رياض السنباطي 1906 - 1981 Riyad Al-Sunbati

رياض السنباطي .. فنان موسيقي وملحن من الدرجة الأولى

قدم خلال حياته أرقى ما يمكن من كلاسيكيات الموسيقى العربية ، وحفر اسمه فى سجل الخلود الفني مع كبار الموسيقيين والملحنين بموهبته ومجهوده وإخلاصه .ولد رياض السنباطي في 30 نوفمبر 1906، ورحل عن عالمنا في 9 سبتمبر 1981 تاركا ثروة فنية عظيمة

اقترن اسم السنباطي باسم أم كلثوم وبتلحين القصائد وهو أبرع من لحن القصيدة ومن ألحانه كان أفضل ما غنته كوكب الشرق ، وإليه ينسب الفضل فى انتشار قصائد عربية عظيمة لم تكن لتنتشر لولا ألحانه ، كما اشتهر بالألحان الرومانسية العذبة التى لحنها لأم كلثوم من كلمات فارس الرومانسية الغنائية أحمد رامي

احتفظ السنباطي بمكانة عالية فى سماء الفن طوال عمره الفني واستمر عطاؤه حتى السبعينات من القرن العشرين

ورياض السنباطي فنان موهوب بلا شك لكنه محظوظ أيضا!، فقد ولد لأب فنان عام علمه بنفسه مبادئ الموسيقى والعزف على العود في مدينة المنصورة ونشأ فى رعايته الفنية ، وهو بهذا يختلف عن معظم الرواد الموسيقيين الكبار الذين عانوا الكثير بسبب رفض أسرهم اشتغالهم بالفن ، بل مجرد هوايته! ويشترك فى ذلك مع محمد القصبجي الذى كان والده موسيقيا ، لكن هذا لم يكن وجه الاشتراك الوحيد مع محمد القصبجى كما سيتضح لنا فيما بعد

بدأ رياض التجريب مبكرا كمطرب فعرف بأدائه الرائع وكان معجبا بألحان محمد القصبجي فحفظ له الكثير ثم انتقل رياض إلى القاهرة والتحق بمعهد الموسيقى   

عام 1936 أول ألحان رياض لأم كلثوم
على بلد المحبوب

ابتسم الحظ لرياض السنباطي عندما التقطته أم كلثوم لنفسها ملحنا وكان قد بدأ يلحن لبعض المطربين والمطربات، وحتى ذلك الوقت لم يكن قد لحن لأم كلثوم غير بضعة ملحنين أهمهم محمد القصبجي وزكريا أحمد وهم من فطاحل الموسيقى فكان السنباطي أصغرهم سنا. وحققت أول أغنية لحنها لها "على بلد المحبوب" مقام بياتي، من كلمات أحمد رامي،  نجاحا كبيرا. ومنذ ذلك الوقت اقترن اسمه باسم أم كلثوم، واستمر حتى بلغت ألحانه لها أكثر من 90 أغنية على مدى ما يقرب من أربعة عقود آخرها الثلاثية المقدسة عام 1972 وهو بذلك صاحب أطول قائمة ألحان لأم كلثوم بين جميع من لحنوا لها 

كون السنباطي فى هذه الرحلة مع أم كلثوم وأحمد رامي الذى اقترن اسمه باسمها أيضا، ثالوثا فنيا هز مشاعر الملايين في العالم العربي  

عام 1937 افرح يا قلبي

وبعد بضعة أعمال لأم كلثوم حقق رياض نجاحا أكبر مع أغنية افرح يا قلبي مقام نهاوند من كلمات أحمد رامي أيضا وإن ظهر فيها تأثره بأسلوب الأستاذ القصبجي

افرح يا قلبي - أم كلثوم - كلمات أحمد رامي

عام 1938 سلوا كئوس الطلا

 كان قد سبق لرياض تلحين قصيدتين من شعر أحمد شوقي لأم كلثوم لكن "سلوا كئوس الطلا"، مقام هزام، كان لها حظ أوفر من النجاح ، وفى نفس العام قام بتلحين بضع أغنيات لأم كلثوم من شعر أحمد رامي لاقت نجاحا كبيرا أشهرها أغنية الورد فتح مقام بياتي ، ومونولوج النوم يداعب جفوني مقام كورد

عام 1939 فاكر لما كنت جنبي

تابع رياض ألحانه لأم كلثوم فلحن لها أول أغنية طويلة هي فاكر لما كنت جنبي، مقام بياتي، من كلمات أحمد رامي، ورسم بها ملامح شخصية مستقلة في التلحين. وظلت هذه الأغنية تذاع باستمرار قرابة ربع قرن دون أن يملها الجمهور، وظلت الصورة التي صورها بالشجن الشديد في بداية الأغنية ثم في كلمات الموجة بتجري ورا الموجة عايزة تطولها عالقة بأذهان الناس لفترة طويلة

فاكر لما كنت جنبي - أم كلثوم - كلمات أحمد رامي

عام 1940 يا ليلة العيد

شهد نفس العام مولد أغنية أم كلثوم الشهيرة يا ليلة العيد آنستينا وجددتى الأمل فينا على يد رياض السنباطى من كلمات رامى، وقد صاحب إعلان ظهور هلال العيد إذاعة تلك الأغنية كل عام ، وباتت من علامات الاحتفال بمقدم العيد ، بعدها بثلاث سنوات أبدع الشيخ زكريا أغنية الليلة عيد (حبيبى يسعد أوقاته) من كلمات بيرم التونسى وأصبحت الأغنيتان من علامات احتفالات العيد كل عام وهما أول شيء تذيعه الإذاعات العربية بعد إعلان رؤية الهلال ، بل أصبحتا دليل الناس على ثبوت الرؤية ، وتضيف ألحانها البديعة بهجة خاصة لليلة العيد ، وهما لا تذاعان الآن إلا فى هذه المناسبة وينتظر سماعها الناس لتبدأ التهانى ، وبهما خط السنباطى وزكريا خطوطهما فى الوجدان العربى ونجحا فى كسب تعلق الجمهور

فى السنوات التالية انشغلت أم كلثوم بعدة أغان غاية فى الثراء للشيخ زكريا من أشعار بيرم التونسى ، وخلال الأربعينات كان على رياض منافسة ذلك العملاق، الملحن الذى يخشاه الجميع، الشيخ زكريا الذى بلغت ألحانه لأم كلثوم قمة الشرقية والطرب، وكان قد كون مع بيرم التونسى ثنائيا عبقريا وتميزت أعمالهما بغوصها فى أعماق الفولكلور والجذور الشعبية للموسيقى ذات التأثير البالغ فى قلوب الناس وتكفى الإشارة هنا إلى بضع من أعمالهما لأم كلثوم، أنا فى انتظارك، الآهات، حبيبى يسعد أوقاته، أهل الهوى، الأوله فى الغرام، الأمل، الحـلم، وهى مجموعة من أروع ما لحن زكريا

كما كان عليه منافسة عملاق آخر هو أستاذه محمد القصبجى الذى أتحف الشرق برائعته رق الحبيب لأم كلثوم عام 1941

عام 1946 عام القمـــة
بداية الرومانسيات الطويلة و القصائد الكبرى

شهد ذلك العام مولد أغنيتين شهيرتين لأم كلثوم من كلمات أحمد رامى على يد رياض السنباطى هما يا طول عذابى ، و غلبت اصالح فى روحى التى رد بها السنباطى على رائعة القصبجى رق الحبيب من نفس المقام، نهاوند، ويبدو أننا كنا سوف نشهد مسلسلا رائعا من الألحان المتنافسة بين الملحنين الكبيرين لولا توقف القصبجى عن التلحين لأم كلثوم بعدها إثر خلاف بينهما  

أرست هذه الأغنية قدمي السنباطى في تلحين الأغنيات العاطفية الطويلة وأصبح له كلمة عليا فيه، بل أصبحت ألحانه العاطفية لأم كلثوم ذات طابع خاص اتسم بالشرقية الأصيلة والمحافظة على الأصول العربية للموسيقى مع جمال اللحن وحداثة تراكيبه، رددها الناس كثيرا وحفظوها عن ظهر قلب على طولها! وكانت بداية سلسلة طويلة من الأغنيات العاطفية التى شحنها الشاعر الرقيق أحمد رامى بكل رومانسيات الشباب وأحلامه ورقة شعوره وحلق الاثنان فيما بعد فى سماء الرومانسية دهرا طويلا بل إن أم كلثوم ظلت لا تغنى إلا لهما ما يربو على العشر سنوات

القصائد الكبرى: ولد الهدى ، سلوا قلبى ، نهج البردة

 ابتسم الحظ مرة ثالثة لرياض السنباطى عندما اهتدى إلى شيء جديد يقدمه لأم كلثوم ، فقد وارى قليلا أغنياته الرومانسية وقفز قفزة هائلة بقصائد طويلة من أروع ما كتب شوقى هى سلوا قلبي (راست)، نهج البردة (هزام)، عام 1946 وأتبعهما بقصيدة "ولد الهدى" (راست) عام 1949 

سلوا قلبي - أم كلثوم - شعر أحمد شوقي 1946

ظهرت في تلك القصائد روح جديدة فى الأغنية العربية تميزت بالأصالة والجدية والتجديد ونالت إعجاب المستمع العربى فىيكل مكان. هنا أصبح رياض ملحنا كبيرا بحق وشتان بين هما قدمه فى هذه القصائد وما قدمه قبل ذلك. وأضاف شعر شوقى بعدا جديدا هو الجمهور العربي خارج مصر الذى تعلق بالقصيدة العربية. ولا ننسى هنا أن الأفق العربي كان قد ارتاده محمد عبد الوهاب ملحنا ومطربا بقصائد شوقي وغيره. والتنافس بين قمتي الغناء عبد الوهاب وأم كلثوم يحتم عليهما ارتياد نفس الساحات والميادين، ولا شك أن نتيجة هذا التنافس كانت في صالح الفن عموما كما أنها أثرت الوجدان العربي بما كان يتوق إلى التعبير عنه بعد عهود طويلة من سيادة الثقافات الغريــبة. وكما يقال فإن الشعر يظل حبيس الكتب إلى أن يغنى فيعرفه من يقرأ ومن لا يقرأ، فإذا علمنا أن أكثر من 90% من الشعوب العربية كانوا أميين ندرك أهمية ما فعله الفنانون سواء ملحنون أم مطربون فى نشر الثقافة العربية ومساعدتها على تملك الشعور العام 

وهكذا فإن دور السنباطي فى هذا المجال لا يقل عن دور محمد عبد الوهاب تلميذ شوقي ووسيلته الإعلامية الأولى، ولا يقل دور الاثنين، وأم كلثوم أيضا، عن دور شوقي نفسه وبقية الشعراء الكبار الذين أثروا عصر النهضة بأشعارهم. وكان عبد الوهاب لا يكتفي بإنشاد قصائد مثل دمشق وفلسطين وإنما كان يجوب البلاد العربية بنفسه ويشارك الأمة كلها في إعلاء ثقافتها. ولا عجب في أنه قبل ذلك الحين لم يكن هناك فن حديث يذكر في أي من بلاد العرب، ولم يبق لدى الناس غير بعض الفن الشعبي المحلي بلهجات غارقة في المحلية، وبعض الموشحات الأندلسية القديمة والابتهالات الدينية

وإنه لعجب حقيقي أن مثل هذا الدور يقوم به أفراد، مهما بلغوا من شأن فهم أفراد لا يمثلون كيانا سياسيا ولا حكومات ولا منظمات ولا حتى جمعيات أهلية أو أجهزة إعلام، فقط أفراد لكنهم تمتعوا بحس عربي عال وجعلوا الموسيقى العربية تحمل لواء نهضة ثقافية يشك فى بلوغها دونها. وربما من المناسب هنا أن نذكر أنفسنا بأن محاولات طمس الفنون هي محاولات رجعية لا ينتج عنها سوى الجهل والتخلف والتبعية للغير تركياً كان أم أمريكياَ، وليس لها من دور سوى طمس هويات الشعوب ودفن وجدانها تحت أقدام الهيمنة الخارجية فيصبح أفرادها أمواتا وإن أكلوا وشربوا وتنفسوا، أو عبيدا للغير فى أحسن الأحوال !

عودة إلى الفنان رياض السنباطي نجد أنه، وبمساعدة توفيق أم كلثوم في اختياراتها الذكية لما تقدمه من أشعار راقية وقد وجدت فيه الملحن الموهوب الذي يستطيع تطويع الشعر العربي للحن والموسيقى بحيث يردده الناس وكأنهم يستخدمون لهجاتهم اليومية، قد عهدت إليه بمهمة تلحين القصائد

عام 1947 يبتسم الحظ ابتسامته الكبرى لرياض السنباطي، فقد اختلفت أم كلثوم مع كل من القصبجي وزكريا وتوقف كلاهما عن التلحين لها، وبذلك أصبح رياض الملحن الوحيد لأم كلثوم بلا منافس!

لكن كان عليهما معا منافسة الأستاذ القابع فوق القمة، محمد عبد الوهاب. كان عبد الوهاب ملحنا ومطربا ولم تكن هناك فرصة لخلافه إلا مع نفسه، وهو يسير كالقاطرة لا يوقفه شيء. وهكذا وجد السنباطي نفسه وجها لوجه في مباراة مع الأستاذ الكبير. ولعل قصائد شوقي التي غنتها أم كلثوم كانت في سياق ذلك التنافس مع عبد الوهاب الذي كان قد أطلق مجموعة قصائده الكبرى التي رفعته إلى قمة الموسيقى العربية ومنها الجندول، الكرنك، كليوباترا، دمشق.  

عام 1947 ح اقابله بكرة

وفق رياض السنباطى فى لحن فى منتهى الرشاقة لأم كلثوم من كلمات أحمد رامى هو ح اقابله بكرة مقام راست وتميزت مقدمته الموسيقية القصيرة بتصوير عال للهفة وفرحة اللقاء أعقبها استهلال غناء أم كلثوم بجمل قصيرة متدافعة أكملت الصورة الشاعرية المتدفقة ، ولو أنه كا ما زال متأثرا بأسلوب القصبجى إلا أن القصبجى كان سابقا لعصره ولم يعب السنباطى أبدا اللحاق بأستاذه على درب التجديد والذى سبقه فى التلحين لأم كلثوم باثنى عشر عاما

فى أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات ظهرت مجموعة أغان قصار بصوت أم كلثوم اشتركت جميعها بالحداثة والسرعة والخفة إلى جانب قصرها غير المعتاد، فطول كل منها بضع دقائق لا غير. وتشابهت تلك الأغانى كثيرا فى أسلوب تلحينها وقد لاقى ذلك الأسلوب قبولا كبيرا لدى الجمهور، وفوق ذلك فقد تشابهت أيضا فى أنها استمرت تذاع بصفة مستمرة لعشرات السنين وكأنها صنعت لتوها. تلك المجموعة كان منها لرياض افرح يا قلبى 1937 مقام نهاوند، و ح اقابله بكرة 1947 مقام راست، ومنها للقصبجى ما دام تحب بتنكر ليه مقام نهاوند 1940 و يا صباح الخير 1947 مقام راست، وأكمل زكريا القائمة لتصبح مجموعة متميزة فى تاريخ أم كلثوم الفنى. ويبدو أن ذلك النموذج من الأغانى قد استهوى الملحنين الكبار فى ذلك الوقت حتى أنه يصعب على المستمع التمييز بينها على أساس الملحن، على عكس الأغنيات الطويلة حيث المجال أوسع لإظهار شخصية الملحن وأضاف القصبجى إلى تلك المجموعة فى نفس الفترة أغنية رشيقة أخرى ولكن بصوت بصوت أسمهان هي "إمتى ح تعرف" اعتمدت نفس الأسلوب 

عام 1949 ياللى كان يشجيك أنيني

تشدو أم كلثوم بأغنيتها الساحرة "ياللي كان يشجيك أنيني"، ويرتفع معها نجم السنباطى للسماء. فاللحن شجي فعلا بل وفي غاية العذوبة ويثير فى النفس الكثير من العواطف والشجن الجميل ويبرز جمال أنغام الشرق الساحرة. وقد تغير تذوق الكلمات مع مرور الزمن وتوارت شيئا فشيئا صورة المحب الذليل فى الأغانى لكن اللحن لا يمكن اعتباره إلا من أجمل كلاسيكيات الموسيقى العربية

عام 1949 النيـــل

أنشدت أم كلثوم لأحمد شوقى إحدى روائعه "النيــل" (من أي عهد في القرى تتدفق) من لحن السنباطي فى إضافة جديدة لقائمة أشعار شوقي

عام 1949 رباعيات الخيام

لكن أحمد رامي الشاعر الذي حبس نفسه في شعر العامية ثارت لديه حفيظة الشاعر ففاجأ الجميع بمفاجأة كبرى، لقد ترجم رباعيات الخيام الفارسية شعرا إلى العربية! ( سمعت صوتا هاتفا فى السحر .. إلى قول الشاعر لبست ثوب العيش لم أستشر، وحرت فيه بين شتى الفكر .. إلى ما أطال النوم عمرا ، وما قصر فى الأعمار طول السهر). ليست مهمة سهلة بل دلت على براعة الرجل وتمكنه الكامل من اللغة والشعر. المفاجأة التالية يلحنها السنباطي بلحن عربي أصيل ويتسيد بها تلحين القصيدة. وموضوع القصيدة هنا تعدى الخلفية القومية والدينية والمذهبية إلى آفاق إنسانية واسعة تخاطب عقل الإنسان وشعوره في كل مكان وزمان 

رباعيات الخيام - أم كلثوم - شعر عمر الخيام - ترجمة أحمد رامي 1949

ومرة أخرى نتساءل ما الذي كان يفعله هؤلاء الفنانون والشعراء في تلك الحقبة حالكة السواد من تاريخ الأمة العربية وقد انتشرت الأمية وضعفت اللغة وتهاوت الهوية وساد الاحتلال الأجنبي كل بقعة في الشرق وساد معه الهابط من الفنون والعادات. ورغم ذلك فإنهم ينقبون فى درر الشرق الثقافية ويقدمون أعمق ما يكون من فكر في صور فنية غاية في الثراء والترقي. ومع هذه القافلة الفنية سارت قافلة أدبية من روادها أحمد شوقي، حافظ ابراهيم، العقاد، المازني، طه حسين، توفيق الحكيم، وغيرهم كثيرون، وكانت تصدر مجلات وصحف وتنشر كتب مليئة بالنقد والتنوير

وأين هذا من فناني اليوم وشعرائه؟ أليس الشعر قد اختفى والفن قد هزل من ورائه، ولم يعد على الساحة غير المرتزقة وتجار الفن الرخيص؟! ولكن إن لم يكن هذا موضوعنا هنا فموضوعنا هو الإشادة بكل عمل محترم لا يخجل الإنسان من رؤيته أو سماعه، ولن تقوم لنا قائمة إلا بترديد ما يعبر عن هويتنا ومشاعرنا بصدق وليس ما يملى علينا سواء من الخارج أو من تجار الفن بالداخل. بيد أن الفن ليس أشخاصا كما يبدو من هذه الزاوية، فهو كغيره من الإبداعات البشرية في العلوم والنظم والاكتشافات يحتاج لبيئة صالحة تساعده على النمو السليم. وكيف تدلي الأجيال الجديدة بصوتها في منظومة التنمية والازدهار وهي غارقة في سطحيات المادية وبطحاتها؟! مع نمو حركة النهضة الثقافية في أواسط القرن العشرين كانت الموسيقى مادة تدرس في المدارس ثم توقف تدريسها مع توقف أشياء أخرى كثيرة كالرياضة والهوايات والمسرح المدرسى والنشاط بكافة أنواعه، فانتشر الدجالون ومدعو الفن بين الشباب يسوقون أعمالا لا تمت للفن الحقيقي بصلة، والجمهور الجديد أصلا لديه مشكلة هوية وانتماء وثقافة وإن حمل أعلى الشهادات!

العـــودة للرومانســـية

عام 1950 سهران لوحدي 
عام 1952 جددت حبك ليه 

 أرسى رياض السنباطي معالم مرحلة جديدة فى التلحين لأم كلثوم فقد لحن لها في رابع أغنية عاطفية طويلة لحنا رومانسيا جديدا هو سهران لوحدي، أتبعه بأغنية جددت حبك ليه عام 1952 وبدأ يسترجع خطه الرومانسي مع الشاعر الحالم أحمد رامي فأنتجا معا أجمل ألحان أم كلثوم العاطفية ومعظم كلمات هذه السلسلة لأحمد رامي

المــــد الوطني

عام 1951 مصر تتحدث عن نفسها 

وقف الخلق .. ينظر كيف أبني قواعد المجد وحدى .. هكذا أنشدت أم كلثوم قصيدة مصر تتحدث عن نفسها لشاعر النيل الكبير حافظ ابراهيم .. كانت إرهاصات انتفاضة مصرية امتدت آثارها البعيدة فيما بعد على المنطقة كلها .. الكلمات تتحدث في فخر واللحن يزيدها فخرا وعلوا. وتضحى الجدية سمة أساسية، السنباطى يتبنى قضية وطنه ويعبىء الشعب لانتفاضة قادمة لهوية طالما حاولت  القوى الخارجية طمسها ولكنها لم تمح أبدا من ذاكرته. لم يعد الفن للتسلية ولا للصالات، أصبح سلاحا وطنيا يحرك الشعوب، وهو بذلك قد لحق بركب محمد عبد الوهاب الوطني وزود الأمة برافد جديد في طريق الهوية الأصيلة 

عام 1952 ثورة يوليو والتغـيير

تقوم ثورة يوليو في مصر ويبدأ عهد جديد في كل شيء، ويستقر الفن على شيئين، التعبير عن الفرحة بقدوم عهد الحرية، وزوال التوتر والألم من جراء معاناة الاحتلال والقهر واستبدالهما بمشاعر الاستقرار والأمل في المستقبل ومن ثم تغير لون الإبداع

عام 1955 شمس الأصيل

استمر رياض السنباطي ملحن أم كلثوم الوحيد ما يقرب من عشر سنوات أثبت خلالها عبقريته ومقدرته الفنية العالية. وكانت ألحانه يطلق عليها ألحان" دسمة" نظرا لثراء أنغامها وتعبيراتها وأيضا لطول تلك الأعمال. وألحان رياض لأم كثوم لها طابع خاص ومذاق عذب جعل كثير من الناس يرى أن رياض هو أفضل من لحن لأم كلثوم

شمس الأصيل - أم كلثوم - كلمات بيرم التونسي 1955

كلاسيكيات السنباطي العاطفية لأم كلثوم

العـــام  الأغنيـــــــة                مقــــــام   

1939 فاكر لما كنت جنبي        بياتي
1946 غلبت اصالح               نهاوند
1949 ياللي كان يشجيك أنيني   كورد
1950 سهران لوحدي            هزام
1952 جددت حبك ليه            نهاوند
1954 يا ظالمني                  كورد
1954 أغار من نسمة الجنوب   راست 
1955 شمس الأصيل             شاهناز
1956 ذكريات                    نهاوند
1957 ح اسيبك للزمن           راحة أرواح
1958 أروح لمين                راست
1958 قصة الأمس              نهاوند
1958 عودت عيني              كورد
1958 دليلى احتار               كورد
1959 هجرتك                    كورد
1959 الحب كده                 بياتي
1960 لسه فاكر                 عجــم
1960 ثورة الشك               نهاوند
1961 حيرت قلبي               كورد
1961 اقولك إيه                 بياتى
1965 لا يا حبيبي               نهاوند
1966 الأطلال                   راحة أرواح
1967 أراك عصي الدمع        كورد
1969 أقبل الليل                 كورد
1972 من أجل عينيك           بياتي
الأطـــلال - أم كلثوم - شعر إبراهيم ناجي 1966

أضاف السنباطي لألحانه العاطفية ألحانا دينية أكمل بها السلسلة التى بدأها عام 1946، وأخرى وطنية أضافها للحنه الوطني الشامخ مصر تتحدث عن نفسها

أغاني دينيــــة لأم كلثوم

1946 سلوا قلبي                  راست
1946 نهج البردة                 هــزام
1949 ولد الهدى                  راست
1955 إلى عرفات الله             هــزام
1967 حديث الروح               هــزام
1971 القلب يعشق كل جميل     بيـاتى
1972 الثلاثية المقدسة           هــزام     

أغاني وطنيــة لأم كلثوم

1951 مصر تتحدث عن نفسها       راست
1952 مصر التي في خاطري         نهاوند
1954 مثال الوطنية                   هــزام
1956 صوت السلام                   بياتي
1958 بطل السلام                     هــزام
1958 بغـــــداد                         راست
1960 أغنية الســد                    راست
1961 ثـــــــوار                       حجاز كار
1964 طوف وشوف                  كورد
1965 حبنا الكبير                     عجم
1967 راجعين بقوة السلاح          عجم
1967 دوس على كل الصعب        عراق

ألحان لغير أم كلثوم

لحن السنباطي عشرات الألحان من المطربين والمطربات، وكلها ألحان جيدة اتسمت بنفس الصفات من الأصالة وشرقية الأنغام، حققت شهرة كبيرة لمغنييها، منها "لعبة الأيام" لوردة الجزائرية، لكن ألحانه الطويلة لمطربات أخريات التي اقتربت من شكل أغنيات أم كلثوم لم ترق أي منها إلى مستواها، ولا يعرف السبب الحقيقى وراء هذا الاختلاف، فهناك من يرى الفرق في صوت أم كلثوم وأدائها، بينما يرى آخرون أن السنباطي كان يجيد أكثر عندما يلحن لأم كلثوم!

غنــــاء الســنباطي

عرفت عدة ألحان مما لحن السنباطي لنفسه وغناها بصوته منها لحنه الشهير على عودي، لكنه لم يحترف الغناء ، وهو عند الجمهور ملحن بالدرجة الأولى

كان السنباطي من المعجبين بألحان سيد درويش والمتأثرين به، وقد غنى له أحد أدواره بصوته وهو دور أنا هويت وانتهيت، وهذه لفتة هامة حيث لم يسبق لرياض الغناء من ألحان غيره بعد احترافه التلحين

في الموسيقى البحتة

من أشهر ما ألف رياض مقطوعة من قالب اللونجا التركي السريع من مقام نهاوند  المصور (فرحفزا) وأسماها باسمه، |لونجا رياض"، كما جرت العادة القديمة في تسمية المقطوعات المؤلفة على القوالب الموسيقية الكلاسيكية، وهي مقطوعة غاية في الجمال وتحتوى على ألوان من الجمل السريعة الرشيقة التي تحتاج لمهارة فائقة في العزف

في العزف على العود

لرياض معزوفات قيمة على آلة العود يحرص الهواة على اقتنائها باعتباره من أمهر عازفي الشرق. وقد سجلت تلك التقاسيم بأسماء مقاماتها الموسيقية، كتقاسيم نهاوند، تقاسيم بياتي، تقاسيم حجاز كار وهكذا. وله أسلوب متفرد في التقاسيم يعتمد على المزج بين براعة التكنيك وجمال الجملة الموسيقية

ويشترك السنباطي مع محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب في شهرتهم كعازفين على العود من الطراز الأول

تقييم ألحان السنباطي

لم يفشل لحن لرياض السنباطي، هكذا تولد الانطباع لدى الجمهور والموسيقيين أيضا، وحاول ملحنون كثيرون تقليد السنباطي في ألحانهم لمختلف الأصوات الغنائية. ونستطيع القول بأن السنباطي كان أكثر الملحنين الرواد هدفا للتقليد إعجابا بأسلوبه الشرقي الأخاذ وأصالة موسيقاه

ويشترك السنباطي مع الشيخ زكريا أحمد في ميله للشرقية والمحافظة على النغم العربي الأصيل، وقد آثر البعد عن التجريب ولم يتأثر كثيرا بموسيقى الغرب، فإذا استمعت إلى موسيقاه فأنت تستمع بحق إلى موسيقى الشرق العربي

ويصعب تفضيل أحد ألحان رياض على الآخر لكن في رأينا أن لحنيه شمس الأصيل والأطلال لأم كلثوم بالإضافة إلى قصائد شوقي الكبرى قد بلغ فيها قمة الأصالة والإبداع، بحث وتحرير: د.أسامة عفيفي - رياض السنباطي 1906 - 1981