كورس مختصر في النظرية الماركسية الكلاسيكية التي يسعى الصوت الشيوعي لنقدها و كشف و تصحيح اخطائها


 

 

 

 

الماركسية

عرض مختصر


 

 

 

 

§        سلسلة كراسات ماركسية (1)

§        الطبعة الأولى: 2007

§        ملاحظة: العنوان الأصلي في مقالة لينين هو:

 (كارل ماركس)

 

لينين

 

 

الماركسية

عرض مختصر

 

 

 

 

 

مدخل

   

الماركسي هو من تبنى الماركسية. لكن بعد أن يكون قد عرف أفكارها وفهمها. لهذا يجب الاطلاع على هذه الأفكار ودراستها من أجل وعيها. والمهم هنا هو وعيها وليس حفظها، لأن المطلوب هو إعادة بناء الوعي الذاتي على أسس جديدة تقدمها كتابات ماركس إنجلز ولينين خصوصاً. ولكن آخرين كذلك مثل غرامشي ولوكاش وماو تسي تونغ.

ونحن هنا نقدم نصاً كتبه لينين يوضح عدداً من المفاهيم الأساسية في الماركسية، وهي مفاهيم جوهرية في بنيتها، تتناول أواليات الماركسية وتلمس محاور فهمها، بدءاً من مفصلها الأساسي الذي هو منهجيتها القائمة على الجدل.

النص يتناول ماركس وكيف توصل إلى ما بات يعرف بـ: الماركسية. حيث يوضح صيرورة تطوره الفكري إلى أن تبلورت أفكاره، وتوصل إلى تأسيس اتجاه جديد كل الجدة. مستنداً إلى كل التراث الفكري السابق له، والمتمثل في الفلسفة الألمانية، والاقتصاد السياسي الانجليزي، والاشتراكية الفرنسية، وفكر عصر التنوير الأوروبي، الذي أرسى قيم الديمقراطية والمواطنة والعلمانية. محققاً تجاوزه دون أن يقطع معه، بل أعاد صياغته إنطلاقاً من منهجية جديدة هي الجدل المادي الذي كان بدوره التجاوز الجدلي لهيغل (الجدلي) وفيورباخ (المادي).

لهذا يتناول لينين المادية والجدل والمفهوم المادي للتاريخ، والقيمة وفائض القيمة، والصراع الطبقي والاشتراكية، ونضال البروليتاريا وتكتيكها. بشكل مختصر ومبسط، مفيد لكل من يعمل على وعي الماركسية. حيث أن النص يفتح له أفق التوسع والتعمق، لكي يكون ممكناً تمثّل الماركسية.

إذن، الكراس بداية معرفة بالماركسية، ومدخل للتعمق في دراستها.

                                                                                        سلامة كيلة

 








كارل ماركس

 

 

ولد كارل ماركس في الخامس من ايار/ ماي سنة 1818 في مدينة ترير  بروسيا الرينانية. وكان ابوه محامياً وكان يهودياً ثم اعتنق البروتستانتية في سنة 1824. ولم تكن عائلة ماركس الميسورة والمثقفة عائلة ثورية. وبعد ان اتم دراسته الثانوية في مدينة ترير دخل جامعة بون ثم جامعة برلين فدرس الحقوق وبنوع خاص التاريخ والفلسفة. وفي سنة 1841 انجز دراسته بتقديم اطروحته الجامعية حول فلسفة ابيقور. اما مفاهيمه فكانت حتى ذلك الوقت ما تزال مفاهيم هيغلية –  نسبة الى هيغل-مثالية. وفي برلين انضم الى حلقة "الهيغليين اليساريين"([1])  (برونو باور وغيره) الذين كانوا يحاولون ان يستخلصوا من فلسفة هيغل استنتاجات الحادية و ثورية.

وعندما تخرج ماركس من الجامعة اقام في مدينة بون حيث كان يامل بالحصول على منصب استاذ في الجامعة. ولكن السياسة الرجعية التي كانت تسلكها الحكومة كانت قد اقصت، عام 1832، لودفيغ فيورباخ عن منصبه كأستاذ، و عادت في سنة 1837 فرفضت من جديد السماح له بدخول الجامعة. و منعت في سنة 1841 الأستاذ الشاب برونو باور من القاء محاضرات في بون. هذه السياسة الرجعية اضطرت ماركس الى العدول عن الحياة الجامعية.  في ذلك الوقت كانت افكار الهيغلية اليسارية تتقدم سريعاً جداً في المانيا. وكان لودفيغ فيورباخ قد اخذ ،منذ 1837 على الخصوص، يوجه النقد الى علم اللاهوت ويتجه نحو المادية التي احرزت الغلبة نهائياً عنده في سنة 1841  (كتاب "جوهر المسيحية"). وفي سنة 1843 ظهر كتابه "اسس فلسفة المستقبل." لقد كتب انجلس فيما بعد حول هذين المؤلفين لفيورباخ: "كان يجب ان يكون الانسان قد تحسس بنفسه الاثر التحرري لهذين الكتابين...فلقد اصبحنا نحن جميعاً" (اي الهيغليين اليساريين بمن فيهم ماركس) "دفعة واحدة من اتباع فيورباخ."([2]) وفي ذلك الوقت أسس البرجوازيون الراديكاليون في رينانيا، الذين كان لهم بعض نقاط تماس مع الهيغليين اليساريين، جريدة معارضة في مدينة كولونيا باسم "الجريدة الرينانية"([3]) (التي اخذت تصدر ابتداء من اول كانون الثاني/ جانفي سنة 1842).  وقد دعي ماركس وبرونو باور الى العمل محريين اساسيين فيها. وفي تشرين الاول/ اوكتوبر سنة 1842 اصبح ماركس رئيس تحريرها فانتقل من مدينة بون الى كولونيا. وتحت ادارة ماركس اخذ اتجاه الجريدة الديمقراطي الثوري يزداد وضوحاً. فعمدت الحكومة في اول الامر الى اخضاع الجريدة لرقابة ثنائية بل ثلاثية ثم امرت بتعطيلها تماما ابتداء من اول كانون الثاني/جانفي سنة 1843. فاضطر ماركس حينئذ للتخلي عن مركزه في تحرير الجريدة. ولكن ذهاب ماركس لم ينقذ الجريدة، اذ انها منعت من الصدور في اذار/ مارس 1843. ومن اهم المقالات التي نشرها ماركس في "الجريدة الرينانية"([4]) يشير انجلس الى مقال حول اوضاع الفلاحين الكرّامين في واد الموزيل([5]). وقد ادرك ماركس من نشاطه الصحفي ان معلوماته في الاقتصاد السياسي غير كافية فاندفع بحماسة الى دراسته.

في سنة 1843 تزوج ماركس في كريزناخ من جيني فون ويستفالن، صديقة طفولته التي خطبها وهو ما يزال طالباً. كانت زوجته تنحدر من عائلة نبيلة رجعية بروسية. وكان اخو جيني فون ويستفالن الاكبر وزيراً للداخلية في بروسيا في مرحلة كانت من اشد المراحل اغراقاً في الرجعية، وذلك بين 1850 و 1858.

وفي خريف 1843 انتقل ماركس الى باريس ليصدر في الخارج مجلة راديكالية مع ارنولد روغه (عاش ارنولد روغه من سنة 1802 الى سنة 1880. وكان هيغيليا يساريا. وسجن من 1825 الى 1830 وهاجر بعد سنة 1848. وبعد 1866 ـ 1870 اصبح من انصار بسمارك). ولكن لم يصدر من هذه المجلة المسماة "الحولية الالمانية الفرنسية" سوى العدد الاول، اذ اضطرت للتوقف بسبب الخلافات مع روغه([6]). وفي المقالات التي نشرتها هذه المجلة برز ماركس ثورياً ينادي "بانتقاد لا هوادة فيه لكل ما هو كائن" بما في ذلك  "الانتقاد بالسلاح"([7]) ويتوجه بالنداء الى الجماهير والبروليتاريا.

في ايلول /سبتمبر سنة 1844 جاء فريدريك انجلس الى باريس لقضاء بضعة ايام فيها، فاصبح منذ ذلك الحين الصديق الحميم لماركس. وقد اسهم كلاهما باشد الحماسة في الحياة المحمومة للجماعات الثورية التي كانت انذاك في باريس (وكانت تولي هناك اهمية خاصة لمذهب برودون([8]). وقد صفى ماركس حساب هذا المذهب تصفية قاطعة في كتابه "بؤس الفلسفة" الذي صدر عام 1847) وخاضا نضالاً حاداً ضد مختلف نظريات الاشتراكية البرجوازية الصغيرة وصاغا نظرية وتاكتيك الاشتراكية البروليتارية الثورية او الشيوعية (الماركسية). وفي سنة 1845 طرد ماركس من باريس لكونه ثورياً خطراً بناء على طلب الحكومة البروسية. فجاء الى بروكسيل و اقام فيها. وفي ربيع 1847 انتمى ماركس و انجلس الى جمعية سرية للدعاية هي "عصبة الشيوعيين"([9])، وقاما بقسط بارز في المؤتمر الثاني لهذه العصبة  المنعقد في لندن. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1847 و بناء على تكليف المؤتمر وضع ماركس وانجلس "بيان الحزب الشيوعي" المشهور الذي نشر في شباط/ فيفري 1848. ان هذا الكتاب يعرض بوضوح ودقة عبقريين المفهوم الجديد للعالم، يعرض المادية  المتماسكة التي تشمل ايضاً ميدان الحياة الاجتماعية والديالكتيك بوصفه العلم الاوسع والاعمق للتطور ونظرية النضال الطبقي والدور الثوري الذي تضطلع به البروليتاريا، خالقة المجتمع الجديد، المجتمع الشيوعي، في التاريخ العالمي.

وعندما انفجرت ثورة شباط/فيفري 1848([10]) طرد ماركس من بلجيكا فعاد الى باريس ليتركها بعد ثورة اذار/مارس([11]) و يعود الى المانيا ليقيم في مدينة كولونيا حيث صدرت من اول حزيران/ جوان 1848 الى 19 ايار/ ماي سنة 1849 "الجريدة الرينانية الجديدة"([12]) التي كان ماركس رئيس تحريرها. وقد اثبت مجرى الاحداث الثورية في 1848-1849، كما اثبتت فيما بعد جميع الحركات البروليتارية والديمقراطية في جميع بلدان العالم صحة النظرية الجديدة على نحو ساطع. في بادئ الامر اقدمت الحركة الظافرة المعادية للثورة على احالة ماركس الى القضاء  (لكن تم تبرئته في 9 شباط/فيفري 1849) ثم نفته من المانيا في 16 ايار/ماي 1849. فانتقل اولاً الى باريس حيث طرد منها ايضاً بعد تظاهرة 13 حزيران/جوان 1849([13]). ثم ذهب الى لندن حيث عاش حتى آخر ايامه.

ان ظروف حياة المهاجر هذه كانت مضنية الى اقصى حد كما يتبين بوضوح شديد من مراسلات ماركس وانجلس (المنشورة سنة 1913). فقد عاش ماركس وعائلته تحت وطاة الفقر المدقع، و لولا المساعدة المالية الدائمة المخلصة التي كان يقدمها له انجلس لا استحال على ماركس انجاز  كتاب "رأس المال" وحسب بل لكان هلك حتماً من البؤس. ومن جهة اخرى كانت المذاهب والتيارات السائدة في الاشتراكية البرجوازية الصغيرة و الاشتراكية غير البروليتارية بوجه عام تضطر ماركس الى خوض نضال دائم لا هوادة فيه كما كانت تضطره احياناً للرد على اكثر التهجمات الشخصية جنوناً وغباوة([14]). وقد تحاشى ماركس حلقات المهاجرين وصاغ في جملة من المؤلفات التاريخية نظريته المادية باذلاً جهده على دراسة الاقتصاد السياسي. وقد نفح ماركس في هذا العلم روحاً ثورية (انظر مذهب ماركس لاحقا) في مؤلفيه:"مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"(1859) و"رأس المال"(المجلد الاول 1867).

ثم جاءت مرحلة انتعاش النشاط في الحركة الديمقراطية في اواخر العقد السادس وفي العقد السابع فدفعت ماركس من جديد الى النشاط العملي. ففي سنة 1864(28 ايلول/ سبتمبر) تأسست في لندن الاممية الاولى المشهورة "جمعية الشغيلة العالمية".  وكان ماركس روحها كما كان ايضاً واضع "رسالتها" الاولى([15]) وعدد كبير من المقررات والتصريحات والبيانات. ان ماركس بجمعه شمل الحركة العمالية في مختلف البلدان، وسعيه الى توجيه شتى اشكال الاشتراكية غير البروليتارية السابقة للماركسية (مازيني، برودون، باكونين، التريديونية الليبرالية الانجليزية،الانحرافات اللاسالية اليمينية في المانيا، الخ.) في طريق النشاط المشترك، وكفاحه نظريات جميع هذه الشيع والمدارس الصغيرة، قد صاغ تكتيكاً موحداً لنضال الطبقة العاملة البروليتاري في مختلف البلدان. وبعد سقوط كومونة باريس (1871) التي قدرها ماركس تقديراً عميقاً، اخاذاً، باهراً، فعالاً، ثورياً ("الحرب الاهلية في فرنسا" 1871)، وبعد الانشقاق الذي احدثه الباكونيون([16]) في الاممية، لم يعد باستطاعة هذه الاممية ان تعيش في اوروبا. وعقب مؤتمر 1872 في لاهاي انتقل المجلس العام للاممية الى نيويورك بناء على رأي ماركس. وهكذا انجزت الاممية الاولى مهمتها التاريخية مفسحة المجال لمرحلة من النمو في الحركة العمالية في جميع البلدان نمواً اقوى و اشد مما مضى الى ما لا حد له. مرحلة تطور هذه الحركة من حيث الاتساع. مرحلة تاليف احزاب عمالية اشتراكية جماهيرية على اساس شتى الدول القومية.

وما بذله ماركس من نشاط شديد في الاممية، وما قام به من اعمال نظرية بمزيد من الشدة ايضاً، قد زلزلا صحته زلزلة نهائية. وقد واصل وضع الاقتصاد السياسي على اسس جديدة واتمام كتاب "رأس المال" جامعاً عدداً ضخماً من المستندات الجديدة، ودارساً عدة لغات (اللغة الروسية مثلا) ولكن المرض اقعده عن انجاز كتاب "رأس المال".

وفي الثاني من كانون الاول/ ديسمبر سنة 1881 ماتت زوجته. وفي 14 اذار/ مارس سنة 1883 رقد ماركس في كرسيه رقاداً اخيراً هادئاً، ودفن مع زوجته في مقبرة هايغات في لندن. وقد مات لماركس عدة ابناء وما يزالون اطفالاً في لندن حين كانت عائلته تعاني بؤساً مدقعاً. وكانت بناته الثلاث متزوجات من اشتراكيين من انجلترا وفرنسا وهن: اليانور ايفلينغ ولورا لافارغ وجيني لونغي وابن هذه الاخيرة عضو في الحزب الاشتراكي الفرنسي.

 


 

 

 

مذهب ماركس

 

 

الماركسية هي منهج افكار ماركس ومذهبه. لقد تابع ماركس واتم على نحو عبقري التيارات الفكرية الرئيسية الثلاثة في القرن التاسع عشر والتي تعزى الى البلدان الثلاثة الاكثر تقدماً في العالم: الفلسفة الكلاسيكية الالمانية والاقتصاد السياسي الكلاسيكي الانجليزي والاشتراكية الفرنسية المرتبطة بالتعاليم الثورية  الفرنسية بوجه عام. ان ما تتصف به افكار ماركس من منطق رائع وانسجام تام  انما يعترف به له حتى خصومه. وتؤلف افكار ماركس بمجموعها المادية الحديثة والاشتراكية العلمية المعاصرة بوصفها نظرية الحركة العمالية وبرنامجها في جميع البلدان المتمدنة في العالم. كل هذا يحملنا على ان نقدم لعرض المضمون الرئيسي للماركسية، مذهب ماركس الاقتصادي، بلمحة موجزة عن مفهموه للعالم بوجه عام.

 

 المادية الفلسفية

كان ماركس قد اصبح  مادياً منذ 1844-1845، اي في الفترة التي تكونت فيها افكاره: لقد كان، بوجه خاص، من اتباع فيورباخ. ولم يقر ماركس بما عند فيورباخ من نقاط ضعف حتى فيما بعد الا من حيث عدم الكفاية في منطق ماديته وشمولها. لقد كان يرى ان الشأن التاريخي العالمي لفيورباخ الذي "شغل دهراً" قائم بالضبط على مقاطعته النهائية لمثالية هيغل وتوكيده للمادية، هذه المادية التي " لم تكن في القرن الثامن عشر وخصوصاً في فرنسا نضالاً ضد المؤسسات السياسية الراهنة و كذلك ضد الدين واللاهوت وحسب بل ايضاً... ضد كل ميتافيزيائية" (بمعنى "التاملات المخمورة" وبخلاف "الفلسفة المعقولة") (كتاب "العائلة المقدسة" في "التركة الادبية")([17]). وكتب ماركس ايضاً: "يرى هيغل ان حركة الفكر، هذه الحركة التي يشخصها ويطلق عليها اسم الفكرة، هي الإله (الخالق، الصانع)...  اما انا فاني ارى العكس: ان حركة الفكر ليست الا انعكاساً لحركة المادة منقولة الى دماغ الانسان ومتحولة فيه"("رأس المال" المجلد الاول. توضيح في اخر الطبعة الثانية)([18]). وعلى نحو تام الانسجام مع فلسفة ماركس المادية هذه كتب فريدريك انجلس عند شرحه لها في كتابه  "ضد دوهرنغ" الذي قرأه ماركس قبل الطبع يوم كان مخطوطة: "ان وحدة العالم ليست في كيانه... بل في ماديته. وهذه المادية قد اثبتها... تطور طويل وشاق للفلسفة وعلوم الطبيعة... الحركة شكل وجود المادة. لم يوجد قط ولا يمكن ان يوجد ابداً في اي مكان مادة بدون حركة و لا حركة بدون مادة... ولكن اذا تساءلنا... عن ماهية الفكر والمعرفة وعن مصدرهما نجد انهما انتاج الدماغ الانساني وان الانسان نفسه هو نتاج الطبيعة الذي نما وتطور في محيط طبيعي معين ومع هذا المحيط. واذ ذاك يغدو من البداهة ان نتاجات دماغ الانسان التي هي ايضاً عند آخر تحليل نتاجات للطبيعة ليست في تناقض بل في انسجام مع سائر الطبيعة". " لقد كان  هيغل مثالياً، اي ان الافكار في  دماغه لم تكن في نظره الا صور مجردة،(في الاصل: انعكاسات، يستعمل انجلس احيانا كلمة نسخ) الى هذا الحد او ذاك، عن الاشياء  والتطورات الواقعية. بل على العكس من ذلك فالاشياء وتطورها لم تكن في نظر هيغل الا صوراً تعكس الفكرة التي كانت موجودة، ولا اعلم اين، قبل وجود العالم"([19]). وقد كتب انجلس في مؤلفه "لودفيغ فورباخ" الذي عرض افكاره فيه وافكار ماركس حول فلسفة فورباخ، والذي لم يدفعه الى الطبع إلا بعد ان اعاد قراءة المخطوطة القديمة حول هيغل وفورباخ والمفهوم المادي للتاريخ الذي وضعها بالتعاون مع ماركس في 1844- 1845، يقول: "ان المسألة الاساسية العظمى في كل فلسفة ولا سيما الفلسفة الحديثة هي مسألة علاقة الفكر بالكائن او علاقة العقل بالطبيعة... ايهما يسبق الآخر العقل ام الطبيعة... وكان الفلاسفة تبعاً لاجاباتهم على هذا السؤال قد انقسموا الى معسكرين كبيرين: فاولئك الذين  كانوا يؤكدون تقدم العقل على الطبيعة ويقبلون على هذا النحو في آخر تحليل بخلق العالم اياً كان نوع هذا الخلق ... الفوا معسكر المثالية. والآخرون الذين كانوا يقررون تقدم الطبيعة انتموا الى مختلف مدارس المادية." وكل مفهوم آخر للمثالية والمادية  ـ بالمعنى الفلسفي ـ  ليس من شأنه الا خلق البلبلة. وقد نبذ ماركس نبذاً قاطعاً، ليس فقط المثالية المقرونة ابداً الى الدين، بشكل او بآخر، بل نبذ ايضاً وجهة نظر هيوم وكانط المنتشرة خصوصاً في ايامنا هذه، والعجزية، والانتقادية، والمذهب الوضعي([20]) باشكالها المختلفة. اذ انه كان يعتبر هذا النوع من الفلسفة بمثابة تنازل "رجعي" امام المثالية، وفي احسن الاحوال بمثابة "اسلوب جبان يقبل المادية في السر وينكرها في العلن."([21]). بصدد هذا راجعوا رسالة ماركس الى انجلز المؤرخة في 12 كانون الاول/ ديسمبر 1868 التي يتحدث فيها عن محاضرة العالم الطبيعي الشهير توماي هكسلي و يلاحظ فيها ان هذا العالم قد ظهر "مادياً اكثر من العادة" واعترف "باننا ما دمنا نلاحظ فعلاً وما دمنا نفكر فلا نستطيع ان نخرج ابداً من المادية". ثم يتهمه ماركس بانه "فتح باباً سرياً " للعجزية ولنظرية هيوم. ومن المهم خصوصاً ان نسجل رأي ماركس حول العلاقة بين الحرية والضرورة: "ليست الضرورة عمياء الا ما دامت غير مفهومة. الحرية هي  فهم الضرورة"(انجلس. "ضد دوهرنغ"). وهذا يعني،اذن،الاعتراف بمطابقة الطبيعة للقوانين الموضوعية، وتحول الضرورة الديالكتيكي الى حرية (كتحول "الشيء بذاته" وغير المدرك ولكنه قابل للادراك الى "شيء لنا"، تحول "جوهر الاشياء"الى "ظاهرات"). ان العيب الاساسي في المادية القديمة وفي جملتها مادية فورباخ  (بالاحرى المادية "المبتذلة" عند بوخنر وفوغت وموليشوت) هو في نظر ماركس و انجلس: اولاً ـ ان هذه المادية كانت "في اساسها ميكانيكية" ولم تكن لتاخذ بعين الاعتبار آخر ما توصلت اليه الكيمياء والبيولوجيا (ومن المناسب ان نضيف اليها في ايامنا هذه النظرية الكهربائية للمادة). ثانيا ـ ان المادية القديمة لم تكن تاريخية ولا ديالكتيكية (كانت ميتافيزيقية بمعنى انها ضد الديالكتيكية) ولم تكن تطبق وجهة نظر التطور من جميع نواحيها على نحو منسجم محكم الحلقات الى النهاية. ثالثا ـ انها تفهم "جوهر الانسان" على نحو تجريدي لا بمثابة "مجموعة العلاقات الاجتماعية كافة" (التي يحددها التاريخ على نحو ملموس). وهكذا لم تقم الا "بتفسير" العالم مع ان المقصود كان "تغييره" وبتعبير آخر ان المادية القديمة لم تكن تدرك شأن "النشاط العملي الثوري".


 

الديالكتيك

 

لقد كان ماركس وانجلس يريان في ديالكتيك هيغل اوسع مذهب من مذاهب التطور واوفرها مضموناً واشدها عمقاً واثمن اكتساباً حققته الفلسفة الكلاسيكية الالمانية. وكانت كل صيغة اخرى لمبدأ التطور تتراءى لهما  وحيدة الجانب فقيرة المضمون تشوه وتفسد السير الواقعي للتطور (الذي يتميز احياناً بقفزات وكوارث وثورات) في الطبيعة والمجتمع. "اننا كلينا، ماركس وانا، كنا  وحدنا تقريباً اللذين عملا لانقاذ الديالكتيك الواعي" (من المثالية بما فيها الهيغلية نفسها) "وذلك بادخاله في المفهوم المادي للطبيعة". "ان الطبيعة هي محك الاختبار للديالكتيك، ويجب ان نضيف ان علم الطبيعة الحديث قد اغنى الى اقصى حدود الغنى (كتب هذا قبل اكتشاف الراديوم و الالكترونات و تحول العناصر الخ.!) ولا يزال يضيف لوازم هذا الاختبار يومياً وبذلك اثبتت هذه العلوم ان الطبيعة تعمل في نهاية المطاف على نحو ديالكتيكي لا على نحو ميتافيزيقي"([22]).

قال انجلس ايضاً: "ان الفكرة الاساسية الكبرى التي تقول بان العالم لا يتألف من اشياء تامة الصنع بل هو مجموعة من العمليات يطرأ فيها على الاشياء التي تبدو في الظاهر ثابتة، وكذلك على انعكاساتها الذهنية في دماغنا،اي الافكار، تغير مستمر من الصيرورة والفناء، ان هذه الفكرة الاساسية الكبرى قد نفذت على نحو عميق منذ هيغل في الادراك العام حتى انه لا يوجد من يعارضها في شكلها العام هذا. ولكن الاعتراف بهذه الفكرة كلاماً شيء وتطبيقها في الواقع في كل حال من الاحوال وفي كل ميدان من ميادين البحث شيء آخر". "ليس هناك من امر نهائي مطلق مقدس امام الفلسفة الديالكتيكية فيه ترى كل شيء وفي كل شيء خاتم الهلاك المحتوم، وليس ثمة شيء قادر على  الصمود في وجهها غير الحركة التي لا تنقطع، حركة الصيرورة والفناء، حركة التصاعد ابداً دون توقف من الادنى الى الاعلى.  وهذه الفلسفة نفسها ليست إلا مجرد انعكاس هذه الحركة في الدماغ المفكر". فالديالكتيك هو اذن في نظر ماركس علم القوانين العامة للحركة سواء في العالم الخارجي ام في الفكر البشري"([23]).

ان هذا المظهر الثوري لفلسفة هيغل هو ما تبناه ماركس و طوره. فالمادية الديالكتيكية "لم تعد بحاجة الى فلسفة توضع فوق العلوم الاخرى" وان ما تبقى من الفلسفة القديمة هو "نظرية الفكر وقوانينه- المنطق الشكلي والديالكتيك"([24]). غير ان الديالكتيك حسب مفهوم ماركس كما هو حسب مفهوم هيغل يشمل ما يسمى اليوم بنظرية المعرفة او "العرفانية" التي يجب ان تعالج موضوعها من وجهة نظر تاريخية ايضاً، وذلك بان تدرس وتعمم منشأ المعرفة وتطورها، اي الانتقال من اللامعرفة الى المعرفة.

في ايامنا دخلت فكرة النمو، فكرة التطور، على نحو كلي تقريباً في الوعي الاجتماعي. ولكن عن غير طريق فلسفة هيغل. بيد ان هذه الفكرة كما صاغها ماركس وانجلس بالاستناد الى هيغل هي اوسع جداً و اغنى جداً في محتواها من الفكرة الشائعة عن التطور. تطور يبدو كأنه يستنسخ مراحل مقطوعة سابقاً و لكن على نحو آخر وعلى درجة ارفع ("نفي النفي")، تطور على نحو لولبي اذا صح التعبير لا على نحو خط مستقيم ـ تطور بقفزات وكوارث وثورات ـ "انقطاعات في التدرج"، تحول الكمية الى كيفية ـ اندفاعات داخلية نحو التطور يثيرها التضاد والتصادم في القوى و الاتجاهات المتمايزة التي تعمل في جسم معين او في حدود ظاهرة معينة او في قلب مجتمع معين ـ تبعية متبادلة وصلة وثيقة لا يمكن فصمها بين جميع جوانب كل ظاهرة (والتاريخ يكشف دائماً عن جوانب جديدة)، صلة تحدد مجرى الحركة الوحيد المشروع الكلي. هذه هي بعض مميزات الديالكتيك بوصفه مذهباً للتطور اغنى من المذهب الشائع. (راجع رسالة ماركس الى انجلس بتاريخ 8 كانون الثاني/ جانفي 1868حيث يهزأ من "سفسطات شتاين "المشدودة" التي من الحماقة خلطها بالديالكتيك المادي).

 

المفهوم المادي للتاريخ

ادرك ماركس خلو المادية القديمة من المنطق وعدم اكتمالها وطابعها الوحيد الجانب. فاقتنع بانه يجب "جعل علم المجتمع منسجماً مع الأساس المادي واعادة بنائه استناداً الى هذا الاساس"([25]). واذا كانت المادية بوجه عام تفسر الوعي بالكائن وليس بالعكس، فهي تتطلب عند تطبيقها على الحياة الاجتماعية للانسانية تفسير الوعي الاجتماعي بالكائن الاجتماعي. يقول ماركس: "ان التكنولوجيا تبرز اسلوب عمل الانسان تجاه الطبيعة،اي العملية المباشرة لانتاج حياته و بالتالي الظروف الاجتماعية لحياته والافكار او المفاهيم الفكرية التي تنجم عن هذه الظروف" ("رأس المال" المجلد الاول)([26]). وقد اعطى ماركس صيغة كاملة عن الموضوعات الاساسية للمادية في تطبيقها على المجتمع البشري وعلى تاريخه، وذلك في مقدمة كتابه: "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" قال:

"ان الناس اثناء الانتاج الاجتماعي لحياتهم يقيمون فيما بينهم علاقات معينة ضرورية مستقلة عن ارادتهم.  وتطابق علاقات الانتاج هذه درجة معينة من تطور قواهم المنتجة المادية.

ومجموع علاقات الانتاج هذه يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع، اي الأساس الواقعي الذي يقوم عليه بناء فوقي حقوقي و سياسي وتطابقه اشكال معينة من الوعي الاجتماعي. ان اسلوب انتاج الحياة المادية يشترط تفاعل الحياة الاجتماعي والسياسي و الفكري بصورة عامة. فليس ادراك الناس هو الذي يحدد معيشتهم بل على العكس من ذلك  معيشتهم الاجتماعية هي التي تحدد ادراكهم. وعندما تبلغ قوى المجتمع المنتجة المادية درجة معينة من تطورها تدخل في تناقض مع علاقات الانتاج الموجودة او مع علاقات الملكية ـ وليست هذه سوى التعبير الحقيقي لتلك ـ التي كانت الى ذلك الحين تتطور ضمنها. فبعد ما كانت هذه العلاقات اشكالاً لتطور القوى المنتجة تصبح قيوداً على هذه القوى. وعندئذ ينفتح عهد الثورة الاجتماعية. ومع تغير الاساس الاقتصادي يحدث انقلاب في كل البناء الفوقي الهائل بهذا الحد او ذاك من السرعة. وعند دراسة هذه الانقلابات ينبغي دائماً التمييز بين الانقلاب المادي لشروط الانتاج الاقتصادية ـ  هذا الانقلاب الذي يحدد بدقة العلوم الطبيعية ـ وبين الاشكال الحقوقية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية، او بكلمة مختصرة الاشكال الفكرية  التي يتصور فيها الناس هذا النزاع ويكافحونه.

فكما انه لا يمكن الحكم على فرد وفقاً للفكرة التي لديه عن نفسه، كذلك لا يمكن الحكم على عهد انقلاب كهذا وفقاً لوعيه. فينبغي تفسير هذا الوعي بتناقضات الحياة المادية و بالنزاع القائم بين قوى المجتمع المنتجة و علاقات الانتاج"..." ان اساليب الانتاج، الاسلوب الاسيوي و القديم و الاقطاعي و البرجوازي الحديث مرسومة بخطوطها الكبرى يمكن اعتبارها بمثابة عهود متصاعدة من التكون الاجتماعي الاقتصادي"([27]). (" راجع الصيغة الموجزة التي يعطيها ماركس في رسالته الى انجلس بتاريخ 7 تموز/جويلية 1866: "نظريتنا حول تحديد تنظيم العمل بواسطة وسائل الانتاج").

ان اكتشاف المفهوم  المادي عن التاريخ، او بتعبير ادق تطبيق وتوسيع المادية بدأب وانسجام الى النهاية حتى تشمل ميدان الظاهرات الاجتماعية، قد قضى على عيبين رئيسيين في النظريات التاريخية السابقة: اولاً: لم تكن هذه النظريات تأخذ بعين الاعتبار، في احسن الحالات، غير الدوافع، دون ان تدرك القوانين الموضوعية التي تسير تطور نظام العلاقات الاجتماعية، دون ان ترى جذور هذه العلاقات  في درجة تطور الانتاج المادي. ثانياً: كانت النظريات السابقة تهمل على وجه الضبط عمل جماهير السكان بينما مكنت المادية التاريخية لأول مرة من دراسة الظروف الاجتماعية لحياة الجماهير ومن دراسة تغيرات هذه الظروف بدقة العلوم الطبيعية. لقد كان "علم الاجتماع" وعلم التاريخ قبل ماركس يكدسان في احسن الحالات وقائع خام مجموعة كيفما اتفق ويعرضان بعض الجوانب من حركة تطور التاريخ. لقد شقت الماركسية الطريق امام دراسة واسعة شاملة لعملية نشوء تشكيلات المجتمع الاقتصادية وتطورها وانهيارها وذلك بتحليلها مجموعة الميول المتناقضة وردها الى ظروف المعيشة والانتاج الواضحة المعالم لمختلف طبقات المجتمع، وبابعادها اختيار الافكار "القائدة" او تأويلها على نحو ذاتي واعتباطي، ويكشفها عن جذور جميع الافكار وجميع الميول المتباينة في اوضاع القوى المنتجة المادية دون استثناء. ان الناس هم صانعوا تاريخهم، ولكن ما الذي يحدد دوافعهم وخصوصاً دوافع الجماهير البشرية؟ وما هو سبب نزاعات الافكار والمطامح المتضادة؟ وماذا يمثل مجموع هذه النزاعات في مجمل المجتمعات البشرية، وما هي الشروط الموضوعية لانتاج الحياة المادية التي يقوم عليها اساس كل نشاط الناس التاريخي؟ وماهو قانون تطور هذه الشروط؟ ان ماركس قد اعار انتباهه لهذه المسائل ورسم الطريق لدراسة علمية للتاريخ بوصفه حركة تطور واحدة تسير وفق قوانين معينة رغم تنوعها العجيب ورغم جميع تناقضاتها.

 

الصراع الطبقي

من المعلوم انه في كل مجتمع تتصادم مطامح البعض مع مطامح البعض الآخر. وان الحياة الاجتماعية مليئة بالتناقضات، وان التاريخ يكشف لنا عن الصراع الذي بين الشعوب و المجتمعات، كما يقوم داخل الشعوب والمجتمعات نفسها، وانه يبين لنا ايضاً مراحل متعاقبة من الثورة والرجعية، من السلم والحروب، من الركود والتقدم السريع او الانحطاط. ان الماركسية قد رسمت النهج الموجه الذي يتيح اكتشاف وجود القوانين في هذا التعقيد والتشوش الظاهر. ونعني بهذا نظرية الصراع الطبقي. فقط دراسة مجمل المطامح لدى جميع اعضاء مجتمع ما،او عدد من المجتمعات تسمح بتحديد نتيجة هذه المطامح تحديداً علمياً. هذا مع العلم ان المطامح المتناقضة يولدها تباين الاوضاع وشروط الحياة لدى الطبقات التي ينقسم اليها كل مجتمع. يقول ماركس في "البيان الشيوعي": "ان تاريخ كل مجتمع الى يومنا هذا (ثم يضيف انجلس فيما بعد: ما عدى المشاعية البدائية)  لم يكن سوى تاريخ صراع بين الطبقات. فالحر والعبد، والنبيل والعامي، والسيد الاقطاعي والقن، والمعلم والصانع. اي باختصار، المضطهدون والمضطهدين، كانوا في تعارض دائم وكانت بينهم حرب مستمرة، تارة ظاهرة، وتارة مستترة، حرب كانت تنتهي دائماً اما بانقلاب ثوري يشمل المجتمع باسره، واما بانهيار الطبقتين معاً... اما المجتمع البرجوازي الحديث الذي خرج من احشاء المجتمع الاقطاعي الهالك فانه لم يقض على التناقضات بين الطبقات بل اقام طبقات جديدة محل القديمة واوجد ظروفاً جديدة للاضطهاد واشكالاً جديدة للنضال بدلا من القديمة.  إلا ان ما يميز عصرنا الحاضر، عصر البرجوازية، هو انه جعل التناحر الطبقي اكثر بساطة. فان المجتمع اخذ بالانقسام، اكثر فاكثر، الى معسكرين فسيحين متعارضين،الى طبقتين كبيرتين العداء بينهما مباشر: هما البرجوازية والبروليتاريا". ومنذ الثورة الفرنسية الكبرى كشف تاريخ اوروبا في عدد من البلدان على نحو بديهي خاص عن السبب الحقيقي للاحداث وهو صراع الطبقات. فمنذ عهد عودة الملكية([28])  ظهر في فرنسا عدد من المؤرخين (تييري وغيزو ومينيه وتيير) الذين كانوا مجبرين عند تلخيصهم لما كان يحدث ان يعترفوا بان الصراع الطبقي موجود وانه المفتاح الذي يتيح فهم كل تاريخ فرنسا. ولكن المرحلة الحديثة الاخيرة، مرحلة انتصار البرجوازية التام، والمؤسسات التمثيلية والاقتراع الموسع (ان لم يكن العام)، مرحلة الصحافة اليومية الزهيدة الثمن، التي تتغلغل بين الجماهير الخ. هذه المرحلة قد اثبتت بمزيد من الجلاء ايضاً (ولو احياناً على نحو وحيد الجانب و"سلمي" و"دستوري") ان الصراع الطبقي هو محرك الاحداث. ان المقتطف التالي من "البيان الشيوعي" يبين لنا ما طلبه ماركس من علم الاجتماع من وجهة نظر التحليل الموضوعي لأوضاع كل طبقة من طبقات المجتمع الحديث بالارتباط مع تحليل تطور هذه الطبقة: "وليس بين جميع الطبقات التي تقف الآن امام البرجوازية وجهاً لوجه الا طبقة واحدة ثورية حقا هي البروليتاريا. ان جميع الطبقات الاخرى تنحط و تنقرض في النهاية مع نمو الصناعة الكبرى،اما البروليتاريا فهي ـ خلافاً لذلك ـ اخص واساس منتجات هذه الصناعة. ان الشريحة السفلى من الطبقة المتوسطة وصغار الصناعيين والباعة والحرفيين والفلاحين تحارب البرجوازية من اجل الحفاظ على وجودها بوصفها فئات متوسطة. فهي ليست اذن ثورية بل محافظة واكثر من محافظة، ايضاً انها رجعية. اذ انها تريد ان تدور عجلة التاريخ الى الوراء. وان حدث وان كانت ثورية فذلك لانها في حالة انتقال الى صفوف البروليتاريا وبذلك لا تدافع  عن مصالحها الانية بل عن مصالحها المستقبلية وهي تتخلى عن وجهة نظرها الخاصة لتتخذ لنفسها وجهة نظر البروليتاريا". وفي جملة من المؤلفات التاريخية اعطى ماركس امثلة ساطعة وعميقة عن علم  التاريخ المادي وعن تحليل ظروف كل طبقة بذاتها. واحياناً ظروف مختلف الجماعات و الفئات في الطبقة الواحدة. وبين على نحو ساطع لماذا و كيف "ان كل نضال طبقي هو نضال سياسي"([29]). ان المقطع الذي استشهدنا به انفا يبين بوضوح كم هي معقدة شبكة العلاقات الاجتماعية والدرجات الانتقالية بين طبقة واخرى وبين الماضي والمستقبل التي يحللها ماركس ليظهر حاصل كل التطور التاريخي.

ان نظرية ماركس تجد تاكيدها وتطبيقها الاكثر عمقاً وشمولاً وتفصيلاً في مذهبه الاقتصادي.

 


 

 

 

مذهب ماركس الاقتصادي

 

 

يقول ماركس في مقدمة كتابه "رأس المال": " ان الهدف النهائي لهذا الكتاب هو ان يكشف عن القانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث"، اي المجتمع الرأسمالي البرجوازي. فدراسة علاقات الانتاج في هذا المجتمع المحدد تاريخياً من حيث ولادة هذه العلاقات وتطورها وزوالها، ذلك هو مضمون مذهب ماركس الاقتصادي. ان الشيء السائد في المجتمع الرأسمالي هو انتاج البضائع. ولهذا يبدأ تحليل ماركس بتحليل البضاعة.

 

القيمة

البضاعة هي بالدرجة الاولى شيء يسد حاجة من حاجات الانسان. وهي بالدرحة الثانية شيء يمكن مبادلته بشيء آخر. ان منفعة شيء ما تعطيه قيمة استعمالية. اما القيمة التبادلية ـ او القيمة باختصار ـ  فهي، اولاً، العلاقة، النسبة، في مبادلة عدد من القيم الاستعمالية من نوع ما بعدد من القيم الاستعمالية من نوع آخر. ان التجربة اليومية تبين لنا ان الملايين والمليارات من مثل هذه المبادلات تقيم دون انقطاع علاقات من التعادل بين القيم الاستعمالية الاكثر تنوعاً والاكثر تبايناً. فما هو العنصر المشترك بين هذه الاشياء المختلفة التي يعادل بعضها ببعض باستمرار في نظام من العلاقات الاجتماعية؟ ان العنصر المشترك بينها هو كونها نتاجات عمل. فعندما يتبادل الناس منتجاتهم يعادلون بين انواع العمل الاكثر تبايناً. ان انتاج البضائع هو نظام من العلاقات الاجتماعية يخلق فيه شتى المنتجين منتجات متنوعة (التقسيم الاجتماعي للعمل)  ويعادلون بينها عند التبادل. وبالتالي ان العنصر المشترك بين جميع البضائع ليس هو العمل في فرع معين من الانتاج وليس هو عملاً من نوع خاص، بل هو العمل الانساني المجرد، العمل الانساني بوجه عام. ففي مجتمع معين تؤلف كل قوة العمل الممثلة في مجموع قيم كل البضائع قوة عمل انساني واحدة موحدة.  والدليل على ذلك المليارات من امثلة التبادل.  وهكذا فكل بضاعة مأخوذة بمفردها لا تمثل سوى جزء ما من وقت العمل الضروري اجتماعياً. ان كمية القيمة تحدد بقيمة العمل الضروري اجتماعياً او بوقت العمل الضروري اجتماعياً لانتاج بضاعة معينة. اي قيمة استعمالية معينة. "ان المنتجين حين يعتبرون منتجاتهم المختلفة متساوية عند تبادلها يقرون بذلك ان اعمالهم المختلفة متساوية وهم لا يدركون ذلك ولكنهم يفعلونه". لقد قال اقتصادي قديم: ان القيمة هي العلاقة بين شخصين. وكان عليه ان يضيف  بكل بساطة الى قوله هذا: علاقة مغلفة بغلاف مادي. ذلك انه لا يمكن فهم القيمة الا بالاستناد الى مجمل علاقات الانتاج الاجتماعية لتشكيلة تاريخية معينة. اي العلاقات التي تظهر عند التبادل هذه الظاهرة الجماهيرية التي تتكرر مليارات المرات. "ان البضائع بوصفها قيماً ليست الا كميات محدودة من وقت العمل المتجمد" ("مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"). وبعد تحليل مفصل للصفة المزدوجة للعمل المجسد في البضائع ينتقل ماركس الى تحليل اشكال القيمة والعملة (النقد). والمهمة الرئيسية التي يضعها نصب عينيه اذ ذاك هي ان يبحث عن منشأ الشكل النقدي للقيمة، وان يدرس التفاعل التاريخي لتطور التبادل ابتداء من اعمال التبادل الفردية والعرضية ("شكل بسيط منفرد وطارئ للقيمة": كمية معينة من بضاعة ما تبادل مقابل كمية معينة من بضاعة اخرى) حتى الشكل العام للقيمة عندما يبادل عدد من البضائع المختلفة ببضاعة واحدة معينة، حتى الشكل النقدي للقيمة حيث يصبح الذهب بمثابة تلك البضاعة المعينة، بمثابة المعادل العام. ان النقد بوصفه النتاج الأعلى لتطور التبادل وانتاج البضائع يطمس، يخفي، الصفة الاجتماعية للعمل الفردي اي العلاقة الاجتماعية بين المنتجين المنفردين الذين يرتبطون ببعضهم البعض بواسطة السوق. ويخضع ماركس لتحليل مفصل الى اقصى حد شتى وظائف النقد. ومن المهم الملاحظة هنا ايضاً (كما في جميع الفصول الأولى من كتاب "رأس المال") ان الشكل المجرد للعرض الذي يبدو احياناً استدلالياً فقط يعرض في الواقع مصادر وافرة الغنى حول تاريخ تطور التبادل وانتاج البضائع. "ان النقد يفترض مستوى معيناً من التبادل البضاعي. ان شتى اشكال النقد، بوصفه معادلاً بسيطاً، ووسيلة للتداول، ووسيلة للدفع، و كنزاً مخزوناً، ونقداً عالمياً ـ تدل بالمقارنة بين تفوق وظيفة على اخرى على مراحل مختلفة جداً من الانتاج الاجتماعي" ("رأس المال"،المجلد الاول).

 

القيمة الزائدة

في درجة  ما من تطور انتاج البضائع يتحول النقد الى رأس مال. لقد كانت صيغة تداول البضائع:  ب (بضاعة) ـ ن (نقد) ـ ب (بضاعة)، اي بيع بضاعة في سبيل شراء غيرها. اما صيغة رأس المال العامة فهي بالعكس: ن ـ ب ـ ن ـ  اي شراء في سبيل بيع (مع ربح). ان هذه الزيادة في القيمة الاولى للنقد الذي وضع قيد التداول هي ما يسميه ماركس "القيمة الزائدة". و"زيادة" المال هذه في التداول الرأسمالي واقع معروف لدى الجميع. ان هذه "الزيادة" بعينها هي التي تحول المال الى رأسمال بوصفه علاقة انتاج اجتماعية خاصة محددة تاريخياً. ولا يمكن للقيمة الزائدة ان تنجم عن تداول البضائع لان هذا التداول لا يعرف سوى تبادل اشياء متعادلة، ولا يمكن لها ايضاً ان تنجم عن ارتفاع الاسعار لان الخسائر والارباح لدى كل من الشارين والبائعين تتوازن، والحال ان الامر يتعلق بظاهرة اجتماعية وسطية ومعممة لا بظاهرة افرادية. فمن أجل الحصول على القيمة الزائدة "يجب ان يتمكن صاحب المال من اكتشاف بضاعة في السوق، لها قيمة استعمالية، تتمتع بميزة خاصة هي ان تكون مصدراً للقيمة"، اي بضاعة تكون عملية استهلاكها في الوقت نفسه عملية تخلق قيمة. وبالفعل هذه البضاعة موجودة: انها قوة العمل الانساني. ان استهلاكها هو العمل والعمل يخلق القيمة. ان صاحب المال يشتري قوة العمل بقيمتها التي يحددها، كما يحدد قيمة كل بضاعة اخرى، وقت العمل الضروري اجتماعياً لانتاج البضاعة (اي نفقات اعالة العامل وعائلته). وحين يشتري صاحب المال قوة العمل يصبح من حقه ان يستهلكها اي ان يجعلها تعمل طوال النهار ولنقل 12 ساعة. ولكن العامل حين يشتغل 6 ساعات (اي وقت العمل "الضروري") يعطي انتاجاً يغطي نفقات اعالته وفي الساعات الست الاخرى (اي وقت العمل "الزائد") يعطي انتاجاً "زائداً" لا يدفع الرأسمالي اجرة عنه، اي يعطي القيمة الزائدة. وبالتالي فمن وجهة نظر عملية الانتاج يجب ان نميز قسمين في الرأسمال: الرأسمال الثابت الذي ينفق على وسائل الانتاج (الات، وادوات عمل، ومواد اولية الخ.) وتنتقل قيمته كما هي (دفعة واحدة او دفعات) الى المنتوج التام الصنع، والرأسمال المتغير (المتحرك) الذي ينفق على قوة العمل. وقيمة هذا الرأسمال لا تظل ثابتة بل تنمو في عملية الانتاج، اذ تخلق القيمة الزائدة. وعليه فمن اجل التعبير عن درجة استثمار الرأسمال لقوة العمل يجب مقارنة القيمة الزائدة لا بالرأسمال كله بل بالرأسمال المتغير. ان معدل القيمة الزائدة، الاسم الذي اطلقه ماركس على هذه العلاقة، سيكون في مثلنا 6/6 او 100 بالمائة.

ان المقدمة التاريخية لظهور الرأسمال هي في الدرجة الاولى تراكم كمية معينة من المال في ايدي عدد من الافراد في حين بلغ انتاج البضائع درجة ارتفاع نسبي. وهي، في الدرجة الثانية، وجود عمال "احرار" من وجهتين: من وجهة انهم احرار من كل تضييق و من كل تقيد في بيع قوة عملهم، واحرار لانهم لا يملكون ارضاً ولا وسائل انتاج بوجه عام، اي وجود عمال احرار وغير مقيدين، اي وجود عمال "بروليتاريين" لا يستطعيون العيش بغير قوة عملهم.

ان ازدياد القيمة الزائدة امر ممكن بفضل وسيلتين اساسيتين: تمديد يوم العمل ("قيمة زائدة مطلقة") والتقليص في يوم العمل الضروري ("قيمة زائدة نسبية"). وعندما يحلل ماركس الوسيلة الاولى يرسم لوحة رائعة لنضال الطبقة العاملة في سبيل تقليص يوم العمل ولتدخل سلطة الدولة في سبيل تمديده (من القرن الرابع عشر الى القرن السابع عشر) وفي سبيل تقليصه (تشريع المصانع في القرن التاسع عشر). و منذ نشر كتاب "رأس المال" قدم تاريخ الحركة العمالية في جميع البلدان المتمدنة في العالم عدداً لا يحصى من الوقائع الجديدة التي تبرهن على صدق هذه اللوحة.

ان ماركس عند تحليله القيمة الزائدة النسبية يدرس المراحل التاريخية الاساسية الثلاث لزيادة انتاجية العمل من قبل الرأسمالية:

1-         التعاون البسيط.

2-         تقسيم العمل والمانيفاكتورة.

3-         الآلات والصناعة الكبرى.

ان العمق الذي يكشف به ماركس الخطوط الاساسية النموذجية لتطور الرأسمالية يظهر فيما يظهر من كون دراسة الصناعة المسماة الصناعة "الحرفية" في روسيا تقدم ادلة وافرة جداً توضح وتبرز المرحلتين الاوليتين من هذه المراحل الثلاث. اما عمل الصناعة الميكانيكية الضخمة الثوري الذي وصفه ماركس في 1867 فقد ظهر خلال نصف القرن المنصرم منذ ذلك الحين في عدة بلدان "جديدة" (روسيا واليابان وغيرهما).

وبعد فان الامر الهام والجديد الى اقصى حد عند ماركس هو تحليل تراكم الرأسمال. اي تحول قسم من القيمة الزائدة الى رأسمال، واستعماله لا لسد حاجات الرأسمالي الشخصية او لارضاء نزواته بل للانتاج من جديد. لقد اشار ماركس الى خطأ الاقتصاد السياسي الكلاسيكي السابق كله (ابتداء من ادم سميث) الذي يعتبر ان كل القيمة الزائدة التي تتحول الى رأسمال تذهب الى الرأسمال المتغير بينما هي في الحقيقة تنقسم الى وسائل انتاج و رأسمال متغير. وفي عملية تطور الرأسمالية وتحولها الى الاشتراكية يرتدي ازدياد حصة الرأسمال الثابت بمزيد من السرعة (من اصل مجمل رأس المال) بالقياس الى حصة الرأسمال المتغير اهمية اولية.

ان تراكم الرأسمال  بتعجيله في احلال الآلة محل العمال، وبخلقه الثراء في قطب والبؤس في قطب آخر، يخلق ايضاً ما يسمى "باحتياطي جيش العمل" او "الفائض النسبي من العمال" او "فيض السكان الرأسمالي" الذي يرتدي اشكالاً متنوعة الى اقصى حدود التنوع، ويمكن الرأسمال من ان يوسع الانتاج بسرعة بالغة. ان هذه الامكانية اذا نسقت مع التسليف وتراكم الرأسمال بشكل وسائل الانتاج تعطينا فيما تعطيه مفتاحاً لفهم ازمات فيض الانتاج التي كانت في البدء تحصل على نحو دوري في البلدان الرأسمالية مرة في كل عشر سنوات تقريباً، ومن ثم في فترات اقل تقارباً واقل ثباتاً. ويجب التمييز بين تراكم الرأسمال على اساس الرأسمالية، والتراكم المسمى بالتراكم "البدائي" الذي يتصف بفصل الشغيل فصلاً عنيفاً عن وسائل الانتاج ويطرد الفلاحين من اراضيهم وبسرقة الاراضي المشاعية وبنظام المستعمرات وبالديون العامة وبرسوم الحماية الخ...ان "التراكم البدائي" يخلق البروليتاري "الحر" في قطب، وفي قطب آخر القابض على المال، الرأسمالي.

ويصف ماركس "الاتجاه التاريخي للتراكم الرأسمالي" بهذه العبارات المشهورة: "ان انتزاع ملكية المنتجين المباشرين يتم باشد النزعات الى الهدم والتدمير بعداً عن الشفقة وبدافع من احط المشاعر واحقرها واشدها تفاهة وحقداً. فالملكية الخاصة المكتسبة بعمل المالك" (عمل الفلاح والحرفي) "والقائمة اذا جاز التعبير على اندماج الشغيل الفردي المستقل  مع ادوات ووسائل عمله تزيحها الملكية الخاصة الرأسمالية التي ترتكز على استثمار قوة عمل الغير الذي لا يتمتع بغير حرية شكلية ... اما من يتعلق الامر الآن بانتزاع ملكيته فلم يعد المقصود العامل الذي يدير استثمارة مستقلة بنفسه بل الرأسمالي الذي يستثمر العديد من العمال. ان انتزاع الملكية هذا يتم بفعل القوانين الملازمة للانتاج الرأسمالي  نفسه عن طريق تمركز الرساميل. ان رأسمالياً واحداً يقضي على الكثيرين من امثاله. والى جانب هذا التمركز اي انتزاع بعض الرأسماليين ملكية عدد كبير من امثالهم يتطور الشكل التعاوني لسير العمل على مقياس يتسع اكثر فاكثر، كما يتطور تطبيق العلم على التكنيك تطبيقاً فطناً و متعقلاً واستثمار الارض استثماراً منهجياً وتحويل وسائل العمل الى وسائل للعمل لا يمكن استعمالها الا استعمالاً مشتركاً، وتوفير جميع وسائل الانتاج باستعمالها كوسائل انتاج لعمل اجتماعي منسق، ودخول جميع الشعوب في شبكة السوق العالمية. وتتطور الى جانب كل ذلك الصفة العالمية للنظام الرأسمالي. وبقدر ما يتناقص باستمرار عدد دهاقنة  الرأسمال الذين يغتصبون ويحتكرون جميع منافع عملية التحول هذه بقدر ما يشتد ويستشري البؤس والظلم والاستعباد والانحطاط والاستثمار. وبقدر ما يزداد ايضاً تمرد الطبقة العاملة التي تتثقف وتتحد وتنتظم بفعل آلية عملية الانتاج الرأسمالي نفسها. وهكذا يصبح احتكار الرأسمال قيد لاسلوب الانتاج الذي نشأ معه وبه. ان تمركز وسائل الانتاج وجعل العمل اجتماعياً ينتهيان الى حد انهما لا يعودان يتطابقان مع اطارهما الرأسمالي فينفجر. ان الساعة الاخيرة للملكية الخاصة الرأسمالية تدق. ان مغتصبي الملكية تنزع منهم ملكيتهم" ("رأس المال"، المجلد الاول).

ثم ان ما هو جديد وذو اهمية كبرى انما هو تحليل ماركس في المجلد الثاني من "رأس المال" لتجديد انتاج الرأسمال الاجتماعي بمجموعه. وهنا ايضاً لا يأخذ ماركس بعين الاعتبار ظاهرة عامة ولا جزءا من الاقتصاد الاجتماعي بل الاقتصاد الاجتماعي بكليته. ان ماركس عند اصلاحه خطأ الكلاسيكيين المشار اليهم انفاً يقسم مجموع الانتاج الاجتماعي الى قسمين كبيرين: اولاً، انتاج وسائل الانتاج وثانياً، انتاج سلع الاستهلاك. ثم، بالاستناد الى ارقام  ياخذها على سبيل المثال، يدرس درساً دقيقاً تداول الرأسمال الاجتماعي بمجموعه سواء في تجديد الانتاج البسيط ام في التراكم. وفي المجلد الثالث من "رأس المال" تجد مسالة المعدل الوسطي للربح حلاً لها بالاستناد الى قانون القيمة. ولقد تحقق تقدم كبير في العلم الاقتصادي نظراً الى ان ماركس يبني تحليله على ظواهر اقتصادية كثيرة، على مجموع الاقتصاد الاجتماعي، لا على ظواهر منعزلة او على مظهر المزاحمة الخارجي السطحي الذي غالباً ما يقف عنده الاقتصاد السياسي المبتذل او ما يسمونه نظرية الحد الاقصى من النفع الحديثة([30]). ان ماركس  يحلل في الدرحة الاولى مصدر القيمة الزائدة ليدرس بعد ذلك انقسامها الى ربح وفائدة وريع عقاري. اما الربح فهو نسبة القيمة  الزائدة الى مجموع الرأسمال الموظف في مشروع ما. والرأسمال "ذو التركيب العضوي العالي"(اي عندما يتجاوز الرأسمال الثابت الرأسمال المتغير بنسب اعلى من المعدل الاجتماعي الوسطي)  يعطي معدلاً من الربح ادنى من المعدل الوسطي.  والرأسمال "ذو التركيب العضوي المنخفض" يعطي معدلاً من الربح اعلى من المعدل الوسطي. ان تزاحم الرساميل وانتقالها الحر من فرع الى آخر يحملان في الحالتين معدل الربح الى المعدل الوسطي. ان مجموع قيم جميع البضائع في مجتمع معين يوازي مجموع اثمان البضائع، ولكن في كل مشروع بمفرده وبفعل المزاحمة تباع البضائع لا بحسب قيمتها بل بسعر الانتاج ( او السعر الانتاجي) الذي يعادل الرأسمال المصروف مضافاً اليه الربح الوسطي.

وهكذا فان انحراف السعر عن القيمة والتوزيع المتساوي للربح ـ هذا الواقع الذي لا يقبل الجدل والمعروف لدى الجميع ـ يوضحه ماركس تمام الايضاح بالاستناد الى قانون القيمة. اذ ان مجموع قيم جميع البضائع يعادل مجموع اسعارها. ولكن الطريق من القيمة  (الاجتماعية) الى الاسعار (الافرادية) ليس بسيطاً ومباشراً بل طريق معقد جداً. فمن الطبيعي تماماً في مجتمع يكون فيه منتجو البضائع متفرقين وغير مرتبطين فيمن بينهم الا بواسطة السوق، ان لا يسري مفعول القوانين الا بصورة وسطية اجتماعية عامة مع ازالة الانحرافات الافرادية من هذه الجهة وتلك.

ان ازدياد انتاجية العمل يعني نمواً اسرع في الرأسمال الثابت بالقياس الى الرأسمال المتغير. ولكن لما كانت القيمة الزائدة لا ترتبط الا بالرأسمال المتغير اصبح من المفهوم ان يميل معدل الربح (اي نسبة القيمة الزائدة الى مجموع الرأسمال لا الى القسم المتغير منه فقط) الى الهبوط. ان ماركس يحلل تحليلاً دقيقاً جداً هذا الميل، كما يحلل الظروف التي تخفيه او تعاكسه. ودون ان نتوقف عند الفصول العظيمة  الاهمية في المجلد الثالث المكرسة لرأسمال الربا والرأسمال التجاري والرأسمال النقدي، ننتقل الى الجزء الاكثر اهمية الا وهو نظرية الريع العقاري. لما كانت مساحة الارض محدودة ويشغلها تماماً في البلدان الرأسمالية ملاكون فرديون اصبح ثمن انتاج المنتجات الزراعية لا يتحدد بواسطة نفقات الانتاج على ارض وسطية بل على ارض من النوع الاسوأ، ولا بواسطة الشروط الوسطية لنقل المنتجات الى السوق بل تبعاً للشروط الاقل ملاءمة. ان الفرق بين هذا الثمن وثمن الانتاج على ارض اجود نوعاً (او في شروط احسن) يعطي الريع الفرقي (او المتفاوت). ان ماركس بالاستناد الى تحليل مفصل لهذا الريع يبين فيه ان هذا الريع ينجم عن التفاوت (الفرق) في جودة الاراضي، وعن تفاوت (فرق) الرساميل الموظفة في الزراعة، قد اوضح وضوحاً تاماً (انظر ايضاً "نظريات القيمة الزائدة" حيث يستحق انتقاد رودبرتوس اهتماماً خاصاً) خطأ ريكاردو الذي يزعم ان الريع الفرقي لا يحصل الا بالانتقال الدائم من اراض اكثر جودة الى اراض اقل جودة. فالامر على خلاف ذلك: فان تغيرات معاكسة قد تحدث ايضاً. فالاراضي من فئة معينة تتحول الى اراض من فئة اخرى (بفعل ارتفاع مستوى الزراعة  ونمو المدن الخ). والقانون الشهير"قانون تناقص خصب التربة" يبدو بمثابة خطأ عميق يرمي الى القاء عيوب الرأسمالية وحدودها الضيقة وتناقضاتها على كاهل الطبيعة. ثم ان تساوي الربح في جميع فروع الصناعة والاقتصاد الوطني بوجه عام يفترض حرية تامة في المزاحمة وحرية نقل الرأسمال من فرع الى آخر. ولكن الملكية الخاصة للارض تخلق احتكاراً وعقبة في وجه حرية النقل هذه. ان منتجات الزراعة التي تتميز بتركيب منخفض في رأسمالها، والتي تعطي بالتالي معدلاً اعلى للربح الفردي، لا تدخل بفعل هذا الاحتكار في عملية تساوي معدل الربح الحرة تماماً. فالمالك الذي يحتكر الارض يتمكن من ابقاء السعر في معدل اعلى من الوسط، وهذا السعر الاحتكاري يخلق الريع المطلق. ان الريع الفرقي لا يمكن الغاؤه في النظام الرأسمالي، وعكساً لذلك يمكن الغاء الريع المطلق  بتأميم الارض، مثلاً عندما تصبح الارض ملكاً للدولة. ان انتقال الارض هذا الى الدولة يعني تقويض احتكار الملاكين الفرديين، ويعني ايضاً حرية في المزاحمة اكثر انسجاماً واكتمالاً في الزراعة. ولهذا كما يقول ماركس تقدم البرجوازيون الراديكاليون اكثر من مرة في التاريخ بهذا المطلب البرجوازي التقدمي القائل بتأميم الارض. هذا المطلب الذي يخيف مع ذلك اكثر البرجوازية لانه "يمس" عن قرب احتكاراً آخر له في ايامنا هذه اهمية خاصة و"حساسية" خاصة، وهو احتكار وسائل الانتاج بوجه عام. (ان هذه النظرية حول الربح الوسطي للرأسمال وحول الريع العقاري المطلق قد عرضها ماركس باسلوب رائع بسيط ومختصر وواضح في رسالته الى انجلز بتاريخ 2 اب/اوت سنة 1862. انظر "المراسلات"، المجلد الثالث، ص 77-81، ورسالته المؤرخة في 9 اب/اوت سنة ،1862 ص 86-87، المصدر نفسه). ومن الاهمية بمكان اايضاً الاشارة في تاريخ الريع العقاري الى تحليل ماركس الذي يبين تحول الريع ـ العمل (عندما يخلق الفلاح نتاجاً اضافياً بعمله في ارض الملاك) الى ريع ـ انتاج، او الى ريع عيني (عندما يخلق الفلاح على ارضه نتاجاً اضافياً يقدمه للملاك بموجب "الاكراه غير الاقتصادي") ثم الى ريع نقدي (اذ يتحول هذا الريع العيني  الى نقد ـ "اوبروك" اي اتاوة في روسيا القديمة ـ بسبب تطور انتاج البضائع)، واخيراً الى ريع رأسمالي عندما يحل محل الفلاح في الزراعة رب عمل يزرع الارض باللجوء الى العمل المأجور.  ولنشر بصدد هذا التحليل "لتولد الريع العقاري الرأسمالي" الى جملة من افكار ماركس العميقة (ذات الاهمية الخاصة بالقياس الى البلدان المتاخرة كروسيا مثلاً) حول تطور الرأسمالية في الزراعة. "مع تحول الريع العيني الى ريع نقدي، تتكون بالضرورة، في الوقت نفسه وحتى مسبقاً، طبقة من المياومين الذين لا يملكون ويعملون بالاجرة. وفي الوقت الذي تتكون فيه هذه الطبقة التي لم تكن ظهرت الا ظهوراً متفرقاً يكون الفلاحون الميسورون الملزمون بدفع اتاوة قد اعتادوا بالطبع استثمار بعض الاجراء الزراعيين لحسابهم الخاص كما كان يحدث تماماً في النظام الاقطاعي، حيث كان للفلاحين الاقنان الميسورين اقنان اخرون ايضاً. ومن هنا كانت تتوافر لهم امكانية جمع الثروة شيئاً فشيئاً وتحويل انفسهم الى رأسماليين مقبلين.

وهكذا تتكون بين مالكي الارض القدماء، ممن يديرون استثمارات مستقلة، بيئة تنبت مستأجري الاراضي الرأسماليين الذين يرتبط تطورهم بالتطور العام للانتاج الرأسمالي خارج الزراعة" ("رأس المال"، المجلد الثالث، 2، ص 332)..."ان انتزاع ملكية قسم من سكان الارياف وطردهم من الريف لا "يحرران" عمالاً ووسائل للعيش والعمل لهم من اجل الرأسمال الصناعي وحسب بل يخلقان السوق الداخلية ايضاً" ("رأس المال"، المجلد الاول، 2، ص 778). ان املاق وخراب سكان الارياف يسهمان بدورهما في انشاء جيش احتياطي من العمال للرأسمال . لهذا  في كل بلد رأسمالي "يوجد دائماً قسم من سكان الارياف يوشك على الدوام ان يتحول الى سكان مدن او الى سكان يعملون في الصناعة (اي غير زراعيين). وهذا المورد لتزايد السكان النسبي لا ينضب ابداً...فالعامل الزراعي مكره على تقاضي الحد الادنى من الاجرة ويقف دائماً على احدى رجليه في مستنقع الاملاق" ("رأس المال"،المجلد الاول، 2، ص 668). ان ملكية الفلاح الخاصة للارض التي يزرعها تؤلف اساس الانتاج الصغير. تؤلف الشرط الذي يسمح لهذا الانتاج بان يزدهر وياخذ شكلاً كلاسيكياً. ولكن هذا الانتاج الصغير لا ينسجم الا مع الاطارات البدائية الضيقة للانتاج والمجتمع. ففي النظام الرأسمالي "لا يتميز استثمار الفلاحين عن استثمار البروليتاريا الصناعية الا من حيث الشكل. فالمستثمر هو هو، اي الرأسمال. إن الرأسماليين، كلا بمفرده،  يستثمرون الفلاحين كلا بمفرده بواسطة الرهن والربا. ان طبقة الرأسماليين تستثمر  طبقة الفلاحين بواسطة الضرائب" ("نضال الطبقات في فرنسا"). "ان ارض الفلاح الصغيرة لم تعد سوى ذريعة  تتيح للرأسمال ان يجني من الارض ربحاً وفائدة وريعاً، وان يترك لمالك الارض نفسه امر الاهتمام بالطريقة التي يراها ناجحة  للحصول على اجرته" ("18 برومير"). بل ان الفلاح يقدم عادة الى المجتمع الرأسمالي، اي الى طبقة الرأسماليين قسماً من اجرته، ويقع على هذا النحو "في حالة المكتري الارلندي مع احتفاظه بمظهر المالك الفردي" ("نضال الطبقات في فرنسا"). فما هو اذن "احد الاسباب التي تؤدي الى ان يكون سعر الحبوب في البلدان التي تسود فيها الملكية الصغيرة للارض اقل منه في البلدان ذات اسلوب الانتاج الراسمالي؟" ("رأس المال"، المجلد الثالث، 2، ص 340) ذلك ان الفلاح  يقدم مجاناً الى المجتمع (اي طبقة الرأسماليين) قسماً من انتاجه الزائد. "ان هذا السعر المنخفض (اي سعر الحبوب وبقية المنتجات الزراعية) ينجم اذن عن فقر المنتجين ولا ينجم ابداً عن انتاجية عملهم". ("رأس المال"، المجلد الثالث، 2، ص 340). فان الملكية الزراعية الصغيرة  التي هي الشكل العادي للانتاج الصغير تتدهور في النظام الرأسمالي وتبيد وتهلك. "ان  الملكية الصغيرة للارض تحول بحكم طبيعتها دون تطور قوى العمل الانتاجية الاجتماعية واشكال العمل الاجتماعية وتمركز الرساميل الاجتماعي وتربية المواشي على نطاق كبير وتطبيق العلم تطبيقاً مطرداً. ان الربا ونظام الضرائب يحتمان خراب الملكية الزراعية الصغيرة في كل مكان. فينتزع من الزراعة الرأسمال الموظف لشراء الارض. وتجزأ وسائل الانتاج  الى ما لانهاية ويتبعثر المنتجون". (ان التعاونيات اي جمعيات الفلاحين الصغار التي تقوم باعظم دور تقدمي برجوازي يمكنها فقط ان تضعف هذا الاتجاه دون ان تمحوه ويجب ان لا ننسى ايضاً ان هذه التعاونيات تعطي كثيراً للفلاحين الميسورين ولكنها تعطي قليلاً جداً لجمهور الفلاحين الفقراء او لا تعطيهم شيئا تقريباً. ثم ان الامر ينتهي بهذه الجمعيات الى ان تستثمر بنفسها العمل المأجور). "فهناك تبذير هائل للقوة الانسانية. ان تفاقم شروط الانتاج تفاقماً مطرداً و ارتفاع اسعار وسائل  الانتاج هما قانونان ملازمان للملكية الصغيرة المجزأة". ("رأس المال المجلد الثالث). ففي الزراعة كما في الصناعة لا يظهر التحول الرأسمالي في اسلوب الانتاج إلا على حساب "شهادة المنتج". "ان تبعثر العمال الزراعيين على مساحات كبرى  يحطم قوة مقاومتهم في حين يزيد التجمع قوة مقاومة عمال المدن. وفي الزراعة الحديثة الرأسمالية كما في الصناعة الحديثة يتم التوصل الى نمو قوة العمل الانتاجية والى زيادة قابليته للحركة عن طريق تحطيم قوة العمل بالذات واستنفادها. ومن جهة اخرى كل تقدم للزراعة الرأسمالية هو تقدم لا في فن نهب الشغيل فحسب بل في فن نهب الارض ايضاً ... فالانتاج الرأسمالي اذن لا يطور التكنيك وتنسيق عملية الانتاج الاجتماعية الا باستنزافه في الوقت نفسه الينبوعين اللذين تنبثق منهما كل ثروة: الارض والشغيل" ("رأس المال"،المجلد الاول، نهاية الفصل الثالث عشر).


 

 

الاشتراكية

 

 

نرى مما تقدم ان ماركس يخلص الى ان المجتمع الرأسمالي سيتحول حتماً الى مجتمع اشتراكي. وهو يستخلص ذلك استخلاصاً تاماً وعلى وجه الحصر من القانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث. ان جعل العمل اجتماعياً،ان هذه العملية التي تتقدم بسرعة متزايدة ابداً، وبالوف الاشكال، والتي ظهرت بوجه خاص خلال النصف القرن الذي انقضى على وفاة ماركس في توسع الصناعة الكبيرة والكارتيلات والسنديكات والتروستات الرأسمالية، وفي التطور الاسطوري لنسب رأس المال المالي وقوته، ذلك هو الاساس المادي الرئيسي لمجيء الاشتراكية الذي لا مناص منه. ان المحرك الفكري والمعنوي والعامل المادي لهذا التحول انما هو البروليتاريا التي تثقفها الرأسمالية نفسها. ان نضال البروليتاريا ضد البرجوازية، الذي يتخذ اشكالاً مختلفة ومحتوى يغتني باستمرار، يصبح حتماً نضالاً سياسياً يرمي الى استيلاء البروليتاريا على الحكم السياسي ("ديكتاتورية البروليتاريا"). ولابد لعملية جعل الانتاج اجتماعياً من ان تجعل وسائل الانتاج ملكية اجتماعية، وان تؤدي الى "انتزاع الملكية من مغتصبيها". ان التزايد الضخم في انتاجية العمل وانقاص يوم العمل واحلال العمل التعاوني المتقن محل بقايا الانتاج الصغير البدائي المبعثر وعلى انقاضه، تلك هي النتائج المباشرة لهذا التحول. ان الرأسمالية تقطع نهائياً الروابط التي تصل الزراعة بالصناعة ولكنها في الوقت نفسه تهيئ بتطورها الاكثر تقدماً العناصر الجديدة لهذا الترابط. وتهيئ اتحاد الصناعة بالزراعة على اساس تطبيق العلم تطبيقاً واعياً، وعلى اساس تنسيق العمل التعاوني وتوزيع جديد للسكان (وضع حد لعزلة الريف عن العالم وما يعانيه من تخلف وعزلة وتوحش، وكذلك لتكدس عدد ضخم من السكان في المدن الكبيرة على نحو غير طبيعي). ان الاشكال العليا للرأسمالية الحديثة تهيئ شكلاً جديداً للعائلة، وشروطاً جديدة للمراة ولتربية الاجيال الناشئة. فان عمل النساء والاولاد وانحلال العائلة البطريركية بسبب النظام الرأسمالي يأخذان حتماً في المجتمع الحديث اكثر الاشكال فظاعة واشدها تدميراً وتنفيراً. ومع ذلك "فالصناعة الكبيرة باعطائها النساء والاحداث والاولاد من الجنسين دوراً حاسماً في عملية  الانتاج المنظمة اجتماعياً خارج النطاق العائلي تخلق اساساً اقتصادياً جديداً لشكل اعلى من اشكال العائلة والعلاقات بين الجنسين. ومن الخرق طبعاً ان يعتبر بمثابة شيء مطلق سواء الشكل الجرماني المسيحي للعائلة ام الاشكال القديمة الرومانية  واليونانية والشرقية التي تؤلف من جهة اخرى سلسلة واحدة من التطورات التاريخية المتعاقبة. ومن البديهي ايضاً ان تركيب الهيئة العمالية المختلطة  عن طريق  اجتماع افراد من الجنسين ومن مختلف الاعمار ـ  مع كونه في شكله الرسمي العفوي الفظ حيث العامل موجود من اجل عملية الانتاج وليس عملية الانتاج موجودة من اجل العامل يؤلف ينبوعاً موبوءاً للافساد والاستعباد ـ ان هذا التركيب يجب ان يتحول بالعكس في ظروف مؤاتية الى ينبوع للتطور الانساني" ("رأس المال" المجلد الاول نهاية الفصل الثالث عشر). ان نظام المصنع يبين لنا "بذور التربية في المستقبل، هذه التربية التي ستوحد العمل المنتج لجميع الاولاد فوق سن معينة مع التعليم والرياضة، و ذلك ليس فقط بمثابة طريقة تهدف الى زيادة الانتاج الاجتماعي بل بمثابة الطريقة الوحيدة الفريدة لانتاج رجال متطورين من كل النواحي" (المصدر نفسه). وعلى الاساس التاريخي نفسه تضع اشتراكية ماركس قضيتي القومية والدولة لا لتفسير الماضي وحسب بل لتحديد التنبؤات بجراة و للقيام  بعمل مقدام في سبيل تحقيقها. ان الامم هي الانتاج والشكل الحتميان للمرحلة  البرجوازية من التطور الاجتماعي. ان الطبقة العاملة لم تستطع ان تقوي  نفسها وتنضج وتتطون الا "بتكوين نفسها ضمن الحدود القومية" دون ان تكون "قومية" ("وان لم يكن اطلاقا بالمعنى البرجوازي للكلمة"). والحال ان تطور الرأسمالية لا ينفك يحطم  الحدود القومية ويهدم العزلة القومية. يحل التناحرات الطبقية محل التناحرات القومية. ولهذا يكون من الصحيح تماماً "ان ليس للعمال وطن" في البلدان الرأسمالية المتطورة. وان "توحيد جهود" العمال في البلدان المتمدنة على الاقل "هو احد الشروط الاولية لتحرر البروليتاريا" ("البيان الشيوعي"). اما الدولة، هذا العنف المنظم، فقد ظهرت ظهوراً حتمياً عند درجة معينة من تطور المجتمع، حينما اصبح المجتمع منقسماً الى طبقات، لا يمكن التوفيق بينها ولم يعد في طوقه ان يعيش بدون "سلطة" موضوعة كما يزعم فوق المجتمع ومفصولة عنه الى حد ما. و هذه الدولة التي ولدت في قلب التناحرات الطبقية  تصبح "دولة الطبقة الاقوى، الطبقة المسيطرة اقتصادياً، والتي تغدو ايضاً بفضل الدولة الطبقة المسيطرة سياسياً، وهكذا تكتسب وسائل جديدة لاخضاع الطبقة المظلومة واستثمارها. وعلى هذا النحو كانت الدولة القديمة قبل كل شيء دولة ملاكي عبيد لاخضاع العبد، كما ان الدولة الاقطاعية كانت جهاز النبلاء لاخضاع الفلاحين الاقنان، وكما ان الدولة التمثيلية الحديثة هي اداة استثمار الرأسماليين للعمال المأجورين" (انجلس في كتاب "اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" حيث عرض وجهات نظره ووجهات نظر ماركس). وحتى الشكل الاوفر حرية والاكثر تقدماً للدولة البرجوازية، ونعني به الجمهورية الديمقراطية، لا يلغي ابداً هذا الواقع بل يعدل شكله فقط (ارتباط الحكومة بالبورصة، رشوة الموظفين والصحافة، على نحو مباشر وغير مباشر الخ.). ان الاشتراكية اذ تقود الى الغاء الطبقات تقود بالتالي الى الغاء الدولة. "ان اول عمل تثبت به الدولة فعلاً انها  تمثل المجتمع باسره ـ اي الاستيلاء على وسائل الانتاج في صالح المجتمع باسره ـ هو في الوقت نفسه اخر عمل خاص بها بوصفها دولة. ان تدخل سلطة الدولة في العلاقات الاجتماعية يصبح نافلاً في ميدان بعد آخر، ثم يتلاشى من تلقاء نفسه. ومحل حكم الاشخاص تحل ادارة الاشياء وقيادة عملية الانتاج. ان الدولة "لا تلغى"، انها "تضمحل" (انجلس، "ضد دوهرنغ"). "ان المجتمع الذي سينظم الانتاج على اساس المشاركة الحرة المتساوية بين المنتجين سيعيد كل الة الدولة الى المكان اللائق بها: متحف الاثار الى جانب المغزل اليدوي والفاس البرونزية" (انجلس،"اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة").

واخيراً من الاهمية بمكان ان نشير، في معرض موقف اشتراكية  ماركس من الفلاح الصغير الذي سيبقى موجوداً ايضاً في مرحلة انتزاع الملكية من مغتصبيها،الى هذا البيان من انجلس الذي يعبر عن رأي ماركس: "عندما تصبح سلطة الدولة في ايدينا لن يكون بالامكان ان يخطر ببالنا ان ننتزع ملكية الفلاحين الصغار بعنف (بتعويض او بغير تعويض سيان) مثلما سنكون مضطرين لان نفعل بالنسبة لكبار الملاكين العقاريين. ان مهمتنا تجاه الفلاح  الصغير ستكون قبل كل شيء توجيه انتاجه الخاص في السبيل التعاوني، لا بواسطة العنف، بل عن طريق المثل وتقديم  مساعدة المجتمع لهذا الغرض. ومن المؤكد ان سيكون لدينا ما يكفي من الوسائل لاقناع الفلاح  بجميع المزايا التي يتسم بها هذا التحول والتي لا بد من توضيحها له منذ الآن". (انجلس، "مسالة الفلاحين في فرنسا والمانيا". طبع الكسييفا، صفحة 17. الترجمة الروسية باغلاط. النص الاصلي في جريدة Neue Zeit).

 


 

 

 

تاكتيك نضال البروليتاريا الثوري

 

 

لما كان  ماركس قد ابصر جلياً منذ 1844-1845 احدى النواقص الاساسية في المادية القديمة، وهي ان المادية القديمة لم تعرف كيف تفهم شروط النشاط العملي الثوري ولا ان تقدر اهميته، فانه الى جانب اعماله النظرية قد اعار طوال حياته انتباهاً دائباً لمسائل تاكتيك نضال البروليتاريا الطبقي. ومن هذه الناحية تقدم جميع مؤلفات ماركس مراجع غنية، ولا سيما مراسلاته مع انجلس المنشورة عام 1913 في اربع مجلدات. ان هذه المراجع ما تزال بعيدة عن ان تكون كلها مجموعة ومصنفة ومدروسة ومعمقة. ولهذا يترتب علينا ان نكتفي هنا باعم الملاحظات واوجزها، مع الاشارة الى ان ماركس كان يعتبر بحق ان المادية اذا جردت من هذا الجانب كانت غير كاملة ووحيدة الجانب وعديمة الحيوية. لقد كان ماركس يحدد المهمة الاساسية لتاكتيك البروليتاريا بالتوافق الدقيق مع جميع مقدمات مفهومه المادي-الديالكتيكي. ان حسبان الحساب بشكل موضوعي لمجموع العلاقات بين جميع الطبقات في مجتمع معين دون استثناء، وبالتالي حسبان الحساب للدرجة الموضوعية لتطور هذا المجتمع وللعلاقات بينه وبين سائر المجتمعات، يمكن له وحده ان يكون اساساً لتكتيك صحيح للطبقة المتقدمة. وعليه ينظر الى جميع الطبقات وجميع البلدان لا من حيث مظهرها الثابت بل من حيث مظهرها المتحرك، اي لا في حالة الجمود بل في حالة الحركة (الحركة التي تنبثق قوانينها من الشروط الاقتصادية لمعيشة كل طبقة). والحركة بدورها ينظر اليها لا من وجهة نظر الماضي و حسب بل من وجهة نظر المستقبل ايضاً. وفضلاً عن ذلك ينظر اليها لا وفقاً للمفهوم المبتذل "للتطوريين" الذين لا يلاحظون سوى التحولات البطيئة بل وفقاً للديالكتيك. فقد كتب ماركس الى انجلس يقول: "في التطورات التاريخية الكبرى ليست عشرون سنة اكثر من يوم واحد مع انه قد تأتي فيما بعد ايام تضم في احشائها عشرين سنة" ("المراسلات"، المجلد الثالث، صفحة 167). وفي كل درجة من التطور، وفي كل لحظة يجب على تاكتيك البروليتاريا ان يأخذ بعين الاعتبار هذا الديالكتيك الحتمي موضوعياً لتاريخ الانسانية: وذلك من جهة باستخدام مراحل الركود السياسي اي مراحل التطور "الهادئ" ـ كما يزعم ـ الذي يتقدم بخطى السلحفاة من اجل تطوير الوعي و القوى و القدرة النضالية لدى الطبقة المتقدمة، ومن جهة اخرى بالاتجاه في كل هذا العمل نحو "الهدف النهائي" لحركة هذه الطبقة بجعلها قادرة على ان تحل عملياً المهمات الكبرى للايام العظيمة "التي تضم في احشائها عشرين سنة". ثمة بحثان لماركس بهذا الصدد يرتديان اهمية خاصة. الاول في كتابه "بؤس الفلسفة" ويتعلق بنضال البروليتاريا الاقتصادي وبمنظماتها الاقتصادية، وآلاخر في "البيان الشيوعي" ويتعلق بمهمات البروليتاريا السياسية. اما الاول فقد ورد كما يلي: "ان الصناعة الكبرى تجمع في مكان واحد جمهوراً من الناس لا يعرف بعضهم بعضاً. والمزاحمة تفرق مصالحهم. ولكن وقاية الاجرة، هذه المصلحة المشتركة بينهم ضد سيدهم، تجمعهم في فكرة واحدة فكرة المقاومة والتحالف...ان التحالفات تبدأ منعزلة ثم تتألف في جماعات، وبوجه الرأسمال المتجمع على الدوام، يغدو حفاظ العمال على اتحاداتهم اهم بنظرهم من وقاية الاجرة... وفي هذا النضال ـ  هذه الحرب الاهلية الحقيقة ـ تتجمع و تتطور جميع العناصر الضرورية لمعركة مقبلة. وعند بلوغ هذه النقطة يأخذ التحالف طابعاً سياسياً". ان لدينا هنا برنامج وتاكتيك النضال الاقتصادي والحركة النقابية لبضع عشرات السنين، لكل المرحلة الطويلة من تحضير قوى البروليتاريا "لمعركة مقبلة". وتجدر المقارنة بين ذلك وبين اشارات ماركس وانجلس العديدة المبنية على تجربة الحركة العمالية الانجليزية، والتي تبين كيف ان  "الازدهار" الصناعي يستثير محاولات "لشراء العمال" ("المراسلات، المجلد الاول، صفحة 136)،  وصرفهم عن النضال،  وكيف ان هذا الازدهار "يفسد معنويات العمال" بوجه عام (المجلد الثاني صفحة 218) وكيف ان البروليتاريا الانجليزية "تتبرجز"، وكيف ان "الامة الاكثر برجوازية بين الامم" (الامة الانجليزية) "تبدو كأنها تريد اخيراً ان يكون لديها، الى جانب البرجوازية، ارستقراطية برجوازية و بروليتاريا برجوازية" (المجلد الثاني، صفحة 290)، وكيف ان "الطاقة الثورية تتلاشى وتزول لدى البروليتاريا الانجليزية" (المجلد الثالث صفحة 124)، وكيف ينبغي الانتظار زمناً قد يطول الى هذا الحد او ذاك "لكي يتخلص العمال الانجليز مما يبدو عليهم من الفساد البرجوازي" (المجلد الثالث صفحة 127)، وكيف ان "حمية الشارتيين"([31])  مفقودة في الحركة العمالية الانجليزية (1866، المجلد الثالث، صفحة 305)، وكيف ان الزعماء العماليين الانجليز يشكلون نموذجاً وسطياً "بين البرجوازيين الراديكاليين والعمال" (تلميح الى هوليوك المجلد الرابع صفحة 209)، وكيف "ان  العامل الانجليزي لن يتحرك" بسبب احتكار انجلترا ما دام هذا الاحتكار قائماً (المجلد الرابع، صفحة 433). ان تاكتيك النضال الاقتصادي بالارتباط مع السير العام (ومع النتيجة العامة) للحركة العمالية مدروس هنا من وجهة نظر واسعة شاملة ديالكتيكية على نحو رائع وثورية حقاً.

اما"البيان الشيوعي" فقد صاغ لتاكتيك النضال السياسي المبدأ الأساسي التالي للماركسية: "انهم (اي الشيوعيين) يكافحون في سبيل مصالح الطبقة العاملة واهدافها المباشرة، ولكنهم يدافعون في الوقت نفسه عن مستقبل الحركة". ومن اجل هذا ساند ماركس في 1848 حزب "الثورة الزراعية" في بولونيا (اي الحزب الذي اثار انتفاضة كراكوفيا في 1846)([32]). وفي 1848ـ 1849 ساند ماركس في المانيا الديمقراطية الثورية المتطرفة ولم يتراجع قط عما قاله حينذاك عن التاكتيك. وكان يعتبر البرجوازية الالمانية بمثابة عنصر "كان يجنح منذ البداية الى خيانة الشعب" (فقط التحالف مع جماهير الفلاحين كان بوسعه ان يتيح للبرجوازية بلوغ اغراضها كاملة) "والى اجراء مساومة مع الممثلين المتوجين للمجتمع القديم". و فيما يلي التحليل النهائي الذي اعطاه ماركس عن وضع البرجوازية الالمانية الطبقي في مرحلة الثورة البرجوازية الديمقراطية، مع العلم ان هذا التحليل هو نموذج للمادية التي تنظر الى المجتمع من حيث حركته وليس فقط من جانب الحركة المتجه نحو الماضي..."عادمة الايمان بنفسها (اي البرجوازية الالمانية ـ المعرب) عادمة الايمان بالشعب، متذمرة من الكبار، مرتجفة امام الصغار... خائفة من الاعصار العالمي...فاقدة العزيمة في اي مكان منتحلة في كل مكان... دون مبادرة... كعجوز تنيخ عليه اللعنة محكوم عليه بحكم مصالح شيخوخته بقيادة الاندفاعات الفتية الاولى لشعب فتي قوي" ("الجريدة الرينانية الجديدة"، 1848. انظر"التركة الادبية"، المجلد الثالث، صفحة 212). وبعد زهاء عشرين سنة كتب ماركس في رسالة الى انجلس (المجلد الثالث صفحة 224) ان فشل ثورة 1848 سببه ان البرجوازية كانت قد فضلت المسالمة مع العبودية على مجرد امكانية الكفاح في سبيل الحرية. وعندما اختتمت مرحلة ثورات 1848-1849، هب ماركس ضد كل محاولة للعب بالثورة (النضال ضد شابر وويليخ) مصراً على معرفة العمل في المرحلة الجديدة التي تهيء ثورات جديدة تحت ستار "سلم" ظاهري. ان تعليق ماركس التالي حول الوضع في المانيا في 1856 في مرحلة الرجعية الاشد اسوداداً يبين باية روح كان ماركس يرغب في ان يتم هذا العمل: "سيتوقف كل شيء في المانيا على امكانية دعم الثورة البروليتارية ،بطبعة ما، جديدة، لحرب الفلاحين" ("المراسلات" المجلد الثاني صفحة 108). وطالما لم تنته الثورة الديمقراطية (البرجوازية) في المانيا وجه ماركس كل انتباهه فيما يتعلق بتاكتيك البروليتاريا الاشتراكية الى تطوير طاقة الفلاحين الديمقراطية. وكان يعتبر ان موقف لاسال هو "موضوعياً خيانة للحركة العمالية في صالح بروسيا" (المجلد الثالث صفحة 210) و ذلك بالضبط لان لاسال يتسامح مع الملاكين العقاريين و التعصب  القومي البروسي. وقد كتب انجلس في 1865 اثناء تبادل وجهات النظر مع ماركس بصدد مشروع بيان مشترك في الصحف يقول: "في بلد زراعي، من السفالة ان يصار باسم العمال الصناعيين الى تسديد الضربة الى البرجوازية فقط دون الاشارة الى استثمار العمال الزراعيين على الطريقة البطريركية (الابوية) و"تحت ضربات العصى" من جانب النبلاء الاقطاعيين" (المجلد الثالث، صفحة 217) 21.  وفي الحقبة الممتدة من 1863 الى 1870 حينما كانت مرحلة الثورة البرجوازية الديمقراطية في المانيا تشرف على نهايتها هذه المرحلة التي كانت تتنازع فيها طبقات المستثمرين في بروسيا والنمسا حول طرق انجاز هذه الثورة من فوق، لم يكتف ماركس بشجب لاسال لمداعباته مع بيسمارك انما كان يصلح ايضاً ليبكنخت الذي وقع في "حب النمسا"، واخذ يدافع عن الخصائص المحلية 22. وكان ماركس يلح على انتهاج تاكتيك ثوري يكافح بلا هوادة سواء بيسمارك ام محبي النمسا، تاكتيك لا يتكيف "للمنتصر"ـ اليونكر 23 البروسي ـ بل يحدد النضال الثوري ضده فوراً،  وبالضبط في الميدان الناجم عن انتصارات بروسيا العسكرية ("المراسلات"، المجلد الثالث، ص ص 134، 136، 147، 179، 204، 210، 215، 318، 437، 440 – 441) 24. وفي رسالة الاممية الشهيرة الصادرة في 9 ايلولـ  سبتمبر 1870، حذر ماركس البروليتاريا الفرنسية من انتفاضة قبل الاوان، ولكن عندما قامت هذه الانتفاضة مع ذلك (1871) حيا ماركس بحماسة المبادرة الثورية لدى الجماهير "التي تصعد لمهاجمة السماء" (رسالة ماركس الى كوغلمان). ان هزيمة الحركة الثورية في هذا الوضع مثلها في العديد من الاوضاع الاخرى قد كانت من وجهة نظر مادية ماركس الديالكتيكية شراً اهون بالنسبة الى مجمل سير النضال البروليتاري، و بالنسبة الى نتيجة هذا النضال من شر اخلاء الموقع للمحتل و الاستسلام دون قتال. ان مثل هذا الاستسلام كان من شأنه ان يثبط من معنويات البروليتاريا وان يقوض كفاحيتها. ان ماركس، مع تقديره التام لاستخدام وسائل النضال الشرعية في مراحل الركود السياسي وسيطرة الشرعية البرجوازية، قد شجب بشدة بالغة في 1877-1878 بعد سن القانون الاستثنائي ضد الاشتراكيين 25 "الجملة الثورية" لدى موست. وحمل بنفس الشدة، ان لم يكن اكثر، على الانتهازية التي كانت قد استولت موقتاً حينذاك على الحزب الاشتراكي ـ الديمقراطي الرسمي الذي لم يعرف كيف يعطي الدليل فوراً على الثبات و الصلابة و الروح الثورية وكيف يظهر،جواباً على القانون الاستثنائي، استعداده للانتقال الى النضال السري. ("المراسلات"، المجلد الرابع، ص ص 397، 303، 418، 422، 424. 26. راجع ايضا رسائل ماركس الى سورجي).

 


[1] - الهيغيليين اليساريين او الهيغيليين الشبان. اتجاه مثالي في الفلسفة الالمانية في ثلاثينات واربعينات القرن التاسع عشر. حاول الهيغيليون  الشبان  الخروج بنتائج راديكالية لاثبات ضرورة الاصلاح البرجوازي في المانيا. و كان زعماء ذاك الاتجاه: دايفيد ستراوس  الاخوة باور ماكس ستيرنر واخرون. ولوقت ما انضم  فيورباخ وكذلك ماركس وانجلس  في فترة شبابهم الى الهيغيليين الشبان. و انفصل ماركس وانجلس فيما بعد عنهم وانتقدوا الفحوى المثالي والبرجوازي الصغير للاتجاه في "العائلة المقدسة" (1844) و"الايديولوجيا الالمانية" (1845-1846).

[2] -"لودفيغ فيورباخ و نهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية", فيريديريك انجلس.

[3] -"الجريدة الرينانية للسياسة و التجارة و الصناعة". جريدة يومية ظهرت في كولونيا من1 جانفي 1842 الى31 مارس 1843.  اسسها ممثلون عن البرجوازية الرينانية الذين كانوا يعارضون الاستبداد البروسي. وقد تم استدعاء بعض الهيغيليين اليساريين للاسهام في الجريدة. واصبح ماركس متعاونا في افريل 1842 و احد محرريها منذ=  =اوكتوبر من نفس السنة. وتحت اشراف ماركس اصبحت "الجريدة الرينانية" تتخذ صبغة ديمقراطية ثورية. و في جانفي 1843 اصدرت الحكومة البروسية امرا باغلاق الصحيفة في 1 افريل 1843وفي نفس الوقت فرض رقابة خاصة مشددة.

[4] - لم يقع ادراج هذه "البيبلوغرافيا" التي كتب لينين لهذا المقال.

[5] - المرجع هو مقال ماركس "تبرير مراسل الموزال".

[6] - المرجع هي "الحوليات الالمانية-الفرنسية". مجلة اشرف على تحريرها كارل ماركس وارنولد روج و صدرت بالالمانية في باريس. و لم يظهر منها الا العدد الاول – عددا مزدوجا ـ في فيفري 1844. وقد تضمنت اعمالا لكارل ماركس وفردريك انجلس التي سجلت الانتقال النهائي لماركس و انجلس نحو المادية و الشيوعية. وتوقف اصدار المجلة  نتيجة اختلافات جوهرية بين ماركس والبرجوازي الراديكالي روج.

[7] -"مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيغل ـ المقدمة". كارل ماركس.

[8] - البرودونية هي اتجاه برجوازي صغير في الاشتراكية معادي للماركسية وتسمى بذلك نسبة لمفكرها الفوضوي الفرنسي جون بيار برودون. فقد انتقد برودون الملكية الكبيرة الراسمالية من موقع برجوازي صغير وحلم بارساء ملكية خاصة= صغيرة. =واقترح انشاء بنوك "الشعب" و "التبادل" يكون بامكان العمال بواسطتها امتلاك وسائل الانتاج وان يصبحوا حرفيين و يضمنوا تسويقا عادلا لانتاجهم. لم يدرك برودون الدور التاريخي للبروليتاريا و ابدى موقفا سلبيا من الصراع الطبقي و الثورة البروليتارية و ديكتاتورية البروليتاريا. و كفوضوي انكر الحاجة الى الدولة. و قد وجه ماركس نقدا حادا لبرودون في عمله "بؤس الفلسفة"

[9] - العصبة الشيوعية هي اول منظمة شيوعية اممية للبروليتاريا بقيادة ماركس وانجلس تاسست في لندن في اوائل شهر جوان 1947. وساعد ماركس وانجلس في وضع البرنامج العملي والتنظيمي للعصبة. فكتبا "بيان الحزب الشيوعي" الذي نشر في فيفري 1848.  كانت العصبة الخليف لجمعية العمال العالمية (الاممية الاولى) التي  تواجدت الى حدود نوفمبر 1852. ولعب زعماؤها البارزين بعد ذلك دورا قياديا في الاممية الاولى.

[10] - اشارة الى الثورة البرجوازية في فرنسا في فيفري 1848.

[11] - اشارة الى  الثورات البرجوازية في المانيا و النمسا التي بدات في مارس 1848.

[12] -"الجريدة الرينانية الجديدة" صدرت  في كولونيا من 1 جوان 1848 الى غاية 19 ماي 1849. وقد اشرف ماركس و انجلس على ادارة الجريدة وتولى ماركس رئاسة التحرير. ووصف لينين "الجريدة الرينانية الجديدة" بانها اروع  و افضل ناطق باسم البروليتاريا الثورية" وبرغم الاضطهاد و العراقيل التي وضعها امامها البوليس دافعت الصحيفة بقوة و ثبات عن مصالح الديمقراطية الثورية ومصالح البروليتاريا. وبسبب  ابعاد ماركس عن بروسيا في ماي 1849 واضطهاد المحررين الاخرين توقفت الجريدة عن الظهور.

[13] - اشارة الى المظاهرة الجماهيرية  في باريس و التي نظمها "المونتاني" ـ حزب البرجوازية الصغيرة ـ احتجاجا على  خرق الرئيس و  الاغلبية في الجمعية التشريعية للاوامر الدستورية التي  وضعتها ثورة 1848. وتم تفريق المظاهرة من قبل الحكومة.

[14] - اشارة الى كراس ماركس "هار فوغت" التي كتبها كرد على  منشور افتراء "سيرورتي ضد جريدة المانية" لفوغت وهو رجل استفزازي بونابرتي.

[15] - كانت "جمعية العمال الاممية الاولى" اول اتجاه عالمي ضم احزاب العمالية من العالم في حزب عالمي واحد موحد.

[16] - الباكونية هي اتجاه يعود الى زعيمها ميخائيل باكونين وهو مفكر للفوضوية وعدو للماركسية والاشتراكية العلمية.

[17] - انظر "العائلة المقدسة"، القسم الثامن، لماركس و انجلز.

[18] -"راس المال"، ماركس وانجلز،المجلد الاول.

[19] - "انتي دوهرينغ"، فريديرك انجلز.

[20] - الغنوصية هي فلسفة مثالية تقر بانه لا يمكن ادراك العالم وان عقل الانسان محدود وليس بمقدوره معرفة ما يتجاوز مملكة الحواس. وللغنوصية اشكال مختلفة: فيقر بعض الغنوصيين بالوجود الموضوعي للعالم المادي ولكنهم ينكرون امكانية معرفته وينكر اخرون بوجود العالم المادي بحجة ان الانسان لا يمكنه معرفة ما اذا يوجد شيء ما خارج حواسنا.

نقد – اطلق كانت هذا الاسم على فلسفته المثالية معتبرا القدرة الادراكية للانسان هي الهدف من تلك الفلسفة. نقدية كانط قادته الى الاقتناع بان عقل الانسان لا يمكنه معرفة طبيعة الاشياء.

الفلسفة الوضعية ـ  نزعة واسعة الانتشار في الفلسفة البرجوازية وعلم الاجتماع. اسسها الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي كونت (1798-1857). يرفض الوضعيون امكانية ادراك النظم والعلاقات الداخلية وينكرون كذلك دور الفلسفة كمنهج للمعرفة وتغيير العالم الموضوعي. فهم يختزلون الفلسفة  في حصيلة من  المعطيات  توفرها مختلف فروع العلم ووصف سطحي لنتائج الملاحظة المباشرة. تعتبر الوضعية نفسها انها "فوق" المادية والمثالية الا انها في الواقع هي ليست الا نوع من المثالية الذاتية.

[21] -"لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية" لفريدريك انجلز.

[22] -"انتي دوهرنغ" لفردريك انغلز.

[23] -"لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية" لفردريك انجلز.

[24] -"انتي دوهرنغ" لفريديرك انجلز.

[25] -"لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية" لفريدرك انجلز.

[26] - انظر "راس المال" لكارل ماركس، المجلد الاول.

[27] -"مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" لكارل ماركس (1859).

[28] - الاستعادة ـ الفترة بين 1814 و1830 في فرنسا عندما كانت السلطة في البوربون واعيدت الى العرش بعد قلب نظام الحكم من قبل الثورة البرجوازية الفرنسية في 1792

[29] - انظر الاعمال الكاملة لماركس وانجلس، المجلد الاول، موسكو 1973، الصفحات: 108-109 و 116 و 117-118.

[30] - نظرية  الاستعمال الجانبي هي نظرية اقتصادية برزت في سبعينات القرن التاسع عشر لتعارض نظرية ماركس عن القيمة. فحسب هذه النظرية يتم تقدير قيمة البضائع حسب  منفعتها وليس حسب كمية العمل الاجتماعي المبذول لانتاجها.

[31] - التشارتية ـ اول حركة ثورية جماهرية للعمال البريطانيين في ثلاثينات واربعينات القرن التاسع عشر. قدم التشاريون عريضتهم للبرلمان تحت اسم  "عقد الشعب" وكافحوا من اجل المطالب الواردة في العقد: الاقتراع العام الغاء اهلية الملكية بالنسبة للمترشحين للبرلمان الخ.  وقد انتظمت اجتماعات ومظاهرات جماهيرية ضمت الملايين من العمال والحرفيين في كامل انحاء البلاد امتدت لسنوات.

[32] - الاشارة هنا الى الانتفاظة الديمقراطية للتحرر الوطني في جمهورية كراكاو  التي وضعت سنة 1815 تحت السيطرة المشتركة للنمسا وبروسيا وروسيا. قام المتمردون بتكوين حكومة وطنية اصدرت بيانا يعلن الغاء الخدمات الاقطاعية ويعد الفلاحين باراض بدون سداد الدين. وفي  بيانات اخرى اعلن عن انشاء ورشات وطنية باجور عالية وادراج حقوق متساوية لجميع المواطنين. الا ان الانتفاظة قمعت بسرعة.



المصدر: موقع الافق الاشتراكي




قراءآت اخرى (كتب مدرسية في شرح النظرية الماركسية الكلاسيكية) :


القضايا الاساسية للماركسية / بقلم جورج بليخانوف

عرض موجز للمادية الديالكتيكية / بقلم بودوستنيك وياخوت

المادية الديالكتيكية و المادية التاريخية / بقلم جوزيف ستالين

الف باء الشيوعية / بقلم نيكولاس بوخارين و بريوبراجنسكي

اسس الفلسفة الماركسية / بقلم جورج بوليتزر و جي بيس و موريس كافين / الجزء الاول   (بصيغة word) ؛ (بصيغة pdf) 

اسس الفلسفة الماركسية / بقلم جورج بوليتزر و جي بيس و موريس كافين / الجزء الثاني  (بصيفة word) ؛ (بصيغة pdf)