Home - Ada Copy‎ > ‎

جهود ابن سحنون التربوية


الدرس الثالث

جهود ابن سحنون التربوية

ابن سحنون وآراؤه التربوية :

الاسم الكامل له هو محمد بن سعيد بن حبيب التنوخي القيرواني، ولد بالقيروان بتونس سنة 202هـ، ومات سنة 256هـ، ودفن بجوار أبيه بالقيروان، وقد نشأ ابن سحنون في بيئة مثقفة متدينة، فقد كان أبوه الإمام سحنون عالمًا متدينًا ذائع الصيت، وقاضيًا متنورًا عادلًا، تولّى القضاء في عهد الأمير أبي العباس أحمد بن الأغلب، وباشر الحسبة والمظالم بنفسه، واستحق أن يلقب بسراج القيروان، وقد تلقى ابنه محمد عنه وعن غيره من علماء عصره، وارتحل إلى الشرق حبًّا في الاستزادة في طلب العلم.

وقد ألف محمد بن سحنون كتبًا كثيرة تزيد عن العشرين مصنفًا في مختلف العلوم، إلا أن شهرة ابن سحنون بالنسبة لدراسة التربية الإسلامية، ترتبط بكتابه المعروف "آداب المعلمين" الذي نشر 1348هـ - 1929م، وقامت بنشره اللجنة التونسية بنشر المخطوطات العربية على أساس نسخة خطية من مخطوطات، يرجع تاريخها إلى القرن الثامن الهجري.

وقد نسب ابن خلدون في مقدمته هذا الكتاب خطأً إلى محمد بن أبي زيد، والكتاب نفسه صغير الحجم عظيم القدر، فهو يقع في اثنتي عشرة صفحة في النسخة الخطية، و26 صفحة في النسخة المنشورة، وقد نقل ابن سحنون هذا الكتاب عن أبيه، كما يتضح من التذييل المكتوب في نهاية الكتاب، وكما يتضح أيضًا من محتويات الكتاب نفسه، ويتضمن الكتاب عشرة أبواب على الترتيب هي :

1- ما جاء في تعليم القرآن العزيز.

2- ما جاء في العدل بين الصبيان.

3- باب ما يكره مَحْوُهُ من ذكر الله تعالى.

4- ما جاء في الأدب : ما يجوز في ذلك، وما لا يجوز (العقاب).

5- ما جاء في الختم وما يجب في ذلك للمعلم (من حيث الأجر).

6- ما جاء في القضاء بعطية العيد.

7- ما ينبغي أن يخلي الصبيان فيه من (العطلات الرسمية).

8- ما يجب على المعلم من لزوم الصبيان.

9- ما جاء في إجازة المعلم ومتى تجب (أجر المعلم).

10- ما جاء في إجازة المصحف وكتب الفقه وما شابهها.

وهناك تداخل أحيانًا، وتكرار أيضًا في الآراء التي يُوردها ابن سحنون تحت هذه العناوين، بل إنه قد يرد تحت العنوان كلام لا يدخل في بابه أو الموضوع.

وفي ضوء هذا التنبيه وهذه الإشارة سنعرض لأهم الآراء والمبادئ التي أوردها ابن سحنون، تحت هذه العناوين ما التزامنا بترتيبها كما أوردها، ولا يعتبر ذلك نقدًا لابن سحنون، أو تقليلًا لأهمية الآراء التي أوردها، فهو صاحب فضل وسبق كبير، باعتباره أول من ألف في التربية الإسلامية من العرب والمسلمين، فلم يرد قبله كتاب تناول هذا الموضوع. وهو بهذا يعتبر رائدًا في الكتابة في التربية الإسلامية، وقد اعتمد عليه من ألف بعده في نفس الموضوع، ومنهم القابسي في رسالته عن أحوال المعلمين والمتعلمين، بل إن القابسي كان ينقل أحيانًا نقلًا حرفيًّا عن ابن سحنون، وأحيانًا أخرى كان ينقل بتصرف في العبارة دون إخلالٍ في المعنى.

        أهم الآراء التي وردت في رسالة ابن سحنون :

لا يوجد ابن سحنون آراءً وأحكامًا مستقلة تعبر عن رأيه، وإنما يورد هذه الآراء منسوبة إلى الأحاديث النبوية، أو القرآن الكريم، أو الروايات المدققة.

فضل تعليم القرآن وتعلمه :

كان أول ما أكده ابن سحنون فضل تعلم القرآن الكريم وتعليمه، ويقتبس لذلك أحاديث للنبي كقوله صلى الله عليه وسلم : ((أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه))، ((ويرفع الله بالقرآن أقوامًا))، ((وإن لله أهلين من الناس : حملة القرآن هم أهل الله وخاصته))، و((من قرأ القرآن بإعراب فله أجر شهيد)).

العدل بين الصبيان :

في إشارته إلى العدل المؤدّب بين الصبيان يُورد ابن سحنون حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يقول : ((أيّما مؤدبٌ ولي ثلاثة صبية من هذه الأمة، فلم يعلمهم بالسوية فقيرهم مع غنيهم وغنيهم مع فقيرهم حُشر يوم القيامة مع الخائنين)).

ما يكره محوه من ذكر الله تعالى :

يستدلّ ابن سحنون في كلامه عن ما يكره محوه من ذكر الله تعالى، بما ورد عن أنس بن مالك قوله : "إذا محت صبية الكتاب"، "تنزيل رب العالمين" من ألواحهم لأرجلهم، نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره، ثم لم يبالِ حين يلقى الله على ما يلقاه عليه.

ويُورد على لسان أنس تفسيره للطريقة التي كانت تُمحى بها الألواح وما عليها من القرآن أيام الخلفاء الأربعة، فيقول : "كان للمؤدّب "أجانه" وكان صبي يأتي يوم نوبته بماء طاهرٍ يصعبه فيها، وتمحى الألواح بغمسها في الأجانة المملوءة بالماء، ثم يوضع الماء بعد الانتهاء من غسل الألواح في حفرة في أرض يصب فيها؛ لينشف كما يمكن مسح الألواح بلعقها، أو بمسحها بالمنديل وما أشبهه.

ما يجوز في الأدب وما لا يجوز :

يُورد ابن سحنون تحت هذا العنوان روايات تتضمّن أقوالًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- تحدّد مدى ما يجوز للمعلم في عقاب الصبيان، وتأديبهم منها قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : ((لا يضرب أحدكم أكثر من عشرة أسواط إلا في حدّ)) وقوله -صلى الله عليه وسلم- : ((أدب الصبي ثلاثة دِرَر فما زاد عليه قوصص -من القصاص- يوم القيامة)).

وهذا يعني أن ضرب المعلم الصبي يجوز بين ثلاث دِرَر، ولا يزيد عن عشرة عند تأديبهم على اللعب والبطالة، ويكون التأديب بهدف منفعتهم، لا بسبب غضب المؤدب، ولا يجوز للمؤدب أن يزيد في ضربه على ثلاثة دِرَر في تأديب الصبي على قراءة القرآن، ويجب أن يكون التأديب على قدر الذنب دون إسراف.

وفي ختمه القرآن وما يجب للمعلم :

يفهم مما يُورده ابن سحنون أن ختمه القرآن تكون إما بحفظ القرآن كله، أو معظمه، أو نصفه، أو ثلثه، أو ربعة، ويكون ذلك حسب قدرة المتعلم، ولا يجوز للمعلم أن يحمل المتعلم فوق ما يريد أن يحفظه من القرآن إلا بإذن أبيه، كما يجوز للمعلم أن يأخذ هدايا من الصبيان في مناسبة الختمة وفي الأعياد فقط، ولا يجوز له أن يأخذ منهم هدايا فيما عدا ذلك إلا بإذن الآباء.

وفي عطية العيد :

لا يجوز للمعلم أن يكلف الصبيان فوق أجره شيئًا من هدية، أو غير ذلك، وحرام عليه أن يقبل منهم هدية سألهم عليها، ولا جناح عليه أن يقبل الهدية إذا جاءت منهم بدون سؤال، ولا يجوز له أن يعاقبهم أو يهددهم على عدم إهدائهم، كما لا يحل له أن يخليهم إذا أهدوا له؛ لأن التخلية داعية إلى الهدية وهو أمر مكروه.

وفيما ينبغي أن يخلى الصبيان فيه :

يفهم مما يذكره ابن سحنون أن إجازة الصبيان في الأعياد تكون من يوم إلى ثلاثة في عيد الفطر، ومن ثلاثة أيام إلى خمسة في عيد الأضحى، ولا يجوز للمعلم أن يرسل أحدًا من صبيانه في طلب من تغيب منهم إلا بإذن أولياء الأمور، إلا أن يكون الأماكن قريبة لا تلهي الصبي عن دراسة، وعليه أن يتعهّد المتغيبين من الصبيان بنفسه، وأن يخبر آبائهم بتغيبهم، ومن الأفضل ألا يكلف أحد صبيانه بالضرب، وإلا يجعل لهم عرّيفًا عليهم إلا إذا كان قد ختم القرآن وعرفه، وأصبح مستغنيًا عن التعليم، فلا بأس من أن يستعين به في التعليم لما في ذلك من منفعة للصبي، وله أن يستأذن والده في ذلك، ويجوز له أن يستأجر من يعينه إذا كان في مثل كفاءته.

ما يجب على المعلم من لزوم الصبيان :

مما يورده ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يلي :

1- لا يحل للمعلم إن ينشغل عن الصبيان وهو يقوم بتعليمهم، اللهم في الأوقات التي تتخلل عمله، فلا بأس من أن يتحدث وهو يتفقدهم وعينه عليهم.

2- يعرض ابن سحنون لتحريم رمي الفاكهة على الناس عند الاحتفال بختم القرآن؛ لأن ذلك يعتبر طعامًا نهبةً، وقد نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن أكل الطعام النهبة.

3- يجب على المعلم أن يتفرّغ لتلاميذه، ولا يترك عمله للصلاة على الجنائز إلا في حالات الضرورة، ولا يجوز له أن يترك عمله للسير في الجنائز، أو عيادة المرضى.

4- ينبغي أن يخصّص المعلم لتلاميذه وقتًا لتعليم الكتاب، وينبغي أن يعلمهم إعراب القرآن والشكل والهجاء، والخط الحسن، والقراءة الحسنة، والتوقيف، والترتيل، أما تعليم الحساب، والشعر، والعربية، والنحو فتعليمها ليس واجبًا عليه إلا إذا اشترط عليه ذلك.

5- لا يجوز للمعلم أن يضرب الصبي على رأسه أو وجهه، ولا يجوز له أن يمنع من طعامه وشرابه إذا أرسل في طلبه.

6- لا يجوز للمعلم أن يوكل تعليم الصبية لبعض بل يجب أن يتولى ذلك بنفسه.

7- لا يجوز للمعلم أن ينشغل عن الصبيان، بأن يكتب لنفسه أو لغيره كتب الفقه إلا بعد انتهاء الصبية من القراءة.

8- على المعلم أن يحضر الدرة، والفلقة، وعليه أيضًا استئجار الحانوت، وليس على الصبيان شيئًا من ذلك كله، ولكن إذا استأجر الآباء المعلم على تعليم الصبيان لمدة سنة، فعليهم استئجار المكان للمعلم.

9- على المعلم أن يختبر مدى تقدم صبيانه في التعليم، وأن يخصص وقتًا معلومًا لمراجعة حفظ القرآن مثل عشية الأربعاء، ويوم الخميس، وأن يعفيهم من الحضور للدراسة يوم الجمعة.

10- لا يجوز للمعلم أن يعلم صبيانه قراءة القرآن بالألحان، والغناء؛ لأنه مكروه.

11- من الإشارات الطريفة عن المعلمين لابن سحنون قوله : إنهم كانوا يسرّون بوقوع الحبر على ثيابهم دلالة على اجتهادهم الشديد في تعليم الصبيان.

12- يجعل المعلم وقت الدراسة بالكتاب من الضحى إلى وقت الظهر، مما يسمّى الانقلاب.

13- يجوز للمعلم أن يجعل صبيانه يملي بعضهم بعضًا؛ لما في ذلك من منفعة لهم، ويجب أن يتفقد إملاءهم أو يفحصها.

14- لا يجوز للمعلم أن ينقل الصبي من سورة إلى سورة إلا إذا حفظها بإعرابها وكتابتها.

15- لا يجوز للمعلم أن يرسل الصبيان في قضاء حوائجه.

16- يجب على المعلم أن يأمر الصبي بالصلاة إذا كان ابن سبع سنين، ويضربه عليها إذا كان ابن عشر، وعليه أن يعلمه الوضوء والصلاة؛ لأنها من تمام دينهم، ويعلمهم أيضًا سنن الصلاة والابتهال إلى الله.

17- لا يجوز تعليم الصبيان في المسجد؛ لأنهم لا يتحفظون من النجاسة، ولم ينصب المسجد لتعليم الصبيان.

18- لا يجوز للمعلم أن يعلم أولاد النصارى القرآن.

19- من المكروه تعليم الجواري باختلاطهم بالغلمان؛ لأن ذلك فسادٌ لهم.

20- على المعلم أن يؤدّب الصبيان إذا آذى بعضهم بعضًا.

21- إذا أدّب المعلم الصبي الذي يجوز له تأديبه فأخطأ، ففقأ عينه، أو أصابه فقتله كان على المعلم الكفارة في القتل والدية، إذا جاوز حدّ التأديب إلى القسوة، وإذا لم يجاوز المعلم الحد فلا دية عليه، وإذا ضرب المعلم الصبي بشيء غير مسموح به فقتله فعلى المعلم القصاص.

ما جاء في إجازة المعلم ومتى تجب :

من أهم المبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يأتي :

1- يجوز أن يُؤجّر المعلم شهريًّا أو سنويًّا، أو يُدفع له الأجر حسب الاتفاق.

2- يستحق المعلم الأجر المتفق عليه، ولو كان لمدة سنة في حالة مرض الصبي، أو خروجه مع والده في سفر.

3- يجوز أن يُستأجر المعلم لجماعة من الصبيان إذا تراضى الآباء بذلك، ويقوم كل منهم بدفع نصيبه.

4- يُمنع المعلم من التعليم إذا عُرف عنه التفريط، أو التقصير في تعليم تلاميذه.

5- يجوز للمعلم أن يعلم مع صبيان استؤجر على تعليمهم صبيانًا آخرين؛ بحيث لا يضر بتعليمهم.

ما جاء في إجازة المصحف وكتب الفقه :

من أهم المبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يأتي :

1- يجوز أن يُستأجر المصحف للقراءة فيه، كما يجوز بيعه؛ لأن ما يباع هو الحبر والورق.

2- ويجوز أيضًا إجارة كتب الفقه وبيعها إذا علم من استأجرها واشتراها.

Comments