التعديل الدستوري من وجهة النظر الحزبية

يرتكز مشروع إصلاح الدستور المغربي الذي أعلن عنه الملك المغربي محمد السادس في خطابه في 9 مارس 2011 على سبع نقاط أساسية نصت على ضمان دسترة الأمازيغية، وتقوية دولة الحق والقانون، وضمان استقلالية القضاء، ودعم مبدأ فصل وتوازن السلط (مع التنصيص على مبدأ تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي الأول في الانتخابات مع تقوية صلاحياته)، وتقوية آليات تأطير المواطنين، وآليات تخليق الحياة العامة، ودسترة الهيئات المعنية بالحكامة، وحقوق الإنسان، وحماية الحريات

بيد أن هذا الإصلاح المرتقب لن يمس "ثوابت" الأمة التي أكد العاهل المغربي أنها "محط إجماع وطني وهي الإسلام، إمارة المؤمنين، النظام الملكي والوحدة الوطنية والترابية للمملكة".

وفي أولى الإشارات الدالة على رغبة النظام المغربي في تجسيد هذا التعديل الدستوري، سارع الملك إلى تنصيب اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور برئاسة الخبير القانوني عبد اللطيف المنوني مع التأكيد على أن هذا  المسلسل سيجري بتشاور وثيق مع جميع القوى الحية في البلاد، خاصة الأحزاب السياسية، والنقابات، وهيئات المجتمع المدني، بما فيها الممثلة للشباب. ويتعين على اللجنة الانتهاء من أشغالها بحلول شهر يونيو 2011 حيث سيتم عرض "مشروع الدستور الجديد على الاستفتاء الشعبي"، من دون أن يُحدد موعد هذا الاستفتاء.

وإلى حدود كتابة هذه السطور فإن أبرز الأحزاب السياسية كشفت عن مذكراتها المرفوعة إلى اللجنة المكلفة بتعديل الدستور والمحملة بحلول لتجاوز مختلف أعطاب تدبير المجال العام في المغرب، وبذلك أصبح "مشروع الدستور الجديد يمتلك أسس الارتكاز قصد صياغة وثيقة دستورية تعيد توزيع السلط وتحقق التوازن فيما بينها لصيانة مجال الانتقال نحو الديمقراطية الحقة.

1.     التوزيع الديمقراطي للسلط بين المؤسسة الملكية والحكومة والبرلمان، مع تضمين الدستور كل ضمانات الانتقال الديمقراطي

يعتبر الحكم بالمغرب مبنيا على نص دستوري يختل فيه مبدأ التوازن بين السلط ويتكرس من خلال الارتكاز على مقاربة الحكم السلطوي في تدبير ملفات السياسة والثقافة والقيم والاقتصاد. ومن هذا المنطلق، انحصر الإجماع الحزبي في جوهره على ضرورة إعادة التوزيع الديمقراطي للسلط بين المؤسسة الملكية والحكومة والبرلمان، مع تضمين الدستور كل ضمانات الانتقال الديمقراطي.

دور المؤسسة الملكية

تعتبر المؤسسة الملكية المؤسسة الدستورية المهيمنة في النظام السياسي والدستوري المغربي من خلال كل الدساتير التي عرفها المغرب المعاصر. ومن أبرز فصول دستور 1996 المتعلقة بالمؤسسة الملكية نشير إلى الفصل 19: الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها. وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات. وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة. ثم هناك الفصل 23: شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته.

ولتلافي ارتكاز السلطة في يد الملك فإن المذكرات الحزبية المرفوعة إلى اللجنة المكلفة بتعديل الدستور اتفقت على وجوب تمتيع البرلمان والحكومة بصلاحيات واسعة والارتقاء بالقضاء إلى مرتبة سلطة مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية وذلك لتحقيق نوع من التوازن في فصل السلطات. غير أن صياغة هذا المضمون عرفت نوعا من الاختلاف بين بعض الأحزاب حيث أن الحزب الاشتراكي الموحد يرى أن جميع المؤسسات معنية بفصل السلطات على مستواها وأنها معنية أيضا برقابة القضاء الدستوري المستقل. أما مذكرة الاتحاد الاشتراكي فترى أن الهدف الأسمى من مقاربة تقوية الحكومة والبرلمان هو إحداث التوازن الضروري بين مختلف السلط وجعل مبدأ فصل السلط مرتكزا لاشتغالها المتكامل والمتجانس. وفيما تذهب مذكرات التجمع الوطني والأحرار والاستقلال إلى أن صلاحيات أوسع للحكومة والبرلمان كفيل بترسيخ مبدأ الفصل في إطار التكامل، ويرى حزب العدالة والتنمية من خلال التوجه الرابع المتضمن في مذكرته أن ديمقراطية قائمة على فصل السلط وضمان التوازن بينها يتجلى أساسا من خلال برلمان ذو مصداقية بصلاحيات واسعة وحكومة منتخبة ومسؤولة. فالمطلوب إذن إعادة توزيع ديمقراطي للصلاحيات بين مجموع مكونات النظام الدستوري المغربي.

اختلاف حزبي في درجة وعمق صلاحيات مؤسسة الوزير الأول

رغم إجماع مذكرات الأحزاب السياسية على أولوية توسيع صلاحيات الحكومة، ودسترة مؤسسة الوزير الأول، وتمتيع الوزير الأول بصلاحيات واسعة مع وجوب تعيينه بناء على نتائج الانتخابات التشريعية العامة وذلك من الحزب الفائز بالرتبة الأولى في انتخابات مجلس النواب. إلا أنها اختلفت في حجم هذه الصلاحيات.

هذا الاختلاف يمكن تجزيئه إلا عدة اتجاهات:

الاتجاه الأول: يضم أساسا أحزاب الاستقلال والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والذي يطالب بربط أي حديث عن صلاحيات الوزير الأول بصلاحيات المؤسسة الملكية وبالثقافة السياسية الرائجة. وبالتالي فإن هذا التوجه يرمي إلى توسيع صلاحيات الوزير الأول والحكومة دون المساس بمجمل الصلاحيات الممنوحة للملك في دستور 1996.

الاتجاه الثاني: بالمقابل يعتبر الفريق الثاني والمتكون من الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أن الوصول إلى مبدأ فصل السلط و تحقيق التوازن فيما بينها يعني تمتيع الحكومة والوزير الأول بصلاحيات أوسع، منها اعتبار الوزير الأول رئيسا لسلطة تنفيذية فعلية يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة والمؤسسات العمومية، أيضا تمتيعه بحق التعيين في المناصب العليا المدنية واقتراح تعيين الوزراء .

أما في الاتجاه الثالث، فإن حزب العدالة والتنمية اقترح إلغاء مجلس الوزراء، وتمتيع مجلس الحكومة بمهام جديدة، مع إحداث مجلس أعلى للدولة يمارس الاختصاصات السياسية التي تحدد مصير الأمة.

إجماع على توسيع اختصاصات البرلمان الرقابية والتشريعية

هناك إجماع من قبل الأحزاب السياسية على ضرورة تمتيع المؤسسة التشريعية بجيل جديد من الصلاحيات والاختصاصات في إطار السعي لتحقيق التوازن بين السلط. الاختلاف بين مذكرات الأحزاب بهذا الخصوص يتعلق بحجم الصلاحيات وطبيعتها.

وتؤكد مختلف القراءات أن تحقيق فعالية المؤسسة التشريعية من أجل إرساء قواعد التوازن والضبط بين السلط هو الكفيل بتكريس مبادئ الديمقراطية الحقة. لذلك، فإن استعادة مصداقية البرلمان يتم بتوسيع الاختصاصات والصلاحيات الكفيلة بالمراقبة المستمرة لأداء الجهاز التنفيذي، وكذا انبثاق المؤسسة من انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تشارك فيها كل الحساسيات المجتمعية.

غير أن بعض الأحزاب ذهبت أبعد من ذلك، حيث اقترحت مذكرة الحزب الاشتراكي الموحد أن يكون البرلمان هو وحده الذي يجب أن يمارس سلطة التشريع. بالمقابل نبهت مذكرة حزب الاتحاد الاشتراكي على ضرورة توسيع صلاحيات مجلس النواب ليشمل النظر في مدونة الأسرة والعفو العام والتعهدات المالية للدولة والقروض الكبرى، وكذلك تقوية أدواره الرقابية. أما مذكرة العدالة والتنمية فقد نصت على أن تشكيلة مجلس المستشارين يجب أن تخضع لتمثيلية الجماعات الترابية بكل مستوياتها لترسيخ اختيار اللامركزية من جهة، ومن جهة أخرى اقترحت هذه المذكرة أن يتم انتخاب أعضاء هذا المجلس على مستوى الجهات على أساس التمثيلية بين الدوائر الانتخابية بما لا يتجاوز 30 بالمائة من أصوات الناخبين المسجلين. واقترحت المذكرة أيضا وجوب فقدان العضوية بالمجلس لكل برلماني يغير انتماءه السياسي مع دسترة وضعية المعارضة والتخفيف من قيود تشكيل لجان التقصي وإمكانية الاستجواب وإقالة أي وزير.

 

اختلاف حول من يترأس المجلس الأعلى للقضاء

لا يرتقي القضاء في المغرب بموجب دستور 1996 إلى سلطة، كما أن تركيبة واختصاصات المجلس الأعلى للقضاء ظلت من الأعطاب التي ظلت تعاني منها الوثيقة الدستورية الحالية.

لقد حصل اتفاق بين مذكرات الأحزاب السياسية على الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وكذا ضرورة إعادة النظر في تركيبة المجلس الأعلى للقضاء. غير أن هذه المطالب تباينت حول صلاحيات وتركيبة المجلس الأعلى للقضاء. التوجه الأول أقر بضرورة الاحتفاظ بتركيبة المجلس الأعلى للقضاء كما هو معمول به حاليا. توجه ثان قال بإعادة النظر في التركيبة مع الإشارة إلى أن الملك هو الذي يترأس المجلس دون أي تفويض ( مذكرة التقدم والاشتراكية مثلا) . الاتحاد الاشتراكي يذهب إلى ضرورة النص على أن الملك هو رئيس المجلس مع إعادة النظر في تركيبته ليشمل رئيسا بالنيابة يعينه الملك من بين شخصيات من خارج مجال القضاة.

أما حزب الاشتراكي الموحد فيذهب إلى التأكيد على أن " يتوفر القضاة على مجلس أعلى خاص بهيأتهم، يسيرونه وحدهم وبأنفسهم، ويتولى تدبير كل أمور الترقية والتأديب والبث في شؤون مهنتهم، وتسند فيه الرئاسة بالانتخاب إلى أحد القضاة". ويرى حزب الاستقلال ضرورة دسترة اعتبار السلطة القضائية تعاقدا دستوريا على الجميع احترامه أفرادا وجماعات وهيآت ومؤسسات وإدارة، واعتبار المجلس الأعلى للقضاء برئاسة الملك هو الضامن لاستقلال القضاء.

ولتحقيق استقلال القضاء وفعاليته ونزاهته يرى حزب العدالة والتنمية ضرورة إعادة النظر في تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء مع إسناد رئاسة المجلس إلى الرئيس الأول للمجلس الأعلى. وتؤد عدد من المذكرات على ضمان حرية التنظيم، واعتبار القانون الأساسي لرجال القضاء قانونا تنظيميا. لكن حزب العدالة والتنمية ينفرد من بين المذكرات بالحديث عن إقرار الإشراف القضائي على الانتخابات، مع ذكره ضرورة التنصيص على مدونة أخلاقيات القضاء باعتبارها وثيقة مرجعية في نزاهة القضاء ومكافحة الفساد.

Comments