التي تقررها المجتمعات المختلفة ( النورجي ،1990 ،ص23 ).

الطفل : هو الفرد الذي يتراوح عمره ما بين سن الولادة وحتى 18 سنة.

الطفل المعوق : هو الطفل الذي لديه حاجات أساسية والتي تكون موجودة لدى الأطفال العاديين ، إلا انه نتيجة الاضطرابات السلوكية والجسدية والعاطفية تصبح لديه حاجات خاصة (الخطيب، 1993 ).

الطفل المعوق عقلياً : هو شخص يعاني من نقص أو تخلف أو بطئ في نموه العقلي يؤدى إلى تدني في مستوى ذكائه ومستوى تكيفه الاجتماعي ، فلا تتناسب قدرته العقلية ولا تتوافق مع عمره الزمني(نور،1973 ،ص10).

التخلف العقلي : انخفاض ملحوظ في القدرات العقلية العامة وعجز في التكيف يظهران في مرحلة النمو (الخطيب،1993،ص9 ).

خصائص الأسرة : هي تلك السمات المميزة لهيكل الأسرة من حيث (الخصائص الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية لافراد الأسرة ).

الدعم الاجتماعي : حاجة الأفراد إلى متنفس وفرصة كافية للتعبير عن مشاعرهم من مصادر متنوعة ( كالأقارب ، الجيرة ، الأصدقاء).

الإساءة : هو الفعل المقصود غير العرضي الصادر من قبل أحد أفراد الأسرة القائمين على رعاية وتنشئة الطفل بهدف إيذائهم والحاق الضرر بهم.

** الفصل الثالث :

* نتائج الدراسة توصياتها

** نتائج الدراسة ومناقشتها :

أولاً : الخصائص الديموغرافية للطفلة المعوقة : تدعى الطفلة نداء وهي تبلغ من العمر سبع سنوات ، وهي الطفلة الثالثة في ترتيب مواليد اسرتها. لها أربعة أشقاء كلهم من الذكور.لم تلتحق الطفلة مطلقاً بالمدرسة بسبب إصابتها بالإعاقة العقلية والشلل الدماغي.

ثانياً : موجز عن تكوين الأسرة : تزوج والدي الطفلة عام 1989 بحكم الجوار ومعرفة الأهل دون وجود صلة قرابة بينهما حيث أن كل منهما من بلدة مختلفة عن الآخر. وبسبب وجود بعض الأمراض عند ألام تأخر الزوجان في الإنجاب ولمدة عامين .بعدها رزقا وعلى التوالي بولدين –ذكرين- يعاني الأكبر منهما من إعاقة سمعية ونطقية ، أما الآخر فهو بصحة جيدة .بعدها كان الحمل الثالث وبفاصل زمني قصير –سنة واحدة- وكانت نتيجة هذا الحمل ولادة الطفلة نداء مدار البحث ، حيث ولدت -وحسب كلام ألام – وهي بصحة جيدة ولا تعاني من أي إعاقات ، إلا انه وبعد ثلاثة شهور أصيبت الطفلة بالحمى واهمل علاجها من قبل والديها الأمر الذي أدى إلى تفاقم حالتها وإصابتها بالشلل الدماغي وتلف في الدماغ مما أدى إلى الإعاقة العقلية. بعد هذه الولادة انجب الأبوين ولدينذكرين آخرين- وهم يعانون من بطئ من تأخر في الكلام.

ثالثاً : الخصائص الأسرية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة : يبلغ الأب من العمر 35 سنة وهو ذو مستوى تعليمي متدني إذ أن تحصيله العلمي لم يتجاوز التعليم الأساسي (الصف الخامس الابتدائي) .يعمل الأب بشكل متقطع كسائق عمومي على بعض سيارات السرفيس أو الشحن ، ولكنه لا يكاد يعمل حتى يترك هذا العمل ولاسباب تتعلق بطبيعة هذه المهنة ،وعدم الاستقرار هذا لا يمكنه من الحصول على دخل يُمكن أسرته من تغطية احتياجاتها الأساسية .ومما يذكر هنا أن الدخل المتأتي من عمل الأب –في حال بقاءه بالعمل- هو 130 دينار أضف على ذلك المعونة النقدية المتكررة التي يتقاضاها عن ابنته المعوقة نداء والبالغ قيمتها 30 دينار من صندوق المعونة الوطنية التابع لمديرية تنمية عمان الشرقية. أما بخصوص ألام فهي تبلغ من العمر 30 سنة وهي ربة بيت ومستواها التعليمي متدني ولم يتعدى الصف السادس الابتدائي.وقد تزوجت ألام من زوجها وهي في سن مبكرة ( 18 سنة) ، حيث ذكرت ألام بأنها لم تكن ترغب بالزواج في هذا العمر وانما كان إجبار أهلها لها هو السبب الرئيس في إتمام هذا الزواج إيماناً منهم بأن الزواج هو " ستيره للفتاة ... " ؟. تعيش الأسرة في بيت طابق ارضي وهو ملك ومكون من غرفة واحدة بالإضافة إلى منافعها . يوجد في البيت ماء وكهرباء وهو مربوط بشبكة الصرف الصحي .

رابعاً : التاريخ التطوري لاعاقة الطفلة والإساءة الواقعة : أشارت ألام بأنها لم تتعرض وهي حامل بطفلتها –مدار الدراسة- إلى مخاطر الأشعة المختلفة .وان ولادتها كانت طبيعية وغير معسرة ، وان ابنتها –وحسب مفاهيم ألام- صرخت بشكل طبيعي وكان وزنها ضمن الحدود الطبيعية ، ولكن بعد مضي ثلاثة اشهر أصيبت الطفلة ندا بالتهاب رئوي مصحوباً بارتفاع في درجة حرارتها.أهملت الأسرة علاج الطفلة مما أدى إلى تفاقم حالتها واصابة دماغها بالتلف والإعاقة العقلية .ومن هنا يمكن القول بأنه هذا التقصير هو أول بوادر علامات الإهمال ، فلو تم عرض الطفلة على الاختصاصي الطبي المناسب لاختلف – في رأي الوضع-. ويمكن عزو هذا الإهمال إلى جهل ألام والأب في مثل هذه القضايا ، أضف إلى ذلك إهمال الأب وعدم اهتمامه بأحوال وشؤون أسرته بشكل كافي .إن هذا الإهمال – وحسب كلام ألام – الصادر من زوجها أدى إلى أن تتحمل هي مسؤولية الإشراف والمتابعة الخاصة بشؤون طفلتها المعوقة " وكأنها بنتي بس وليست بنته" . وهنا تلتقي هذه النتيجة مع نتيجة دراسة الملكاوي ، والطراونة القائلة " بأن الأمهات أكثر معاناة في تعاملهم مع أمراض أطفالهم المزمنة ومنها الإعاقة".وتتفق ايضاً مع نتيجة دراسة جبريل ، والحديدي القائلة " بأن وجود طفل معوق في الأسرة من شانه أن يشكل مصدر تهديد بحيث يخلق هذا الوجود ضغوطاً جديدة تؤثر على أدوار الأسرة وعلاقاتها ".

وفي سياق مجريات المقابلات أشارت ألام انه بعد أن عرفوا بحالة الإعاقة العقلية التي أصيبت بها طفلتهم أصيبوا بخيبة أمل وشعورٍ باليأس والحزن والاستغراب والاستنكار والخجل الاجتماعي. وهذه المعلومات تتلاقى مع نتائج دراسة البداينة ويوسف وجبريل. ولقد ذكرت ألام بان ابنتها المعوقة قد عانت وتعاني كذلك من مضاعفات أخرى رافقت الإعاقة العقلية مثل ( فقدانها السمع الشبه كلي ، وفقدانها مهارات الكلام والحركة والمهارات الاستقلالية الذاتية ، هذا كله يقود إلى استنتاج عقلاني مفاده بوجود الإهمال الأسري كان قد وقع – ولا يزال- على هذه الطفلة ، ويمكن عزو هذه الاستنتاج إلى عدة أمور أبرزها :

1- تدنى المستوى التعليمي الخاص بأسرة الطفلة مدار الدراسة .

2- التدني في المستوى التعليمي أعلاه أدى إلى عدم وجود المعرفة الحسية الكافية للوالدين باحتمالية إصابة طفلتهم بإعاقة عقلية ، وخصوصاً عندما أهملت الأسرة معالجة الحالة المرضية العادية للطفلة والتي كانت مصحوبة بارتفاع درجة حرارتها . وحيث أن هذه الأمور لم تلاحق فقد كان لها الدور الرئيسي في إحداث مضاعفات انعكست وبشكل سلبي على هذه الطفلة .

3- ظنت الأسرة انه وبسبب عدم وجود تاريخ مرضي (أي وجود إعاقات ) في أسرتي الزوجين أن ابنتهم لن تصاب بهذه الإعاقة وخصوصاً عندما ارتفعت حرارتها ولم تعالج.

4- أما إذا افترضنا جدلاً بأن الأسرة لاحظت وجود مؤشرات سلبية على وضع وصحة طفلتهم ، ولكن يبدو أن الظروف الاقتصادية المتدنية المميزة لهذه الأسرة قد لعبت دورها كذلك في عملية إهمال معالجة هذه الطفلة .

إن هذه الاستنتاجات تتفق إلى حد ما مع ما جاءت به نتيجة دراسة يوسف حول أن إصابة بعض أطفال ذوي الدخول المتدنية بالإعاقة العقلية والشلل الدماغي تكون اكثر من إصابة ذوي الدخول المرتفعة بهذه الإعاقات.

ولقد أشارت ألام بأنها وزوجها لم يقومان أو يحاولان إجراء معاملة لإدخال طفلتهم إلى إحدى المراكز الخاصة المعنية بتأهيل ورعاية مثل هذه الإعاقات ، بل حاولت الأسرة عن طريق الأب التخلص من هذه الطفلة المعوقة عن طريق " إلقاءها على سكة الحديد التي يسير عليها القطار والمحاذية لسكن الأسرة قاصداً – أي الأب – أن يدوس القطار ابنته لإزهاق حياتها ، إلا أن إرادة الله لم تشأ ذلك حيث قام بعض الأفراد الذين شاهدوا هذا المنظر بإنقاذ هذه الطفلة وإرجاعها إلى أسرتها . علماً بان هذه الحادثة قد تناهت ووصلت إلى على إحدى المراكز الأمنية القريبة من منطقة سكن الأسرة وتم اتخاذ إجراء – اعتقد بأنه غير رادع- بحق الأب . وقد تداعت هذه الحادثة بنتائجها ، فقد عمدت وزارة التنمية الاجتماعية إلى تخصيص معونة نقدية ثابتة لهذه الطفلة كانت بقيمة 40 دينار وبهدف محاولة تحفيز الأسرة وإزالة بعض مشاعر الإحباط والألم الذي يعانوه .

إلا أن ذلك لم يردع الأب حيث قام مرة أخرى بسكب الماء المغلي على طفلته مما أصابها بحروق شديدة نوعاً ما ، وفي هذا الصدد ذكرت ألام ومن باب التبرير بأن زوجها لم يكن يقصد إيذاء الطفلة ولكن بطريق الخطأ انسكب الماء منه على الطفلة واصابها بالحروق.وتتفق هذه النتيجة مع نتيجة دراسة الطراونة القائلة بان الآباء أكثر عنفاً على أطفالهم من الأمهات .

وبسؤال ألام عن شعورها حيال الطفلة وما حدث لها من قبل والدها ، بدأت ألام بمحاولة التهرب وإطلاق الصفات غير السوية على ابنتها المعوقة فقالت بأنها ( كثيرة الغلبة ، تأكل كثيراً ، تبول لاإراديا على نفسها ، بتوسخ على حالها ، ما بتنام في الليل ... ) وفي هذا الإطار لاحظ الباحث أن ألام تخشى من قول الحقيقة عن زوجها وانه مسيء ، وفي المقابل شعر الباحث بأن ألام متأثرة بوضعية طفلتها المعوقة وأنها في ضائقة نفسية قد تصل –من وجهة نظر الباحث- إلى حد الإصابة بالاكتئاب أو بالإحباط ، وهذا الأمر تجلى في قولها " والله منا عارف شو أسوي وكيف أتصرف مع هذه البنت ، ولكن الله بعين هذا نصيبي ..." . وتتفق هذه النتيجة مع نتيجة دراسة ملكاوي بان الأمهات هن الأكثر معاناة لمرض طفلهن وقد يصل الأمر إلى الإصابة بالاكتئاب.

وللتعرف اكثر على أسباب هذه المعانة التي تمر بها ألام فقد أشارت إلى عدة أمور قد تكون هي المسؤولة عن هذا الضغط النفسي وهي :

أنها تشعر وكأنها هي المسؤولة عن إنجاب هذه الطفلة المعوقة الذي شكل ازعاجاً لزوجها.

لا توجد مساندة اجتماعية كافية للام حول كيفية تقديم الرعاية اللازمة لهذه الطفلة ، سواء من أسرتها أو من الجهات الخارجية.

عدم قدرتها على طلب المساندة الطبية بسبب وضع أسرتها الاقتصادي المتدني.

وجود مشاكل عائلية بين الزوجين قد تصل في بعضها إلى درجة العنف الجسدي على ألام أو الأطفال من قبل الزوج.

عدم معرفة الأسرة بالجهات التي يمكن أن تلعب الدور الاسنادي لها ، وخصوصاً على الصعيد العلاجي والتأهيلي الوظيفي.

تعليق على النتائج :

إن نتائج الدراسة التي تم استعراضها آنفاً تبين أن هناك عدة أسباب تؤدي إلى حدوث الإعاقة . والحالة التي تم تناولها تؤكد بأن هناك عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية تداخلت مع بعضها البعض وشكلت أرضية خصبة لحدوث تلك الإعاقة وما نتج عن ذلك من رفض واضح وعدم تقبل لوجود طفل معوق داخل أطر الأسرة.

فإخفاق الأسرة في التعامل مع حالة مرضية عادية لطفلتهم أدى إلى تفاقم حالتها وبالتالي إصابتها بالإعاقة العقلية والشلل الدماغي ، ومع استمرار هذا الوضع السلبي المتمثل برفضٍ صارخ لهذه الطفلة بعد الإصابة بالإعاقة مع تدني المستوى التعليمي والثقافي للأبوين قد حال –وبشكل أكيد- دون استخدام الأساليب الرعائية والتربوية التي تتفق وخصائص الطفلة المعوقة وحاجتها إلى الرعاية المباشرة . هذا كله دخل ضمن إطار وعالم الإساءة ، فأصبحت الطفلة تتعرض إلى الإهمال المتتالي تبعها محاولة التخلص بالقاءها خارجاً وفي أماكن خطيرة جداً – سكة الحديد - .

ومن هنا فإننا نجد الأهمية الكبيرة للدور الذي يمكن أن يلعبة الاختصاصي الاجتماعي مع باقي الفريق الاختصاصي والمهني الآخر ، والذي يحتم عليهم جميعاً واجبهم المهني التعامل مع طرفي المعادلة ( الطفل المعوق & والقائمين على الرعاية والتـنشئة ) بعلمية وبصبر خلاق من حيث تعريف الأباء والأمهات بالمراحل النمائية المختلفة التي يمر بها أبنائهم وخصوصاً إذا كانوا معوقين.

** توصيات الدراسة :

1- الاهتمام بإجراء اعديد من الدراسات حول موضوع التقبل للطفل المعوق من قبل أسرته ومحيطه الاجتماعي الخاص والعام ، ومدى احتمالية وقوع الإساءة عليه نتيجة تلك الإعاقة.

2- العمل على توعية الوالدين بظروف الإعاقة العقلية تحديداً وباقي الإعاقات الأخرى عموماً ، وتشجيعهم على تقل قدرات الطفل المعوق واقناعهم بإمكانية استغلال هذه القدرات لانتاج طفل معوق فاعل.

3- تشجيع الأسر التي لديها أطفال معوقين على الاتصال بالمؤسسات الرسمية والأهلية للاستفادة من خبراتهم ، كذلك العمل على تعريفهم بهذه المؤسسات العاملة داخل المجتمع.

4- العمل على توفير الدعم المالي لكل الأطفال المعوقين ولاسرهم كذلك وبشكل سريع جداً ، والاختصار من الإجراءات البيروقراطية الطويلة في عمليات الصرف النقدي تلك.

5- عقد الدورات والندوات التوعوية والإرشادية لاسر الأطفال المعوقين عقلياً حول الرعايئة التربوية والنفسية والاجتماعية الصحيحة، حيث أن هذا الأمر يعزز من عملية العلاج.

6- محاولة إيصال الأسر إلى مرحلة التقبل والتكيف مع وضع الطفل المعوق عقلياً ، وبالتالي العمل على إدماجه في محيطه الأسري والاجتماعي بشكل فاعل.

7- إنشاء جماعات مساندة من المتطوعين واهالي الأطفال المعوقين للتشارك في الآراء حول افضل الطرق الخاصة بمساعدة الأطفال وذويهم .

8- العمل على توفير وسائل الترفيه والتثقيف اللازمين للفئة المعوقة ولاسرهم .

----------------------------------------------------

قائمة المراجع :

1- أبو شريف ،لبية، 1991 .الأنماط السلوكية غير التكيفية للأطفال المعوقين عقلياً والمرتبطة بالإساءة البدنية من قبل والديهم. رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الدراسات العليا ، كلية العلوم التربوية ،الجامعة الأردنية.

2- البداينة ، ذياب،1996 .الاوصمة الاجتماعية والإعاقة .مؤتة للأبحاث والدراسات ،السلسلة (أ) من مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، المجلد 11 ،العدد 3 ،عمادة البحث العلمي والدراسات العليا.

3- البداينة ، ذياب،النصير،رافع ،آخرون،1993 .واقع المعاقين في محافظة الكرك في الأردن ، مجلة مركز البحوث التربوية ، قطر ، العدد 4 .

4- بركات ، مطاع ،1999 .العدوان والعنف في الأسرة ، عالم الفكر ، المجلد 27 ، العدد 4 ، أبريل ، الكويت.

5- البلبيسي ،بشير،1997 .حجم مشكلة إساءة معاملة الأطفال في المجتمع الأردني ، ورقة عمل مقدمة في فعاليات ندوة الإساءة للطفل المنظمة من قبل جمعية نهر الأردن ، عمان ، الأردن.

6- الحديدي،منى ،آخرون،1996 .اثر إعاقة الطفل على أسرته، مجلة كلية التربية ، جامعة المنصورة ،العدد 31 .

7- جبريل ،موسى،آخرون،1995 .الصحة النفسية لدى اخوة المعوقين ،مجلة العلوم التربوية، العدد 1 ،المجلد 23 ،الجامعة الأردنية.

8- الخطيب ،جمال ،1993 .تعديل سلوك الأطفال المعوقين (دليل الآباء والمعلمين ) ، إشراق للنشر والتوزيع ،عمان.

9- خلقي ،هند،1990 .العلاقة بين الإساءة الجسدية والجنسية للطفل وبعض المتغيرات الديموغرافية المتعلقة بالأسر المسيئة ، رسالة ماجستير غير منشورة ، الجامعة الأردنية ، عمان ، الأردن.

10-الرفاعي ،نعيم ،1987 .الصحة النفسية ، الطبعة السابعة ، جامعة دمشق.

11-زهران ، حامد ،1986 .علم نفس النمو (الطفولة والمراهقة)، دار المعارف.

12-صندوق الملكة علياء للعمل الاجتماعي التطوعي الأردني ،1994 .كيف نتعامل مع الطفل المعاق عقلياً " دليل الآباء والأمهات" ، إعداد لجنة من المختصين ، عمان.

13-الطراونة ، فاطمة ،1999 .أشكال إساءة المعاملة الوالدية للطفل وعلاقتها بالتوتر النفسي لديه وبعض الخصائص الديموغرافية لاسرته ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة مؤتة ، الاردن.

14-عمر ،معن ،1994. علم اجتماع الأسرة ، الطبعة الأولى ، دار الشروق للنشر والتوزيع ، عمان.

15- القمش ، مصطفى ، 1994.مشكلات الأطفال المعوقين عقلياً داخل الأسرة ، رسالة ماجستير غير منشورة ،كلية الدراسات العليا ، كلية العلوم التربوية،الجامعة الأردنية.

16-ملكاوي ،أسماء ،1998. خصائص الأطفال ذوي الأمراض المزمنة واحتياجاتهم الاجتماعية ، رسالة ماجستير غير منشورة،كلية الدراسات العليا،الجامعة الأردنية.

17-مجموعة الكتاب ، 1997. إساءة معاملة الأطفال ، ترجمة احمد رومو ، دمشق ، منشورات وزارة الثقافة.

18-النورجي ،احمد ،1990. مفاهيم في الفلسفة والاجتماع ، الطبعة الأولى ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد.

19-يوسف ، نايف،1991 .الشلل الدماغي في الأردن ، رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الدراسات العليا ، كلية العلوم التربوية، الجامعة الأردنية.

20-اليونيسف،1998 .وضع الأطفال في العالم، مكتب اليونيسف الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المطبعة الوطنية.

كانون ثاني 28, 2004 - 18:46
زينة الحياة، أطفال العراق ولائحة حقوق الطفل العالمية

الدكتور توفيق التونجي

"وأما بنعمة ربك فحدث" صدق الله العظيم

المشترك بين الفكر النازي والفكر الشمولي للنظام العراقي السابق هو نظرتهم وتقيمهم "الطفل" وعالمه ومدى استغلالهم لهذه الطبقة العزيزة في المجتمع لاغراض الحزبية الإجرامية كتحويلهم إلى أداة استخباراتية داخل العائلة، الأطفال على سجيتهم وبساطتهم كانوا تحت تلك الأنظمة القمعية ضحية وسبباً لهدم العوائل وسوق رب العائلة إلى المشانق حيث لا يزال يروي العراقيون الكثير من تلك الحكايات والرويات الماساوية التي قاد فيه هفوة الطفل وسذاجته أبية إلى الموت... كم من هؤلاء فلذة أكبادنا يا ترى يعيشون في كوابيس الدجى اليوم؟ أعانهم الله في محنتهم وجزى الله شراً الجلاوزة والطغاة على عملهم المهين.

العراق الجديد يتوجه بخطى ثابتة اليوم إلى تخطيط دولة القانون والعدل والدستور وقد بوشر بكتابة مسودات القوانين وسنها وهناك بشائر كتابة دستور لدولة العراق الجديد، حبذا يؤخذ بنظر الاعتبار مصلحة الطفل العراقي عند سن تلك القوانين ومراعاة بنود لائحة حقوق الطفل العالمي الذي وقع عليه العراق ومعظم دول العالم ما عدا الصومال والولايات المتحدة الأمريكية حيث هناك اعتراضات على البند 37 من اللائحة التي سآتي إلى بنودها لاحقاً.

** الإحترام أساس العلاقة

ليس فقط في العلاقات الدولية تعتبر الاحترام المتبادل من أهم أسس التعاون الدولي بل أن الاحترام أساس كل علاقة مهما كانت مستوياتها، إن احترام الكبير للصغير يؤدي في النهاية فرض "الاحترام" على الطرف الآخر وهنا أريد أن أبين أن كلمة الطفل تشمل الفترة منذ مراحل الطفولة الأولى حتى عمر الشباب في سن الثامنة عشر، إن من أهم المشاكل المستعصية في المجتمعات الأوربية تأتي من نوع تلك العلاقة ويشتكي الجميع من فقدان الاحترام المتبادل بين الكبار والشباب مما يؤدي إلى فقدان وصعوبة الحوار بينهم. بينما نرى تراعي الدولة ومؤسساتها عند سن القوانين واعطاء الأوامر والتعليمات وتنفيذ القرارات منظور مصلحة الطفل من ناحية ومن ناحية أخرى تحاول جاهدة أن تصل إلى روح العدل والإنصاف بحق الطفل وعلى ضوئها تسن القوانين.

** المسؤولية المشتركة

إن الأبوين يتحملان مسؤولية مباشرة وأساسية في تربية الطفل وقد يكونان الوحيدان اللذان يحافظان على مصلحته ويراعيان مستقبله، لكن الدولة يجب أن تراعي كذلك مصلحة تلك الطبقة المهمة من أبناء المجتمع وأمل المستقبل، إن هناك العديد من الدول تعطي حقوق إلى الطفل يمكن أحياناً أن يولد تناقضاً شديداً بين تربية الأبوين للطفل وما يراه القانون مناسباً لذلك خاصة فيما يخص معاقبة الطفل على هفواته وأخطائه وتغير مسار حياته إلى الأفضل عند الخروج من مسارها الطبيعي، لا ريب أن هناك خطورة اجتماعية في نقل السلطة الأبوية إلى الطفل على أساس مراعاة الأسس الديمقراطية في التربية وتلك إشكالية أساسية يواجهها الكثير من العوائل المهاجرة وخاصة القادمون من دول الشرق في المجتمعات الأوربية.

إن وجود الكبار في حياة الطفل مهم جداً في تربيته تربية صالحة ومجرد أن يأخذ الأبوين تلك المهمة على عاتقهم يعتبر تعزيزاً للديمقراطية في المجتمع ومشاركة أساسية في بناء المجتمع الصالح وفي عكسه نرى أن الطفل قد لا يعي أهمية كونه تحت طائلة القانون عليه أيضاً مسؤوليات وواجبات.

** سياسة الدولة تجاه الطفل

إن سياسة الدولة تجاه الطفل أحد أعمدة بناء المجتمعات المدنية ومهمة جداً من منظور الرؤية المستقبلية لمستقبل هذه الطبقة المهمة من المجتمع.

لقد أشرت إلى أهمية سن القوانين والأخذ نظر الاعتبار منظور "الطفل" ومصلحته العليا ليس فقط بما يناسب لائحة حقوق الطفل لا بل يجب أن يتجاوز تلك اللائحة في الكثير من الأحيان في مراعاة التقاليد والأعراف والموروث الديني والثقافي للأمم، ويعتبر البند الثاني والثالث والسادس والثاني عشر من لائحة حقوق الطفل من المبادئ الأساسية والتي يتم على أساسها تقيم أداء الدول والحكومات فيما يخص بحقوق الطفل.

إن على الدول والحكومات التي وقعت على اللائحة مراعاة نص بنود اللائحة في قوانينها وتحمل مسؤولية تطبيق تلك المبادئ ونشر ورفع التقارير إلى هيئة الأمم المتحدة، تلك التقارير تحتوي على معلومات حول تطبيق المبادئ أل أساسية والمعوقات التي تجابه تلك الدول من حيث قلة الموارد والإمكانيات، من ناحية أخرى يستوجب تقديم الخدمات والمعلومات الكافية حول تلك الحقوق وتسهيل إيصالها للطفل، وتكون الدول التي لا تراعي أو تغض النظر عن تجاوزات على البنود الأساسية للائحة معرضة للنقد في تقارير التي ترفعها المنظمات الدولية المعنية بحماية حقوق الأطفال كمنظمة "إنقاذ الأطفال العالمية".

السويد قامت بالإضافة إلى تطبيق المبادئ العامة باستحداث وزارة خاصة بالطفل كما أن هناك مجالس خاصة للشباب ونائب دولة لشؤون الشباب استحدث عام 1993.

** للأطفال حقوق

جميع الأطفال في العالم ودون استثناء يتمتعون بحقوق خاصة بهم منذ الإعلان عن لائحة حقوق الطفل العالمية عام 1989 وفي العاشر من نوفمبر تشرين الثاني، وبذلك ولاول مرة في التاريخ حصل الأطفال وعلى قدم السواء أينما كانوا على حقوق مدونة يضمن نموهم بحرية أصحاء وذو شخصيات مستقلة، كما ويجب احترام حقوقهم الإنسانية، تأتي هذا اللائحة مكملة للائحة حقوق الإنسان العالمي لطبقة مهمة من المجتمع الدولي "الأطفال" حيث يصل عددهم إلى اكثر من ملياردين.

حق الحياة الكريمة والنمو الطبيعي بأمان ودون أي تجاوزات وتعدي من قبل الكبار والاهم من كل ذلك احترام إنسانيتهم وآرائهم وأفكارهم ورغباتهم واعتبار مبدأ مصلحة الطفل الأعلى والتي تأتى بالدرجة الأولى وقبل أي شئ آخر.

هناك في الوقت الحاضر 191 دولة وقعت على لائحة حقوق الطفل في العالم.

نصوص مبسطة لبعض مواد قانون لائحة حقوق الطفل العالمية الـ 54 مادة:

* المادة 1:

الطفل يعنى به كل إنسان على المعمورة لحين 18 من العمر.

* المادة 2:

جميع الأطفال يتمتعون بنفس القيمة والحقوق. لا يجوز التميز بينهم.

* المادة 3:

مصلحة الطفل تأتي بالدرجة الأولى دوماً.

* المادة 4:

يجب على الدول الموقعة على اللائحة وحسب طاقاتها وإمكانياتها الكفاح من اجل تحقيق الحقوق الإجتماعية، الإقتصادية والثقافية للطفل، في الوقت الذي لا تكفي طاقات الدولة لتحقيق تلك المبادئ عليها طلب العون من المجتمع الدولي ومنظماتها.

* المادة 6:

لجميع الأطفال الحق في الحياة والنمو.

* المادة 7:

يحق لكل طفل الحصول على اسم وجنسية، وبقدر الإمكان يحق له كذلك معرفة أبويه.

* المادة 9:

إذا لم يكن في مصلحة الطفل لا يجوز عزله من أبويه بالرغم منه.

* المادة 10:

طلبات الأبوين المفترقين والمقيمين في دول مفترقة حول لم شمل العائلة يجب أن تبث به بسرعة وتعامل بإيجابية وإنسانية.

* المادة 12 إلى 15:

يحق للطفل إبداء الرأي في شؤون الخاصة به، على المحاكم الاستماع إلى أقوالهم وآرائهم عندما تكون القضية متعلقة بهم ويجب اخذ بمبدأ مصلحة الطفل بالدرجة الأولى، يحترم كذلك انتماء الطفل الديني وحرية اعتقاده وفكره.

* المادة 18:

لكلا الأبوين مسؤولية نمو وتربية الطفل ولهم أن يقدموا مصلحة الطفل دائما في المرتبة الأولى.

* المادة 19:

حماية الطفل عن كافة أنواع التعذيب الجسدي والنفسي حق مضمون تجاه الأبوين أو ولي أمره.

* المادة 22:

يحق لطفل اللاجئ الحماية والمساعدة في حال هجرته وحيداً أو بمصاحبة الأبوين أو شخص آخر.

* المادة 28 و29:

للطفل حق الحصول على الدراسة والتعليم، على عاتق التعليم يقع مهمة تحضيره لحياة المستقبل وتربية على أساس احترام حقوق الإنسان واحترام الاختلاف والتسامح والصداقة بين الشعوب.

* المادة 30:

لأطفال الأقليات العرقية والقومية الحق في ممارسة لغاتهم القومية وثقافتهم ومعتقداتهم.

* المادة 31:

للطفل حق العب والراحة ووقت الفراغ.

* المادة 37:

لا يحق تعذيب أي طفل أو استعمال وسائل عنف غير إنسانية أخرى بحقه ولا يجوز معاقبة الطفل وتخديش حياه، لا يحق سجنه وتقيد حريته أو بمعاقبة بالسجن مدى الحياة أو بالموت "الإعدام".

جميع الأطفال اللذين يعاقبهم المحاكم على أفعال إجرامية يجب أن يعاملون بطريقة إنسانية وباحترام، كما يحق للطفل الحصول على مساعدة قضائية وللطفل السجين حق مقابلة وزيارة العائلة له.

* المادة 38:

لا يحق للطفل تحت سن الثامنة عشر حمل السلاح والمشاركة الفعلية في النزاعات العسكرية ولا يحق استعمالهم في حرب العصابات وما شابه.

* المادة 42:

على الدول الموقعة على اللائحة تعميم ونشر موادها ومبادئها الأساسية بين الكبار والصغار.

المواد من 46 إلى 54 تتضمن قواعد وأسس الانتماء إلى دول اللائحة والتوقيع عليها وفترة الصلاحية وبداء العمل فيها ولا يحق للدول الأعضاء استثناء مواد معينة وعدم تطبيقها بما ينافي وروح هذا القانون.

العراق في الماضي كان مسرحا للعديد من التجاوزات على حرمة الإنسان وعلى الطفل بصورة خاصة فكان فلذة أكبادنا ضحية سهلة ليس فقط للأفكار العنصرية الهدامة وترديد شعارات الحزب وتبريك أفعال القائد الذي ربما كان سببا لمأساته الشخصية وتيتمه بل كان هذا الصغير كذلك ضحية مباشرة لسياسة الدولة العدوانية حيث قدم حياته في العديد من المعارك والنزاعات والصراعات والتهجير القسري والاضطهاد والصهر القومي والأنفال وضحية غار الخردل في" حلبجة " الشهيدة وأماكن أخرى، كذلك كان هذا الروح الصغير المسالم والبرئ معذبا يرمى على الحدود بحجة الانتماء إلى التبعية الإيرانية، أو يموت من فقدان الدواء والغذاء والعناية الصحية والعلاج، كان ضحية حرب طويلة أفقدته حنان الأب وربما الام كذلك وبات في أزقة ودروب البلاد حائراً جائعاً يتيم.

السلطة العراقية والحكم في المستقبل يجب أن ينظر بعين العطف والحنان إلى جيل المستقبل اللذين سيحملون الراية والأمل للامة العراقية.  

كانون ثاني 21, 2004 - 17:20
جيل من الأطفال الفلسطينيين الذين يعانون من سوء التغذية !!

كاثرين كوك، منسقة وحدة الإعلام والبحث في الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال / فرع فلسطين

يشير استطلاع نشر مؤخراً إلى وضعٍ طارئ في كلّ ما يتعلق بتغذية الأطفال الفلسطينيين، 22 % من الأطفال يعانون من سوء تغذية حرج أو مزمن بدرجة معتدلة حتى شديدة، وخمسهم يعانون من فقر الدم المعتدل حتى الشديد.

الدراسة تمت بإشراف مدرسة الطب العامة في جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد قامت بفحص مستوى التغذية و توفر الغذاء في الأسواق و الاستهلاك البيتي، حيث وجدت الدراسة أن الارتفاع الخطير في معدل الذين يعانون من سوء التغذية يرتبط مباشرة بقيود الحركة التي تفرضها سلطات الاحتلال وللوضع الاقتصادي الصعب في المناطق الفلسطينية.

النقص في الغذاء يعود في الدرجة الأولى لإغلاق الطرق والحواجز ومنع التجول الذي تفرضه سلطات الاحتلال، أما الوضع الاقتصادي و أثر فقدان قوة الشراء كان العامل المركزي من وراء عدم استطاعة الناس شراء الغذاء اللازم ، 56 % من العائلات قالت إنها قد اضطرت إلى تقليص كمية الغذاء الذي تستهلكه طوال أكثر من يومٍ واحد خلال الأسبوعين الذين سبقا إجراء الاستطلاع و ثلثاهم قالوا إن السبب يعود إلى نقص المال والثلث نسبوا ذلك لمنع التجول والإغلاق المفروض من قبل الصهاينة.

الدراسة وجدت أن 36.6 % من العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة غير قادرة على ثراء يسمح لها بالغذاء المتواصل والمستمر والثابت، والوضع الأكثر سوءاً كان في غزة 41.3 % من العائلات تحدّثت عن أنها اضطرت لبيع ممتلكاتها لشراء الغذاء .

** العقاب الجماعي يؤثّر بهذه الطريقة

سلطات الاحتلال تفرض قيوداً على الحركة فيفقد الفلسطينيون أماكن عملهم داخل الكيان ولا يستطيعون الوصول إلى أماكن عملهم في المناطق المحتلة فينخفض مستوى دخلهم.

على حدّ قول البنك الدولي وصلت نسبة العاطلين عن العمل في المناطق إلى 35 % في عام 2001 ، و حسب معطيات مركز الإحصاء المركزي الفلسطيني عاش أكثر من ثلثي العائلات الفلسطينية تحت خط الفقر البالغ 340 دولار في الشهرين الأوليين من عام 2002 .

** كيف يؤثرّ الأمر على الأطفال ؟

الدراسة أعطت الجواب على ذلك، تجار المفرق والجملة الفلسطينين يجدون صعوبة في إحضار الغذاء للسوق خصوصاً اللحم الطازج ومنتوجات الحليب (الهامة للأطفال) وحتى إن استطاعوا جلب الغذاء للسوق فلا تتمكّن أسر كثيرة من الوصول إلى المحلات بسبب قيود الحركة وعدم قدرتها على شراء غذاء ذو نوعية معقولة، الفلسطينيون اضطروا لشراء كميات منناقصة تدريجياً من الأغذية الثمينة وذات البروتينات العالية مثل الأسماك ولحوم الأبقار والدجاج ، نقص البروتينات هو أحد الأسباب المباشرة لسوء التغذية وفقر الدم.

الاستطلاع يجسد إن الاحتلال هو أكثر من مجرد جندي يحمل بندقية، إنه جهاز سيطرة يطبع بصماته بشكلٍ تام على حياة ثلاثة ملايين فلسطين 53 % منهم أطفال.

للعمليات الصهيونية تأثير مشابه أيضاً على مجالات أخرى ذات علاقة برخاء ورفاهية الأطفال، سياسة الاحتلال تمنعهم من الغذاء الجيد والتعليم وتحرمهم من البيوت والآباء والأخوة وتتسبب في موتهم وإصابتهم واعتقال الآلاف منهم وسجن مئات آلاف من الأطفال في البيوت طوال أيام كاملة تحت منع التجول.

التأثيرات النفسية المتراكمة للعامين الأخيرين على الأطفال الفلسطينين كانت هائلة وستتطلب سنوات طويلة من العمل المكثف لمواجهتها، هذه العوامل تستلب من الطفل احتمالات حصوله على مستقبل لائق.

حكومة الاحتلال تكرّر القول إنها لا تعتبر المدنيين الفلسطينيين هدفاً لها ولكن ليس من الممكن تطبيق هذه السياسة من دون إنزال المجتمع على ركبتيه وإركاعه، الأسرة الدولية لا تستطيع أن تواصل غض الطرف، في الخامس من آب اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً رمزياً إضافياً يدعو إلى وقف العنف في كلا الجانبين، ولكن المطلوب من الأسرة الدولية هو التدخل بواسطة عمل محدّد يضع حداً للاحتلال.

في توصيات الدراسة جاء أن سوء التغذية الحرج اليوم سيصبح سوء تغذية مزمن غداً إن لم تحدث سلسلة من الخطوات ذات العلاقة بالاقتصاد والسياسة والصحة، الأسرة الدولية ستحسن صنعاً إن استيقظت وتحرّكت، إذ كيف سيبدو الوضع بعد 10 - 20 سنة عندما يصل هذا الجيل من أطفال سوء التغذية إلى سن البلوغ والرشد ؟؟  

يلول 07, 2003 - 17:35
دراسة شاملة حول عمالة الأطفال في قطاع زراعة التبغ:نصف أيام السنة لـ“الشتلة” بلا أجر ولا شروط للسلامة

رشا الاطرش

** أطفال التبغ والبيئة الملوثة على مدار السنة

يشكل التبغ إحدى ابرز المحاصيل في لبنان، وهو القطاع الزراعي الذي يشمل حوالى أربع وعشرين ألف مزارع، وقد تطورت هذه الزراعة على نحو لافت للنظر خلال العقود الثلاثة الأخيرة بحيث أصبحت تستغل 91 ألف دونم من الأراضي اللبنانية، وتنتج سنويا حوالي أحد عشر ألف كيلو غرام من التبغ.

لكن العاملين في هذا القطاع ليسوا دائما من أصحاب الأيدي الناضجة أو السواعد المشتدة. بل إن هناك في الجنوب وحده، حيث تتركز زراعة التبغ في لبنان، نحو 22,400 شخص يعملون في زراعة التبغ، انه عدد الأطفال والمراهقين الذين يغرسون، ويحصدون، و”يشكون” التبغ، يستيقظون قبل بزوغ الشمس، وقبل الذهاب إلى المدرسة هذا إذا لم يكونوا قد انقطعوا عنها أسوة ب94 في المئة من “أطفال التبغ” الذين لم يتعد تحصيلهم العلمي المرحلة الابتدائية ليقصدوا الحقول، وليساعدوا الأهل في المهام “المقدسةالتي تتولى، بمردود هو حوالي مليون ليرة في الشهر، إطعام عائلات لا يقل معدل أفرادها عن سبعة أشخاص، انه العدد الذي يساوي 1,4 في المئة من العدد الإجمالي للأطفال والشباب ما دون تسعة عشر عاما في لبنان، علما أن السواد الأعظم من الأطفال العاملين في زراعة التبغ هم من الفئة العمرية المتراوحة ما بين 12 15 عاما، تليها الفئة العمرية ما بين 9 12 عاما.

هم الأطفال والمراهقون الذين لم يعتادوا، حتى بل وخصوصا خلال العطلة الصيفية، على اللعب أو ممارسة مختلف أشكال “الشيطنة” الطفولية التي يتطلبها نموهم الطبيعي عقليا وجسديا.. هم “أطفال التبغ” الذين يبلغ عددهم مرة ونصف العدد الإجمالي لمزارعي التبغ البالغين في الجنوب.

من هنا كانت توصية منظمة العمل الدولية بالتعاون مع وزارة العمل في لبنان بإجراء دراسة عن “عمالة الأطفال في قطاع زراعة التبغ في لبنان”، ونفذ هذه الدراسة مركز الاستشارات والبحوث في لبنان بحيث جرى استطلاع شامل لظروف عمل الأطفال في زراعة التبغ في لبنان بالإضافة إلى الأحوال الاقتصادية والاجتماعية لعائلاتهم، إذ تنعكس الظروف المذكورة على الحياة التي يعيشها هؤلاء الأطفال والمراهقون بين الحقول و”سطيحات” المنازل الضيقة، حيث يجلسون لساعات طويلة، وبيدهم إبرة حديدية وخيط. ف”يحيكون” الصفوف تلو الصفوف من أوراق التبغ، ولا يسلمون من جروح لا تطبب، ولا من صفعات الأهل وسبابهم في ما لو غضبوا من عدم إتقان أولادهم للمهارات المطلوبة، وستعلن وزارة العمل مع المكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية في لبنان عن هذه الدراسة قريبا.

وبحسب الدراسة فإن 11 في المئة من عمالة الأطفال في لبنان تتركز في القطاع الزراعي.. في لبنان “الأخضر”، والكلام هنا عن زراعة التبغ المحصور تنظيمها بإدارةالريجي” اللبنانية التي تدعم زراعة التبغ في لبنان بمبلغ قدره 73,3 مليون دولار، بل وتدعم الجنوب تحديدا بمبلغ قدره عشرين مليون دولار. لكن أحداً لا يهتم بالمزارع الطفل وظروف عمله الذي أولج به بدل الكتاب المدرسي، وبدل اللعبة والملعب، الكلام هنا عن “مزارعين” لا تخولهم سنهم بعد الانتساب إلى نقابة مزارعي التبغ في لبنان، لكن عضويتهم كأفراد من عائلات تشتغل بهذه الزراعة لتعيش يجعلهم أجدر بالعناية وإن كانوا اقصر قامة من أن يلاحظوا.

يربو العدد الإجمالي لمزارعي التبغ في لبنان، وحتى العام 1999، على 13,293 مزارعاً، ويوجد في جنوب لبنان نحو خمسة أفراد من كل عائلة يعملون في هذا الحقل، وبما أن زراعة التبغ في لبنان هي عمل عائلي، بالإضافة إلى أن 33,7 في المئة من سكان الجنوب تتراوح أعمارهم ما بين 5 19 عاما، فيقدر بأن الجنوب اللبناني وحده يشتمل على نحو 22,400 فرد عاملين في زراعة التبغ من فئة الشباب والأطفال، منهم 7,400 فرد تتراوح أعمارهم ما بين 5 9 سنوات، و7,400 فرد آخرين تتراوح أعمارهم ما بين 10 14 سنة، بالإضافة إلى 7,600 فرد تتراوح أعمارهم ما بين 15 19 سنة.

التوزيع بحسب الأعمار: تتركز عمالة الأطفال، بالنسبة إلى زراعة التبغ، في القرى التي تتميز بكثافة في عدد مزارعي التبغ، وذلك ما يكرس، بالأرقام أيضا، صفة العمل العائلي الملتصقة بزراعة التبغ، وتظهر التقديرات الناجمة عن هذه الدراسة أن غالبية الأطفال العاملين في زراعة التبغ (نحو 42 في المائة) تتراوح أعمارهم ما بين 12 15 سنة، تليهم (21 في المائة) الفئة العمرية المتراوحة ما بين 9 12 سنة.

الأجور ودخول سوق العمل: تظهر الدراسة أن معظم الأطفال العاملين في زراعة التبغ لا يتقاضون أجرا مقابل عملهم، على اعتبار أن عملهم هو ضمن الإطار العائلي، فيبدأ الأطفال بالعمل في عمر مبكرة قد تنحدر أحيانا إلى عمر ثلاث سنوات. ويفيد 42 في المائة من الأطفال الذين أجريت معهم مقابلات في إطار استكمال الدراسة انهم بدأوا بالعمل في عمر يتراوح ما بين 6 9 سنوات، فيما بدأ 34 في المائة منهم في عمر أصغر من ذلك ويتراوح ما بين 3 6 سنوات، أما الأطفال الذين بدأوا بالعمل من بعد سن الثانية عشرة، فأولئك هم الأقلية.

** لا فرصة للعب

المستوى التعليمي: كما هي حال معظم أطفال لبنان ما بين 6 -9 سنوات، فإن معظم الأطفال المشمولين بالدراسة مسجلون في المدرسة، في حين أن سبعة في المائة فقط هم خارج المدرسة، وإذ يشير نحو 57 في المائة من الأطفال أن لعملهم في زراعة التبغ تأثيرا سلبيا على تحصيلهم العلمي، فيعود ذلك بشكل أساسي إلى أن معظم الأطفال يتغيبون عن المدرسة لتأدية أعمالهم المتصلة بزراعة التبغ، فيعيق هذا التغيب تقدمهم وتحصيلهم التعليمي، ويقلص من فرصهم في النجاح الأكاديمي، ويشعر اكثر من ستين في المائة من الأطفال العاملين في زراعة التبغ أن عملهم قد حرمهم من الحصول على وقت للراحة، إذ لا يعود لديهم متسع من الوقت للعب مع الأصدقاء أو القيام بنشاطات ترفيهية.

طبيعة العمل: إحدى أهم مواصفات العمل بزراعة التبغ هي انه عمل عائلي، بحيث يضطلع كل أفراد العائلة، بطريقة أو بأخرى، بمهمة (أو أكثر) متصلة بزراعة التبغ، ويختلف عمل الأطفال في زراعة التبغ عن عمل الأطفال في قطاعات اقتصادية أخرى حيث يعمل الأطفال مقابل ما يمكن تسميته بالأجور، فالأطفال العاملون في زراعة التبغ، جميعهم تقريبا، لا يتقاضون أي أجر باعتبارهم يقدمون المساعدة للأهل.

تتزامن معظم مهمات وأعمال الأطفال في التبغ (خمسون في المائة) مع فصل الصيف، وفصل الربيع (33 في المائة)، وتتركز هذه المهمات على جمع التبغ بواسطة إبرة حديدية خاصة (ما يسمى ب”شك التبغ”)، والحصاد، ونقل غرسات التبغ، وبذلك ينقسم عمل الأطفال بالتبغ إلى مراحل أربع بحسب الفئات العمرية: أقل من خمس سنوات، 5 10 سنوات، 11 15 سنة، و16 20 سنة، فيقلد الأطفال دون الخمس سنوات أعمال أشقائهم وشقيقاتهم. وينحصر عمل الأطفال من هذه الفئة العمرية في “شك التبغ” بخيوط طويلة خاصة، من أجل تجفيفها. ولم يسجل أي تمييز جنسي أو جندري في عمل هؤلاء الأطفال، إذ يقوم الذكور منهم والإناث بالأعمال ذاتها.

** قلة نوم وقلة تركيز

وكلما تقدم الأطفال في السن (5 10 سنوات) أوكلت إليهم مهام أكثر خصوصية، فيعمل الأطفال من هذه الفئة العمرية في نقل الغرسات وفي تجفيف أوراق التبغ، ويتم نقل الغرسات في شهري نيسان وأيار من كل عام، فيواظب أفراد العائلة جميعهم على إتمام هذه المهمة لدرجة انه، وفي القرى المعروفة بكثافة مزراعي التبغ، تقفل المدارس أبوابها خلال هذا الموسم، وتجدر الإشارة إلى أن إدارات المدارس حاولت إجراء المفاوضات مع وزارة التربية لتتضمن العطل الرسمية موسم تغيب الأطفال عن مقاعد الدراسة في موسم نقل غرسات التبغ والحصاد.

وفي العمر المتراوح ما بين 5 10 سنوات يبدأ الأهل بتعليم أطفالهم التقنيات المتعلقة بزراعة التبغ، وقد درج الأهل على تحفيز أطفالهم من أجل تشجيعهم على تعلم المهارات المطلوبة، فبالنسبة إلى نقل الغرسات توكل إلى الأطفال، في هذه السن، مهمة تغطية الجذور بالتراب، إلا أن دورهم في تجفيف التبغ يزداد أهمية، إذ يتوقع من كل طفل أن يتمكن بمفرده من “شك” ثلاثين إبرة (طولها أربعون سنتمترا وعرضها ثلاثة ميلليمترات)، أي ما يعادل أربعة كيلوغرامات من التبغ، وتتجلى في هذه المرحلة التفرقة الجندرية، يبدأ التجفيف في شهري حزيران وتموز، أولى شهور العطلة الصيفية، مما يؤدي إلى تقليص الوقت المخصص أصلا للراحة والترفيه من بعد انتهاء العام الدراسي.

بالنسبة إلى الأطفال المتراوح عمرهم بين 10 15 سنة، فنادرا ما يمارس هؤلاء الأعمال المتصلة بزراعة التبغ، ويتوقع من الطفل في هذه المرحلة ان يقوم بتجفيف كمية تتراوح ما بين ثلاثين إبرة (أو خمسة خيوط) وبين تسعين إبرة (أو 15 خيطاً)، وتجدر الإشارة إلى أن كل إبرة تتضمن 175 ورقة تبغ من الحجم الوسط، أو ثلاثمائة ورقة من الحجم الصغير، كما يتوقع من الأطفال في هذا العمر أن ينشطوا في أعمال الحصاد، وخصوصا الفتيات، فيجب عليهن الاستيقاظ باكرا (في الخامسة صباحا) من أجل العمل لمدة ساعتين ونصف قبل الذهاب إلى المدرسة، ومن الواضح أن لذلك تأثيرا كبيرا في التحصيل المدرسي، إذ يشير المعلمون إلى أن التلاميذ يعانون من صعوبة في التركيز نتيجة لقلة النوم، وبالإضافة إلى مهام الحصاد، يتوقع من الأطفال في هذه المرحلة العمرية أن يساعدوا في الغرس والزراعة (والري، ونزع النباتات الضارة، الخ)، كما يلحظ أن الفتيات مسؤولات تحديداً عن تحضير الغرسات ونزع النباتات الضارة إلى جانب المساعدة في التجفيف.

في خلال سن المراهقة، أي عندما يتراوح عمر الأطفال ما بين 15 20 عاما، تزداد دائرة الأعمال المطلوبة منهم اتساعا لتشمل كل مهام زراعة التبغ: من زراعة، ونقل غرسات، وري، إلى انتزاع النباتات الضارة، والحصاد، والتجفيف، والتوضيب، ومن الملاحظ أن المراهقين الذكور يعملون في زراعة التبغ بدرجة أقل من الإناث، إذ يترك كثيرون منهم المدرسة بغية البحث عن فرص لكسب المال، وما يعزز الإطار العائلي للعمل في زراعة التبغ هي شهادة 85 في المائة من الأطفال الذين يقولون بأن الدافع لديهم للعمل هو مساعدة الأهل، فيما يشير 12 في المائة فقط إلى انهم يعملون من اجل جني المال.

** ظروف العمل

تتسم ساعات العمل النهارية بالنسبة إلى مزارعي التبغ بأنها طويلة، بحيث تعمل غالبية الأطفال (47 في المائة) بمعدل ست ساعات يوميا، فيما يعمل آخرون (30,5 في المائة) بمعدل أربع ساعات يوميا في خلال موسم إنتاج التبغ، بالإضافة إلى أن ثلث عدد الأطفال المشمولين بالدراسة يفيدون بأنهم يعملون بين 88 152 يوما (أو لمدة 3 5 اشهر في السنة) في زراعة التبغ، بينما يعمل ثلاثون في المائة من الأطفال ما بين 152 226 يوما في السنة.

** بيئة العمل

إن الأماكن التي يعمل فيها الأطفال هي دائما صغيرة، وسخة، ويملأها الغبار، ففي خلال اشهر التجفيف (أيار- حزيران) يجلس الأطفال على الأرض أمام بيوتهم في مساحات ضيقة مع سائر أفراد العائلة، وأوراق التبغ تتوسطهم، أما حين يعمل الأطفال في الحقول، فيجب عليهم تحمل أشعة الشمس الحارقة والحرارة المرتفعة للجو، وهما العاملان اللذان غالبا ما يتسببان لمعظم الأطفال بالصداع، وبالنسبة إلى الأدوات المستخدمة في تنفيذ مختلف المهام المتعلقة بزراعة التبغ فهي غير مناسبة، وغالبا يدوية، وتتضمن معدات خطرة بلا احتياطات للسلامة.

والجدير بالذكر أن علب الطوارئ نادرا ما تتوفر في أماكن العمل، وإذا أصيب طفل بأذى أو بجرح، فليس هناك إلا ال “السبيرتو” والضمادات الخفيفة، في حين تغيب تماما المراجعات الطبية. كما أن علب الإسعافات الأولية مفقودة تماما من بيئة العمل.

يواجه الأطفال العاملون في زراعة التبغ مخاطر عديدة. فتظهر الدراسة الميدانية أن نحو 25 في المائة من الأطفال قد حصلت لهم إصابات، على الأقل مرة واحدة، أثناء العمل، وأكثر هذه الإصابات شيوعا هي، بكل بساطة، الجروح، لا يرتدي الأطفال قفازات، ولا يملكون ثيابا خاصة بالعمل، وتتفاوت طبيعة المخاطر باختلاف الأعمار على النحو التالي:

1- يواجه الأطفال دون الخمس سنوات مخاطر الإصابة بالجروح العادية أو الطفيفة من جراء “شك” التبغ في خيوط خاصة باستخدام إبر خاصة.

2-يتعرض الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 5 10 سنوات للإصابة بالحمى أثناء القيام بنقل غرسات التبغ، بالإضافة إلى مخاطر أخرى مرتبطة بالمعدات غير الآمنة، وخصوصا الجروح الناتجة عن استخدام الإبر.

3-وبما أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 10 15 سنة معنيون بشكل مباشر بأعمال زراعة التبغ، فهم يواجهون مخاطر مشابهة لتلك التي تتعرض لها الفئة العمرية ما بين 5 -10 سنوات، إلا انه وبالإضافة إلى هذه المخاطر، فهم معرضون للإصابة بالإعياء من جراء الاستيقاظ باكرا جدا للقيام بالحصاد، إلى جانب التعرض للحشرات السامة أثناء العمل في الحقول.

يتناول معظم الأطفال الطعام خلال ساعات العمل (17 في المائة فقط ذكروا انهم لا يملكون ان يتناولوا الطعام في أثناء العمل)، وتحضر إحدى الإناث من أفراد العائلة الطعام للعائلة كلها قبل البدء بالعمل على تجفيف أوراق التبغ، وفي الحقول يجلب الأهل “غالونات” معبأة بمياه الشرب.

لم تلحظ أية ممارسات متعلقة بسوء المعاملة مثل العزلة، أو التجارة غير المشروعة، أو التحرش الجنسي بالأطفال، لكن بعض الأطفال يقولون أن الأهل يمارسون عليهم، في بعض الأحيان، العنف الجسدي والكلامي، فيضربونهم إذا لم يتعلموا المهارات المطلوبة. وهناك قيود كثيرة تزعج الأطفال في عملهم بزراعة التبغ. وأبرز هذه القيود هي ضرورة الاستيقاظ في الصباح الباكر في خلال موسم الحصاد، والعمل لساعات طويلة، والضجر أثناء فترة “شك التبغ”، بالإضافة إلى افتقاد الوقت الحر للقيام بنشاطات ترفيهية. كما يشعر الأطفال بالتعب الشديد بعد العمل لساعات طويلة.

** الشعور إتجاه العمل

تظهر المقابلات التي أجريت مع الأطفال العاملين في زراعة التبغ أن 45 في المائة منهم لا يحبون العمل في زراعة التبغ لأن “العمل متعب، ومضجر، وصعب”، فيما لا يحب آخرون (22 في المائة) العمل في زراعة التبغ لمجرد انهم “يكرهون هذا العمل”، ويقول البعض الآخر (16 في المائة) انه “عمل متعب لكنه المصدر الوحيد للدخل”، في حين أشار 11 في المائة إلى انهم يحبون هذا العمل.

** الخصائص الاقتصادية الاجتماعية للعائلات

في سياق استكمال الدراسة، وبهدف مطابقة الإجابات التي حصلنا عليها من التقييم السريع لأوضاع العائلات المشتغلة بزراعة التبغ، اجري مسح للخصائص الاقتصادية والاجتماعية ل 131 عائلة من قرى مختلفة، مما يساعد في تحديد الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الأطفال في هذه العائلات، فتبين أن هذه العائلات هي عائلات كبيرة عموما (بمعدل سبعة أفراد في العائلة الواحدة)، وهيكليتها العمرية شابة (39 في المائة تتراوح أعمارهم ما بين 11 19 سنة و14 في المائة ما بين 5 10 سنوات)، في حين أن المستوى التعليمي متدن (23 في المائة من الآباء و40 في المائة من الأمهات إما أميون أو بالكاد يقرأون ويكتبون، فيما حصل 12 في المائة من الأهل تعليما ثانويا)، ومستوى الدخل منخفض (10 20 مليون ليرة في السنة لعائلات معدل عدد أفرادها هو 6 7 اشخاص، علما أن 40 في المائة من العائلات حيث معدل عدد الأفراد هو 6- 7 أشخاص يعيشون من دخل يساوي اقل من عشرة ملايين في السنة).

** التوصيات

وتخلص الدراسة إلى سلسلة توصيات أبرزها:

- وضع برنامج تدريب مهني معجل لأطفال التبغ.

- تحسين ظروف عمل الأطفال.

- تجهيز أماكن العمل بعلب إسعافات أولية واقامة دورات صحية سريعة للأهل.

- إحاطة الأطفال الأصغر سنا بتدابير وقائية خاصة.

- عقد جلسات توعية للأهل العاملين في زراعة التبغ حول الحاجات والمخاطر المحدقة بعمل أولادهم.

- إقامة مراكز للأنشطة الترفيهية للأطفال.

- إقامة برامج توعية حول عمالة الأطفال وحقوق الطفل.

- مطالبة “الريجي” بتحمل مسؤولياتها إزاء تحسين ظروف عمل الأطفال.

- مشاركة نقابات مزارعي التبغ في تنظيم البرامج المقترحة لتحسين ظروف عمالة الأطفال في التبغ.

- تشجيع وتعبئة المنظمات الأهلية والبلديات في تأمين الخدمات الأساسية لتحسين ظروف عمل الأطفال.

- وأخيرا تغيير عامل الاتكال الاقتصادي للعائلات على زراعة التبغ، إذ تجدر بالحكومة توفير أنواع زراعات أخرى تدر موارد مالية.

** ثياب العمل لا تغادر جسم طفلة التبغ

كامل جابر

يسمعها الجميع تردد: “كل الحق على بيت جدي، هني اللي اهدوا بابا “الميابر”، حتى شغلنا بالدخان”، هذا العتب عند حنين حسين سرحان (10 سنوات) ليس اعتراضا علىالهدية”، إنما ينبع من اعتراض على عمل أهلها في زراعة التبغ ما يحرمها من عطلتها الصيفية، بل من كل فرصها، لأنه يفرض عليها أن تساعد والدتها وأهلها في هذه الزراعة المضنية السارقة للراحة والصحة بمرَ لقمتها.

تؤثر حنين الذهاب إلى مدرستها على العمل في “هذه الشغلة الصعبة”، فهي لا تطعمها واخوتها غير الخبز المرّ، “لكن، عليّ أن أساعد ماما حتى نخلص بكير”، ثياب العمل تكاد لا تغادر جسم حنين طوال الصيف، تقول: “الصيف المنصرم شاركت في دورة مدرسية هربا من العمل في الدخان. لكن بالنهاية كان علينا أن ننتهي حتى تصبح حالتنا أفضل”.

تتفادى حنين الحديث عن عملها في الدخان أمام رفيقاتها، “فهم بطّلوها” منذ زمن وتتمنى ان ترتاح من وجع الظهر الذي تشكو منه أمها كذلك، “فالعمل في التبغ مرّ وكل ما حولنا مرّ بمرّ. نزرع ونقطف ونشك ونعلق ونضغط ويدخل الموسم في الموسم، نكبر وشغل الدخان لا ينتهي”، تقول الوالدة.

شكوى حنين هي شكوى والدتها ووالدها، لكن “ليس في اليد حيلة”، فالعائلة أصيبت بنكسة عمار الذي بتر لغم أرضي رجله اليسرى صبيحة اليوم الأول من التحرير، ويحتاج إلى العلاج، والى الدراسة مع أخوته.

الشكوى تتكرر عند زينب حسن داوود (12 سنة) من كفرتبنيت، كأن العمل في زراعة التبغ وشكه سرق أحلامهم وحولهم إلى مدركين قبل الأوان، فزينب بدأت في شك الدخان قبل سن الرابعة، بعدما تهجّر أهلها من الحي الشرقي في البلدة حيث هدم الاحتلال منزل العائلة، وهي تعمل رغما عن إرادتها “في الموسم الماضي لم أشارك في الشك كثيرا، تذرعت بالدورة التعليمية الصيفية وتحمست لها لأنها أنقذتني نوعا ما من شك الدخان”. أهلها يعملون في زراعة التبغ على مدار العام، ويدخل الموسم بالموسم، “وعلى الرغم من ان أبي وأمي يشجعانني على الدرس أنا وأخوتي، لكن نصيب أخوتي الصبيان من العمل في الدخان أقل بكثير من نصيبي ونصيب أخواتي البنات”.

بدأ موسم الصيف، وغادر الصبيان والبنات في القرى الحدودية مدارسهم الرسمية، وسوف تتسابق فاطمة إسماعيل حجازي من عيترون، ابنة الحادية عشرة مع أخوتها الصغار في شكالميابر” إلى جانب والدتهم، في تحدّ مع الوقت حتى “ينتهوا” من موسم التبغ في الأيام التي تسبق الذهاب إلى المدرسة آخر أيلول المقبل. ويكونون بذلك هم والصيفصلحا”، لن يأخذوا من أيامه قسطا للراحة، ولن يأخذ منهم بداية ارتباطهم المدرسي، فهل الأمر منصف؟ تضحك فاطمة وتنظر إلى والدتها “المغلوبة” بتربية العائلة وموسم الدخان و”همّ الدَّين” الذي لا يحتمل، ليبتسم الجميع مسلمين بوضعهم الذي “لا مفر منه”.  

كانون أول 17, 2003 - 16:42
دور المنظمات غير الحكومية في مجال الحماية والدفاع -آليات الرصد-

نضال نوفل

لقد وضعت معظم منظمات حقوق الإنسان مهام عديدة لعملها أهمها نشر وتعميم ثقافة حقوق الإنسان هذه الثقافة التي تستمد مبادئها من الإعلان العالمي والاتفاقيتين الدوليتين الخاصتين بحقوق الإنسان المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما تسعى هذه المنظمات إلى الدفاع عن جميع الأفراد الذين يتعرض أي حق من حقوقهم الإنسانية للانتهاك مما يتعارض مع المواثيق المشار إليها، فلذلك قد يكون كافيا في البدء الاعتراف بأن تعبير المدافعين عن حقوق الإنسان ليس صفة تلصق بل هو تعبير يشير إلى وضع تجري فيه ممارسة أنشطة معينة فالمدافعون عن حقوق الإنسان يساهمون في تشكيل قانون حقوق الإنسان عن طريق اقتراح حقوق ومعايير واليات جديدة، ويحللون مبادئ حقوق الإنسان من اجل إعطائها بعدها الملموس والعملي ولا يكتفون بذلك بل يقومون برصد وكشف انتهاكات حقوق الإنسان وبتقديم يد المعونة للضحايا والمجموعات المتضررة ويساعدونهم على تأمين حقوقهم، وهم ينشرون المعرفة بمعايير واليات حقوق الإنسان ويؤيدون إدخالها على مختلف السياسات والاستراتيجيات، ومن الضروري على منظمات حقوق الإنسان أن تتبع طرق أكثر احترافية في عملها كي تستطيع تحقيق أهدافها، فأحترافية هذه المنظمات تعني إمكانية الحكم على تحركاتها على مقاييس موضوعية، فمنظمات حقوق الإنسان لم تنجح في تعميق المعايير والقواعد التي تحدد ما تعنيه حقوق الإنسان فحسب، وإنما نجحت أيضا في تعميق مناهج العمل وهياكله وآليات أعمال هذه الحقوق وتشتمل مناهج العمل الرصد العلمي لانتهاكات حقوق الإنسان بما في ذلك المقابلات مع الشهود والضحايا واحترام القواعد المستقرة في الإثبات وفي تحليل النصوص والمبادئ القانونية واستخدام الاستراتيجيات المختلفة لوقف الانتهاكات مثل أعداد التقارير وتكوين جماعات الضغط حول هذه القضايا في المحافل الدولية، ومما سبق يمكننا أن نحدد دور المنظمات غير الحكومية في مجال الدفاع والحماية بـ:

1 – تلقي الشكاوى وإبلاغ السلطات المعنية.

2 - رصد وتقصي الحقائق وتوثيق الانتهاكات.

3 - مراقبة ضمانات المحاكمة العادلة.

4 - مراقبة الانتخابات.

5 - المساعدة القانونية والقضائية.

6 - مراقبة أداء الجهات التنفيذية.

7 - تطوير آليات الحماية الدولية من خلال:

أ- الحث والتشجيع على التصديق على المواثيق الدولية.

ب-رفع التحفظات.

ج-تقديم التقارير الأولية الدورية.

8 - تقديم المقترحات والتوصيات لوقف الانتهاكات.

9 - تشكيل لجان متابعة.

10 - تنظيم الحملات.

فلذلك من الضروري على المدافعين عن حقوق الإنسان امتلاك المعرفة الفعلية والحقيقة لآليات الرصد، وتتمثل ماهية الرصد بـ:

1-عملية استعلام منظمة للحصول على معلومات صحيحة ودقيقة وموثقة.

2-عملية الحصول على الأدلة والبراهين.

ويقوم الباحث برصد واقعة ظاهرة وهي مؤشرات لوقائع أو لظاهرة تمثل انتهاكا للقانون والمواثيق الدولية، فما هي خطوات الرصد:

1-معاينة مكان الواقعة.

2-سماع وسؤال الضحايا والشهود.

3-جمع الوثائق أما الغاية من الرصد فهي:

1-مساعدة الضحايا.

2-كشف وفضح ووقف الانتهاكات.

3- نشر الوعي بالحماية.

4- إقامة الدعاوى القضائية.

5- المشاركة في الحملات.

6- مراقبة أداء هيئات مسئولة عن نفاذ القانون.

7-منع تجدد الانتهاك.

وعلى الباحث الراصد أن يتصف بمجموعة من الصفات منها:

أ - الإنصات الجيد والتركيز.

ب - لديه تكوين قانوني/ حقوقي.

ج- يستوضح الكلام الغامض الناقص والمشكوك فيه.

د- يحترم المشاعر /العادات والتقاليد/ ويراعي الخلفية الثقافية والاجتماعية والدينية والتعليمية.

هـ- لديه القدرة على التعامل مع الموقف المشكل.

و- يحافظ على أسرار الناس /عمله – شخصية مقبولة /مرنة / قوية لا تخاف.

ي- شخصية تعطي انطباع إيجابي وقوي.

ع- إيقاعه سريع / حركته / تفكيره.

ز- واضح / صريح / أمين لا يعطي أمالاً زائفة.

ق-يخطط ويعد جيدا لعمله.

ل- يقتنع بعمله.

ك-يوازن بين ضرورة الحصول على المعلومات وبين ظروف الناس.

وقلنا سابقاً أن دور المنظمات غير الحكومية في مجال الحماية والدفاع تلقي الشكاوى وإبلاغ السلطات وللشكوى مصادر عديدة منها: شاهد عيان –تقارير- هاتف – بريدوسائل الأعلام – مقابلة شخصية ---- الخ، ويتمثل برنامج الشكوى ببحث الشكوى وفقاً لمرجعية عمل المنظمة أو وفقاً للقانون المحلي / المواثيق الدولية ويتم بعد ذلك حفظ الشكوى أو قبولها، وقبول الشكوى يعني وقوع انتهاك لحقوق الإنسان فعلى المنظمة المعنية إبلاغ السلطات وتقديم المساعدة القانونية والقضائية والصحية والقيام بتقصي الحقائق وإصدار بيان عاجل أو مناشدة أو تقرير، ويقوم الباحث برصد واقعة والتي تتألف من عدة عناصر منها:

- متى: التاريخ الزمني، المدة.

- أين: مكان عام، مكان خاص.

- لماذا: أسباب وقوع الانتهاك.

- كيف: وصف الانتهاك، فعل إيجابي/ سلبي.

- من: الضحايا قتلى، مصابين، محتجزين آخرين، ومن المهم الحصول على البيانات الشخصية للضحايا ومعرفة حالتهم الصحية قبل وبعد وقوع الانتهاك، ومن الضروري أيضاً الحصول على البيانات الشخصية للجناة ومعرفة رؤسائهم والمسئولين عنهم والبحث عن سجل سابق للجناة في ممارسة الانتهاكات، وعلى المنظمة في حال حدوث انتهاك وضع خطة تحرك سريع لمعاينة مكان الواقعة وسماع أقوال الضحايا والشهود وتدوين المعلومات والملاحظات والقيام بمقارنة للشهادات والوثائق والأدلة بعد جمعها وإعطاء رأي وموقف المنظمة وتقديم مطالب وتوصيات إلى السلطات المعنية لعدم تكرار حدوث الانتهاك

 

Comments