Home - Ada Copy‎ > ‎

جهود القابسي التربوية


جهود القابسي التربوية

ثانيا : القابسي، وآراؤه التربوية :

        الاسم الكامل للقابسي هو : أبو الحسن علي بن محمد خلف المعافري، المعروف بالقابسي، وُلِدَ بالقيروان سنة ثلاثمائة وأربع وعشرين، وبها تربّى وتعلم وعلم، وبها مات، ودُفِنَ سنة ثلاث وأربعمائة، ويرجع نسب القابسي -على الأرجح- إلى قرية المعافرين التي ينتسب إليها، وكانت ضاحية من ضواحي تونس.

وكان القابسي عالما ضريرا فقها ورعا، وله مؤلفات كثيرة تصل إلى خمسة عشرة، كلها في الفقه والحديث والمواعظ، باستثناء واحد أفرده القابسي لشئون التعليم في الإسلام هي رسالته المفصلة لأحوال المتعلمين، وأحكام المعلمين والمتعلمين، وقد صنفها في النصف الثاني من القرن الرابع، وضاع الأصل وبقيت منه نسخة خطية فريدة ترجع إلى عام ستة وسبعمائة، وهي محفوظة بالمكتبة القومية بباريس، ومكتوبة بخط مغربي جميل.

وهذه الرسالة أكبر في حجمها من رسالة ابن سحنون، وقد تأثر بما كتبه ابن سحنون، ونقل عنه نقلا حرفيّا في بعض الأحيان كما سبق أن أشرنا، كما نقل أيضا عن فقهاء الذين أخذ عنهم ابن سحنون كابن القاسم وابن وهب إلا أن للقابسي فضل التوسع والاستفاضة في الأبواب والمعالجة.

آراء القابسي التربوية :

تصدى القابسي في رسالته إلى الكلام عن تعليم الصبيان من حيث أغراضه ومناهجه وطرق تدريسه وأماكنه ومراحله، كما تحدث عن بعض الأحكام الخاصة بالمعلم، وقد تناول القابسي في الجزء الأول من رسالته فضل تعلم القرآن وتعليمه، وهو بهذا يشترك مع ابن سحنون، بل أنه ينقل نفس الأحاديث النبوية إلا أنه يتوسع في الكلام.

الغرض من التعليم معرفة الدين علما وعملا، ويجعل القابسي من تعليم القرآن غرضا هامّا لتعليم الصبيان، فالقرآن ضرورة لمعرفة الدين، والصلاة لا تتم إلا بقراءة شيء من القرآن وهي مفروضة على المسلمين؛ لأنها ركن من أركان الدين، وهو يتفق مع غيره من علماء المسلمين في أن الغرض الأول من تعليم الصبيان هو معرفة الدين علما وعملا، أو نظرا وتطبيقا وممارسة.

وجوب تعليم الصبيان :

ويتعرض القابسي لقضية لم ترد عند ابن سحنون، وهي قضية القول بضرورة تعليم جميع الصبيان، فتعليمهم واجب وجوبا شرعيّا، وهو يدلل على هذا الوجوب بوجوب معرفة القرآن والعبادات، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولذا كان التعليم واجبا؛ لأنه شرط معرفة القرآن والعبادات، وهكذا نجد بذور فكرة التعليم الإجباري الإلزامي عند القابسي، وقد كان صريحا كما كان جريئا فيها.

وقد استقر هذا المبدأ عند علماء المسلمين فيما بعد عندما أصبح طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وتقتضي ضرورة تعليم الصبيان أن يكون الوالد مكلفا بتعليم ابنه بنفسه فإن لم يستطع فعليه أن يرسله لتلقي العلم بالأجر، فإذا لم يكن قادرا على ذلك قام بالتكليف أقرباؤه، فإذا عجز الأهل عن نفقه التعليم قام بها المحسنون أو قام معلم الكتاب بتعليم الفقراء احتسابا لوجه الله أو دفع لهم الحاكم أجر تعليمهم من بيت المال، وهكذا يتحقق تعليم كل المسلمين بصرف النظر عن الغني أو الفقير.

تعليم البنت حق :

يعترف القابسي بحق البنت في التعليم انطلاقا من أن التكاليف الدينية واجبة على الرجل والمرأة، وهو بهذا يتفق مع روح الإسلام الحقيقية التي جعلت من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة على حد سواء، إلا أنه ذهب إلى عدم الخلط بين الصبيان والإناث، وهو مبدأ سبق أن أكده ابن سحنون لاعتبارات أخلاقية، وينبغي أن تُعلَّم البنت ما فيه صلاحها ويبعدها عن الفتنة.

منهج الدراسة :

يذهب القابسي إلى أن الغاية الدينية هي التي تحدد العلوم التي يدرسها الصبيان، وأول هذه العلوم : حفظ القرآن وقراءته وكتابته ونطقه وتجويده، وتعليم الحساب والمواد الأخرى -في نظره- ليس بشرط لازم، وهو بهذا أيضا يتفق مع ابن سحنون.

الدين أصل الأخلاق :

يعتبر القابسي الدين أصل الأخلاق فالدين أساس التربية الخلقية في الإسلام؛ لذلك يجب أن يعمل التعليم على تهذيب الأخلاق، وأساس الأخلاق عنده الضمير الخلقي الحي المستمد من الدين الذي يعتمد على ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سئل عن الإحسان فقال : ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك)) ويكون اكتساب الأخلاق عن طريق التعليم والقدوة؛ ولذلك كانت سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذات فائدة تعليمية خلقية عظيمة قال تعالى : {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر : من الآية : 7)، وقال تعالى : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} (الأحزاب : من الآية : 21).

الفضائل والرذائل :

أن الفضائل من تمام كمال الإنسان وقد نبه القابسي إلى أثر تكوين العادة في اكتساب الفضائل لدى الإنسان؛ ولذا يوصي المعلم بتوجيه الصبيان إلى العادات الحسنة وإبعادهم عن العادات الرذيلة، وأول الصفات الطيبة التي يتحلى بها الصبيان في نظره، الطاعة وهي ليست واجبة عليهم نحو المعلم فحسب، بل هي واجبة نحو الله والرسول وأولي الأمر كما جاء في القرآن الكريم : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء : 59).

ومن الصفات الطيبة النظام : فالفوضى مفسدة للصبيان ويقتضي النظام من الصبيان الانتظام في الحضور وعند الانصراف من الدرس، والتحلي بالنظام في الدرس من الأعمال المدرسية والعبادات الإسلامية خير ما يعود الإنسان على الطاعة والنظام؛ ولذا كانت ممارستها واجبة، والمعلم مطالب بتعليمها للصبيان باعتبارها أصل الفضائل وعصمة من الرذائل.

الرفق بالصبيان :

إن العقوبة مشروعة في الإسلام وجُعل لنا في القصاص حياة، وقد أقر القابسي مبدأ عقاب الصبيان، لكنه يترفق معهم تمشيا مع روح الإسلام التي تتسم بالرحمة والعفو، وينزل المعلم من الصبي منزلة الوالد وطالبه بأن يكون رفيقا به عادلا في عقابه غير متشدد فيه، من الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إذا أخطأ الطفل، وإنما ينبه مرة بعد أخرى فإذا لم ينتصح لجأ إلى العقاب، وقد نهى القابسي عن استخدام أسلوب الحرمان من الطعام والشراب في العقاب، بل طالب من المعلم أن يترفق بالصبيان فيأذن لهم بالانصراف إلى تناول الغذاء من طعام وشراب، ثم يعودون. وهذا يعني أن الدراسة بالكتاب كانت تمتد إلى العصر.

ونهى القابسي عن الانتقام في العقاب؛ ولذا نهى المعلم عن ضرب الصبيان في حالة الغضب حتى لا يكون ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه، وأشار القابسي إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان؛ فأقر الضرب كعقوبة إلا أنه اشترط لها شروطا من أهمها ما يلي :

لا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب، أن يكون العقاب على قدر الذنب، أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث ويستأذن ولي الأمر فيما زاد عن ذلك، أن يقوم المعلم بالضرب بنفسه ولا يوكله لواحد من الصبيان، أن يكون الضرب على الرجلين ويتجنب الضرب على الوجه والرأس أو الأماكن الحساسة من الجسم، أن آلة الضرب هي الدرة أو الفلقة، ويجب أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا.

وهذه نفس الشروط تقريبا التي أشار إليها ابن سحنون من قبل.

نظام الدراسة :

إن نظام الدراسة التي أشار إليه القابسي يقوم على أساس الدراسة طول أيام الأسبوع باستثناء يوم الجمعة والنصف الثاني من يوم الخميس، ويخصص مساء الأربعاء وأول يوم الخميس للمراجعة والتدقيق من جانب المعلم للصبيان، وتكون الدراسة في أول النهار حتى الضحى مخصصة للقرآن الكريم، ومن الضحى إلى الظهر لتعليم الكتابة، وعند الظهر ينصرف التلاميذ لتناول الغذاء، ثم يعودون بعد صلاة الظهر؛ حيث يدرس الصبيان فيما يتبقى من نهار بقية العلوم كالنحو والحساب والشعر، وهو يتفق في كثير من هذه الأمور مع ابن سحنون.

النهي عن تعليم غير المسلمين :

يتفق القابسي مع ابن سحنون في النهي عن تعليم غير المسلمين في الكتاتيب والنهي أيضا عن تعليم أبناء المسلمين في المدارس النصرانية ومن الواضح الأساس الذي بني عليه هذا النهي.

المعلم :

اقتصر القابسي في رسالته على الكلام عن معلمي الكتاتيب الذين يتصلون بأولاد العامة وذاع عنهم الحمق، فقيل في المثل : أحمق من معلم الكتاب. وهكذا وصفوا بالحمق وقلة العقل ولم تقبل شهادتهم. وقد انتصر الجاحظ لمعلمي الخاصة، وهم المؤدبون الذين كانوا أكثر احتراما من معلمي الصبيان، ولعل هذه الوصمة لحقت بمعلمي الصبية من جراء العناصر الوضعية التي اشتغلت بالمهنة والممارسات السيئة التي عرفت عنهم مما يتضح مما نهى القابسي المعلمين عنه.

ولم تكن هناك شروط يسمح للمعلم بناء عليها بمزاولة المهنة، ولكن كان الأمر يعتمد على الشعور بالقدرة فمن آنس في نفسه المقدرة على التعليم جاز له ذلك، وقد اشترط القابسي في المعلم معرفة القرآن والنحو والشعر وأيام العرب إلى جانب شخصيته الدينية وسمعته الطيبة، وهو بهذا يتفق مع ابن سحنون ويتفق معه أيضا في مطالبة المعلم بعدم الانشغال عن تعليم الصبيان، وعدم طلب الهدايا منهم أو إرسال تلاميذهم في قضاء حوائجهم والحصول على طعام باسمهم في مناسبات الأفراح أو إحضار الطعام والحطب من بيوتهم، ولا يجوز للمعلم أن يترك عمله للصلاة على الجنازة أو السير فيها، أو عيادة المرضى أو قبول شهادة البيع والنكاح، وربما من هنا جاءت فكرة عدم قبول شهادة المعلم الصبية لا لنقص فيه، ولكن؛ لأنه منهي عن  الانشغال عن التعليم وهو واجبه بأعمال أخرى.

وواضح أوجه الاتفاق والشبه الكبير بين ما يقوله القابسي وما ذهب إليه ابن سحنون، وكلاهما يتفقان أيضا على أن يأخذ المعلم أجرا نظير عمله إما مشاهرة أو مساناة، وأعطى للمعلم سلطة كبيرة على الصبي تساوي سلطة الوالد، ولكنه حمّل المعلم المسئولية والنتيجة النهائية لعمله، وليس له أن يعتذر عن فساد النتيجة بنقص سلطته أو إلقاء اللوم على الصبيان؛ ولهذا صح عقاب المعلم ومحاسبته على التقصير في أعماله، وقد يصل العقاب إلى حد منعه من الاشتغال بالتعليم.

       

Comments