ضد الجمود العقائدي


مقدمة ضد الجمود العقائدي

نأتي هنا الى التطرق لداء الشيوعيين المزمن والذي كان سببا في هزيمتهم التاريخية النكراء وانهيار تجربتهم الكبرى في الاتحاد السوفيياتي اضافة الى اوربا الشرقية. وكبداية نود ان نعرف الجمود العقائدي فماذا نعني بهذا المصطلح؟

الجمود العقائدي يعني قبول الشخص للمعتقد او الفكر او المبدء او النظرية بالصيغة التي وضعت بها عند طرحها لاول مرة من قبل واضعيها او كما كانت عليه صيغتها عند تلقيها من قبل ذلك الشخص والتعامل معها على انها حقيقة ثابتة وصحيحة بنسبة 100% لا تتغير بتغير الزمان والضروف واعتبارها قانون يصلح تطبيقه في أي زمان ومكان ورفض اجراء أي تغير عليها. هذا بصورة عامة وبالنسبة للشيوعيين فانها تعني - على ذلك - قبول الشيوعي للنظرية الماركسية بالصيغة التي وضعت بها من قبل ماركس او أنجلس او لينين او غيرهم من منظري الماركسية ، او كما كانت عليه صيغتها عند لحظة تلقيها من قبل ذلك الشيوعي واعتبار النظرية (بهذه الصيغة) حقيقة ثابته مطلقة الصحة لا يشوبها أي خطأ ، تصلح للتطبيق في جميع الظروف والازمنة ورفض اجراء أي تعديل عليها وما ينتج عن ذلك من تقديس للنظرية الشيوعية وتحويلها بالتالي الى دين بدل ان تكون ادات لتغير المجتمع

  هذا هو الجمود العقائدي

نأتي الآن الى تحليل هذه الظاهرة واسبابها ونتائجها

لنأتي الى الأسباب اولا : هل تحتوي النظرية الشيوعية في طياتها على ما يبعث حصول الجمود العقائدي؟ للأجابة عن ذلك يجب ان نعرف اولا مع من تتفق ظاهرة الجمود العقائدي في طبيعتها : مع الاسلوب الديالكتيكي ام مع الاسلوب الميتافزيكي؟ الجواب بالطبع مع السلوك الميتافزيكي ذلك ان الجمود العقائدي يعني الايمان بالحقائق والصيغ الثابتة ورفض التغير وهذا بالضد من طبيعة النظرية الشيوعية التي تؤمن بالصيرورة والتغير المستمر كونها نظرية ديالكتيكية. اذن فظاهرة الجمود العقائدي لا تنبع من جذر في الفكر الشيوعي مطلقا. اذن هل يرجع سببها الى قصور في عقلية القادة الشيوعيين الذين ظهروا بعد لينين؟ للأجابة على ذلك يجب ملاحظة ما يأتي

اولا: ان ظاهرة الجمود العقائدي لا تشمل القادة الشيوعيين فحسب بل الشيوعيين على وجه العموم من القاعدة الى القمة من اصغر محرض في الحزب الى امينه العام

ثانيا: ان الجمود العقائدي لا يشمل حزب واحد او مجموعة من الاحزاب وانما هو ظاهرة يتجسد ظهورها جليا واضحا في معظم الاحزاب الشيوعية

ثالثا: ان ظاهرة الجمود العقائدي مستمرة عبر اجيال عديدة من تاريخ الأممية الشيوعية ابتداءا من وفاة لينين العظيم والى يومنا هذا فقد ظلت حتى بعد وقوع مأساة الأنهيار وسقوط الأممية الشيوعية - والتي يفترض ان تكون حافز قوي جدا للوقفة مع النفس وتصحيح الأخطاء - مما يعكس مدى تجذر هذه الظاهرة في سلوكية الشيوعيين

رابعا: ان القادة التاريخيين للحركة الشيوعية الذين تولوا مقاليد الامور بعد وفاة لينين العظيم والذين كانوا رمزا للجمود العقائدي من امثال ستالين وتروتسكي وزينوفيف وكامنيف وبوخارين لم يكونوا ابدا على مستوى ادنى من الفهم او الذكاء فكلهم من ذوي الملكات العقلية الفذة والتي تأهلهم لأحتلال منزلة العباقرة. فستالين مفكر عسكري فذ ومبدع في النظرية وعلى ارض الواقع فهو من هزم جيوش هتلر. واذا كانت كتابات لينين وتروتسكي والآخرين تتخذ شكل مجلدات ضخمة في حين ان تراث ستالين النظري يتخذ شكل كتيبات صغيرة فأننا نجد في هذه "الكتيبات الصغيرة" ما يغنينا عن قراءة الكثير من المجلدات ... وفي بعض منها كالمادية الديالكتيكية والمادية التاريخية نجد ستالين يعطينا فيها ما هو جديد ويصحح ما هو خاطيء بالأضافة الى الاستعراض الشامل للموضوع عاكسا بذلك بلاغة المؤلف المتأتية منطقيا من ضرورة فهمه للنظرية وتمرس فيها

اما تروتسكي فرغم شططه الفكري الا اننا نجد فية العقلية العسكرية الفذة فهو وزير دفاع ثورة اكتوبر العمالية الاشتراكية العظمى ومؤسس الحرس الأحمر العمالي-الفلاحي المجيد ومؤسس الجيش الأحمر السوفيياتي وهو فوق هذا كله مؤسس الديمقراطية العمالية التي تمثل القيم العليا السامية للماركسية التي قامت من اجلها الثورة الروسية فهو من ابدع نمط السلطة السوفياتية وليس لينين وهو من لفت نظر لينين الى اهميتها واصر عليه لان يدخلها في برنامج الأممية الشيوعية. وقد وصفه لينين ب: عقل الثورة السوفيياتية العسكري. وتمتاز عقيدته رغم خطأها بكونها كل واحد ملتحم يسوده التجانس الداخلي وفي ذلك دليل على امتلاك تروتسكي لملكات عقلية متقدمة

وكذا الحال بالنسبة للآخرين عند التمحيص في سيرهم وتراثهم النظري

ينتج من ذلك ان الجمود العقائدي لا يمكن بأي حال من الأحوال ان يعزى الى انعدام في الموهبة والقدرة على الابداع لدى الشيوعيين بنتيجة من قصور ذاتي في ملكاتهم العقلية ... والشيوعيين على وجه العموم يوصفون بانهم مثقفين ومفكرين

اذا فما هو سبب الجمود العقائدي وما هو سر تجذره في دماء الشيوعيين وعظامهم؟

ان الجمود العقائدي كما يرى الصوت الشيوعي نابع من خلل سلوكي في الحركة الثورية والثوريين يتمثل بسلوكية تقديس القائد او الزعيم والتي عبرت عن نفسها فيما بعد بممارسة عبادة الفرد التي سوف نناقشها في مقالة مستقلة. ان تقديس المنظر او القائد مثل ماركس او لينين وأعطائهم منزلة الألوهية من خلال التعامل معهم كأنبياء هو العلة المسببة لهذا الداء العضال.ان تقديس المنظر او القائد ليس له أي علاقة باحترام الزعيم والذي هو واجب اخلاقي يجب على الثوري الحقيقي ان يلتزم به ، فالاحترام شيء والتقديس شيء آخر فأن احترم ماركس شيء وأن أتخذ منه صنما يعبد شيء آخر لا علاقة له بالأول. ان احترام الزعيم من واجبات الثوريين وهو من تقاليد أي حركة ثورية فما بالك بالحركة الشيوعية التي تمثل اعلى مرحلة في الحركة الثورية عبر تاريخ الأنسانية ، وهو لا يشتمل على ما يناقض الطريقة الديالكتيكية ، اما التقديس فهو على النقيض من ذلك لا يتفق مع الطريقة الديالكتيكية بل ، على العكس من ذلك يتفق مع الطريقة الميتافيزيقية كونه شكل من اشكال التعبير عن الاعتقاد بالثبات وعدم التغير سواء عن وعي او من دون وعي. فاعطاء قدسية للشخص يؤدي الى منحه هو ومقولاته نوعا من السمو على التغير في الزمان والمكان كما يفعل رجال اللاهوت بتقديسهم للرموز الدينية. فرجال الكنيسة بتقديسهم للمسيح يعطون شخصه - وبالتالي تعاليمه - سمو على الزمان والمكان والتغير فيهما وبالتالي يحولونه الى صنم ويمسخون فكره وهذا ما يفعله الشيوعيون مع ماركس وأنجلس ولينين وعقيدتهم ( الماركسية-اللينينية ) للأسف الشديد. فهم يحولون ماركس وأنجلس ولينين الذين كرسوا حياتهم لمحاربة الأنبياء وفكرهم وفكرة النبوة ، يحولونهم الى أنبياء وبالتالي الى ايقونات ويختزلون الماركسية الى منظومة فكرية جامدة ليس لها علاقة بالواقع او بحياة الناس ويحولون الحزب الشيوعي الى أشبه ما يكون بطائفة من الطوائف الدينية الصغيرة متسببين في عزله عن المجتمع من خلال فصل عمله عن واقع الجماهير. ان الفرق بين الاحترام والتقديس هو ان الاول لا يشتمل على رفض احتمالية وقوع القائد في الخطأ بعكس الثاني الذي يؤدي الى رفض فكرة ارتكاب الزعيم لأخطاء. وهنا نريد ان نذكر حقيقة وهي ان ممارسة عبادة الفرد التي ظهرت في صفوف الحركة الشيوعية بعد وفاة لينين كنتيجة - في جزء منها - لسلوكية تقديس الزعيم ليست سببا لظاهرة الجمود العقائدي وإلا كيف نفسر غياب هذه الظاهرة في صفوف حزب العمل الكوري الذي يمارس عبادة الفرد ويطبقها بصورة منهجية منذ عقود طويلة من الزمن؟ وكيف كان له أن يطور - او يغير - الكثير من نظريات الفكر الشيوعي ويبدع بدلا عنها نظريات اخرى؟ وكيف كان لهذا الحزب ان ينجح في المزاوجة بين النظرية الماركسية والعلم الحديث بصورة مبدعة من دون ان يحدث شرخا يذكر في جوهرها الثوري؟ ان عبادة الفرد ليست سبب الجمود العقائدي رغم كونهما ناشآن من اصل واحد هو سلوكية تقديس الزعيم

*******************************************

نأتي الآن لنتائج الجمود العقائدي وما ادى ويؤدي اليه

اولا: ادى الجمود العقائدي الى تحويل الشيوعية الى دين ورموزها العظام من ماركس وانجلس ولينين الى اصنام

ثانيا: حرمان النظرية الشيوعية من التطور وملاحقة ركب التقدم الحاصل في العلوم العقلانية وبالتالي اصابتها ب (( المحدودية التاريخية )) كما يصف كيم جونغ إل وبالتالي توقفها عن ان تكون نظرية علمية بسبب ما تراكم عليها من اخطاء بفعل الزمن وطبيعة الكون في استمرارية التغير

ثالثا: عدم تكيف النظرية الشيوعية للظروف الزمانية والمكانية الخاصة بكل امة وكل عصر واعتماد الصيغ الجاهزة بنسخ تجارب الآخرين كما هي وعلى الاخص التجربة الروسية واعتبارها المثل الواجب اتباعه في كافة البلدان وجميع الازمان وما نتج عن ذلك من قصور النظرية الشيوعية وعدم فاعليتها في الكثير من البقاع بسبب عدم تكيفها للضروف الموضوعية لذلك البلد او لتلك الحقبة واستعمال صيغ تصلح حلولا لظروف اخرى كونها وليدة امم اخرى وعهود سابقة. لقد ادى ذلك الى فشل العديد من الاحزاب الثورية ومنها على سبيل المثال لا الحصر فشل الحركة الشيوعية في ايران حيث عمل الشيوعيون الايرانيون على نسج البرنامج الروسي دون مراعات لضروف الامة الايرانية وخصوصياته

رابعا: افساح المجال وفتح الباب على مصراعية للتحريفية لتهاجم ثوابت الشيوعية (والتي تمثل المطلق الصحيح في الفكر الشيوعي) مستغلين الضعف العام الذي تعاني منه النظرية الشيوعية والمتاتي من تخلف النسبي فيها بسبب عدم تطويرها وصقلها وتصحيح الاخطاء المتأتية من تقادم الزمن وعدم تكيفها للضروف الموضوعية ، مدعين ان ذلك دليل على خطأ ثوابت الشيوعية. فالتحريفية هي نتيجة استفحال آفة الجمود العقائدي وهذه الأخيرة هي السبب الرئيسي للأولى والذي من دونه لا تعمل باقي مصادر التحريفية عملها بصورة فعالة. لذا فمحاربة الجمود العقائدي (ومعه تقديس الزعماء والقادة ، من دون التوقف عن احترامهم) هو الأساس في الكفاح ضد التحريفية وحجر الزاوية في هذه المهمة التي يتوقف عليها مصير الحركة الثورية ومستقبل الأنسانية جمعاء

===============

مقالات اخرى ضد الجمود العقائدي