بوادر انقلاب على الدستور في تونس  

أنور الجمعاوي

شهدت تونس مرحلة تأسيس دستوري صعبة، استغرقت ما لا يقل عن ثلاث سنوات من مرحلة الحكم الانتقالي، احتدم في أثنائها الجدل بين السياسيين والحقوقيين وممثلي المجتمع المدني حول محامل دستور الجمهورية الثانية، وبعد حلقات تفاعلية موسعة بين الحاكم والمحكوم، وبعد جلسات بين الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية داخل المجلس التأسيسي وخارجه، تمكن التونسيون من تفكيك الدستور القديم (دستور 1959) وصاغوا دستوراً وفاقياً جديداً (يناير/كانون ثاني 2014) يستجيب لتطلعات شعبٍ، يطمح إلى إقامة دولة تقدمية، تولي الاعتبار الأول لحقوق الإنسان، ولإقامة العدالة الاجتماعية وإرساء سلطة القانون ونظام المؤسسات المدنية. وكان المتوقع أن يعمل مجلس نواب الشعب والحكومة الوليدة بعد الانتخابات التشريعية (أكتوبر/تشرين أول 2014) على تطبيق الدستور وتفصيل مبادئه، وترجمة محامله إلى واقع يحياه الناس. لكن المتابع للأداء التشريعي للنواب وللحكومة الائتلافية على السواء يتبين صعود توجّه ميّال إلى الانزياح عن مضامين المدونة الدستورية. بتعطيلها حيناً، وتجاهلها حيناً آخر، والعمل على تجاوزها في أحيان أخرى. والأمثلة على ذلك كثيرة، خذ عدم التزام المجلس التشريعي بالآجال المنصوص عليها في الدستور في خصوص إحداث المجلس الأعلى للقضاء الذي كان يفترض بعثه في أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ انتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب.