رسالة من العلامة الشيخ عبدالكريم الدبان الى شيخه

هذه رسالة ارسلها العلامة الشيخ عبدالكريم الدبان، ايام كان طالبا في المدرسة العلمية الدينية في سامراء في ثلاثينات القرن الماضي، الى شيخه الشيخ احمد الراوي، معتذرا عن موقف بدر منه .
واترك للقارئ ملاحظة الادب الجم الذي تحلى به الشيخ الدبان - كما اترك للقارئ ادراك ماحوته سطور الرسالة  من المنزلة العظيمة للشيخ الراوي التي فرضت نفسها على نفس التلميذ النجيب الاريب.
 
 

هذه الرسالة وجدتها / في بعض ما بقي من الاوراق والكراسات التي  يحفظها والدي ( صهر الشيخ احمد الراوي  ) وهذا نص الرسالة بعد تحقيقها

( تعليق / مولود مخلص الراوي).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

      السلام على سيدنا الأستاذ الأكبر ورحمة الله تعالى وبركاته

      أسأل عن صحتكم واستراحتكم كل قادم اراه ، فأحمد الله سبحانه أن حباكم بصحة وعافية .

      اني اعتقد أن من أهم ما ينفع طالب العلم اذا انقطع درسه، هو أن يكاتب شيخه ويشرح له جليل امره وحقيره، ظاهره وباطنه، ليرشده إلى ما يحييه وينهاه عما يرديه ؛ وذلك بما أوتي الشيخ من نور البصيرة وراسخ العلم وفراسة الايمان الكامل، فيفصل لتلميذه ما اشكل عليه من أمور دينه ودنياه ، وبذلك تسدد أموره، فيعيش عيشاً هادئاً مطمئناً .

      لذلك فإني قد خسرت أي خسارة هذه المدة الطويلة التي لم أكتب لشيخي فيها شيئاً غير أربع أبيات هنأته فيها بالعيد، لم يرد في جوابها.          

  نعم خسرت واذنبت، ولكن ليس ذلك بأول ذنب اذنبته،  ولا أول سيئة تصدر مني، فيتلقاها الشيخ الكريم ـ أدام الله وجوده  ـ بالصدر الرحب والحلم الواسع .

      ليكن عند سيدي معلوماً أن غاية ما اتمنى في هذه الحياة وأهم شيء أطلبه واتشوف إليه هو (بعد رضاء الله) رضاك، فلا يهمني شيء بحمد الله في هذه الدنيا سوى ما تقدم، فإذا علمت أنك راض عني فذلك قرة عيني، وذلك ما اسر به أيما سرور ، وإذا علمت انك لست براض عني لا سمح الله فذلك عنوان شقائي، ومصدر همي وآية حزني وعلامة غمي وضيق صدري .

      سيدي إن حبك مالئ قلبي ولبي، وذكرك شاغل فكري ولساني، وان ذلك ليزداد كما تزداد عدة الأيام بلا نقص، لا كما يزداد القمر فينتقص او يمد البحر فيجزر ، وإني مغتبط جداً، وفرح جذلا بتضاعف هذا الحب في قلبي ، ومغتبط ايضا بأن اعتقد ان حبك قربة من القربات اتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى .

      إني كما تعهد ذلك الخويدم الفقير والمخلص الحقير بل العبد الصغير اللاهج بذكركم وشكركم آناء الليل وأطراف النهار ، وما أحسن قول بعضهم

      فسل مقلتي هل داعب النوم جفنها     

                                وسل قلبي الولهان هل نسى الذكرا

      نعم سل القلب الذي لا يعتني بغيركم ، ومن يستحق ان يعتني به في هذا الزمان الفاسد والعصر العاطل .

      كيف لا امتلئ من حبك والشغف بك وانت انت .. نعم انت الشيخ الجليل فخر العلماء، بقية السلف العظام وبركة الخلف الكرام، نور المجالس وزهرتها وبحر العلوم وبهجتها، منار البلاد وكعبة الطلاب والقصاد، مرآة العصر ومفخرة الوقت ... ما سمعت احدا يثني على امرئ بخصلة حميدة الا ولك منها الحظ الأوفر، العلم السيادة الكرم التقوى الصراحة بالحق، العقل الذكاء الشجاعة قوة الحافظة الخلق الحسن التواضع الزهد الاطلاع ... فسبحان الله العظيم ، سبحان من اودع زبدة السجايا الشريفة ولباب الخصال المنيفة واسمى الطباع العالية الحميدة واعلى الاخلاق الفاضلة المجيدة مع شخص واحد سبحان الله العظيم ولله در الشاعر حيث يقول :

      ليس على الله بمستنكر             ان يجمع العالم في واحد

      فمن يلومني في حب هذا الشخص الا اللهم من سلب من عقله وايف ادراكه ، ومن يظنني اسلاه او انساه الا اللهم من يظن انه يجوز ان ينسى الانسان اسمه او يسلي جسمه فسلوى عنك ونسياني اياك من المتعذر لا المتعسر ومن المستحيل لا البعيد الممكن ، قال الشاعر العربي :

      اتظنني اسلو هواك وانتهى     

                           عن جنة تحي النفوس وانت هي

      كيف انساك او انسي جزيل فضلك وعمم احسانك وعظيم شفقتك ام كيف انكر ما اسديت اليّ، وقد قيل الاحسان احد القيدين، والمشفق احد الوالدين ونكران النعمة احد الكفرين، ادعو الله فالق الحب والنوى ان يديم سيدي الاستاذ بصحة وعافية ، وان يديم سروره ويتم نوره ولو كره الحاسد او اغتاظ المعاند .

      اني ياسيدي بحالة أحمد الله ان ارضاني بها ، فيوم مغموم ويوم  مهموم، ويوم محروم ويوم مريض ، ويوم حزين ويوم مصاب، ولا حول ولا قوة الا بالله ، لله الامر من قبل ومن بعد

ارجو دعائك كما اتمنى رضاءك

 الخادم المخلص

عبد الكريم الدبان




 عودة الى الصفحة الرئيسية
Comments