Home - Ada Copy‎ > ‎

ابن خلدون وفكره التربوي


محاضرة [ II ]

2- سيرة وجهود العلماء المسلمين من السلف الصالح (3)

ابن خلدون وفكره التربوي

أما المفكر السادس والأخير؛ فهو : ابن خلدون، يعتبر ابن خلدون من أئمة علماء العرب ومن أشهر علماء المسلمين الذين تعدت شهرتهم حدود بلادهم وطوفت الآفاق، وقد وُلِدَ عبد الرحمن بن خلدون سنة سبعمائة واثنان وثلاثين في تونس، وتوفِّي سنة ثمانمائة وثمان في القاهرة، ودرس العلم وحصله على أيدي علماء كثيرين، وإلى جانب اشتغاله بالعلم اشتغل بالسياسة، وخاض غمارها وجرت المصائب والمؤامرات والحروب، وكان لا يستقر في مكان واحد، فقد أمضى ما يقرب من ثلث حياته أربع وعشرين سنة في تونس، وثلث آخر في المغرب والأندلس، وثلث ثالثة في الشام والحجاز ومصر.

وقد وصف مصر بأنها حاضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، وتقلد بعض الوظائف بينها خطة المظالم -أي : القضاء- وصار وزيرا وسفيرا وخطيبا ومدرسا، ودرس بالجامع الأزهر وسافر بعدها لأداء فريضة الحج وعاد إلى القاهرة وتولى منصبه الذي كان يشغله من قبل، وهو القضاء المالكي الذي تولاه في مصر أكثر من مرة.

وقد نشأ ابن خلدون في أسرة جمعت بين العلم والرياسة، والسلطان، فقد تولوا في تونس مراتب عليا في الدولة، وشاركوا في كثير من حروبها دون أن تنقطع صلتهم بالعلم والأدب، وفي ظل هذه البيئة العائلية -كما يقول ساطع الحصري- تَوَلَّدَ في نفسه نزعتان قويتان : حب المنصب والجاه من ناحية، وحب الدرس والعلم من ناحية أخرى.

وقد كانت حياة ابن خلدون مليئة بالهموم فقد أهلك أبواه في الطاعون الجارف الذي اكتسح وطنه، وقضى على كثير من العلماء والشيوخ، وكان عمر ابن خلدون سبعة عشرة عاما، وهكذا حرم من والديه وهو في ريعان الشباب، ولم يعرف الاستقرار طول حياته؛ فقد كانت مليئة بالقلائل وكانت أشد صدمة عليه ما حدث لزوجته وولديه وبناته الخمسة عندما كانوا في طريقهم إليه من المغرب إلى القاهرة؛ فغرقت بهم السفينة، ولم ينجو منهم إلا ولداه، حدث ذلك في وقت كان فيه ابن خلدون لا يحسد عليه، وفي ذلك يقول : ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد ووصلوا من المغرب في السفن، أي السفينة، فأصابها قاصف من الريح فغرقت وذهب الموجود والسكن والمولود؛ فعظم المصاب والجزع ورجع الزهد.

ولابن خلدون مؤلف معروف بعنوان كبير هو كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" وهو في سبعة أجزاء أشهرها الجزء الأكبر الذي يعرف بالمقدمة، وهي مقدمة ضخمة عظيمة الشأن، حوت كثيرا من العلوم، وتكلم فيها عن الحضارة والعمران، وكل ما يرتبط بهما من سلطان، وكانت هذه المقدمة منهلا لطلاب العلم في كل فن، وعرض فيها لكل أنواع العلوم المعروفة في عصره، وعرض فيها للعلوم والتعليم في الأمصار الإسلامية وعرض لآرائه في التربية والتعليم.

        الآراء التربوية لابن خلدون :

الواقع : أن كثيرا من الآراء التربوية التي عبر عنها ابن خلدون وردت عند من سبقوه في الكلام عن هذا الموضوع، من أمثال : ابن سحنون، والقابسي، والغزالي، وغيرهم، وسنعرض في السطور التالية لأهم آرائه في التربية.

كلمة التربية :

وردت كلمة التربية عند ابن خلدون مرة واحدة في كلامه في الفصل الرابع والثلاثين من مراتب الملك والسلطان وألقابها، يقول : إن الاستعانة إذا كانت بأولي القربى من أهل النسب أو التربية أو الاصطناع القديم للدولة كانت أكمل؛ لما يقع في ذلك من مجانسة خلقهم لخلقه، فتتم المشاكلة في الاستعانة قال تعالى : {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} (طه : 29 - 32)، وواضح أن المقصود بالتربية هنا معناها اللغوي الذي ينصرف إلى التنشئة، وليس إلى معناها الاصطلاحي الذي نقصده عادة.

العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري :

يقول ابن خلدون : إن الإنسان مدني بالطبع، وهي عبارة ترددت قبل أكثر من ثلاثة قرون ونصف عند العالم الإسلامي الشافعي الكبير أبي الحسن الماوردي، يقرر ابن خلدون أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري؛ ذلك لأن الإنسان تميز عن الحيوانات بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيأ لذلك التعاون، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به واتباع صلاح أخراه، فهو مفكر في ذلك كله دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين، بل اختلاف الفكر أسرع من لمح البصر، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم، وما قدمناه من الصنائع، وهو يقرر في فصل آخر أن الصنائع تكمل بكمال العمران الحضاري، وكثرته، وأن العلوم تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة.

الرحلة في طلب العلم :

يقرر ابن خلدون أن الرحلة في طلب العلم مفيدة، ولا بد منها لما فيها من اكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومعاشرة الرجال.

القرآن أصل التعليم :

ذهب ابن خلدون كسابقيه إلى القول بأن القرآن هو أول العلوم التي يتعلمها الصبي؛ فالقرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل من الملكات، ويقارن ابن خلدون بين الأمصار الإسلامية في تعليم القرآن واختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات.

تعليم اللغة أساس لتعليم سائر الفنون :

اعتبر ابن خلدون تعليم اللغة أساسا لتعليم سائر الفنون، وهذا صحيح لكنه قال : أن اللغة الدارجة أهون على التعبير، ولذا ننصح بتعليم اللغات الدارجة إلى جانب اللغة العربية، وهو رأي غريب لا يمكن أن نوافقه عليه لما يؤدي ذلك إلى التقليل من شأن اللغة العربية، التي تعتبر الرباط الثقافي والفكري لكل البلاد العربية.

تعليم اللسان العربي :

يؤكد ابن خلدون في تعليم اللسان العربي على كثرة حفظ كلام العرب وأشعارهم، والتمرن على النسج على منوالهم حتى يصبح اللسان العربي سليقة، يقول ابن خلدون : ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ملكة اللسان العربي، ويشير ابن خلدون إلى مجرد معرفة قوانين النحو والإعراب لا تكون ملكة اللسان العربي، ويشرح ذلك فيقول : فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل؛ ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سأل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامه، أو قصد من قصوده؛ أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي، وكذا تجد كثيرا ممن يحسن هذه الملكة، ويجيد الفنين من المنظور والمنثور، وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور ولا  شيئا من قوانين صناعة العربية.

الفلسفة صناعة باطلة :

اعتبر ابن خلدون الفلسفة صناعة باطلة؛ لأن الفلاسفة يزعمون أنهم يعرفون كل شيء والعالم أوسع من أن يحاط به.

سمو التعليم النظري :

وردد ابن خلدون ما ذهب إليه أفلاطون من سمو تدريب العقل على الجسم، فاعتبر ابن خلدون التعليم النظري أرقى من تعلم الفنون العملية؛ لأن التعليم النظري يقوم على العقل، وهو رأي وإن كان ساد الفكرة التربوية ردحا من الزمن إلا أنه بمعايير الفكر التربوي المعاصر لا يمكن قبوله.

التعليم في الصغر أشد رسوخا :

يردد ابن خلدون ما قاله الغزَّالي وغيره من المربين المسلمين : أن التعليم في الصغر أشد رسوخا، وأنه أصل لما بعده.

الشدة مضرة بالمتعلمين :

يكرر ابن خلدون ما أكده سابقوه من الرفقة بالمتعلم؛ لأن الشدة مضرة به وقد بين ضرر الشدة على المتعلم وما يترتب عليه من آثار ضارة فتسلمه إلى التبلد والكذب والخبث، يقول ابن خلدون في (المقدمة) : ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال : يا أحمد، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه؛ فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة؛ فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن وعرفه الأخبار، وَرَوِّهِ الأشعار وعلمه السنن، وبصرة بمواقع الكلام وبدءه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورَفْعِ مجالسِ القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تَمُرَّنَّ بك ساعة إلا وأنت مغتنمٌ فائدة تفيده إياها، من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة".

التدرج في التعليم :

نادى ابن خلدون  بما نادى به سابقوه بمراعاة التدرج في تعليم الصبيان ومراعاة قدراتهم، إلا أنه يتميز عن سابقيه فيما ذهب إليه بالقول بمبدأ التكرارات الثلاثة في عملية التعليم، وتشير هذه التكرارات إلى ثلاث مراحل متدرجة في التعليم يكون التعليم في المرحلة الأولى إجمالا، والثانية تفصيلا، وفي الثلاثة تعميقا بدراسة ما استشكل في العلم ووسائل الخلاف فيه.

ويقول ابن خلدون في ذلك : إن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج  شيئا فشيئا وقليلا فقليلا، يلقي عليه أولا مسائل من كل باب من الفن، هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة عقله، واستعداده لقبول ما يرد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن؛ وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيئته لفهم الفن وتحصيل مسائله.

ويعيب ابن خلدون على المعلمين الذين يجهلون الطريقة الصحيحة للتعليم، وأنهم يقدمون للمتعلم في أول عهده بالتعليم المسائل الصعبة أو المشكلة مما يعوق تعليمه.

يقول ابن خلدون : وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته، ويحضرون للمتعلم في أول تعليم المسائل المقفلة من العلم، ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها، ويحسبون ذلك مرانا على التعلم وصوابا فيه؛ فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيّا، ويكون المتعلم في أول الأمر عاجزا عن الفهم بالجملة إلا في الأقل، وعلى سبيل التقريب والإجمال، وبالأمثلة الحسية.

        عدم إطالة الفواصل الزمنية بين الدروس :

ونادى ابن خلدون بعدم إطالة الفواصل الزمنية بين دروس العلم الواحد؛ حتى لا ينسى المتعلم ما سبق أن درسه.

الاختصارات في العلوم مخلة بالتعليم :

من الإشارات التربوية الهامة لدى ابن خلدون قوله : بأن الاختصارات المؤلفة في العلوم تعتبر في نظره مخلة بالتعليم، وهي نظرة سليمة من ابن خلدون لما ترتب علي هذه الاختصارات من إخلال بالعلم.

التعليم يكون بالمحاورة لا الحفظ :

ويؤكد ابن خلدون أن الطريقة الصحيحة في التعليم هي التي تهتم بالفهم والوعي والمناقشة، لا الحفظ الأعمى عن ظهر قلب، ويشير إلى أن ملكة العلم، إنما تحصل بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة في مواضيع العلم، وهو يعيب طريقة الحفظ عن ظهر قلب، ويعتبرها مسئولة عن تكوين أفراد ضيقي الأفق عقيمي التفكير، لا يفقهون  شيئا ذي بال في العلم.

والواقع : أن المربين المسلمين قد اهتموا بأسلوب المناظرة والحوار في التدريس، واعتبروه أسلوبا مفضلا مجديا في التعليم. يقول الزرنوجي : إن قضاء ساعة واحدة في المناقشة والمناظرة أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار.

وقد احتاط المربون المسلمون من سوء استخدام أسلوب المناظرة والحوار بأن له بعض الشروط التي تجعل منه أسلوبا فعالا للتعلم والبحث العلمي، من أهمها : أن يكون هدف المناظرة الوصول إلى الحقيقة لا التضليل، وحب الانتصار بالباطل، كما يشترط في المتناظرين الإلمام بموضوع المناظرة والتحلي بالهدوء وسعة الصدر، وعدم التكلف وغيرة الصدر؛ ومع أن أسلوب المناظرة هو أقرب إلى الدراسات العالية، فإننا نجد صورة مبسطة منه في أسلوب الحوار أو النقاش الذي يديره المعلم مع تلاميذه ليحفزهم على التفكير.

Comments