رسالة الشيخ الى قادة ثورة 14 تموز/ 1958

رسالة من الشيخ احمد الراوي الى قادة ثورة 14 تموز/ 1958

بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) كرره ثلاثاً، فقال بعض الحاضرين لمن يا رسول الله، قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم) رواه الإمام مسلم. وقد اجمع علماء الأمة وحملة الشريعة على وجوب النصيحة عملاً بهذا الحديث الشريف، وبالنظر لعزم الجمهورية الحاضرة الموقرة على وضع دستور جديد للجمهورية العراقية الفتية، رأيت من الواجب عليَّ أن أتقدم إلى رجالها وقادتها بهذه النصائح، آملاً أن تجد رحباً ومكاناً لائقاً عند تدوين القانون ووضع الدستور، وذلك من باب الذكرى قال تعالى: ( فذكر ان نفعت الذكرى)، وقال جلت قدرته:   ( وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين) وقال سبحانه وتعالى: ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)ا وها أنا ذا أذكر، ما أردت بيانه:-

1) يجب على الجمهورية العراقية الموقرة أن تتمسك بالدين الإسلامي الحنيف، لتكون قدوة صالحة ومثلاً مشاهداً للشعب، فإن الحكومة مرآة الشعب، وكيفما تكن يكن شعبها، وذلك بإتباع أوامر الله والابتعاد عن نواهيه، كما جاء في القران الكريم والسنة النبوية المطهرة، ومَنْ أمعن النظر في صدر الدولة الإسلامية ورأى كيف تمكن المسلمون مع قلة عددهم وعُدَدِهم من القضاء على دولتي فارس والروم "أكبر دولتين آنذاك" علم أن انتصارهم كان بسبب تمسكهم بالدين وتعاليمه وتطبيق أحكامه، وبغير الدين لا يستقيم أمر الدنيا ولا الآخرة.

2) إن وضع المادة في الدستور بأن دين هذه الحكومة الرسمي الإسلام، من غير تطبيق لها بحذافيرها عملاً بمدلولها ومنطوقها ومفهومها لا فائدة فيه مطلقاً، وإنما الفائدة بتطبيقها قولاً وعملاً واعتقاداً، وذلك بإقامة شعائر المسلمين من إقامة الصلوات الخمس، والجمعة، والجماعة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، ونصب القضاة الشرعيين والمفتيين وتهيئة الأمة بما تحتاج إليه من أسلحة وعتاد، وإقامة حد للمحرمات من المباغي والمراقص وبيع الخمور وشربها وغير ذلك من الموبقات.

3) نصب القضاة الشرعيين للقيام بتطبيق الأحكام الشرعية على ذويها، وباستطاعة الجمهورية الموقرة أن تفتح فرعاً خاصاً للقضاة الشرعيين في كلية الحقوق العراقية، كما كان الشأن في زمن الحكومة العثمانية، حينما كانت مهتمة بالقضايا الإسلامية، ومن جملة خريجي مكتب النواب في تركية الشيخ أمجد الزهاوي الذي يُشار إليه بالبنان، والذي اشغل رئاسة مجلس التمييز الشرعي في بغداد زمناً طويلاً... وبنصب القضاة والمفتين في كل لواء وقضاء تطبق سائر الأحكام الشرعية سواء عند القضاة بصورة رسمية، أم عند المفتين بصورة خصوصية بين المتخاصمين.

4) لا يخفى على ولاة الأمور أن الجهل بالأحكام الشرعية ضارب أطنابه في القرى والبوادي، ولذا أصبحت أكثر معاملاتهم من بيع وشراء وعقود لا تنطبق على الشريعة الإسلامية، ولا يمكن القضاء على هذه الجهالات إلا ببث المرشدين والوعاظ السيارين لتفهيم الناس أحكام دينهم، ولتخليصهم من الإثم المرتب على مخالفاتهم لأحكام الله، وقد ذكر العلماء أنه يجب على وليَّ الأمر أن يعين لكل جماعة تبعد عن الأخرى ثلاث مراحل من يقيم لها أمر دينها، ويدفع عنها ما يضرها في أمر دينها.

5) ومما يجب على الجمهورية الموقرة أن تحارب بلا هوادة كل ما يضرها في دينها ودنياها من النوحي الأخلاقية والأدبية والاقتصادية والسياسية، وهذا يقتضي:

أ‌- منع الأجازات في استيراد المواد الكحولية بجميع أنواعها.
ب‌- منع بيع الخمور بصورة علنية، ورفع الإعلانات عنها، ومنع شربها مطلقاً، وتعقيب المخالف بعقوبة صارمة يتأدب بها الغير.
ت‌- منع دخول المجلات ذات الصور الخلاعية بل العارية، مما يفسد الناشئة.
ث‌- منع الأفلام السينمائية التي تدعوا إلى إفساد الأخلاق والدعارة.
ج‌- غلق الملاهي والمراقص التي تمتص أموال الناس، وتبث فيهم روح الميوعة والخنوثة مما يتنافى مع الروح الوثابة التي تبنى عليها جمهوريتنا الفتية.
ح‌- منع اختلاط الجنسين في المدارس وذلك مما ينجم عنه من مفاسد أخلاقية لا تحصر، وقد اتفق علماء الأخلاق والنفس أن المدارس التي يكون فيها التدريس مختلطاً من الجنسين تقل عن غيرها نجاحاً وأخلاقاً.
خ‌- إلزام الفتيات داخل المدارس وخارجها لباس الحشمة والأدب والوقار اللائق بالفتاة العراقية المسلمة.
د‌- القضاء المبرم على كافة المباغي العلنية والسرية ومحاربتها ومحوها من الوجود في العراق.
ذ‌- القضاء على جميع أنواع القمار ومحاربته محاربة صارمة، وبذلك يتم القضاء على مثلث خراب الديار، وهي: الزنا والخمر والقمار، وبتحقيق هذه النقاط تتم للجمهورية العراقية حريتها الحقيقية، وتنتشر في ربوعها الأخلاق العالية والآداب الإسلامية، ويسود الأمن والرخاء والعدل والمساواة.

6) ومما يجب على الجمهورية الموقرة تولية المناصب لأهلها وإسنادها إلى ذوي الكفاءة والإخلاص ومن ثَمّ، قال العلماء: من ولى رجلاً منصباً لقربة أو صداقة ويوجد في الأمة خير منه فقد خان الله ورسوله وخان الأمانة. وفي الحديث الشريف: (استعينوا على حوائجكم بأهلها)، وفي الحديث الآخر: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) قال وكيف إضاعتها يا رسول الله قال: (إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

7) ومما يجب على الجمهورية الموقرة العناية بماليتها وتوجيهها إلى ما ينفع الأمة على سبيل تقديم الأهم على المهم، فتعنى الحكومة بما يحفظ كيانها واستقلالها، بتهيئة ما تحتاج إليه الأمة من بناء معامل لإنتاج الأسلحة بجميع أنواعها، وتدريب من يصلح لها على استعمالها، قال تعالى: ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة)  لتحفظ الحدود والثغور، بحيث تكون الأمة كلها قلعة حصينة محكمة ترمي باللهب من يعاديها، ولا يستطيع عدوها أن ينال منها شيئاً، ثم يُلتفت بالدرجة الثانية إلى مقومات هذه الدولة من تنظيم وتشكيلات تحفظ عليها استقلالها ومكانتها بين الأمم.

8) ومما يجب الإلتفات إليه الأوقاف وإصلاحها من جميع نواحيها، إذ لا يخفى على ولاة الأمور أن هذه الموقوفات إنما وقفها خيار الأمة واقتطعوها من أموالهم الخاصة وجعلوها صدقة جارية رجاء الأجر والثواب من الله تعالى، وهم أوقفوها على الجهات الخيرية من أعمال البر وإنشاء المساجد والمدارس الدينية وبيوت العبادة، ولكن مع الاسف  قد مضى عليها ردح طويل وأموالها الجمة تصرف إلى غير من وقفت لهم، ولذلك ترى أكثر رجال الدين ومدرسي العلوم الدينية وطلاب العلم الشريف في حالة يرثى لها، إذ أن أكثر هؤلاء قد أهملوا أو قاربوا الإهمال لاسيما من الناحية المعاشية حيث أن أغلبهم لا يساوي راتبه أقل معلم في مدرسة أولية، ولأجل ذلك صرف أكثر الناس عن طلب العلم الشريف، فقل العلم والعلماء، بل كادا ينعدمان، لذلك كله نرجو من الجمهورية الموقرة أن تلتفت إلى هذه الناحية الحساسة وأن تعيرها اهتمامها اللائق بها، فتسعى بفتح مدارس علمية دينية في كل قضاء ولواء، ولو بنسبة ربع العشر من مدارس المعارف الرسمية، أي لتكن في مقابلة كل أربعين مدرسة رسمية للمعارف مدرسة واحدة علمية دينية، وهذا أقل واجب في جمهورية دينها الرسمي الإسلام. لتكون هذه المدارس الدينية ضامنة تخريج رجال للدين يصلحون للتدريس والإفتاء والوعظ والإرشاد والإمامة والخطابة في بيوت الله تعالى التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وأما إذا بقي الوضع على ما هو عليه فسوف لا يمر زمن حتى يفقد العلم والعلماء بالمرة.

9) ومما يتعلق بالأوقاف أيضاً الاقتصار في تشكيلات المديرية وموظفيها في أنحاء العراق بصورة تضمن مصلحة الوقف ولا تضر به.

10)   الجوامع، من الغريب حقاً أننا إذا عددنا الجوامع والمساجد في بغداد نجد أكثرها قد أنشئت في الحكومة العثمانية، ولا تزال أسماؤها معروفة بأسماء مشيديها، كجامع حسن باشا وجامع الوزير وجامع حسين باشا وجامع نائلة خاتون ومدرسة نائلة خاتون وغيرها، ولا نعلم جامعاً واحداً قامت الحكومة بتشييده وتعميره، اللهم إلا بعض الإصلاحات التي لا تكاد تذكر، بل على العكس ترى كثيراً من الجوامع ذات الأوقاف الغزيرة لا تزال مهدمة كجامع سراج الدين وجامع عبد الكريم الجيلي وفي هذه الآونة جامع السيد الرواس وغيرها من الجوامع التي استملكت لمصالح أخرى، وبقيت خاوية إلى الوقت الحاضر، لذلك نرجو من رجال الجمهورية المباركة أن يلتفوا إلى هذه الناحية الحيوية بصورة جديّة، وأن يعيروها اهتمامهم البالغ لإعلاء كلمة الله في بيوت الله وإرجاعها إلى ما كانت عليه وزيادة لتتجلى شعائر الإسلام في عاصمة الجمهورية الإسلامية. ولولا قيام بعض المحسنين بإنشاء بعض الجوامع في العاصمة وغيرها، لما رأينا جامعاً جديداً مطلقاً.

11)   فتح مدارس لتعليم القرآن الكريم وتجويده حسب الأصول، إذ أن هذه الناحية تكاد تكون مفقودة في العراق بخلاف بقية الأقطار الإسلامية، فإنها تعني بهذه الناحية عناية فائقة تتناسب بقدسية القرآن عند المسلمين.

12)          ومما يجب الالتفات إليه تدريس الدين في جميع مدارس المعارف بجميع مراحلها من البداية إلى النهاية، وجعل الدين إلزامياً بحيث يتوقف عليه نجاح الطالب ورسوبه، وتعيين من يحسنون تدريس الدين من أهل العقيدة الصحيحة لتكون الناشئة على علم من عقائدها ودينها قال تعالى: ( يا ايها الذين امنوا قوا انفسكم واهليكم نارا) ولا تتحقق هذه الوقاية التي هي خير من ألف علاج إلا ببث الروح الدينية بين الشباب المثقف، وتنشئهم على العقائد الصحيحة والدين الحنيف.

13)   من المتفق عليه أن داء الشرق الوبيل الرشوة والمحسوبية "الواسطة" فنرجو من رجال الدولة أن يقفوا بالمرصاد لمن يمتص أموال المواطنين بغير حق باسم الرشوة البغيضة، أو باسم المحسوبية والمنسوبية، وأن يقضوا على هاتين الخصلتين الذميمتين القضاء المبرم، ليتخلص الناس من سلب أموالهم بغير طريق شرعي، وأن تعاقب الجمهورية الموقرة بالعقوبة الصارمة كل موظف صغيراً كان أو كبيراً تدنس بدناءة الرشوة ليتأدب غيره، ولكي يصل الحق إلى أهله من غير غبن أو ضرر فاحش، ولا يخفى على ذوي البصيرة أن الرشوة والعياذ بالله من عواقبها تقلب الأمور، فتجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، والرشوة بعد كل ذلك داء دفين ما دبَّ في أمة إلا نخرها، فالقضاء على الرشوة في القطر العراقي يكاد يأتي بالدرجة من جذور الإصلاح بالنسبة إلى الفرد والمجتمع، وأن لنا أملاً كبيراً بأن الخصلة الذميمة مع المحسوبية سوف يقبران مع من قبروا، وسوف لا يبقى لها أثر إن شاء الله تعالى.

 

وبعد: فهذه ملاحظات رأيت من الواجب عليَّ أن أكتبها وأقدمها إلى سيادة أولي الأمر عملاً بالحديث الذي ذكرته في صدرها، سائلاً المولى جلت قدرته أن يعين ولاة الأمور بنصره وأن يبارك لهم في جميع أعمالهم، وليس ليَّ غاية سوى النصيحة لله تعالى، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل...

 

                            السيد أحمد الراوي         

المدرس الأول في مدرسة سامراء العلمية

 ــــــــــ

صورة الرسالة الاصل

وقد اخبرني فضيلة العلامة الدكتور احمد حسن الطه ( رئيس المجمع الفقهي العراقي ) بعد ان اطلعته عليها، بانه هو الذي كتبها بخط يده، حيث كلفه الشيخ بذلك ، حينما كان طالبا وقتها في المدرسة العلمية الدينية بسامراء.




ĉ
موقع العلامة الشيخ احمد الراوي,
٠٦‏/٠٩‏/٢٠١٣ ١:٢٢ ص
Ċ
موقع العلامة الشيخ احمد الراوي,
٠٦‏/٠٩‏/٢٠١٣ ١:٢٥ ص
Comments