مَوْتُ كناري

مَوْتُ كَناري

        طائِرٌ صَغيرٌ نَسَجَتْ أَشِعةُ الشَّمْسِ ذَهَبَ جَناحَيْهِ، وانْحَنى اللّيْلُ عَلَيْهِ فَتَرَكَ مِنْ سَوادِهِ قُبْلَةً في عَيْنَيْهِ. ثُمَّ سَطَتْ عَلَيْهِ يَدُ الإنْسانِ، فَضَيَّقَتْ دائِرَةَ فَضائِهِ، وَسَجَنَتْهُ في قَفَصٍ كانَ بَيْتَهُ في حَياتِهِ وَنَعْشَهُ في مَماتِهِ.

طائِرٌ صَغيرٌ أحْبَبْتُهُ شُهورًا طِوالًا. غَرَّدَ لِكَآبَتي فَأَطْرَبَها وَآنَسَ وَحْشَتي، وَغَنَّى لِقَلْبي فَأَرْقَصَهُ وَمَلأَ  وَحْدَتي أَلْحانًا.

في الصَّباحِ كُنْتُ أَفْتَحُ عَيْنَيَّ فَيَسْتَقْبِلُني بِالْغِناءِ، وَتَسيلُ موسيقى ألْحانِهِ عَلى قَلْبي فَتُسْكِرُهُ. كُنْتُ أَجْلِسُ للدَّرْسِ والْكِتابَةِ فَتَشْمَئِزُّ نَفْسي أَحْيانًا مِنَ الْكُتُبِ، وَيَثْقُلُ قَلَمي في يَدي، فَيَأْخُذُ كَنارِيَّ في الزَّقْزَقَةِ، وَتَأْتي جَماعَةُ طَيْرٍ مِنَ الْخارِجِ وَتَضُمُّ تَغْريدَها إِلى تَغْريدِهِ، فَتَبْتَسِمُ الأَفْكارُ عَلى صَفَحاتِ الْكُتُبِ أَمامَ ناظِرَيَّ، وَيَتَمايَلُ الْيَراعُ بَيْنَ أَنامِلي تَمايُلَ الصَّفْصافِ بِقُرْبِ الْغَديرِ، وَتَنْجَلي الْغُيومُ عَنْ فُؤادي وَتَطْرَبُ رُوحي.

وَفي الْمَساءِ كانَ يَصْمُتُ الْكَنارِيُّ إِجْلالًا للظَّلامِ فَيُخْفي رَأْسَهُ بَيْنَ جَناحَيْهِ.

وَالآنَ أَنْظُرُ إِلى الْقَفَصِ، لَقَدْ صَمَتَ الطّائِرُ الْمُغَرِّدُ، ماتَ الصَّغيرُ الْمُغَرِّدُ، ماتَ قَبْلَ غُروبِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ انْقِضاءِ الرَّبيعِ، وَلَمْ يَبْقَ في نَفْسي إِلا أَثَرٌ مِنْ ذلِكَ اللحْنِ الْبَديعِ.

الأديبة مي زِيادة (من كتاب المختار في الأدب العربي)