كلمة لا بد منها

مرحبا بكم بموقع اللغة العربية 
   

يا من تسامت للعلا أحلامه               اجعلْ رؤاكَ في سماءِ " النّهضةِ"

عَهْدٌ علينا أن نُراعي مُبْدِعاً               فِكراً  وَفَنّاً  في  ربوع   الرّوضةِ

عَهْدٌ عليكَ أن تقولَ مُجاهراً               "في نهضتي مَجْدي وفيها عِزَّتي"

أن تكون  معلِّماً، إنساناً، ذا رسالة ...

قال "ديكارت" الفرنسيّ: أنا أشكّ، إذن أنا أفكّر إذن أنا موجود.

بعده بمائة وخمسين عاماً أضاف الفيلسوف  "كانْطْ" الألمانيّ إلى القول السّابق: أنا أجرّب .

هذا يعني أنّ الإنسان المُتَنَوِّر المُسْتَقِلّ فكريّاً، يشكُّ في كلّ ما تمخّضَ عنه تفكير من سبقه، فيفكّر فيما قالوه، وقبل أن يتبنّى فكرهم يُجَرِّبُه على أرض الواقع فيقرّر أن يتبنّاه أو يرفضه.

أمّا أن نقدِّس ما قاله  السّلف أو فعلوه ونقتدي بهم، فهذا يعني أنّنا أوقفنا سيرورة الزّمن عند لحظةٍ ما في الماضي، وقرّرنا أن نحيا تلك اللحظة، وهذا هو معنى التّخلُّف أو الفكر الرجعيّ، لأنّنا جعلنا مثلنا الأعلى في لحظة ما من الماضي وصرنا نتغنّى بهذا الماضي بدل أن نساير الزّمن فنبني المستقبل.

التقدّم، هو ما يمثِّله فكر "ديكارت" و"كانط" من بعده. نحن نُنَظِّرُ أوّلاً ثمّ نفكّر كيف نستفيد من النّظّريّ، فنعمد إلى التّجربة الّتي توصلنا إلى الإبداع مخترعين أو مكتشفين.

هذا الفكر التّقدّميّ الإبداعيّ سبق ولخّصَهُ ابن خلدون في جملةٍ واحدة في مقدِّمته: " اليدُ مُهَيِّئةٌ للصنائع بخدمة الفكر". وسبقه المتنبّي فقال:

ولا تحسبنَّ المجد زقّاً وقينةٌ               فما المجد إلاّ السّيف والفَتْكَة البكر

الزقّ والقينة رمزان لكلّ ما يَشُلُّ العقل. السّيف والفتكة البكر رمزان للإشادة بالإرادة الإنسانيّة والتفوِّق الّذي لم يسبقك إليه أحد.

نيوتن، مثلاً، اكتشف نظريّة الجاذبيّة سنة 1687. "الأخوان رايت" جرّبا كيف يمكن الاستفادة من هذه النظريّة فاخترعا الطائرة سنة 1907. وبذلك أدّت سيرورة الزّمن إلى صيرورة جديدة ( واقع جديد بفعل الاختراعات والاكتشافات ). هذه الحركة دائمة لا تقف أبدا. الّذي يقف هو الإنسان المتخلِّف.

المُتَخَلِّف الرّجعيّ يموت في الماضي.

الحضاريُّ التَّقَدُّميُّ يحيا لصنع المستقبل.

أين نحن من هذا وذاك؟

هل يمكن تغيير هذا الواقع المؤلم؟

كيف؟

التّغيير صعبٌ لهول ما نحن فيه. لكن، لا بُدَّ من خطوةٍ أولى في الاتّجاه  الصّحيح. هذه الخطوة أُلقيها – وبكلّ محبّةٍ وتقدير – على كاهل المعلِّمين عامّةً، ومعلِّمي اللغة العربيّة خاصّة .

كلمة "معلّم" تعني التّعليم والهداية. وغاية التّعليم إخراج الطلبة من الظّلمات إلى النّور. ما دمنا نتخبّط بظلمات الجهل والتّخلّف، فليس هناك من هو أقدر من المعلّمين على تحقيق ذلك إذا أرادوا. من المفروض أنّهم يحملون رسالة تُشَرِّفُ حاملها لأنّها تقرِّبه من درجة الأنبياء حاملي الرّسالات. عندما يدرك المعلّم شرف الرّسالة الّتي يحملها، لا بدّ أن يحرص على تأديتها بأحسن وجه. الخطوة الأولى نحو تأديتها تكمن في إعداد نفسه لهذا الدّور فيحرص على الاستزادة من المعرفة، والشكّ في كلّ ما يكتسب، وممارسة التّفكير النقديّ بأيّ نصٍّ إنسانيّ ومن ثمَّ التّجربة. لو فعل ذلك لسَهُلَ عليه أن يؤدِّيَ رسالته مستغلاًّ المهارات الّتي اكتسبها في التّفكير السّليم لينقلها إلى تلاميذه من خلال التّأثير في نمطٍ تعوّدوا عليه، وتحويلهم إلى اتّباع نمطٍ جديد مختلفٍ عمّا هو متعارفٌ عليه في مجتمعنا البائس. أدمغة الطّلاّب ليست أوعيةً نملأها معلومات. علينا أن نجعلها ينبوعاً للفكر التّقدُّميّ. وسيلة معلّم اللغة العربيّة الأساسيّة هي النّصوص الّتي يُدرِّسها، وجعل نفسه قُدْوةً يُحْتذى بها في الاستزادة من المعرفة وممارسة القراءة النّاقدة السّابق ذكرها.

يمكن استغلال أيِّ نصٍّ من نصوص المناهج لإيصال الفكر التّقدُّميّ السّليم. النّصّ الّذي لا يعكس مثل هذا الفكر، يمكن استغلاله من خلال طرح الفكر البديل، وإجراء مناقشة مع الطّلاّب تقودهم لاستنتاج أيّ الفكرين أنجع لنا وأصلح. لذلك، الادّعاء بأنّ المناهج لا تُيَسِّرُ للمعلّم تحقيق هذه الغاية – كما يحلو للكثيرين القول – مرفوض. من السّلبيّ نتعلّم الإيجابيّ. كما أنّ بعض النّصوص لا تخلو من فكرٍ تقدُّميٍّ. علينا ألاّ ننسى أنّ هؤلاء الطّلاّب هم آباء وأمّهات الأجيال القادمة .هم صانعو المستقبل . وما قصّر فيه آباؤهم لقلّة نصيبهم من المعرفة. عليهم ألاّ يقصِّروا فيه . وهذا لن يتمّ إلاّ إذا حرصنا على أن نجعلهم مُسْتَقِلّين في تفكيرهم، مُتَنَوِّرين، مُقْبلين على اكتساب المعرفة بالشكّ والتّفكير والتّجريب والسّير مع الزّمن نحو صيرورةٍ تتجدّد مع كلّ سيرورة . لأجل ذلك اعتبرت المعلّم عامّةً ومعلِّم اللغة العربيّة خاصّةً، هو المسؤول الأوّل عن تحقيق ذلك. أنا إذ ألقي المسؤوليّة الكبرى على عاتق معلّم اللغة العربيّة، لا أقلّل بذلك من شأن باقي المعلّمين. لكن ممّا لا شكّ فيه، أنّ معلّم اللغة العربيّة الحقّ مطالب أن يُلِمّ بنصيبٍ من كلّ موضوع من المواضيع وإلاّ فشل في تأدية رسالته. عليه أن يعرف في التّاريخ والجغرافيا وعلم النّفس والتّربية والعلوم الاجتماعيّة والفلسفة... الخ. كلّ نصٍّ أدبيٍّ هو عالَمٌ قائمٌ بذاته. وكلّ عمليّة تدريسٍ لنصٍّ ما هي رحلة تحتاج إلى معارف كثيرةٍ من أجل تحقيق المتعة والمعرفة. هذه الرّحلة ذات مسارين: عالم النصّ وعالم الطّالب. الخوض في عالم النصّ يهدف إلى التّأثير إيجابيّاً على عالم الطّالب.

الكثيرون من المعلّمين مُقَصِّرون فغي تأدية هذه الرّسالة. هناك أسبابٌ كثيرةٌ تدفع المعلِّم للسّقوط في حالةٍ من الإحباط واليأس فالسّباحة مع التيّار. العظيم هو من يسبح ضدَّ التّيّار الجارف إذا كان هذا التّيّار يَصُبُّ في مستنقعٍ راكدٍ آسِن. لو سبحنا جميعاً مع مثل هذا التّيّار لاندثرنا وما عاد لنا وجود .

السّباحة مع التّيّار سهلة قد تجعل المعلّم يحظى برضى القوى الرّجعيّة المتخلِّفة. أمّا السّباحة ضدّه فتحتاج إلى شجاعة كبيرةٍ لأنّ الباطل أقوى من الحقّ في مجتمعٍ كمجتمعنا .

لك أيّها المعلِّم أن تكون فرداً في قطيع يأخذه التّيّار إلى مستنقع النّسيان، ولك أن تكون بطلاً عظيماً يحترق ليُضيء شمعةً فيُبَدِّد ولو قليلاً من الظّلام الدّامس الّذي نحياه.

اقرأ – شكَّ – فكِّر – جرِّب – اصنع جيلاً هذه صفاته، تصبح معلِّماً إنساناً ذا رسالة .

كمال حسين إغباريّة