لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والإبادة الأرمنية

          في عام 1971، اقترحت اللجنة الفرعية المعنية بمنع التمييز وحماية الأقليات التابعة  للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إجراء دراسة حول مسـألة منع جريمة إبادة الأجناس ومعاقبتها. ولقي هذا الاقتراح موافقة اللجنة وعهدت اللجنة الفرعية مهمة إجراء الدراسة المذكورة إلى مقرر اللجنة الخاص ( نيكوديم روهاشيانكيكو) من رواندا[1] (وهو من أعضاء اللجنة الفرعية). ومن المعلوم أن أعضاء اللجنة الفرعية يعملون بصفتهم الشخصية، وليس كممثلين لدولهم.

          وفي جلستها السادسة والعشرين المنعقدة في أيلول سبتمبر 1973 ، ناقشت اللجنة الفرعية تقريرا مؤقتا قدمه المقرر الخاص. وضم التقرير(الفقرات من 15 إلى 36) استطلاعاً تاريخياً استشهد فيه بكتابات عدد من المؤلفين تشير إلى أعمال وممارسات الإبادة الجماعية الدينية في القرون الوسطى والقرن السادس عشر (الفقرات 28-29)، ثم تليها الفقرة 30 التي تنص على الآتي:

          وبالانتقال إلى العصر الحديث، يمكن للمرء أن يلاحظ وجود وثائق تامة نسبياً تتناول مذابح الأرمن التي وصفت بأنها أول جريمة إبادة للجنس البشري في القرن العشرين.

          وعندما جاء دور المادة المتعلقة بالجلسة السادسة والعشرين للجنة الفرعية على جدول الأعمال للمناقشة في لجنة حقوق الإنسان في 6 آذار- مارس 1974 ، ركز ممثل تركيا (عثمان أولجاي)، الذي كان أول المتحدثين، تركيزاً كلياً على التقرير المؤقت لـ (روهاشيانكيكو) الذي لم يكن حاضراً الجلسة، منتقداً الفقرة 30 من هذا التقرير. وقال (أولجاي): إن الفقرة المذكورة قد (أساءت عرض الحقيقة التاريخية) و(ساوت ما بين الأعمال الحربية وجريمة الإبادة)، ووصف المجازر المرتكبة بأنها (إجراء دفاعي)، مطالباً بإلغاء المراجع التاريخية، ولا سيما الفقرة 30 من التقرير المؤقت. وقد أيد هذه الآراء ممثلو  حكومات كل من الباكستان وإيطاليا والعراق وفرنسا وتونس ونيجيريا والولايات المتحدة والنمسا وإيران ورومانيا. وفي نهاية المداولات، قال ممثل النمسا إن الآراء التي تم التعبير عنها سترفع إلى المقرر الخاص لكي يأخذهـا بنظـر الاعتبار

عند وضع التقرير في شكله النهائي. علاوة على ذلك ، فقد اعتمدت اللجنة، نتيجة لضغط الحكومة التركية على الحكومات والوفود الممثلة في اللجنة، توصية تقضي بإلغاء الأحداث التاريخية التي سبقت أعمال الإبادة وحذف تعريف الإبادة من التقرير.

          وقد أثار تدخل المندوب التركي ومناصروه حفيظة الأرمن. ومن الواضح إن الحكومة التركية قد مارست ضغطاً كبيراً داخل لجنة حقوق الإنسان وخارجها. وقررت لجان أرمنية مختلفة ، لاسيما اللجنة الوطنية الأرمنية، أن تنظم اجتماعاً وتوزع دراسات تحتوي على براهين تاريخية، وأخذت تسعى لتتمثل بواسطة منظمات غير حكومية مختلفة، داخل لجنة حقوق الإنسان ولجنتها الفرعية.

          وعرض تقريران آخران للمناقشة أمام اللجنة الفرعية في جلستها الثامنة والعشرين في شهر أيلول-سبتمبر 1975 . وعبر العديد من أعضاء اللجنة الفرعية عن رأيهم بوجوب الاحتفاظ بالمراجع التاريخية في التقرير المؤقت. ومارست تركيا ضغطاً شديداً على المقرر الخاص، وعلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعض أعضاء اللجنة الفرعية. وفي كلمة مسهبة، نصح مراقب لجنة الكنائس حول الشؤون الدولية التابعة للمجلس العالمي للكنائس (البروفيسور شافارش طوريكيان) بقوة بعدم إلغاء الفقرة 30 ، وقال انه يوجد إثبات وافر حول مجازر الأرمن، ويجب ألا يستخدم الضغط السياسي ضد الحقيقة التاريخية، وانه ما لم نستمد العبر من السوابق التاريخية، فلن يكون بوسعنا الحيلولة دون ارتكاب جرائم الإبادة في المستقبل، وان المجازر المرتكبة ضد الأرمن لا تزال تثقل ضمير الإنسانية، فهي راسخة في وعي الأرمن، وانه لم يتم حل القضايا الناجمة عن ذلك.

          وعرضت النسخة الموحدة من التقرير حول مسألة منع جريمة إبادة الأجناس ومعاقبتها أمام اللجنة الفرعية في جلستها الحادية والثلاثين المنعقدة في أيلول- سبتمبر 1978 . ولم يضم التقرير نص الفقرة 30 من التقرير المؤقت الأول بشأن المجازر المرتكبة ضد الأرمن أو أية مراجع تاريخية أخرى وردت أصلا في الفقرتين 28 و 29. وعبر معظم أعضاء اللجنة الفرعية عن أسفهم لحذف الفقرة 30، وانضم إليهم عدد من المراقبين في عدد من المنظمات غير الحكومية، لاسيما الاتحاد  الدولي لحقوق الإنسان (جول وولف)، ومجموعة حقوق الأقليات (البروفسور شافارش طوريكيان).

          ثم بحثت لجنة حقوق الإنسان في جلستها الخامسة والثلاثين المنعقدة في آذار-مارس 1979 التقرير في سياق عمل اللجنة الفرعية. وخلال المناقشات، ناشد ممثلو  النمسا وفرنسا والولايات المتحدة، الذين كانوا قد أيدوا موقف تركيا في عام 1974، إعادة إدخال الفقرة الأصلية رقم 30. وعبر ممثلا استراليا وقبرص عن الرأي نفسه، ومرة أخرى عبر الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (جول وولف) ولجنة الكنائـس للشؤون الدوليـة التابعـة للمجلس العالمـي للكنائس (ل. نيلوس) عن بالغ قلقهم بشأنه حذف الإشارة إلى المجازر الأرمنية والجهود المبذولة لدفن حقيقة التاريخ من قبل البعض والتأثير الذي يمكن إن ينطوي عليه ضمير البشرية ومستقبل السلام ومنع إبادة الأجناس . ويجب إن نذكر هنا، انه باستثناء ما قاله ممثلا تركيا والباكستان، فان كلمات ممثلي الدول صبت في مصلحة الأرمن، كما طلب رئيس اللجنة بولن (كندا) إعادة الفقرة 30 إلى التقرير مرة أخرى. ووجدت اللجنة انه من المناسب إعادة التقرير إلى مقترحه روهاشانكيكو (رواندا)، طالبين منه اخذ اعتراضات ممثلي الدول بشأن رفع الفقرة 30 بنظر الاعتبار عند إعادة النظر فيه.

وقررت اللجنة، وبأغلبية ساحقة، إعادة الفقرة 30 إلى التقرير، والتي تم رفعها بطلب من ممثل تركيا. وقد دامت المناقشات الحامية أسبوعاً واحداً ، واتخذ قرار يقضي بإدراج الجريمة المرتكبة من قبل الحكومة التركية بحق الأرمن عام 1915 كأول جريمة إبادة في القرن العشرين في تقرير الإبادة الخاص بالأمم المتحدة .

          وتطرقت الصحافة الأوروبية إلى هذه المسألة بشكل موسع. فقد نشرت إحدى صحف بروكسل (عاصمة بلجيكا) مقالاً تحت عنوان: ( الضحايا الذين يعاد قتلهم) أشارت فيه إلى الظلم المرتكب بحق الأرمن واستمراره، فضلاً عن مطالب الشعب الأرمني.

          وقد ناضلت التنظيمات السياسية والدينية الأرمنية في المهاجر طويلاً من اجل إعادة الفقرة 30، واضطر نائب رئيس الوزراء التركي الأسبق (اورخان ايوب اوغلو) الى الذهاب  لاسطنبول لملاقاة بطريرك الأرمن في تركيا المطران ( شنورك كالوستيان)، و(حثه على إسداء النصح) لأرمن المهاجر من اجل عدم المطالبة بإرجاع الفقرة 30 إلى تقرير الأمم المتحدة . واعلن البطريك كالوستيان إن كثيراً من الوعود التي قطعتها الحكومة التركية على نفسها لم يتم الإيفاء بها، منها على سبيل المثال، وعد السماح ببدء أعمال الترميم للمستشفى الخاص بالأرمن منذ خمس سنوات. و (نصح) نائب رئيس الوزراء التركي وأحد نواب البرلمان البطريرك (كالوستيان) بزيارة  الولايات المتحدة ومراكز تواجد الجاليات الأرمنية في أوروبا  لـ (حثهم) على التنازل عن مطالبهم بإعادة الفقرة 30 إلى التقرير.

          وفي اجتماعاتها المنعقدة في آب– أغسطس عام 1985، درست اللجنة الفرعية مرة أخرى مسألة إبادة الأجناس، وعرض أمام اللجنة الفرعية تقرير حول مسألة منع جريمة إبادة الأجناس ومعاقبتها، أعده المقرر الخاص (بنيامين ويتاكر)[2] واستناداً إلى العديد من المتحدثين، فسر المقرر الخاص مهمته بالإشارة إلى حالات خاصة من الإبادة الجماعية في الماضي، وكان من بين تلك الحالات إبادة الأرمن على وفق الفقرة 24. وكان لا بد للدروس المستمدة من التاريخ أن تبقي ضمير العالم حياً وتمنع جرائم الإبادة  مرة أخرى.

         

نص الفقرة 24 من تقرير اللجنة الفرعية للأمم المتحدة المعنية بمنع التمييز وحماية الأقليات (التابعة للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان)[3]  

          ذكر توينبي أن الخصائص التي تميز القرن العشرين في تطور إبادة الأجناس أنها ترتكب عمداً وبترو وبأمر رسمي وحازم من قبل القابضين على زمام القوة السياسية المستبدة، وان مرتكبي المجازر يستخدمون جميع حيل التكنولوجيا المتوفرة اليوم لجعل مجازرهم المخططة منتظمة وكاملة.

          إن الخطأ النازي لم يكن لسوء الحظ الحالة الوحيدة لارتكاب جرائم الإبادة في القرن العشرين. فمن بين أمثلة أخرى التي يمكن الاستشهاد بها مجزرة (هيريروس) الألمانية في عام 1904، ومجازر الأرمن على يد العثمانيين في 1915-1916[4] ، ومذبحة اليهود في أوكرانيا عام 1919، ومجازر الهوتو على يد توتس في بوروندا في 1965 و 1972، ومذابح هنود آيشه في الباراغواي قبل عام 1974، ومجازر الخمير الحمر في كمبوديا بين 1975 و 1978، وقتل الإيرانيين للبهائيين في وقتنا الحالي. أما التمييز العنصري، فهو موضوع دراسة منفصلة في الفقرات 43-46 فيما يلي، ويمكن اقتراح حالات أخرى، وقد يبدو الإدعاء بان بعض أعمال القتل الجماعية الرهيبة هي من الناحية القانونية ليست إبادة للجنس، ولكن مناقشة هذا الإدعاء من الناحية الأخرى يمكن ألا يكون من المجدي التقليل من أهمية الإبادة من خلال تخفيف تعريفها.

 

 

 

 

  المصادر

* شاوارش طوريكيان، القضية الأرمنية والقانون الدولي، ترجمة خالد الجبيلي، ط2 (منقحة)، دار الحوار للنشر والتوزيع، أللاذقية، سوريا، 2000، ص ص 170-178.

     * ج. كيراكوسيان، الأتراك الفتيان أمام قضاء التاريخ (منذ عام 1915 وحتى يومنا هذا)، الجزء الثاني، دار (هاياستان) للنشر، يريفان، 1983، ص ص 339-343 (باللغة الأرمنية).

 

 

                                                                                               



[1]  حدثت في رواندا أيضاً جريمة إبادة الجنس عام 1994 عندما قتل ما بين 500 ألف ومليون شخص من القومية التوتسية.

[2]  سمي تقرير معدل ومنقح حول مسألة منع جريمة إبادة الأجناس ومعاقبتها.

[3]  تم تبني التقرير في 29/8/1985.

[4]  استناداً إلى سلطات مستقلة وشهود عيان موثوقين، فان عدد ألأرمن الذين قتلوا وسيروا إلى الموت لا يقل عن مليون شخص، أو ربما اكثر من نصف سكان ألأرمن. وتدعم ذلك التقارير الموجودة في ارشيفات الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا والدبلوماسيون المعاصرون في الإمبراطورية العثمانية، ومن بينهم دبلوماسيون حليفتهم ألمانيا. كل ذلك يؤكد الحقائق عن مذابح الأرمن، فعلى سبيل المثال، كتب سفير ألمانيا في تركيا وانغنهايم في تموز- يوليو عام 1915: أن الحكومة تسعى بالفعل إلى تحقيق هدفها في إبادة العرق الأرمني في الإمبراطورية العثمانية(أرشيفات ويلهلم شتراوس). وعلى الرغم من أن الحكومات التركية المتعاقبة ساعدت على محاكمة عدد من المسؤولين عن المجازر الذين ثبت انهم مذنبون، فان حجة الحكومة التركية الرسمية الحالية تقول بأنه لم تحدث جريمة إبادة جنس، برغم وجود الكثير من الإصابات وحالات التشتت في القتال، وان جميع الإثباتات المناهضة هي مزعومة. انظر من بين الأمور الأخرى فيكونت برايس و أ. توينبي المعاملة التي لقيها الأرمن في الإمبراطورية العثمانية عامي 1915-1916 (لندن، HMSO، 1916)؛ ج. شاليان و ي. ترنونإبادة الأرمن(بروكسل ، Complexe ، 1980)؛ هـ . مورغنتاو قصة السفير مورغنتاو (نيويورك ،Doubleday ، 1918)؛ ج. لبسيوس ألمانيا والأرمن (بوتسدام ، 1921) (سيصدر قريباً بالفرنسية من قبل فايارد، باريس)؛ ر. ج. هوفهانيسيان أرمينيا على طريق الاستقلال(بركلي، جامعة كاليفورنيا ، 1967)؛ محكمة الشعوب الدائمة، جريمة الصمت (لندن، مطبعة Zed ، 1985)؛ ك. غورون الملف الأرمني (أنقرة ، الجمعية التاريخية التركية، 1983)؛ ب. سمسير وآخرونالأرمن في الإمبراطورية العثمانية (اسطنبول، مطبعة جامعة بوغازيتشي، 1984)؛ ت. أتاوف نظرة مقتضبة على المسألة الأرمنية (مطبعة جامعة أنقرة، 1984)؛ ب. غوكجيان الأتراك أمام محكمة التاريخ (نيوجرسي، مطبعة روزكير، 1984)؛ لجنة الكنائس للشؤون الدولية أرمينية المأساة المستمرة (جنيف، المجلس العالمي للكنائس ، 1984)؛ معهد السياسة الخارجية القضية ألأرمنية (أنقرة، ف. ب. ي، 1982) ( الحاشية 13 من التقرير).

 

 

Comments