وفي اللّيلةِ الظَّـلْماءِ يُفْـتَقَدُ البَدْر - نبيل يونس دمان

    حقيقةً شَهِدناها للأسفِ في رحيلِ صديقٍ عزيزْ، عَرِفناهُ مِنذُ الصِبا ومراحِلَ الشبابِ وفي بلادِ الغُربةِ، كان من معدنٍ نادرٍ وثمينْ، عَميقٌ في إدراكِه، متعددٌ في مواهبِه، منها نُظمُ الشعرِ وإتقان لغةَ آبائه وأجداده، عمل بدأبٍ ونشاطٍ في شؤون الجالية، والوطن الحبيب، وأولى إهتماماً أكبرَ في قضية قومِه الذي أصبح صغيراً في العدد، نظراً لقساوةِ الزمن، ظل سعيد لصيقاً بتلك القضية وبمصيرِها، وقد شبَّ على ذلك الإهتمام منذ ان كان طالباً في الجامعة التكنلوجية التي تخرج منها مهندساً كهربائياً عام 1976.

    كنتُ في السبعينات اُصيخُ السَمعَ اليه وهو يُغني" يونه دشلاما فيرا، تناشِه دماثا ميرَه، لا قطلوتن يوناثا، ولا جنقي وخماثا. خرسي كل طوبواثه، ومبرتخي كل رمحاثا، دخاهي جنقه وخماثه" انطلقت حمامة السلام، اوصت اهالي القرى:لا تقتلوا الحمام ولا الشباب. لتخرسَ المدافع وتتكسّر الرِماح حتى يعيش الشباب" عندما دار القتال في القوش عام 1973 حيث تعرضت لهجوم كبير فأستبسل ابنائها في الدفاع عنها ولم يَدَعوا المعتدين ينالوا مِنها، شأنُها في كُلّ عادياتِ الزمن، كان سعيد آنذاك في بغداد وقلبَه يرنوا إليها، فأنشد يقول" مْپوخه د ألقوش ميثي يا يونه سامي" ايتها الحمامة هاتِ من هواء القوش حِصتي، ثم يواصل الشاعر" مباقيري گو كيفِد أني گبّارِة وبِشْ كبيرا پكيفِد طفلَح خَضارِه، مپلانِه فِشّگي مِن گارِه لگارِه" بلّغي تحياتي للابطال واخص سلامي الى ذلك الطفل الذي يُوَصّلُ الذخيرةَ من سَطحٍ لسَطح".

    كان يزورُني في جامعة الموصل بإستمرار وعَرّفته على اصدقائي ومنهم الفنان شاهين علي الذي أخذنا الى بيتِه في وادي حجر، وكان سعيد يسوق سيارةً جميلة من نوع رينو الفرنسية، في غمرةِ فرحِنا واهتمامِنا بتلك المنطقة الشعبية التي كانت تعُجّ بالاطفال والناس والحيوانات الداجنة، وفجأةً دهس سعيد بطةً من بَطّ تلك البيوت، فخرج اصحابه يطالبون بالثأر!! هنا تدخل الصديق شاهين وحُلَّ الإشكال بدفعِ ثمنٍ مضاعفٍ لهم، وسعيد مُنذهلٌ من ردّة فِعل هؤلاء البسطاء.

    بعد التخرج في عام 1976 التقينا مُجنّدينِ في الفرقة المدرعة العاشرة بمعسكر الرشيد، وافترقنا بعدها، وفي عقد الثمانينات اصبحنا نتواصل بالمراسلة وانا في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وحتى وصولي الى اميركا فصار اللقاء بيننا دائمياً.

    كان سعيد اجتماعياً الى اقصى الحدود، ونتيجة لذلك اصبح له عشرات الاصدقاء، اخلصَ لهم حتى النهاية ونال احترامهم جميعا وحاليا يتوزع هؤلاء في اقاصي المعمورة، من ارض الوطن، الى اوربا، استراليا، وهنا في الولايات المختلفة. في كاليفورنيا حيث قضى اكثر من نصف عمره، كان في مقدمة الناشطين في الحقلين القومي والوطني، بغض النظر عن تسميةٍ بعينها، يتحرك باتجاه الوحدة، ويمقت صراع التسميات الضار بقضية هذا الشعب المظلوم، وانا معه وغيرنا من المعتدلين كنا نتحاشى ان نسمي قوميتَنا بإسم معين، لئلّا تُثيرُ حَفيظةَ البعض من قُصارى النَظر، هكذا كُنّا نَنظرُ بِأخوةٍ ومحبةٍ الى الجميع، لا نَنفرِدُ ولا ننغلِقُ ولكن للاسف الذي نُقابله يوصِدُ ابوابَه أمامنا او لا يُريد ان يَفهمنا، تلك الامور كانت تؤثرُ على سعيد وحتى وهو في دوّامة مرضِه الخَبيث الذي داهمَهُ قبل ستةِ سنوات، ظلّ هو ذلك المدافعُ الامين عن قومِه ووطنِه.

    اتذكر في عام 2002 تمرض في مشيكان فزرته في مستشفى( وليم بومانت) الذي رقد فيها، كانت معنوياته كالعادة عالية، وابدى تأسفه وخوفه من ان يُداهمه الموت قبل سقوط حاكم بغداد، ولكن القدر امدّه بالعمر الذي رأى وفرح بسقوط أعتى دكتاتورية عرفتها البشرية، ذهب الى بغداد بعد السقوط وشارك في المؤتمر القومي الذي انعقد في بغداد، كما وزار بلدته في نفس تلك الرحلة، وتبقى زيارته الاخيرة ربيع عام 2012 والتي كنت معه الأكثر تأثيراً ووقعاً طيباً في نفسه، في تلك السفرة زرنا دهوك، اربيل، عنكاوا، دوكان والسليمانية، كانت سفرة رائعة في كل المقاييس، استمتعنا في احاديث الناس الذين التقيناهم في الوطن، وأعْجِبنا بكل شيء فيه وكما تركناه منذ عقود من السنين وكان طوالها نُصبَ أعيننا وفي أحلامِنا، كانت تلك بحق بهجَةُ ايامِّنا.

    للاسف اختطفَ الموتُ هذا الصديق من بيننا وسيبقى في بالنا لن ننساه مدى الايام، لقد ترك في رحيله إسما متألقاً، ومكتبة زاخرة بالكتبِ، واشعاراً دخلتْ العديد من نصوصِها في اغاني المطربين، وترك ايضا عائلةً محترمة: من زوجة، بنت، حفيدتين، وولدين احسن في تربيتهم، وانا اشبههم بشبلي أسَدْ او جناحي نِسرْ، لا اطيلُ فيهم الكلام، لانَّ امامَهُم الكثيرُ ليختطوا طريقهم في الحياة نحو ذُرى المستقبلِ السعيد، واثقٌ كل الثقة انهم سيبلغون ما يصبونَ اليه، يُطورّوا ما بدأهُ والدُهم، ويُحققوا ما لم يسعِفَه الزمنُ في تحقيقِه.

اختتمُ كلمتي ببيتِ شعرٍ لأبي فراس الحمداني هو لسانُ حال الفقيد الغالي:

سَـيَذْكُرُني قومي إذا جَدَّ جِدُّهُمْ .......... وفي اللّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتَقَدُ البَدْرُ


                       پوش بشلامه خوره دزونه

مِن زْونِه وشِنِّه بْنيلَن خوروثَــــه         آنا وأث مْسَقْلَه بْهونَه ورَبوثَـــــــه     

گو كَشّيروثَه وْرخَشْتَه بنيخوثَــه          مْطيلِه لْمَدْ بئيلِه ولا پسانيوثَــــــــه

پْرقْلِه أَثْ طاوَه پْريشَه پْصِبيوثَه          كْليلِه لْتَنيثِحْ وِلْ خَرَيوثَـــــــــــــــه

لَزِلَّهْ مْبالِحْ أُمْثَنايوثَــــــــــــــــــه          وأثْرَدْبيثْ نَهرِن دْماطِه لْحيروثَــه

أثْ مَرَه ثيلِه مْقُرصْفَه ويلِــــــــه          شُعباذَه مِنِّحْ ما قَدَّه غْزيلِــــــــــــه

مْنَهْواثَه دِيِّحْ وِلْ كْيپَه پْخيلِـــــــه         گو كْيوِحْ ومَرِحْ ليثْ خا دْلَ شْميله    

زلِّه بشلاما خورَه دناشوثــــــــه          دوكِح بِتهويَه پَلْگه دمَلكوثَــــــــــه

وإن پَغْرِحْ لوِشلَه أُپرِدْ گالوثَــــه          گيانِحْ بِدْ فيرَه لْدوكَه دْزوروثَـــــه

كلمات ألقيت في سان دييغو بكاليفورنيا، يوم الاربعاء المصادف 9 تشرين اول 2013، على قبر الصديق الراحل والمهندس الشاعر سعيد يوسف سيبو.

nabeeldamman@hotmail.com

U.S.A Nov. 14, 2013





نصف قرن على استشهاد البطل الآشوري هرمز ملك جكو - نبيل يونس دمان

     بعد أيام قليلة وتحديداً في الأول من كانون الاول 1963 تمرّ خمسون سنة على استشهاد احد ابطال كردستان وهو هرمز ملك جكو، ولد هرمز في قرية كوري كافانا- ناحية زاويته- دهوك عام 1930 لابوين ناجيين من مجازر واهوال الحرب العالمية الاولى( سفر برلك) من آشوريي اقليم حكاري في تركيا حالياً، كان والده من تياري العليا ومتزوج من اخت ملك ياقو ابن ملك اسماعيل، عرف ملك جكو بشجاعته في المعارك التي خاضها في تلك الفترة، كان والده وكذلك ولده يفتلان شاربيهما بشكل ملفت، يضاف الى جسمهم النحيف غطاء الرأس المخروطي المصنوع من الصوف المكبوت( كُسيثا) الذي يعطي هيئتهم شكلا مهيباً يعيدنا آلاف السنين الى الوراء ايام ملوك نينوى العظمى من الاشوريين الذين بسطوا سيطرتهم وسطوتهم في جهات الدنيا الاربع.

     لم يكن هرمز عسكرياً لكنه كان جبلياً وسليل جبال حكاري العاصية والمنيعة حيث اجداده قاوموا تلك الظروق الجغرافية الصعبة لمئات السنين وهم محاطون بالأعداء من كل جانب، لقد ورث هرمز قوة تحمل آبائه وجرأتهم في إجتراح المآثر، كانوا يتفننون بالبطولة ويمجدون الابطال لا ترجف اجسامهم خوفاً ولا ترف اجفانهم هلعاً، بل كانت قلوبهم وكأنها قدّت من صخور تلك الجبال، لقد عاشوا قروناً قرب تلك الطبيعة القاسية وإنساقوا الى سننها وكبحوا جماحها، كانت لهم طرقهم في صيد الحيوانات البرية من نصب الكمائن( نوچي) ومعرفتم مسالكها وأوان تكاثرها، لقد قتلوا مختلف انواع الحيوانات البرية ونسجوا من صوفها ملابسهم واغطية رؤوسهم، ووضعوا ريش الطيور الجميلة وخاصة الكورتا فوق اغطية رؤوسهم( كُسيثا) بالوانها الجميلة فانتصبت علامة افراحهم واعتدادهم بأنفسهم، هرمز ملك جكو من تلك الطينة، صلب المراس لم ينحني ابدا امام الاعداء وامام اهوال الطبيعة، كان دائما يقول ان الرصاص لن يخترق هذه (مؤشرا بأصبعه على طاقية رأسه-  كسيثا) وهذا دليل على استهانته بالموت. هرمز سليل ذلك الماضي المجيد، من لم يسمع بقصة ملك خوشابا عندما صارع الدب وانتصر عليه *.

مصدر الصورة كتاب الاخ وصفي حسن رديني عن الشهيد هرمز ملك جكو

     الاشوريون في العراق معروفون بحبهم للعمل في الشركات ولهم قابلية في اجادة التكلم باللغات الاجنبية وخصوصا الانكليزية، كان هرمز في مطلع شبابه يعمل في الشركات الاجنبية خصوصا في كركوك حيث كان يعمل فيها اخيه الاكبر كوركيس، وعمل في مشروع سد دربندخان اواخر الخمسينات، يحدثني والدي يونس ياقو دمان عن معرفته لهرمز في طيب معشره وقوة ارادته، وكيف كان يتفوق على الجميع في لعبة البليارد بتسديده الممتاز للكرات.

     كانت علاقة بيت ملك جكو وطيدة مع بيت البارزاني ففي عام 1907 تعرضت بارزان الى هجوم تركي بقيادة محمد فاضل الداغستاني، فاستبسل البارزانيون في التصدي لهم بقيادة الشيخ عبد السلام الشقيق الاكبر لمصطفى البارزاني، ولكن الشيخ في النهاية اضطر الى ترك المنطقة والتوجه الى تياري في ضيافة المار شمعون في قوجانس واهتم به خصوصا بيت ملك جكو، بقي الشيخ هناك حتى عام 1908، لازال بيت البارزاني( خداني بارزان) يتذكر بامتنان ذلك الموقف الذي وطد العلاقة بينهما. في عام 1958 عند عودة الملا مصطفى البارزاني من الاتحاد السوفيتي قصد هرمز بغداد للسلام عليه، وعندما اندلعت الحركة التحررية الكردية في جبال كردستان ايلول 1961 كان اول شهيد للثورة اشورياً اسمه أثنيئيل شليمون من قرية دوري في برواري بالا استهدفته طائرة حكومية عندما كان يقاوم من على مأذنة العمادية، وكان هرمز جكو من اوائل الملتحقين في جبهة القوش، إسطحبه المرحوم شعيا ديشا الملقب( شعوكي) الى قرية بهندوايا التي تقع غرب القوش فالتحق بفصائل الحزب الديمقراطي الكردستاني، في البداية كان ضمن قوة غازي الحاج ملو ثم بعد فترة اصبح مسؤول قوة المسيحيين وبالترابط الوثيق مع الانصار الشيوعيين بقيادة المرحوم توما توماس.

     سرعان ما برز هرمز في المعارك مقاتلاً شجاعاً ذاع صيته بين الثوار واهالي المنطقة فيما ادخل الخوف والذعر في صفوف القوات الحكومية ومرتزقتها فخصصت مبالغ ضخمة من الاموال لمن يقتله او يأسره، وحظي بحب ورعاية زعيم الثورة الخالد مصطفى البارزاني وكذلك آمر هيز الشيخان حسو ميرخان. خاض هرمز جكو المعارك العديدة والكمائن والسيطرات على الطرق ومجموعته التي كانت تضم رجالا اشداء من كوري كافانا ونيروي وصپنا ودشت نهلة والقوش وغيرها، شملت تلك العمليات مناطق: قرى وبلدات سهل نينوى، فايدة، شوش- وشرمن، منارة وتل عدس، نمركي، دوميز، الموصل، وغيرها بعد خروج هرمز من احدى تلك المعارك ظافراً كتب له البارزاني الخالد رسالة  جاء فيها " لو كان لجيشنا خمسة مقاتلين من امثالك لحررنا كردستان". 

     في تلك الفترة كان يدير ناحية القوش المدعو سيروان الجاف، الذي تزايدت شكاوي المواطنين من رعونته وتصرفاته، لذلك نصب هرمز كمينا بتاريخ 2- 10- 1962 في وادي الكنود( لندي) وعند مرور سيارة مركب الاسنان المرحوم يونس رحيمه والتي ظن هرمز بان سيروان الجاف فيها، حاولت مجموعته ايقافها، ولكنها لم تتوقف فامطروها بوابل من الرصاص ليستشهد المواطن الألقوشي اسحق شبلا مع ولده الطفل فلاح، بعد ايام جاء هرمز الى القوش في الليل لمواساة اهل القتيل والاعتذار لهم،  وكان منزله في مرتفع مار يوسف في محلة سينا، وعندما همّ بالمغادرة، تحدث الى شقيق القتيل نعيم شبلا وذهب بصحبته في سيارة جيب كانت تركن هناك وتوجها عبر طريق القوش- الموصل حتى وصلوا على مقربة من سيطرة المجموعة، يقال ان سيارة اخرى يسوقها بحو پولا اقلّ مجموعة من المقاتلين كقوة اسناد، هجم هرمز بمفرده عليها تحت جنح الظلام وبمفاجأة قل مثيلها اقتحم خيمة السيطرة واجبر مجموعة من الشرطة على الاستسلام، طلب  هرمز من نعيم ان يحصدهم جميعا ثأراً لأخيه ولكنه رفض القيام بذلك العمل، فاطلق هرمز سراح الاسرى بعد ان جردهم من اسلحتهم.

     في معارك منطقة عقرة  برز هرمز فيها وسمعنا في حينها بانه اسقط طائرة بسلاحه الالي، ومرة صعد فوق الدبابة واستطاع اسر طاقمها، ولا أستطيع الان الدخول في تفاصيل تلك العمليات ولكنها انطبعت في ذهني منذ تلك الفترة. معركة قرية بلان( في الاصل قريتين مسيحيتين متجاورتين تلا وبلا) في تشرين ثاني 1963 بمنطقة شمكان كتب توما توماس في الجزء 5 من اوراقه " .. في تلك الاثناء لمحت ستة مقاتلين يشتبكون في قتال عنيف مع الدبابات وهي تتقدم نحوهم، وتبين انه هرمز مع خمسة من المقاتلين فقط وصلوا الى موقع قريب" هكذا وصفه رفيقه في المعركة بذلك الوصف الدقيق، يضاف الى ذلك ان توما توماس وهرمز جكو ورجالهم الابطال انتصروا معا في تلك المعركة التي واجهت فوج الجيش المدعوم من الدبابات التي اُحرق العديد منها.

      اما عن محاولة احتلال مركز القوش ليلة 23- تشرين ثاني 1963 فقد توجهت قوتان مشتركتان: قوة هرمز المندفع لاحتلال المركز ومعاقبة مدير الناحية سيروان الجاف لكثرة شكاوي المواطنين عليه، وقوة توما توماس التي لم تكن ترغب باحتلال المركز لعواقب ذلك في الايام التالية على اهالي البلدة من قبل السلطات الجائرة، من مواجهة الحصار الاقتصادي الى قصف الطائرات. كان المركز قلعة حصينة ليس من السهل احتلاله، ولكن محاولات ضرب المركز بمدافع عقدة 2 لم تصب الضربة الاولى إلا اطراف المركز من ناحية الجبل فيما تعطل عمل المدفع في المحاولات التالية. لقد انذر مدير الناحية بالاستسلام وعلى ذمة الثورة وامهلوه بعض الوقت، ولكن سيروان الجاف لم يرضخ للانذار بل تحصن مع الشرطة في مواقعهم فوق بناية المركز، صار الرمي من كل الجهات على المركز باسلحة خفيفة لم تأثر بشيء على المبنى وكان الباب الرئيسي هو المدخل الوحيد وقد احكم غلقه منذ العصر باكياس رمل من الداخل. لا نطيل التفاصيل لاننا تطرقنا اليها في مجالات اخرى ولكن نقول ان الهجوم فشل في احتلال المركز واستشهد حجي خدر خورمة من قرية( ملي جبرا) واصيب بطرس شمعون ديشا( من القوش) بجروح في جسمه، فيما وجد رئيس عرفاء شرطة مقتولا داخل سيارة مسلحة امام المركز. يذكر رفاق هرمز عند اقتراب الفجر وفي ضواحي البلدة جلس هرمز متاثرا، وشرع يبكي لعدم تحقيق هدفه، واقسم امامهم بانه سيعود في وقت آخر لاتمام المهمة، ولكن المنية سبقته.

      بعد اسبوع وفي ليلة 30- 1/ 12/ 1963 قرر نصب كمين على طريق الموصل- دهوك قرب جسر آلوكا، وكردة فعل وتاثير نفسي كبير نظرا لفشل عملية احتلال مركز القوش، فنزل مع مجموعة من الابطال من مقرهم في قرية سيتكي( سيدايه) خلف جبل القوش ونزلوا الى الشارع وقطعوه فوقعت في الكمين سيارات الجيش فاعطى اشارة الهجوم من مسدسه فاوقع فيها الخسائر واسر العديد من العسكريين، في تلك الفترة الفاصلة من حياة هذا البطل حدثت ملابسات عديدة ومنها انشغال رجاله بالاسرى وكذلك بسيارة حانوت استولوا عليها، وأمر خطير آخر هو سماحهم لاحدى سيارات الاجرة بالمرور، ويقال ان تلك السيارة ابلغت السيطرة في مفرق سميل بما يحدث، فتحركت قوة لواء اليرموك السوري المتمركز عند جسر آلوكا، وصلت تلك القوة التي قوامها عدد من المدرعات بقيادة فهد الشاعر وضمت العديد من الاشوريين المجندين من منطقة الخابور بسوريا الى موقع المعركة في ظرف زمني قصير فاشتبك هرمز ورجاله القليلين في معركة غير متكافئة، وقد اصيب هرمز باحدى رجليه وبدل اسره من قبل القوة سحب مسدسه وانهى حياته بجانب استشهاد افضل رجاله منهم : بنيامين شابو، هرمز شابو( الاخوين من قرية ارادن) ، دنخا ياقو، كوركيس ايشو، حنا عوديشو عقراوي، اسر احد البيشمركة الذي شنق على الشارع العام واسمه حسن من اكراد تركيا. تفرقت المجموعة الباقية واطلق سراح الاسرى، وتوجه احد المقاتلين بسرعة الى مقر توما توماس ليخبره بمصير هرمز فوقع عليه الخبر كالصاعقة، وتحرك فورا مع رجاله الى ساحة المعركة فشاهدوا الجثث ما زالت في مكانها فقاموا بسحبها الى قرية سينا- شيخ خدر. هناك ووري هرمز الثرى، ودفنت مع هرمز قنينة زجاجية محكمة السداد في داخلها ورقة كتبت قصة حياته واستشهاده البطولي، اطلق المقاتلون زخات الرصاص في الهواء حزناً، فيما نقل بقية الشهداء الى دير الربان هرمزد قرب القوش هناك لا تزال مراقدهم تحت الشمس في رابية مرتفعة ومكان محترم، ففي كل الازمان من الازمنة الصعبة كان ابناء البلدة والزوار يقفون بصمت وحزن امام قبورهم التي تضم رفاتهم اضافة الى شهداء اخرين استشهدوا في مواقع اخرى، لفترة طويلة كنت ارى قطعة مرمرية في داخل الكهف (گپيثا) تحت مكان القبور وقد حفر عليه اسم الشهيد حنا عقراوي، علما بان عددا من رجال توما توماس اشتركوا في تلك العملية منهم: عبد شمعون كردي، سعيد موقا قلو، جميل بولص اوسطايا، عزيز ياقو صنا، كامل شمعون بولاذ. 

شباب القوش يقفون صامتين على ارواح الشهداء في متن دير الربان هرمزد اواسط السبعينات

     لم تنطوي صفحة هرمز ابداً بموته فقد قاد مجموعته مقاتل اخر اسمه ابرم مرقس ياقو لبضعة سنوات، حتى وصول احد اقرباء هرمز واسمه طليا شينو ليقود المجموعة التي اصبحت تسمى (قوة هرمز) . رأيت طليا مرارا وكانوا ينادونه( مامي طليا) وقد اتخذ مقره فترة في مبنى مار قرداغ جنوب القوش بعد الهدنة التي اذاعها رئيس وزراء العراق الاسبق عبد الرحمن البزاز بتاريخ 29 حزيران 1966، كان رجلا: ممتلئ الجسم، متوسط الطول، اسمراللون، ذو شوارب كثة، قد علا الشيب مفرقه، لا يعرف المهادنة، يتسم بالهدوء، شديد البأس، وكان زينة رجاله يوخنا درياوش من قرية دهي بجسمه الرشيق وشجاعته الفائقة، للاسف لقي الاثنين مع مجموعة من الرجال حتفهم في شهر آب- 1969 قرب نهلة في منطقة عقرة.

     بعد 11- اذار 1970 سميت منظمة الحزب الديمقراطي الكردستاني في الشيخان باسم منظمة الشهيد هرمز جكو، واصبح شقيق الشهيد هرمز مسؤولا للقوة واسمه كوركيس ملك جكو الملقب( گيو) حيث واصل المهمة خصوصا بعد اندلاع القتال بشدة بعد 11 اذار 1974 بين الحركة الكردية والحكومة المركزية وحتى اتفاقية الجزائر بين شاه ايران والطاغية صدام حسين، حيث انهارت الحركة فاستقر المقام بكوركيس في شيكاغو التي رحل منها الى رحمة الله.

الواقف الثاني من اليسار: الشهيد البطل هرمز ملك جكو

     في حزيران عام 1998 نقلت رفات هرمز المدفون في سينا- شيخ خدر القرية الأيزيدية الوفية له وبمراسم رسمية مهيبة وحضور السيد نيجرفان ادريس بارزاني نقل الى قريته التي ولد فيها كوري كافانا وقد حضر من افراد اسرته ابن اخيه بيتو كوركيس ملك جكو قادما من شيكاغو. وبعد السقوط وتحديدا في عام 2007 اقيم له تمثال فخم في تقاطع كورا مقابل مضيق زاويته. وقد تسنى لي مشاهدته في زيارتي الاخيرة للمنطقة في ربيع عام 2012.

     اليوم يحل ابنه ايشايا ملك هرمز في دهوك، الذي ولد عام 1961 ولم يتسنى لهرمز رؤيته نظرا لانشغاله بالمعارك ولبعده عن المنطقة فترة من الزمن، ولكن والدته البطلة حملته يوما على كتفها الى وادي قريب في غرب القوش اسمه( نيره گپي) حيث التقت بوالده وكانت تلك آخر نظرة عليه قبل استشهاده، ان ايشايا رجل من صلب الرجال يتولى ويواصل المهام التي في عاتقه في خدمة قضية الشعب والوطن بهمة الشجعان والغيارى، فتحية له ولوالدته ارملة هرمز التي شهدت الكثير من الصعاب والاهوال التي لا حصر لها.

     غنى الكثير من المغنين اغاني تمجد الشهيد هرمز منهم حسن علي خنجر، سليمان خرشني ديروكي، وامرأة من القوش هي المرحومة منّه زورا عوصجي، غنت لهرمز بالكردية فكان شباب البلدة يرددون تلك الاغاني بمآثر هرمز ورجالة متحدين السلطة ** ، والبعض منهم كان يطيب له تقليد هرمز في ملبسه الجميل، لقد رأيت بنفسي احد الشباب يقف امام بوابة دير السيدة واسمه يوسف هرمز كادو( تفا) يلبس الشاله وشبوك المصنوع من الصوف الاصلي المغزول، وعلى رأسه وضع الطاقية الاثورية( كسيثا) وبيده العكاز( گوپال) تماما كما هرمز. وقد تسنى لي رؤيته مرتين في الاولى عند زيارته لجارنا بيت شمعون كردي( ديشا) لمواساتهم باستشهاد ابنهم الشاب فؤاد في ظروف قاهرة، اتذكر كنت على وشك النوم عندما اجلستني والدتي لتقول هل تريد رؤية هرمز فنهضت على الفور لارافقها الى بيت جارنا فوقعت عيني عليه لاول مرة، وفي المرة الثانية انتظرناه وهو يعقد لقاء مع المطران الراحل مارأبلحد صنا في مبنى المطرانية( قونغ) مقابل كنيسة مار كوركيس، فخرج وكان الى جانبه المرحوم موسى خمو من قرية بدرية( توفي عام 2007 في تلكيف) وسرنا معهم الى بداية طريق الدير فناشدنا احد رجاله بان نعود الى بيوتنا، فعدنا.....  

 في صيف عام 1962 قصفت طائرات الحكومة قرى خلف الجبل ومنها قرية خوركي( خُرّك)، فهجرها اهلها واستقر قسم منهم في القوش، وقد استقبل بيت جدي المرحوم كوريال اسطيفو اودو عدد من تلك العوائل، فتوطدت علاقتي باولادهم، اتذكر منهم طفل اسمه سعيد خوركي وقد اعتاد ان يغني( لي يادي) *** فحفظتها ثم اصبحت دارجة وشعبية تغنى في المناسبات والاعراس واوقات التحدي.

الى قصيدتي بالسريانية الدارجة( سورث) بعنوان" ساذه ورمز جكو" :

كُدْ ثيلْ خَبرَه مِن تامَـه         گو آلوكه نوحامَــــــه

شَرّي وولَه دِمْ دِمَّــــه         وَرمِز بِرد جكو بْشِمَّه

خَأرْزَه بَرقُل إمـَّــــــــه        تَأثرِحْ شپِخلِ دِمَّـــــــه

دِقو زْمورِه يا يِمَّـــــه        وْزَمارِه مْگبْيِه مْعَمَّـــه

ما كْشَكْلالِه كُسْيثَـــــه        گُپـّالِحْ وْكَرِّكْثـَــــــــــه

رِشْ صَدْرِح رَخْتَواثَه        وشْيروخ بْگو أقلاثه

أرِدْ بيث نَهرين قْريثَه        من شَريثَه دْ تَشعيثَه

بدوبارِه وحَكّيموثَــــه        وكُدْ كْنَپْلَ گو گوروثَه

ورمِز كوفِيّه دْ طـورَه       أيذيئه مْرابـَــه وزورَه

لَكْمَتقِل پصرَه دگـورَه        كيذيلي دِجمِن وخورَه

ساذن وَرمز گــــبّارَه        وولْ فِتلِه پَلگِـــه دارَه

موثَه خْتنورَه شــآرَه         مِخْ أثرَه دْلَتّي مــــارَه

مْشِنّه لْشِنّه مپِلطِــــخْ          تخرونُخ بِدْ مَپِشْطِــخْ

وَرمز هَلَّنْ مَشَرْتُخْخْ          تَكُل زونِه دَبَرتـُـــــــخ

هَلْ بُركاثَه تَبرونُــــخْ         إريَه شوپُخ وتخرونُخ

مْپيرِه دْكوروثُخ پقَطِخْ         وِل كوِخوِه بِد مَمْطِخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مصادر الموضوع:

1- البارزاني والحركة التحررية الكردية- مسعود البارزاني- مطبعة خه بات 1986.

2- هرمز ملك جكو- وصفي حسن رديني- دهوك 2008.

3- اوراق توما توماس رقم 5.

4- القوش حصن نينوى المنيع- نبيل يونس دمان( كتاب غير مطبوع).

5- صور ومقالات مختلفة من الانترنيت.

6- معايشة ولقاءات مع الاصدقاء.

الهوامش:

* بناء على طلبي ارسل الاخ  بولص يوسف ملك خوشابا ما يلي:

بعد ان هرب ملك خوشابا الى تركيا متسللا دون علم الحكومة التركية لجا الى قرية كماني وهي قرية كردية مسلمة تقع في وادي ليزان وكان اهلها ابا عن جد يعملون كفلاحين لعائلة ملك بتو جد ملك خوشابا وكانوا يتكلمون الاثورية باللهجة القصرانية ويعتبرون انفسهم جزء من العائلة وكان يراس هذه العائلة (بير موسو) آنذاك حيث سكن ملك خوشابا في داره وفي احد الايام خرج ملك خوشابا ليصطاد الآيل وكان يسير خلفه احد الخدم من قرية كماني وجد دبا ذكرا ضخما متمددا في وسط الطريق النيسمي وقال ملك خوشابا لنفسه اذا انسحبت وتركت هذا الطريق فان الدب بطبيعته لا يهاجم من لا يؤذيه ولكن المشكلة هي ان هذا الكيماني سوف ينشر خبرا بان ملك خوشابا خاف وانسحب امام الدب واذا اطلقت رصاصة على الدب ولم اصبه في راسه فانه سيهاجمني حتى لو كنت قد اصبته في مكان آخر غير راسه ولذا فضلت المجازفة بحياتي على سمعة الخوف من الدب فاطلقت الرصاصة عليه ولكن الدب معروف بذكائه فبالرغم من اصابته الغير مميتة هاجمني وبدانا تندحرج انا وهو وانا اطعنه بخنجري وهو ينهش بخاصرتي حتى اسفل الجبل حيث سفط هو ميتا وانا شبه ميت حيث جاء اهل القرية واخذوني الى بيت (بير موسو) وبقوا يعالجونني بالطب البلدي حتى وصل بعد ايام احد عشر من رجالي الشجعان من العراق ليعبروا بي الى العراق حيث صدرت ارادة ملكية بالعفو عنه ولقد كان هذا الحدث مصدر اعجاب من قبل الملك فيصل الاول.

** مطلع الاغنية :

دسلينا دسلينا

هرمز ملك جكو

 سركلي وركلينا

دستيوي الرشاشي بشدينا

عسكري حُكمت بقلينا

*** نص الاغنية:

لي يادي لي يــادي 

 لي يادي بارتِنــــا

شاله وشبوك بستِنا

دو جمدان صورِنا

كالكي تيارِنـــــــــا

لي يادي لي يــادي

ومعناها: البيشمركة يتميزون بالشاله وشبوك( سترة وشروال) ، يشاميغ حمراء ، واحذية من صنع الاثوريين.

 

nabeeldamman@hotmail.com

كاليفورنيا في 24- 11- 2013








رثاء الى الفقيد حنا حسقيال زلفا - نبيل يونس دمان

    ببالغ الحزن والأسى تلقينا خبر وفاة العم حنا زلفا المعروف على نطاق واسع، وبأنه احد رافضي انقلاب 8 شباط الدموي عام 1963، التحق في جبال كردستان مقارعاً النظام ولعدة سنوات وبمناطق مختلفة من جبل القوش الى منطقة برواري وزاخو، احبه واحترمه الانصار والبيشمركة لاخلاصه وتفانيه في عمله خصوصا في المجال الطبي، الذي كان امتداداً لوالده المرحوم حسقيال زلفا وهو في زمانه بمثابة طبيب شعبي بارع لبلدته والقرى المحيطة بها.

    اتذكره جيداً في مقر الأنصار بدير الربان هرمزد عام 1963 بقامته المديدة والسلاح الخفيف الذي كان يتمنطق به، فالعاملين في الاعلام والطبابة عادةً يشدّون مسدساً بارزاً في جانبهم الأيسر، هكذا رأيته امامي ولم تفارق مخيلتي هيبته وهو في قمة عطائه وشبابه، لقد افتتح شبه غرفة عمليات للمرضى والجرحى من قوات الانصار، فتحت مراقي الاربعين( درواثه دأربي) هناك صومعتين للرهبان( قلياثه) متجاورتين اتخذهما كمستشفى صغير وكان الى جانبه شقيقه عبد الجليل الذي كان هو الاخر ثائراً في تلك الايام المجيدة من حياة المناضلين. كان يمتلك الخبرة الجيدة في اجراء عمليات جراحية ناجحة، أتقنها في عمله ببغداد على ايدي أطباء ماهرين، هكذا تمت معالجة العديد من حالات الاصابة في صفوف الانصار، اذكر منهم المرحوم بطرس سليمان گولا الذي عالج جراحه العديدة جراء اصابته البليغة جراء قصف طائرات الحكومة منطقة( برگاره) في أعلى الدير، وكذلك عالج اصابات الجرحى في كمين تعرضوا له في مدخل وادي الدير وهم كل من : هرمز داود، سعيد سليمان بطّه، وأيشعيا أيشو( ابو نبيل) من سرسنك.

    هناك حادثة وقعت في وادي الدير آنذاك اي قبل حوالي النصف قرن، النصير عابد دنحا من عنكاوا( عنكوايا) وهو كهرائي في مهنته قبل الالتحاق بالثوار، حاول صنع مدفع وهكذا وصل الى مرحلة تجربته، فوضع القنبلة وأطلق فانفجرت قبل خروجها من السبطانة واصابت العديد من الانصار بجروح، ومنهم الرفيق الخالد توما توماس حيث اصيب في احدى رجليه، وتمت معالجتهم بنجاح على يد( دكتور) حنا والذي ذاع صيته وليس مصادفة بأسم الدكتور حنا زلفا، من الملفت في ذلك الحادث ان أبا جوزيف لم يبلغ أسرته بما حصل، ولكنهم عرفوا باصابته عندما ارسل ملابسه للغسل في البيت، فكانت آثار الدماء ظاهرة في سرواله الانصاري( پشمه) فهرع اولاده حالاً الى الدير الأعلى للأطئنان عليه، فوجدوه يتعالج على يد خالهم حنا زلفا.

     في فترة لاحقة عمل قريبا من القائد الكردي المعروف أسعد خليل خوشفي في مقره بوادي( قمرية) شمال قرية( تشيش) في منطقة برواري بالا وكذلك عمل قرب آمر هيز زاخو عيسى سوار البارزاني في گلي زاخو، وصار معروفا بإمكاناته الطبية والمستشفى الجبلي! الذي اقامه هناك وقد عالج فيه عشرات البيشمركة، وكان معه من بلدته كل من المرحوم اوگر ابونا وعابد هرمز كادو، اصبحت له علاقات واسعة مع اهالي تلك المنطقة، ولذلك لم يكن عفويا حضور كادر الحزب الديمقراطي الكردستاني هيرش عيسى سوار البارزاني مراسم التعازي التي اقيمت في القوش، وكذلك الحضور الواسع لمراسم التعازي التي اقيمت له في اماكن متفرقة وبالخصوص ديترويت التي اصبحت مثواه الاخير، يلزم بنا ان نشارك اهله احزانهم وفي المقدمة عائلته واولاده وبناته واحفاده، ثم شقيقه العزيز عبد الجليل في الوطن الحبيب، واولاد اخته الاصدقاء: جوزيف توما توماس، سمير، صلاح، سردار، منى ، ماريا، وكل من أحبَّه وارتبط معه بالصداقة او القرابة، لقد ترك اسماً طيباً في قلوب الناس وسمعة حسنة يشهد لها القريب والبعيد وكل من عرفه او سمع به، فالرحمة والمغفرة له على الدوام والصبر الجميل والعزاء الخالص والسلوان لأهله وذويه.

nabeeldamman@hotmail.com

كاليفورنيا في 23- 10- 2013











كلمات في رحيل يوسف ناظر - نبيل يونس دمان

    رحل عنا قبل ايام الاديب، الكاتب، والشاعر المعروف يوسف ناظر، عن عمر تجاوز التسعين عاما قضاها مواكبا المطالعة والتطلع نحو حياة ادبية ثرة في مساهماته وكتاباته التي كانت تزين صحافة المهجر لعقود من الزمن، في الاساس كان منذ ايام الوطن اديبا وقد نال هوية نقابة الصحفيين العراقيين منذ الخمسينات، ففي حفل تأبين الجواهري الكبير في مشيكان عام 1997 وبينما هو يلقي قصيدته العصماء، ابرز هويته الموقعة من رئيس النقابة انذاك محمد مهدي الجواهري.

    وصلت اميركا عام 1990 ولم يطل بي المقام كثيرا حتى اصبحت اطلع على ما كان قلمه يسطره في صحافة المهجر، وكنت اسمع انه كان يصدر مجلة الرواد طوال ثمانينات القرن الماضي، وطالما شاهدته امامي وسمعته متحدثا من على منابر الجالية ولن انسى ما كان يرويه بتفاصيل مشوقة عن معرفته وعلاقته بالقومي التلكيفي الكبير المرحوم يوسف مالك، ماثلة امامي كلمته في مهرجان ذكرى الملفان نعوم فائق، وقد قدم شابين الى الجمهور بانهم احفاد يوسف مالك مؤلف كتاب( فواجع الانتداب البريطاني).

    عندما وضعت مسودات كتابي( الرئاسة في بلدة القوش) في عام 2001 بدا لي ان تقديمه يكون مشرفاً لو تفضل بكتابته هذا الاديب، فاخذت المسودات معي الى نادي ساوث فيلد مانر، وهناك ولاول مرة اتكلم معه، فقدمت نفسي بتواضع وقلت: هذه اوراقي لو تفضلت بمطالعتها وتنقيحها وبيان صلاحيتها للطبع في كتاب، فلو سار كل شيء على ما يرام ارجو ان تكتب تقديمه للجمهور. لم يتكلم كثيراً بل اخذها معه الى البيت. وانتظرت قلقا وكأنني اديت امتحانا عسيراً امام استاذ صارم، ثم جاءت مخابرته بعد حوالي اسبوع بان كل شيء جاهز بما في ذلك المقدمة، ففرحت كثيرا والى تلك المقدمة التي سطرها اديبنا الراحل يوسف ناظر:

الكتاب بحد ذاته سجل مد وجزر حافل لمعاناة القرى والبلدات المسيحية في شمال الوطن، في لغة سلسة سليمة وسرد مسلسل متواتر الاحداث في حقبات متواصلة من تاريخ البلدة القوش ومن شانه ان يكون موضع درس وتمحيص لجيل المستقبل .. يمكن تقسيم الكتاب على وجه العموم الى اربعة فصول متلازمة:-

1- فصل الرؤساء اي رؤساء البلدة وهو الأهم:

لقد كان هؤلاء الرؤساء بمثابة حكومة محلية تتصف في الغالب بالعدل والحكمة والحزم والشجاعة ودرء الاخطار عن البلدة في الخارج وتمثيلها على الوجه الاكمل لدى السلطات العليا. وبالاختصار كانوا وجها مشرقا يمثل السكان ويعكس مشاربهم وقيمهم واخلاقيتهم ومثلهم الادبية والاجتماعية.

2- فصل رجال الدين:

لا يقل هذا الفصل اهمية وخطورة عن فصل الرؤساء، فلقد كان الشعور الديني والايمان بالقيم المسيحية الروحية العطرة جزءً لا يتجزأ من صميم وجدان القروي المسيحي عبر الاجيال منذ فجر المسيحية في ربوع بيث نهرين اي منذ عهد المبشرين العظام مار توما ومار ماري ورفاقهم الميامين، هذا رغم الانشقاقات الطائفية التي لا تزال آثارها ماثلة للعيان حتى اليوم مع الأسف الشديد. وكان دور الكاهن على مختلف درجاته الكهنوتية، دورا رئيسا في حياة الشعب المسيحي في المنطقة خاصة فيما يتعلق بالرباط العائلي المقدس كما كان كاهن البلدة مرجعا روحيا واجتماعيا لحسم الكثير من المنازعات العائلية والشخصية التي يستعصى حلها على الرؤساء.

3- الفصل الفولكلوري:

وهو الفصل الخاص بالبطولات والمجازفات الشخصية لافراد او مجموعات البلدة ايجابا وفي بعض الاحيان سلبا كمحاولة البعض اعتناق الاسلام مثلا. وهو فصل  شيق استوقفتني فيه اسماء لامعة في ذهني مثل ميخا زراكا، الياس شلي، اسرائيل يعقو تومكا، يونس تيزي، ممو( الحكيم) وغيرهم من الشجعان الميامين الذين كانوا يدا يمنى لوالدي ججو دادا بطل ادنة الذي انتخبوه قائدا لحملتهم الانتقامية من الاتراك الذين كانوا قد قتلوا ابن عمه الشاب زيا ناظر وابن حميه حنا عربو والذي طبقت شهرته الآفاق في كل من تلكيف والقوش وقد اصبحت دارنا بعد عودته من ادنة في مطلع العشرينات من القرن الماضي محجا لقوافل زملائه الألقوشيين هؤلاء، الحاملة للتبوغ والعرق( المحظور رسميا) لتصريفها من دارنا لاهالي تلكيف بما في ذلك من مخاطر.

4- فصل نكبة الاثوريين:

ان القلم يقطر دما عندما يحاول المرء حتى تذكر تلك الحقبة المأساوية الدامية من كفاح هذا الشعب المشرد من صميم ارض اجداده. وموقف القوش البطولي المشرف في حماية من التجأ اليها ايام النكبة موقف تاريخي يعرفه القاصي والداني وهو مغامرة جريئة كاد يذهب ضحيتها اهالي بلدة القوش بأسرهم لولا العناية الربانية، وإذ انك فتحت بابا في مقدمة الكتاب للمعلقين فيحضرني الحادث التالي اسرده للتاريخ والعبرة.

روى ابن عمتي رزوق شمامي المتوفي هنا في العام الماضي والذي كان مأمورا للبريد في دهوك ابان النكبة" تلقى موظفوا الدولة امرا من القائمقام باغلاق دوائرهم والخروج الى مشارف دهوك لمشاهدة مسرحية هامة، وكان الرعب يسود حميع المسيحيين في شمال الوطن، وعند خروجنا شاهدنا، ويا لهول ما شاهدنا، زرافات من الاثوريين ومسيحيي المنطقة بينهم رجال الدين مرصوفين في صفوف متناسقة بمواجهة جنود مسلحين بالبنادق والرشاشات. وما ان التأم جميع( المتفرجين) حتى صدر الامر للجنود باطلاق النار عليهم وسط تصفيق وزغاريد الشامتين فامتلات الساحة في لحظات بالأشلاء البشرية البريئة تشكو الى ربها وحشية الانسان تجاه اخيه الانسان" ( يوسف ناظر8/8/ 2001).

    بحوزتي تسجيل صوتي لقصيدة شعر انشدها يوسف ناظر في سان دييغو عام 1987، وكان في ضيافة المحامي الراحل نجيب سيسي، يقول في مقدمة التسجيل: قبل عام ونصف تقرر اقامة امسية كلدانية( عاصرته كلذيثه) فطلب مني المعلم القس( مطران فيما بعد) مار سرهد يوسف جمو ان اكتب شعرا للامسية بالسريانية، فاجبته باني اجيد كتابة الشعر بالعربية، فرد مار سرهد قائلا: الذي يكتب الشعر بامكانه كتابتة حتى بالصينية، وبما اني لا اعرف اللغة الصينية بل اجيد لغة ابائي واجدادي، فكانت لي هذه القصيدة بعنوان: ذلك الكلداني الاول الذي وصل اميركا( أو كلذايه قمايه) وهي قصيدة جميلة وطويلة اقتطف منها بعض الابيات:

كِمْ سَهذيلَن شُلطانِـه         مْمَدِنحا وِل مَعِـــروه

وعَسكراثَنْ بْدولاثـه         بْيرَقَي قْرمْتَه خْأيــوَه

&&&&&&&&&&

إتّي إسَّر صوباثــــه         مِليِه مْكُلا صَناثــــه

مشولَهْ لكْ تورَه أيْنِ         كْسهذيلِ ناشِه دْماثه

&&&&&&&&&&

مَكِرْ يانَه أصلايَـــــه        زوئَه تْكوذنِه وخمارَه

كجيقِنِّه طورَه جْياقـه        وآنَه ركيوَهْ لخَبـــارَه

&&&&&&&&&&

كُد كْطأنِن ﭙَطيحــــــا        كمْفَرجي يِمَّه وبْراتَه

خَمشاسَر وزنِه تْقيلِه        كمَسْقنّه بّي دَرواثَـــه

&&&&&&&&&&

في خاتمة المطاف رحل عن دنيانا الى دار البقاء، وعليه ينطبق قول الشاعر:

حكم المنية في البرية جارِ       ما هذه الدنيا بدار قرارِ

اوجّه التعازي والمواساة الى عائلة الاستاذ يوسف ناظر( ابو سعد) والى كل اصدقائه ومحبيه في ارض الوطن والشتات، بالغ الصبر والسلوان لهم جميعاً.

كاليفورنيا في 21- 9- 2013





الهجرة والتغيير الديمغرافي - نبيل يونس دمان

    موضوعتان متداخلتان، للهجرة علاقة كبيرة بالتغيير الديمغرافي فلا سامح الله اذا استمر نزيف الهجرة كما في السنوات العشرة الاخيرة فسيفرض العامل الثاني نفسه. اذا فرغت القرى والبلدات من سكانها فيشغل مكانهم عاجلا ام آجلا الاقوام الاخرى التي هي الاكثرية المطلقة من عرب واكراد. لذلك سنقتصر على كلمات قليلة بحق التغيير الديمغرافي وفي هذه الحالة يتطلب الإلمام بالقوانين والنظم السائدة كي لا تفرض علينا أمور نحن نجهل مسوغاتها القانونية.

    اهم نقطة في وقف التغيير الديمغرافي هي تحريم بيع الاملاك للاخرين كالبيوت والاراضي الزراعية وغيرها، وهذا يتطلب ايضاً مقاومة ورفض بناء المساجد في قرانا وبلداتنا مهما تعددت الحجج والذرائع.

    الهجرة اخطر بكثير من التغيير الديمغرافي التي هي وليدة عوامل منها: عدم الاستقرار وفقدان الامان، وعدم وجود فرص العمل، والتمييز الديني والعنصري الموروث وخاصة في السنوات الاخيرة، لقد تفاقم التمييز بسبب الدين وكاننا طابور خامس او جسور لمطامح الغرب في اوطاننا متناسين اننا الاساس في بناء حضارة بلادنا منذ اقدم العصور. ان التداخل بين عاملي السياسة والدين اوجد كل هذه الارضية لاضطهادنا، بل السبب الاساس هو الاستحواذ على ما تبقى من املاكنا من اراضي وبيوت ومصادر الثروة باية طريقة.

    هناك دراسات وتقارير تشير الى وجود حملة لافراغ الشرق الاوسط من مسيحييه هناك من يقدر نسبة المسيحيين 20% قبل قرن والان النسبة 10% وفي العراق كان المسيحيون قبل السقوط 1.5 مليون اما اليوم ففي حدود 200.000 فقط، اتسائل : اية مسيحية تبقى في العالم اذا فرغ الشرق الاوسط منهم وهم الاساس الذي انطلقت المسيحية منه وكذلك بقية الديانات، اذا فرغ العراق من المسيحيين وغيره من بلدان الشرق الاويط فسينتهي الدين المسيحي الحقيقي في العالم ويصبح فقط دين مصالح واموال فقط.

في هذه الظروف يتطلب ما يلي:

1- وقف الهجرة بشكل عام وخاصة من القرى والبلدات الآمنة منها.

2- وقف بيع البيوت والعقارات والاملاك الاخرى الى الغرباء.

3- مناشدة الحكومة والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني لتساعدنا في ازالة اسباب الهجرة ووقف كل عمليات التغيير الديمغرافي.

4- ان نعاضد ونساند بعضنا البعض والتوقف عن تهميش والغاء ادوار الاخرين.

5- التمسك بعاداتنا وتقاليدنا الموروثة وتشجيع التعلم بلغتنا في المدارس واقامة الدورات الخاصة بذلك.

6- ينبغي حسن قراءة الواقع وان هناك هبوب لرياح عنصرية في كل المنطقة، فمقاومتها يتطلب الحكمة وادارة الصراع وافضل طريقة هي لجم التطرف والمتطرفين واقامة افضل العلاقة مع الجيران من المسلمين والايزيديين وتبادل الزيارات في المناسبات الدينية بخاصة.

7- تحميل رجال ديننا المسيحي مسؤولية البقاء مع ابناء شعبهم، وحث الناس في خطبهم على البقاء في ارض الاباء والاجداد، وتحريكهم للقاء مع رجال الدين المسلمين او الايزيديين حيث كانوا عبر التاريخ يحظون باحترام خاص.

نِخريوثَه

غْدو شِتلَه بْأثرَه زْريئَه        قوتّحْ مْأﭙرَهْ خميئـَـــهْ

مِن مايِحْ شِتيَه وسويئَه       لبَرايِه داثِه شليئـَـــــهْ

كْيامِنوا بگو حَقّوثـَـــــه       قْطِلطيلَه نِخرَيوثــَــــهْ

دْيخْ كاوْ أثْ جْغيشوثَـهْ        رحِقلَن مْأرَه دزوروثَهْ

كُل أن شِنّه ويُماثــــــهْ       عَلمه زريئَه ﭙنياثـَـــــهْ

مْبُربزَه بأثرواثـَـــــــــهْ       خْأربَه دْلَه شِفَنواثـَـــهْ

بأثرَه شْوقلَن يِمّاثـَــــــهْ       وخوارْ دقنِه دبَبَواثـَـهْ

شِدْ يامِخْ بكُل موماثـَــهْ       ليذَن بْأمري مَثواثـَــهْ

شِديلِه قِشيَه زونــَــــــهْ       كْمَعِقلي لِبَّه وهونـَـــهْ

شاتيله كْورَه وكْشـورَهْ       وخاثَه تْخزيَه أخونَــهْ

آذار 1995

الهجرة: (موضوع كتب عام 1996)

    ليس هناك أمَرْ من الهجرة في حياة الشعوب، فعند تصفحنا كتب التاريخ نقرا زحف المجاميع البشرية المتجانسة لغويا او قوميا او دينيا الى اتجاهات عديدة، والى مواقع جديدة، او تتشرذم تلك المجاميع في شتات الارض وتحاول التجمع ثانية، وربما لا يمنحها الزمن تلك الفرصة، واذا منحها فتكون قد فقدت الكثير من الاعزاء والاموال التي كدستها بالكدح المضني ولأجيال متعاقبة.

    للهجرة الجماعية اسباب منها المجاعة، الاضطهاد، الحروب، والنزاعات بين اقوام اكبر واشد، فتكون ضحيتها في الغالب التشكيلات الضعيفة او القوميات الصغيرة. سنذكر في مقالنا هذا بعض اللمحات السريعة لتلك الهجرات في ظروف زمنية مختلفة وصولا الى تحليل واستنتاج هجرتنا الحالية عن ارض الاباء والاجداد بين النهرين.

    في عمق التاريخ نطالع هجرة شعب اسرائيل الى مصر، ونطالع ايضا سلسلة الهجرات المتعاقبة من شبه الجزيرة العربية شمالا الى منطقة الهلال الخصيب، عندما ضاقت بهم الحالة الاقتصادية، وعندما سقطت مملكتي بابل وآشور وغمرت ارض العراق موجات من شعوب وأجناس شتى منها الفرس، المغول، والتتار، وبذلك وقعت هجرات عديدة ومآسي لا تحصى.

    ان الهجرات وزحف الكتل البشرية تكون نتيجة للحروب والنزاعات التي يشكل العامل الاقتصادي سببها الاساسي، فظهور النزاع وجعل مجموعة تترك المكان وتغادر هو التزاحم والمنافسة على الارض ومصادر المياه. كانت تلك القاعدة، وحيث ان موارد الارض قد لا تكفي للجميع، الى جانب نزعة القوى المسيطرة للاستحواذ على اكبر كمية بفعل انانية الانسان وطموحاته للتملك والتوسع منذ اقدم العصور، فكانت القوى الضعيفة تندحر وتترك مواقعها وارضها للاقوى وتذهب الى ارض غريبة.

    عندما ساد الحكم التركي في منطقتنا في القرن السادس عشر الميلادي وتوسع وازدهر لاكثر من خمسمائة عام، شهدت المنطقة عموما النزاعات والحروب وضنك العيش فكلما كانت الولايات التركية تشهد مقاومة السكان وتضعف سلطتها، كانت السلطة المركزية في استنبول تجهز جيوش جرارة لتعيد النصاب، فتلحق ضررا بالغا في الشعوب الصغيرة والمجامع التي تقع في طريقها.

وعلى اساس القاعدة المتبعة( فرق تسد) كانت دولة تركيا تضع الدسائس وتحيك المؤامرات لادخال الاقوام في نزاعات عنصرية او دينية وتكون النتيجة عودة المركز لسحق من يسود من تلك الاقوام وهكذا، ووفق هذا المنطق بلغت الاضطهادات القومية مبلغا وبالتالي وقعت الهجرات العديدة وخصوصا في سني الحرب العالمية الاولى( سفر برلك) . وقع ذلك عندما اشرفت دولة الرجل المريض على نهايتها امام القوى الاوربية، ذلك الحصان الجامح الذي نهض من سبات العصور الوسطى المظلمة واحتل موقع الصدارة في العالم وحتى يومنا هذا.

    في السفر برلك كانت مجزرة الارمن الشنيعة وتشتت من نجا منهم في اتجاهات الدنيا الاربع ومنهم من وصل الى العراق وحتى البصرة. وكانت هجرة الاشوريين من منطقة حكاري في ممالك تياري، بازي، جلوا، تخوما وغيرها بسبب الاعيب الدول الكبرى وتعقيدات الاوضاع والظروف آنذاك، وقد تركوا قراهم، مزارعهم، وممتلكاتهم امام زحف الجيوش التركية، فكانت الماساة الكبرى للشعب الاشوري، حيث سقط في الطريق نصف عددهم وهم يشقون طريقهم عبر ايران الى العراق، حيث اعيد استيطانهم في ارض اجدادهم.

    اما الاكراد فرغم ما شملهم من تشريد وترك القرى او المدن واحراق المزارع في ازمنة مختلفة وحتى هذا اليوم، فلا يزال الاضطهاد ضدهم مستمرا بسبب نزعة الهيمنة والسيطرة للقوميات الكبرى التي لا تستجيب لنداء العقل والعصر، فتمنح الاكراد وغيرهم حقوقهم التاريخية، ان الفرق بين هجرات الاكراد وغيرهم من الاقوام الصغيرة تكمن في انهم يعودون الى اراضيهم بعد زوال الضغط العسكري لكون تعدادهم بالملايين، اما الاخرين فتذهب اراضيهم وقراهم لضعف عددهم. ان الصراع القوي لم يبلغ المستوى الحضاري ليكون سلميا، بل يتخذ في منطقتنا طريقه على الغالب وفق شريعة الغاب والسيادة للاقوى.

الهجرة الحالية:

في العهد الملكي في العراق نزح الكثير من الناس من قراهم وبلداتهم في الشمال باتجاه المدن الكبرى بسبب العامل الاقتصادي على الاكثر. في القرى كان الاعتماد على الطبيعة وما تجود به من غلال ومراعي، فعتدما تجدب الارض يأسر الناس القلق الجدي في انتظار الشتاء القادم حيث البرد وشبح الجوع، هنا يضطر المهاجر الى المدن الكبرى الى بيع قوة عمله لكسب قوت اطفاله. وبالتدريج يبدأ الاستقرار والدخول في معترك حياة المدينة، وقسم من هؤلاء وبفعل عوامل اخرى منها الشعور بالتمييز على اساس الدين او القومية، فقد نزح الى مدن اخرى كبيروت وحلب والى الامريكتين ايضا، ولكن هؤلاء كانوا من القلة بحيث يمكن تعدادهم بالعشرات فقط. في ذلك الوقت وضع المهاجرون الاوائل الاساس لهم في اميركا بخاصة.

    بعد ثورة 14 تموز1958 ودخول العراق في دوامة الصراعات السياسية والانقلابات العسكرية ثم الحروب الداخلية والخارجية، مما فاقم موضوع الهجرة، واخذ خطها البياني في تصاعد سريع، وبلغ اثناء الحرب العراقية- الايرانية مديات واسعة حيث اجتاز الحدود البرية عشرات الالاف من المهاجرين اضافة الى طرق اخرى رغم منع السفر والعراقيل العديدة التي وضعت في طريق المهاجر. كل ذلك جرى عندما بدأ امام انظار الناس بان مستقبلها غير آمن ومضمون، فوجهت انظارها نحو المهجر، ومن بلاد المهجر كانت تاتي وعلى الدوام والى الان شتى الاوصاف والمبالغات بان الحياة فيها هي الجنة بعينها!! .

    في هذا المسلسل الدرامي جاءت الحلقة الاسوء والاشد مرارة في حرب الخليج الثانية وما اعقبها من حصار اقتصادي شديد وطويل الامد شمل العراق من اقصاه الى اقصاه، بدأت الناس تعيش كارثة اكبر في مواجهة الحاجة والفاقة والمرض. فاخذت تجازف بكل شيء وتترك كل شيء، اموالها، ممتلكاتها، بيوتها، اراضيها، او تبيعها بثمن بخس لتنجوا بنفسها من قساوة تلك الاجواء الغير الطبيعية.

    مهما تواصلت في الكتابة واوغلت في تحليل تلك المآسي، فلن تسعها صفحات الاوراق بل اكتفي بهذا القدر وأربط موضوع هجرتنا الحالية بنموذج مصغر لهجرة اخرى قد تصلح للمقارنة واتخاذ العبرة منها كي اصل الى خاتمة اود فيها طرح الاستنتاج المناسب لموضوع الهجرة.

هجرة عام 1912:

    يروي المرحوم شكري گوِكّي في مقابلة اجريت له عام 1960 عن تلك الهجرة فيقول:

" في تلك السنة حدثت مجاعة في القوش وتلكيف وغيرها من القرى والبلدات، ونظرا لاعتماد الناس على الزراعة في الدرجة الاساسية وان الجراد وغيره من الافات الزراعية قد إلتهم كل شيء، فقد لاح شبح الموت امام الانظار فاتفق العشرات على الرحيل شمالاً وفي دفعات وبشكل قوافل( كروان) . سارت قافلتنا باتجاه ولاية أدنة التركية الواقعة على نهر سيمن. طالت تلك الرحلة أشهر عديدة، فكلما قطعت القافلة مسافة معينة وتحت ضغط الجوع، كنا ندخل قرية او بلدة نستجدي الطعام لاشباع البطون ومواصلة السير عبر الوهاد والجبال، هكذا مرت القافلة في زاوا- فيشخابور- كزيرا- نصيبين- تل ارمن- اورفة( اورهاي) – بير كوك- عنتابة- ( فيها شاهدنا لاول مرة محراث ارض تجره الجمال) – في جبل كوزاكه التقينا ببعثة المانية كانت تحفر نفق لمرور الشمندفير( القطار) وهناك ذقنا لاول مرة الخبز الابيض، ثم مررنا بمدينة اوسمانية- الحميدية- أدنة، كان وصولنا أدنة مع مغيب الشمس، فقصدنا الكنيسة الكلدانية الصغيرة وفي باحتها جلسنا نلتقط الانفاس من اتعاب السفرة الطويلة. هنا خرج كاهن الكنيسة المدعو اسطيفان مكسابو( من القوش) وهو يجهش بالبكاء، وعلى وجهه مسحة من الالم والحزن ليقول: " لماذا جئتم يا اولادي؟ وماذا جرى ان تتركوا بلدتكم وتاتوا الى هنا؟ " انبرى بعضنا للاجابة وبمرارة: " لماذا تضايقت من مجيئنا يا ابونا؟ فقط اقبلنا لليلة واحدة في باحة الكنيسة، ومع الصباح سنخرج باحثين عن العمل.." ابتسم الاب مكسابو قليلا وهو يهز راسه قائلا: " يا اعزائي جئتم على العين والراس وهذا بيتكم وسنتقاسم الخبز معاً، ولكن يبدو انكم لم تسمعوا بالامر السلطاني( فرمان) بضرب كل المسيحيين في هذه الولاية بالسيف صباح الغد!! " .

    جلسنا نبكي بكاء الاطفال نادبين حظنا السيء، في هروبنا من الجوع ومجيئنا لعرض رقابنا للسيف. قضينا ليلتنا في الصلاة والعويل وفي الصباح شوهدت عربة تجرها الخيل تقف امام القشلة( مقر الوالي) ، ليترجل منها ثلاثة اوربيين وبعد قليل ابلغ الجميع بان امر الضرب بالسيف قد رفع من قبل السلطان في استنبول.

    في ذلك اليوم ساد الفرح العظيم تلك المدينة وخرج الكلدان والارمن الى الشوارع بالاغاني والرقص والدبكات حتى انتهاء النهار وبذا انقشعت تلك الغيمة السوداء.

    وبعد ذلك التقينا بعدة عوائل ألقوشية اقدمها كانت قد وصلت الى ادنة عام 1875 وبفعل جهاديتها وعملها وشجاعتها فقد اصبحت في مصاف الاغنياء، وعلية القوم، واكبرهم جبو گوِكّي كان يسمى اغا وله اراضي واملاك تعجز عن الوصف مع اخويه اسرائيل وغريبو.

    اهتمت العوائل القديمة بالمهاجرين الجدد من بلدتهم ثم توزعوا للعمل في الحقول والمزارع كأجراء. ومضت الايام والاشهر بسلام ولم يكن يظهر اي مصدر للقلق حتى قيام السفر برلك( 1914) في تلك الايام السوداء صدر الامر السلطاني بقطع الرؤوس، فسلط السيف على الرقاب وشردت الناس في شتى الاصقاع، فقسم منهم اقتيدوا الى العسكرة الاجبارية ولم يعودوا ثانية الى بيوتهم والقسم الاخر ذبح في المدينة والباقي هرب الى حلب وبيروت والعراق، اما بيت جبو أغا واخوانه الواسع النفوذ، فقد هربوا الى أزمير وهناك قتلوا جميعاً باستثناء اثنين من اولاد اخيه الذين صفا بهم الدهر في بيروت ولا زالت سلسلتهم متواصلة هناك. اما القلة المتبقية فقد عادت الى القوش ومنهم الراوي الذي عين اول فراش في مدرسة مار ميخا عام 1924 " .

    وذكر العم شكري گوكي اسماء حوالي سبعين من المهاجرين الى ادنة من القوش ومنهم القس اسطيفان مكسابو- جبو اغا واخوانه- بتي عكيل- جونا كريش- ممو حكيم- ميخا سيدو( صاحب دمان في ادنة) – متيكا سرسروكه- ياقو بلو- الياس بتوزا( جلب معه عند عودته محراث متطور في حينه واستخدمه في دشت القوش) – غريبو حيدو- اسرائيل تومكا .. وغيرهم.

    وفي ختام المقابلة قال الراوي بان ادنة قد احتضنت ايضا العشرات من مهاجري البلدة تلكيف وكان لهم فيها كاهن اسمه الاب متي كلشو. ويضيف القول بان والد القس ابلحد النجار المدعو شمعون واخوانه كانوا قد عاشوا فترة في ادنة وفي عام 1912 رحلوا الى اميركا وعادوا الى تلكيف عام 1919 وثانية اغتربوا الى الولايات المتحدة بشكل نهائي.

الخاتمة:

    نستنتج ان الهجرة سببها الجوع والحروب وعدم الاستقرار وهي صعبة ومؤلمة في حياة من يعيشها، وعند دراستنا للهجرة الحالية من العراق والتي سببتها الكوارث والحروب في المنطقة، يتوجب علينا عدم تشجيع الهجرة إذ لا يعقل ان نحذف اسمنا من ارضنا وقرانا ومدننا وتاريخنا.

     ولذلك نرى لزاما دعم الباقين في الوطن ومد يد العون لهم ليتمكنوا من مواصلة حياتهم القاسية، ريثما تفرج وتنتهي هذه الغمامة الحالكة، ولابد انها منتهية.

    يظل الصامدون ذخراً وأساسا للعائين، وتلوح امامي صورة الوطن المقبل وهو يخلع سلاسله ويودع سود ايامه فيبتهج مع الحياة ويتجه نحو الاستقرار والرفاه وامامي نموذج لبنان، فبعد عشرات السنين من الدمار ها انه ينهض من جديد ويعود للرفاه، وبدأت الهجرة المعاكسة والعوائل المشردة تعود الى موطنها الاصلي وقبلة انظارها.

    يحدوني الامل باننا ايضا سنعود الى ارض ابائنا واجدادنا، محتضنين ترابه لنجبل منه حياة جديدة تمضي قدما لتزدهر وتعطي ثمارها للوطن والبشرية.

    ان مسيرة العائدين وهم في تأهيلهم وتعلمهم في بلدان الشتات المختلفة ومنها اميركا سيسرعون في نهظة الوطن، وسيكونون عاملا مهما في رقي الوطن كما فعل اليابانيون بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية والى ذلك اليوم ننظر بترقب ولهفة.


nabeeldamman@hotmail.com

August, 31, 2013

USA  










رثاء الشاب الوسيم عادل اودو - نبيل يونس دمان

    كانت وطأة خبر وفاة الشاب عادل شديدة وهو من اقربائي الذين عرفتهم عن قرب في الماضي والحاضر، لقد كانت خسائر هذه العائلة متسلسلة من جدهم يوسف اسطيفو اودو الملقب (عمّه تومي) الذي قتل وهو في ريعان الشباب يوم 9-9- 1924 في بيادر محلة قاشا تاركاً زوجته ملّيكي كادو مع اطفالها الصغار ابراهيم وبطرس ووارينه وحدهم يواجهون الحياة.

    في عام 1963 ترك العراق ابراهيم الى البلدان المجاورة نتيجة مطاردة النظام الانقلابي له وفي تلك الفترة كان اخيه بطرس الموظف المرموق في وزارة النفط يدير امور الاسرة ويجعل اولاد ابراهيم لا يشعرون باغتراب الوالد، تاخر زواج بطرس لتلك الظروف الى ان اقترن بأمراة اصيلة هي المعلمة شكرية

اسحق قلو،فولد عادل في عام 1969 والذي تزامن مع عودة العم ابراهيم من الكويت الى بغداد، لم يدم الحال طويلا فبعد عدة سنوت فقط توقف قلب ابراهيم وهو في سيارة اجرة قرب البتاوين وذلك في مطلع السبعينات.

    بعد اشتداد الحصار على العراق في التسعينات تشردت العائلة تباعاً فانتشر الاولاد في بلدان الجوار وصولا الى اوربا واميركا، في تلك الظروف انتقلت الزوجة شكرية

(ام عادل) الى جنان الخلد، فانكسر احد اجنحة العائلة التي وصلت بعدئذ الى اميركا، هناك صارعوا الحياة الجديدة كغيرهم من المغتربين قسرا من بلدهم، فتزوج عادل من فتاة اصيلة هي رنا طالب اودو والتي رزق منها الاولاد جوزيف وليان، قبل عدة سنوات وبفعل الشيخوخة رحل بطرس ماسوفا عليه من على ارض ديترويت.

   في هذه السنة السيئة الطالع على حياة العائلة، دخل عادل في صراع مع مرض العصر الخبيث حيث عاجل في حلول منيته التي لا مرد منها، مفروضة على كل الانام، فذرف الاهل كل الاهل الدموع الغزيرة على مفارقته، وقد عرف بطيبته وطبعه الهادئ، انا لا اكاد اصدق الخبر فمنذ دخوله في فترة حرجة من حياته وقلبي يخفق بالقلق بانتظار تحسن اوضاعه الصحية، لكنها تمخضت في توقف قلبه عن الخفقان الى الابد، تاركا اطفاله الصغار بدون ظله، بعزم والدتهم وصبرها سينشأ الاولاد كما حدث للاعمام في العشرينات حيث تشهد لهم القوش وبغداد افضالهم وعلومهم وتهذيبهم.

    مكان عادل الجميل الجنة، الى جانب والديه وعمه واجداده، الصبر والسلوان لعائلته وكل بيت اودو العريق، مواساتي العميقة الى الجميع وفي المقدمة زوجته، اخيه عامر، اولاد عمه باسل وبشار، خاله المحامي المعروف عبد الرحيم اسحق، خاله الاخر يوسف اسحق قلو، وكل من يمت بصلة الى الفقيد الذي ستظل ذكراه معنا حية مدى الايام.

لو كانت والدتي كرجية كوريال اودو على قيد الحياة لبكت ابن عمها عادل بحرقة، فلنبك على كرجية وعادل معاً!

كاليفورنيا في 8- نيسان- 2013







اوقفوا لعبة جر الحبل في المسألة القومية - نبيل يونس دمان


    عندما اقرأ لمن غزا البياض شعر رأسه، أدرك ان بعض الخلايا الفكرية كانت ذات فائدة للاجيال، قد تكلست ولم يعد بالامكان احيائها او ارجاع نشاطها الى سابق عهده، يقول الشاعر

عجوز ترجى ان تكون فتية .......... وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر
تدس الى العطار ميرة اهلها .......... وهل يصلح العطار ما افسد الدهــر

    لماذا إلحاحُ البعض في كتابة المقالات والتعليقات المتكررة، الانتقائية، والجارحة في احيان كثيرة، خصوصا على طريقة جر الحبل في المسألة القومية، نصيحتي ان تطلقوا الحبل من ايديكم، وان تتركوا نشر هذا النمط لفترة طويلة نسبياً، وسترون كيف ستعود المياه الى مجاريها فيتعايش الذي يسمي نفسه اشورياً مع الذي يسمي نفسه كلدانياً وهكذا الحال مع السرياني او اية تسميات اخرى مبتكرة، او توفيقية، او من بطون التاريخ الذي يزخر بالعديد منها، فيمضي هؤلاء جميعا كأخوة في تآلف، صداقة، وتعاضد، الى آخر الكلمات الطيبة في هذا المجال.

    بعضكم يكتب وكأن الناس عميان، اذا كانت قناة عشتار او كان موقع عشتار لا ينشر لكم فهل معنى ذلك ان افكاركم ورسائلكم لم تصل الى الجمهور؟ اقسم انكم توصلوها في عشرات القنوات الى اهدافكم بفضل التطور المعاصر بواسطة اجهزة الكومبيوتر. في الماضي كانت الصحافة وكان الاعلام مقتضباً، مقيّداً، ومكلِّفاً لا يتسع لكل من سوّد صفحة او صفحات لنشرها، فتبقى تلك التي لم تنشر في دائرة صاحبها فقط اي لا ترى النور، فكان عليه ان لم تحبطه المحاولة فيتوقف، ان يجهد اكثر وينقح بشكل ادق ويطور افكاره، ويقلل من هفواته، حتى يصل موضوعه النشر، وفي احيان كثيرة كانت تحذف منه اجزاء كان صاحبنا يعتز ويعول عليها. ما بالكم اليوم تتذمرون من عشتار لأنها لا تنشر لكم او ان موقع كلدايا- نت مثلا حكرا على مجموعة معينة، هناك ابواب وابواب تطرقونها فتفتح لكم بسهولة، هناك مواقع كثيرة تستقبل نتاجاتكم رغم قصور بعضها وسوقية اخرى وتلاعب عن جهل بقواعد الكلمات وتصريفها، لكن في النهاية ماذا جلب كل ذلك الى قضية شعبنا بمختلف التسميات وماذا حققت كنائسنا المنشطرة منذ قرون طويلة، الجواب: لا شيء، ما زالت المياه كما عهدناها من سنين طويلة راكدة وما اشبهها بمياه (الدون الهادئ). المقالات وحدها والمانشيتات والعبارات الرنانة وقس على هذا المنوال، لا تغير عقول الناس وقناعاتهم، فالاكثرية تنقاد الى مصالحها، الى مريديها، الى من تتخذه مثالا مؤثراً، الى وجهة العائلة او العشيرة.

    نرجع مرة اخرى الى من كلكل الشيب رأسه، تراه يكابر ويعتبر المسألة تحدي اوعناد او إعتداد او كرامة، وان وقتا قد هدر بالسنين او ان جهدا قد بذل على طريق ينظر اليه وكأنه عسير وشائك، ناسيا او متناسيا ما تحمله غيره في ساحات النضال في العقود الماضية من فصل وسجون وملاحقة واصابات وحتى فقدان الحياة، في حين صاحبنا ينفخ، يزبد، يضرب الطاولة التي امامه بكلتا يديه وهو جالس امام جهاز الكومبيوتر بانتظار ان تتحقق مصالحه او يصعد نجمه او يصل الى اهدافه التي غالبيتها غير واقعية ووهمية، لا تغني ولا تسمن، ولا تأتي بشيء ملموس الى يده، في هذه الحالات السقيمة يظل صاحبنا متشبثا بآرائه ولا يضع امامه مجالاً للتراجع او التصحيح او التغيير.

    انصح جميع المتسابقين في هذا الماراثون الفاشل ان يوقفوا السجال غير المفيد، ان يتركوا الكتابة لفترة كأن ياخذوا اجازة لمدة سنة وتحديدا لمن ركب رأسه في موضوع القومية المثير للجدل وهدر الوقت والطاقات، تلك الطاقات لو استغلت في امور الثقافة والادب والبحوث في مجالات اللغة لكانت اتت بالكثير من النتائج المبهرة، للاسف لم يتم ذلك وصار الهدم بديلا للبناء. في حالة دراسة مقترحي والموافقة عليه، يراودني امل قوي بان الكثيرين سيغيرون افكارهم الخاطئة فتستقيم المسيرة وتتواصل بنجاح، ويعود كل ذلك الى مصلحة ومنفعة ما تبقى من شعبنا في الوطن الذي كنا يوماً سكانه الاصليين.

اميركا في الاول من نيسان عام 2013







بالحزن والدموع ودَّعنا والدتي - نبيل يونس دمان




الشيوعي البصراوي تعقيب على مقالة الصديق شوكت توسا - نبيل يونس دمان


    عبد الزهرة الطالب في كلية الاداب- جامعة الموصل في بداية سبعينات القرن الماضي كان يجلب الانتباه اليه بثقافته الواسعة ومبدئيته الصارمة ثم حقده المقدس على البعث، لذلك استحق احترام الطلبة التقدميين من مختلف المشارب والملل والاحزاب، فيما حصد كرها وملاحقة متواصلة من اجهزة البعث- فاشي.

    من سياق المقدمة اعلاه تعرفت عليه فتوطدت علاقتي به وبزميل اخر من بلدة دجيل التي ازالها عن الوجود صدام حسين لاحقا، اسم ذلك الزميل عبد الهادي، هذان الطالبان انجذبت نحوهم اكثر بسبب كرههم للبعث وعدم ايمانهم بالتحالف معه، كان عبد الهادي الدجيلي اكثر قربا مني كونه في نفس كليتي الهندسة.

    كما تعلم عزيزي القارئ ان الجبهة الوطنية والقومية التقدمية قد تم التوقيع عليها في تموز 1973 وفي خريف ذلك العام ابتدأ الدوام الرسمي لنا كطلبة في جامعة الموصل، في تلك الفترة افتتح مقر للحزب في بداية شارع النبي جرجيس مقابل الشارع النجفي، ونفس المبنى كان مقرا للحزب في الفترة التي سبقت انقلاب 8 شباط الدموي، عرفت ذلك من خلال استئجار زميلي الراحل منذر حميد حكيم غرفة في نفس المبنى عام 1972 وقد شاهدنا معا قطعة خشبية مقلوبة وفوق الكتابة طلاء بسيط وقد دون فوقها اسم احد مقار الحزب في السابق. لتلك الاسباب كان المقر معروف موقعه وغرفه وسطحه والصعود اليه بدرجات كثيرة، في تلك الايام تشكل وفد طلابي من المجموعة الثقافي لتهنئة الرفاق بمناسبة افتتاح المقر الجديد وسط الموصل التي شهدت في اوائل الستينات اشرس موجة عنف طالت المئات من العناصر التقدمية فيما تركها اضعاف ذلك العدد الى المدن العراقية وخاصة بغداد، لذلك كان الحذر واجبا في التعاطي مع تلك الاجواء، على اية حال تحركنا من الجامعة مجموعة من الطلبة لا اذكر منهم الان الا ابن مدينتي كوريال صادق تومكا والطالب عبد الزهرة البصري ذلك العنصر الرائع المشخص مع الزميل عبد الهادي الدجيلي في الانتماء الى القيادة المركزية التي لا تؤمن بالتحالف مع البعث بل تتخذ اسلوب الكفاح المسلح سبيلاً للوصول الى السلطة.

    استقبلنا في المقر من قبل رفاق الحزب وفي مقدمتهم المناضل الراحل توما توماس (ابو جوزيف) وقيادي اخر اسمه الرفيق امين زنكنة، فجلسنا معهم نتحدث وكان المتحدث الاكثر تمكنا والالمع بيننا عبد الزهرة وهو يعبر عن مخاوفه من التحالف والعلاقة الجديدة مع البعث، بالنسبة لي لم اتذمر بل خضعت للامر الواقع ولكنني كنت دائم التصادم مع البعث ومنظمته الارهابية (الاتحاد الوطني) الى درجة كلما تلتقي اللجنة الجبهوية المصغرة في الجامعة يرد اسمي واسم عبد الهادي واخرين باننا عناصر (فوضوية) وضد التحالف الجبهوي، كنت ارتاح كثيرا عندما اسمع ذلك، لشيء كان يضطرم في داخلي كالنار المستعرة للوصول الى الاهداف التي امنت بها.

    لم يمر اسبوع من ذلك اللقاء في مقر الحزب ومن ذلك التاريخ البعيد، في ذلك الوقت طبعا كان الزميل شوكت يوسف توسا قد تخرج وانهى فترة السنة في الخدمة العسكرية الالزامية وعاد الى القوش في خريف 1973 ليشارك في احدى المعارك انذاك، ان شوكت لم يسمع او ربما نسي مصير الطالب الرائع عبد الزهرة الذي خطف ذات يوم من تلك الايام من قبل اجهزة الامن في الجامعة وضيع اي اثر له من ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا. كنت دائم التجوال مع عبدالهادي الدجيلي في اروقة الجامعة ويوما صادفنا عنصر من عناصر الامن الغريبة عن الجامعة كما وصفهم بحق شوكت توسا في مقالته، رمقنا ذلك العنصر كالعادة بنظراته المريبة، وكان شكله متوسطا في الطول يتمايل جسمه مع كرشه عند السير وهو يرتدي البدلة المدنية وبربطة عنق، هنا قال لي عبد الهادي هل انتبهت الى (كلب) الامن الذي كان يلاحقنا بنظراته الحاقدة، قلت نعم، فقال لي بانه الشخص عينه الذي اعتقل عبد الزهرة، وبمرور الايام كنا كلما نراه في شوارع الجامعة انا وكوريال تومكا نقول هذا هو الذي اعتقل عبد الزهرة، وعند تعييني مهندسا في الفترة بين عامي 77- 78 كنت ارى نفس الشخص القذر امامي في سوق قضاء سنجار فاتجنبه واحيانا اغير مساري خوف ان يشخصني فتبتدأ دورة الاستدعاء والاستفزاز.

    تلك هي قصة عبد الزهرة البصري الذي غيّب شأنه شان الالاف من خيرة ابناء شعبنا وكما يقول الشاعر سعدي يوسف (الوجوه التي غيبت بين قصر النهاية والماء والعجلات السريعة) على يد اجهزة البعث المرعبة والمدعية زورا وبهتانا بالقومية والوحدة والاشتراكية شعارات كاذبة ديماغوجية، انهم تشربوا من مبادئ الفاشية فاصبحوا اسوء منهم متعطشين للدماء، قتلة، وارهابيين حقيقيين هؤلاء الذين ابتلى العراق بهم قرابة اربعة عقود.

    اما وقد ورد اسم عذاب الركابي في مقالة شوكت والركابي شاعر مجيد من الديوانية كان طالبا في كلية الاداب في السبعينات، توطدت علاقتي به كثيرا لشعره الحماسي وعن طريقه احببت الشعر الشعبي الجنوبي. مرة كنا عائدين من احتفال في منطقة دير ماركوركيس شمال الموصل، انذاك كانت المنطقة المحيطة غير مسكونة كما اليوم، انشد عذاب الركابي مقطعا شعريا يقول (باكو جلماتي مني وكَالوا اخرس وما يحجي) ويقصد بسارقي كلماته البعثيين، بعد ذلك اهدى بعض قصائده المكتوبة بخط يده الي، احتفظت بها سنينا حتى جاءت ضربة البعث لنا في اواخر السبعينات فلم استطع الاحتفاظ بها، لكني اتذكر مقطع يخاطب الشهيد فهد قائلاً: اصفك شما ينباك الجف العندي بجفك اصفك، واحجي بحجيك "قوو تنظيم حزبكم، قووا تنظيم الحركة الوطنية". ثم يواصل منشدا: لنّه صوت من الصرايف من بيوت الطين " وطن حر وشعب سعيد". في فترات سابقة سألت عن عذاب الركابي فقيل انه في ليبيا وحاولت الاتصال به بالانترنيت ولكني لم اوفق، والان اسمع من شوكت توسا بانه في مصر وحبذا لو اعطاني وسيلة للاتصال به او على الاقل تحيته بعد مشوار طويل من افتراقنا.

من اليسار الشاعر عذاب الركابي- نوئيل يونس ياقو- هدى الفيلية- كوريال تومكا جامعة الموصل 1974


من اليسار عبد الهادي الدجيلي- مرتضى ابراهيم الموسوي- نوئيل يونس ياقو

جامعة الموصل 1974

nabeeldamman@hotmail.com

12- 12- 2012

USA  

   


 







رِجْالٌ تَرَكوا بَصَماتهم في سِجِلِّ الزَمَن - نبيل يونس دمان

 

1- في حدود عام 1935 كانت مجموعة من تلامذة المعهد الكهنوتي البطريركي في الموصل ( السيمنير) تتمشى من مدرستهم الى كنيسة مسكنتا كل اثنين في صف على شكل رتل وبجانبه احد الرهبان، كان التلامذة يسيرون صامتين مطأطأي الرؤوس، على الاغلب كانوا يتعرضون الى بعض اولاد المسلمين هناك فيسمعونهم كلمات بذيئة او يلقون عليهم البصل والبيض الفاسد، لكن التلامذة كانوا يواصلون مسيرتهم متوكلين على الرب. في احد الايام كان يسير معهم مدير المعهد القس ( البطريرك فيما بعد ) بولص شيخو في منطقة اسمها باب البيض، وكالعادة بدأ التحرش والتعرض من مجموعة الصبية، ولكنه تصاعد الى رمي الاحجار، اصاب احدها المدير فجرح رأسه وصار الدم يسيل منه، احد التلامذة واسمه موسيس (1) لم يتحمل الموقف فجرى بكل ما اوتي من قوة خلف الصبية الذين لاذوا بالفرار فلحق بهم واشبعهم ضرباً، وعاد الى الرتل وواصلوا طريقهم. عند المساء ومع حضور سفرة الطعام إلتم الشمل كلٌ في مقعده بإنتظار إيعاز القس بولص شيخو بالشروع بالأكل، هنا طلب القس من التلميذ موسيس ان ينهض من مكانه ويركع على الارض نادما، ونام تلك الليلة بدون عشاء .

2- في الخمسينات وفي منطقة ( عقد النصارى ) المطلة على شارع الرشيد ببغداد، اوقف القس موسيس عربة نقل تجرها الخيول، فاتفق مع السائس لايصاله الى الكرادة بمبلغ 250 فلسا ً، عند الكرادة نزل القس من العربة الى الارض فنقد السائس المبلغ، هنا رمى ذلك الانسان المبلغ في وجه القس مدعياً انه قليل، وبعد نقاش غير مجدي تفوه السائس بكلمات غير لائقة بحق الكاهن، فما كان منه الا ورفع السائس من مقعده في العربة وانزله ارضاً ثم انهال عليه ضرباً وركلاً، تجمهر الناس حولهم ونطقوا قائلين " يا ابونا كاد المسلم يموت بين يديك " والسائس يقول: انظروا يا امة الاسلام، فاثارهم ولكنهم تمالكوا انفسهم ليسمعوا حجة القس،  وعند سماعهم القصة انقلب الموقف، وقالوا يا ابونا حسنا فعلت ولم تقصر معه. (2)

3- كان خالي الراحل يونس اودو طالباً في مدرسة السيمنير في الخمسينات من القرن الماضي، في احدى اجازاته الى بغداد اصطحبه عمي كامل الى محطة قطار الموصل مشياً على الاقدام من منطقة كنيسة مسكنته، في الطريق وقبل الوصول الى محطة القطار هجمت عليهم مجموعة من اولاد المسلمين فخطفوا قلنسوة طالب المدرسة الدينية وعند محاولته ارجاعها صار الواحد يناولها للثاني، فكلما اقترب يونس من الذي بيده الطاقية رماها بدقة الى اصحابه، وهكذا بعد ان عجز التلميذ والذي معه قررا المضي الى المحطة بدونها، هنا شرعت المجموعة تهزج هذه الكلمات المسيئة ( هذا القَسْ ما ينمَسْ، يَزرَع فجِلْ يطلَع خَسْ ). (3)

4- زار يوماً القس بولس بيدارو القوش وهو معروف ومشهودٌ له بتمكنه من اللغة والشعر السرياني، تجمع الاهالي لسماع قصيدته، فكانت متقنة تحدث فيها عن الادباء واللغويين السريان وعند انتهائه طلب من الحاضرين إبداء ملاحظاتهم فلم يجب احداً. كان القس يوسف عبيا جالساً يستمع هو الاخر، فالتفت اليه بيدارو قائلاً: ها رابي عبيا ما رأيك؟ فقال له قصيدة جيدة ولكن ناقصة، فقال بيدارو وقد صعق: وما النقص الذي فيها، فقال: انك لم تتطرق الى ادباء ولغويين من هذه البلدة، فقال بيدارو: انت على صواب، وانا اعتذر، ولكن انت اكمل ما تراه مناسباً ، فهم الجميع ان بيدارو القى الكرة في مرمى عبيا حتى يحرجه، لكن عبيا فهم اللعبة وتعهد بان يكمل القصيدة في نفس الوقت من اليوم التالي. رجع عبيا وانكب على القرطاس رابطا الليل بالنهار ليجاري قصيدة بيدارو في رونقها ووزنها المتميز وهكذا اضاف ابياتا تذكر وتمجد خطاطين ومؤلفين وشعراء من البلدة القوش، وفي الموعد المحدد حيث إلتم الجمع، صعد عبيا المنبر والقى ابياته بصوته الجهوري وحركات يديه المعتادة فكانت بحق جزءً مكملاً لقصيدة بيدارو في قوتها وبالغ تاثيرها فاعجب الجميع بما يسمعه فيما بيدارو يصفق بشدة وهو يردد ان احسنت يا عبيا، تكاد لا تتميز ابياتي عن ابياتك فتكاملت وتناغمت القصيدة، ثم طالب الحاضرين  بان يهتموا بالقس عبيا فهو موهوب ونادر من يضاهيه في التمكن من لغة ابائه واجداده السريانية المتجذرة في اعماق التاريخ.(4)

5- عندما كان القس يوسف ( ايسف ) عبيا قسيسا في قرية تلّا يخدم الجماعة للفترة من 1920- 1923  توطدت علاقته بالجميع من مسيحيين ومسلمين  لمواهبه وقابلياته وثقافته الواسعة، في احد الايام اشتكى حسين أغا المنطقة من احد الملالي الذ لا يفقه من الدين شيئا سوى امور ساذجة تثير الشكوك،  الاغا يسكن قرية بلا القريبة جدا من تلا ولذلك تطلق تسمية القريتين معا ( تلّا و بلّا ) على غرار ( حرير وبيطاس، بعشيقة وبحزاني وهكذا ) فدعا حسين أغا يوماً عبيا الى وليمة، وفي موعدها المحدد حضر اعوان المنطقة هنا طلب عبيا من الأغا ان يعطيه الضمان والامان في ما يراه مناسباً، هكذا تحرك عبيا بذلك الاتجاه وفيما التحضيرات جارية على قدم وساق، انسل عبيا الى مطبخ الأغا، واوصى ان يضعوا لحم فوق الرز في صحن كل من في الديوان بمن فيهم القس نفسه، اما صحن الملا فاوصى ان يضعوا قطعة لحم تحت الرز، اعتاد الملا كلما يدخل الديوان ان يصيح بالجميع: انهضوا لقد نهض الله فينهض الجميع، ثم يقول: اجلسو لقد جلس الله، فيجلس الجميع، من هنا بدا تذمر الاغا وساورته الشكوك، والان وبحضور القس عبيا اختلف الموقف فعندما دخل الملا الديوان صاح بالجمع ان ينهضوا فقد قام الرب، اوقفهم عبيا بصوته الخارق ان يبقوا جالسين في محلهم، لم يقل الاغا شيئا فيما تصاعد غضب الملا تجاه القس، حان موعد تقديم الطعام في صحون وكل صحن فوقه قطعة لحم ما عدا صحن الملا ، شرع الجميع بالاكل والملا ساكت لا يتكلم ولا ياكل، فقال الاغا: تَفضّل ملا شاركنا بالاكل، انفجر غضب الملا وهو يقول: اهذا هو احترامك لي يا أغا تُفضّل عليّ القس النصراني وتضع امامه اللحم وامامي لا شيء، هنا تحرك عبيا نحو صحن الملا، فحرك الرز قليلا فاذا قطعة كبيرة من اللحم في صحنه، سكت الملا على مضض، هنا قال عبيا: كيف يا ملا لم تر قطعة اللحم المخفية بين الرز فيما ترى الله عندما يقوم وعندما يجلس، اصفر وجه الملا واصبح مسخرة امام الجميع، فطرده الاغا حسين شر طردة، وقال له لقد انكشفت ألاعيبك.(5)

(1) المطران قرياقوس موسيس: ولد في الموصل سنة 1921. توفيت والدته وهو صغير فاقترن والده بفتاة من تلكيف وسكنوا هناك حيث عمل والده صائغا فيها، دخل المعهد الكهنوتي  البطريركي بالموصل سنة 1933. رسم كاهناً سنة 1943 بالموصل ( اطلق عليه لقب قس عنتر لشجاعته ) أرسل إلى روما سنة 1946، عاد الى بغداد عام 1950 وخدم في كنيسة أم الأحزان، رسم مطراناً على أبرشية العمادية سنة 1968، توفي سنة 1973.

(2) سمعت هذه القصة  وسابقتها من القس المرحوم عبد الاحد النجار (1922- 2002) .

(3) سمعت القصة من الاستاذ كامل ياقو دمان ( 1939 ) .

(4) من اوراق الاديب الراحل نوئيل قيا بلو ( 1934- 2012 ) .

(5) يتداول الكثيرون من اهالي القوش هذه القصة ويتناقلونها من جيل لجيل .

nabeeldamman@hotmail.com

Oct. 04, 2012









بيت أودو الألقوشي - نبيل يونس دمان

 

    من البيوت المعروفة في بلدة القوش الاشورية العريقة، بيت اودو الذين تقع بيوتهم في مركز البلدة القديمة وتسمى تلك البقعة ( محلة اودو ) في مركزها تقع قنطرة هذا البيت الذي ذاع صيتها في مجلسها الشعبي ( ديوان ) الذي كان جمعه يفترش ارضيتها اكثر ايام السنة، ويكون غنياً بطروحاته واحاديثه وفكاهاته.

    نزح جد تلك العائلة من منطقة تخوما ( دياردين- تركيا ) ، في بداية القرن الثامن عشر، وكان ضليعاً في الطب والعقاقير والمراهم، فامتهن واولاده واحفاده تلك المهنة المحترمة واجادوا فيها، لذلك اطلق عليهم لقب حكيم ( الطبيب ) ككلمة مرادفة لاودو. كما ويطلق اسم مرخو على فرع منهم، يتسلسل من الشماس ميخائيل ( مرخاي- مرخو ) ، شقيق البطريرك مار يوسف اودو.

    تذكر المصادر ان ماروثا الحكيم، المنحدر من القس دانيال بن أدم اودو، وهو العالم في التاريخ والابحاث الآثارية، قد توصل الى معنى اسم القوش، بانه مشتق من كلمتين ايل- قاش فالاولى تعني إله والثانية تعني الكبير لتصبح ( الاله الكبير ) وانها كانت عامرة منذ العصور الوثنية.

    توارث الابناء مهنة الطب الشعبي من آبائهم في تلك الاسرة، وقد اشتهر منهم: حنا حكيم ابن القس دانيال المار ذكره في أمد ( ديار بكر ) ، حيث اصبح طبيباً خاصاً للوالي العثماني. وكذلك اشتهر منهم يونس اسحق هرمز، يوسف اسطيفو منصور، هرمز اسطيفو منصور، شعيا مرخو ، صادق شعيا مرخو، ياقو حنا مرخو، وكان آخرهم حميد ياقو مرخو ( 1912- 1997 ) ، ومن الفرع الاخر كان جدي لامي كوريال اسطيفو منصور المتوفي عام 1960، والذي عرفته القرى الجبلية طبيبا بارعاً، حاملاً حقيبته الطبية ( جنته ) على كتفه، متجولاً في شعابها ووهادها.

    من ابرز الرجال الكنسيين الذين انجبتهم عائلة اودو هو البطريرك مار يوسف السادس اودو ( 1792- 1878 ) هناك قصة يتداولها اهل القوش تقول ان البطريرك مار يوسف عندما كان في مفتبل العمر عندما اخذه والده هرمز الى دير الربان هرمزد، الذي جدد حياته الرهبانية للتو الانبا الشهيد جبرائيل دنبو عام 1808 ، اعجب الرهبان ورئيسهم به لمواهبه ودماثة خلقه، وارادوا ابقائه بينهم، فرفض والده، وحين انحدارهم في الوادي باتجاه القوش، سقط مصادفة حجرا فجرح رأسه، مما حدى بهم العودة الى الدير لعدة ايام للعلاج، كانت تلك الحجرة بمثابة دعوة إلاهية! .

    لقد كان البطريرك ورعاً تقيا ومحبا لشعبه، لتلك الاسباب تعرض لالوان التعذيب الجسدي والسجن على ايدى الباشوات: باشا راوندوز وباشا العمادية وباشا الموصل. ظل في علاقة متوترة مع روما بسبب ملبار في الهند حتى اواخر عمره، في عهده بني دير مار كوركيس في بعويرا قرب الموصل ، وكذلك دير السيدة حافظة الزروع قرب القوش عام 1858، في هيكل ذلك الدير ينتصب مرقده الذي تعلوه رخامة مكتوب عليها ( كونوا كالحيات في حكمتكم، وكالحمام في وداعتكم ) .

    نابغة آخر من بيت اودو كان المطران مار توما هرمز اودو ( 1855- 1918 ) ذلك الحائز على شهادات عليا من روما، ومؤلف العديد من الكتب ، ابرزها قاموس ( كنز اللغة الارامية ) وهو مرجع علمي يهتدي به كل باحث في اللغة التي تكلم بها السيد المسيح . في اواخر عام 1917 تراس الوفد الاشوري للمباحثات مع الحلفاء في تبريز وتفليس، والذي ضم في عضويته مار ايليا ابونا ( القوش ) والقس اسحق ملك يونان . نال اكليل الشهادة على يد الفرس عندما هب لمساعدة شعبه المتعرض للفناء في اورميا، حيث كان ينقذ الالاف ليرسلهم في الطريق المؤدي الى بعقوبة في العراق. روى قصة مصرعه البطولية القس يوسف ( جكا ) نيسان الذي فرّ من هناك بصعوبة بالغة ليصل الى بلدته القوش.

    المطران اسرائيل هرمز اودو ( 1858- 1941 ) هو شقيق مار توما ، خدم في ابرشية البصرة وبنى كنيسة مار توما التي ما تزال قائمة حتى يومنا هذا. ثم خدم في ابرشية ماردين لثلاثين عاماً وحتى وفاته فيها. له قصائد في رثاء شعبه الذي تعرض للمجازر في ادنة والجزيرة وسعرد ووان وغيرها اعوام السفر برلك العجاف.

    في عام 1880 جاء الى القوش شيخ قبائل الطيان المدعو كولان مع مجموعة من المسلحين، عاثوا في البلدة فساداً، شتموا واهانوا اهلها، ثم سلبوا السوق، ومضوا الى ديارهم باتجاه غروب الشمس. هنا حدث هياج شعبي اضرم شرارته القس هرمز والد المطرانين المذكورين اعلاه، واضعا جلبابه الكهنوتي جانباً، ومرتدياً عدة القتال، فنادى بالغيارى وشق طريقه خلف كولان وازلامه. لحقت به مجموعة من الشبان المتحمسين، واستطاعوا ان يلحقوا اعدائهم خلف قرية داكان الايزيدية، فحدثت معركة حامية بينهم. اثنائها صاح احد الشبان ويدعى حنا بهاري بالقسيس قائلاً: ان الشيخ كولان كاد يصيبني وانه الان تحت مرمى نيراني، فماذا افعل به؟ فقال له القس هرمز ارسم علامة الصليب ( صور شوحا ) يا بني وتوكل .....فعل حنا بهاري ذلك .... وبعد لمح البصر هوى الشيخ المعتدي على الارض صريعاً، فتشرذم اصحابه لا يلوون على شيء، تاركين ما سلبوه في مكانه، وعاد القسيس الى بلدته ظافراً.

    لعائلة اودو حالياً مطران اسمه مار انطوان المولود في حلب سنة 1946، لابوين القوشيين فوالده داود ( اودو الصغير ) غادر بلدته عام 1924، غداة مقتل شقيقه الاكبر يوسف ( عمّه تومي ) على يد اثنين من بيت توحلة الموصلي، والذين لاقوا جزائهم العادل قتلاً . اذن توجه داود قاصدا حلب حيث عمه الخوري ( المونسنيور ) حنا اسحق هرمز، وعمره آنذاك 14 سنة. تزوج بعد مدة من الفتاة زهرة ابنة سليمان ككه ميا اودو المولودة في ديار بكر بتركيا، عاشت تلك العائلة في حلب وحتى الان. برز من ابنائهم انطوان الذي نذر نفسه لخدمة الشعب والكنيسة، فرسم كاهناً عام 1979، ومطراناً عام 1992 على يد البطريرك الراحل روفائيل بيداويذ. المطران انطوان حائز على عدة شهادات عليا منها: دكتوراه في الآداب الشرقية من جامعة السوربون- باريس 1979، واجازة في علوم الكتاب المقدس، واجازة في علوم الفلسفة اللاهوتية.

    كاهن آخر من بيت تودو وهو الاركذياقون قرداغ ( اركان ) حنا حكيم الذي يخدم الان في شيكاغو ضمن كنيسة المشرق الاشورية بهمة ونشاط .

مدخل متواضع او محاولة في رسم شجرة عائلة اودو الألقوشية المعروفة:

اودو ولد:

اسحق، ادم.

ادم ولد دانيال ودانيال ولد القس ماروثا و حنا.

حنا ولد سليمان، يوسف.

اما سليمان فولد زهرة التي اقترنت ب داود اودو في حلب في الثلاثينات من القرن الماضي.

يوسف حنا دانيال ادم اودو فولد سعيد الذي عاش في حلب ولد يوسف، ميشيل، وسلام.

اسحق اودو ولد هرمز وهرمز ولد:

البطريرك مار يوسف عام 1792، اسحق، ميخائيل ( مرخو ).

اسحق هرمز اسحق اودو ولد :

خوري بولص، منصور، يونس، المونسنيور حنا.

منصور اسحق هرمز اسحق اودو ولد:

كوريال، موسى، هرمز ( مامينو ) ، يوسف ( عمه تومي ) ، عيسى،  داود.

كوريال اسطيفو ولد:

بولص، جلال، جمال، يونس، عزيز، كرجية ( والدتي ) .

داود والد المطران انطوان في حلب.

ميخائيل ( مرخو) هرمز اسحق اودو ولد:

شعيا، ججو، خوري هرمز:

خوري هرمز ولد المطرانين المعروفين مار توما ومار اسرائيل.

ومن شعيا ولد صادق ومن صادق ولد سليمان والد زوجتي كفاح.

ججو ولد حنا، بطرس، داود.

حنا ولد:

ياقو، ممو، جعفو، ججو، ساكا، اوراها.

ياقو ولد حميد، سعيد، حنا.

حنا ولد:

الاركذياقون قرداغ ( اركان ) .

ملاحظة 1

لدي تفاصيل اكثر عن العائلة لمن يطلبها.

ملاحظة 2

هناك عائلتان ترجع اصولها الى بيت اودو وهي:

تعينو و كك حنو- بونا، لا استطيع ربطهما بمدخل الشجرة المقترحة الا بالاستعانة بمنتسبي العائلتين والسجلات الكنسية معاً.

nabeeldamman@hotmail.com

Sep. 22,  2012





فلم براءة المسلمين - نبيل يونس دمان


    فلم براءة المسلمين رغم الضجة الاعلامية التي تتصاعد ضده ورغم المبالغ الكبيرة التي انفقت لانتاجه فهو ضحل لا يرقى الى مصاف الافلام الراقية التي تخلد اصحابها لزمن طويل. كان الكرملي الخالد على صواب عندما علق لافتة تمنع الجدالات الدينية في مجلس الجمعة ببغداد في النصف الاول من القرن الماضي والذي كان يكتظ بالعشرات من المفكرين من مختلف الديانات. ان الاديان تأخذ وتقاس متكاملة اما اذا جزأها الانسان حسب اهوائه فقد يصاب المؤمنون بالحيرة وتصبح مادة سهلة للتحريف واثارة الفتن او ربما تدرك في غير معناها فيساء فهمها وتاتي بافعال تلحق اشد الاذى بالمنجزات التي حققتها الانسانية، ان الاديان دعوات اصلاح وليست معتقدات وافكار تدعو للعبثية والعنف.

    اقولها بملئ الفم ان الفلم مسيء وينبغي سحبه ووضح حد لهذه التخرصات بين فترة واخرى لجس نبض الشارع المكهرب اصلا ، يتطلب رفع الفلم عن المداولة والنشر ومحاسبة اصحابه ليكونوا عبرة لمن يعتبر، فحل مشاكل العالم الاقتصادية والاجتماعية وصولا الى ما نشهده من صراع الحضارات او تصادم المعتقدات وان بصورة مخفية، لا تحلها دعوات التشهير بالجانب الاخر وجرح مشاعره التي تراكم بناءها عبر مئات السنين وربما تحتاج المسالة الى مئات اخرى حتى يهتز هذا البنيان المترسخ وقد لا يهتز ابداً، بالامكان هدمه بسهولة باستخدام وسائل الابادة الجماعية وقد سبق تطبيقها بهولها وبشاعتها لكنها لم تحل المعضلات التي على الارض، ودفعت الشعوب اثمانها باهضة.

    ختاما انا ضد العنف والعنف المضاد وانا مع الحوار بين الاديان وضد اية حرية تتجاوز حدها في جرح مشاعر الناس وزعزعة ايمانهم المنتقل اليهم عبر القرون، انا مع حرية الفكر والايمان في حدود القوانين التي وضعها الانسان وتطورت الى ما هي عليه اليوم،  وانا مع استتباب الاوضاع في الشرق الاوسط والعالم وان يسود السلام الارض كما قال المسيح " وعلى الارض السلام وبالناس المسرة ".






الشهادات الاكاديمية - نبيل يونس دمان



    كثر الحديث والسجال هذه الايام حول موضوع شهادات الدكتوراه التي تمنح هنا وهناك، وبغض النظر ان كانت حقيقية ام مزيفة، علينا ان نتجاوز هذا الموضوع العقيم ايضا، والذي حرك المهتمون به الى التخندق والتمترس كلٌ حول ما يراه هو الاصدق، لكن الحقيقة ستظهر جلية للجميع يوما ما، آنذاك لا يمكن الالتفاف عليها او حجبها، لماذا كل هذه الضجة حول الالقاب العلمية والاكاديمية، كل انسان حر في ما يراه وما يسلكه ومسؤول عن تصرفاته امام ضميره واهل بيته والمجتمع، ان تَمنح او تُمنح لنفسك مراتباً ودرجات وصفات مشكوك في توفرها، مسألة تخصك وبمقدار مصداقيتها عن وهمها، يتقرر تعامل واحترام الناس لك في ميزان الحياة.

    تتذكرون ايها الاخوة كيف منح صدام حسين لنفسه او منحت له رتبة مهيب ركن وشهادات عليا اخرى في العلوم العسكرية وفي الحقوق والاداب، وهو دكتاتور أجوف أرعن أذاق شعبه الويلات، وانه لم يخدم المدة الالزامية في الجيش العراقي. وهناك اليوم عشرات اذا لم نقل مئات ممن يحملون الشهادات المزورة، ويشغلون مناصباً رفيعة وخطيرة، وهناك الكثير ممن يكذب ويفبرك ويحرف التاريخ وينسج البطولات حول نفسه او مريديه كل يوم على مرآى ومسمع العالم، لكن في كل الاحوال حبل الكذب قصير، والتمويه مهما كان وقعه وقسوته أوان وقوعه، سيفتضح صاحبه ولن يصمد امام عاديات الزمن، ولن يبقى السر مكتوما الى الابد.

    في اواسط السبعينات من القرن الماضي طاردنا وضايقنا البعث في منطقة المجموعة المحيطة بمكان دراستنا الجامعية بالموصل، فاضطررنا انا وزميلي لؤي ان نترك المجموعة ونؤجر غرفة في بيت بمنطقة الميدان الشعبية، تشاء الصدف ان يجاورنا طالب من بلدة بغديدا اسمه فرج ( للاسف نسيت اسم والده ) بعد مدة حصل تعارف بيننا وصرنا نزوره في غرفته التي يشاركه السكن والده العامل مستخدما في احد بنوك المدينة، فرج المذكور كان يدرس في كلية الادارة والاقتصاد، افتهمنا منه انه بعثي الانتماء والمسألة عادية في ذلك الزمان وهو حر في اختياره، لكن نقطة الخلاف معه كانت تتركز في قوله " نحن عرب " فكنا نجادله برويّة ونبذل جهودنا في اثبات اننا لسنا عرب وبالقول ان لنا لغتنا المتميزة، ولنا حضارتنا منذ الاف السنين، للامانة كان والده ذلك الانسان البسيط يقف الى جانبنا ويقول " يا إبني انصت لهؤلاء فهم على حق "  فكان جوابه قاطعاً ومغلفاً بالتهديد " انا لا اريد النقاش في هذا الموضوع، انا عربي واصِلٌ الى قناعة تامة بذلك، ومنتهي من هذا الموضوع ". ماذا كان بوسعنا ان نقول او نتصرف سوى ان نتركه للزمن، هؤلاء ايضا اتركوهم لامتحان الزمن، فماذا بامكانهم ان يغيروا ومن يعترف بهم واية مناصب تنتظرهم، فما يدغدغ احاسيسهم محض احلام عصافير.

    في القوش يتذكر الكثيرون من جيلي وحتى من الاجيال اللاحقة شخصية غريبة الاطوار من قرية الشرفية جنوب البلدة اسمه ( لعازر ) كان يلبس سترة اشبه بسترة المارشالات ويضع على رأسه قبعة مهيبة، ويمسك عصا وكأنه قائد ميداني، واحيانا يتأبط كتابا مطبوعا عنوانه ( قانون العقوبات البغدادي ) في الستينات وبعد كل قهر وحيف يقع على القوش من قبيل حملات الجيش والجحوش والشرطة عليها، ياتي لعازر ويقول " انا الذي حرك كل هذه القوات على القوش حتى يرعوي اهلها " ، وعندما يبادر احدهم بسؤاله " ديخيلا أمثا " فيأتي جوابه السريع " أُمثا لَقاميلا بيزالا " .

    دعوا الذين تعجبهم بل تغزوهم احلام اليقظة، وامراض العظمة، دعوهم يلقبوا انفسهم ما شاؤوا من القاب وتسميات، دعوهم يحلموا فهل الاحلام حرام، دعوهم يثقلوا بالقابهم العلمية والاكاديمية، دعوهم يصفقون ويهللون طربا مع اتباعهم البسطاء الذين لا يريدون ان يروا او يسمعوا او يتعمقوا في المشهد الذي امامهم، او دراسة الحالة بعيدا عن العاطفة والتعصب.

    معذرة ان كانت كلماتي قاسية بعض الشيء، فانا لم اقصد شخصاً بعينه، وانا احترم الناس على طبائعهم، درجات ثقافتهم، سجاياهم، واترك كل واحد على درجة وعيه وفهمه وبناء شخصيته في مراحل عمره المختلفة، لا يمكننا ان ندخل الناس في بودقة واحدة، كلٌ حر وقد ولدتهم امهاتهم أحراراً.

nabeeldamman@hotmail.com

Sep. 07, 2012






مرقد النبي ناحوم يستغيثنبيل يونس دمان


سبق وان كتبنا عن النبي ناحوم ومرقده في بلدتنا القوش، التي قامت قبل ميلاد سيدنا يسوع المسيح، أي من زمن ظهور الانبياء في العصور الوثنية. هذه المرة يأتي موضوعنا على شكل نداء استغاثة، لبناء ما آل اليه المكان من قِدَمٍ وتآكلٍ وإندثار، ولندعوا كل من تعزّ عليه آثارنا ليمدّوا يدَ العون والمساعدة، لاعادته الى سابقِ عهده وافضل مما كان، بترميمه على الطرق العصرية وما يليق بمكانته التاريخية. معلوم ان الطائفة اليهودية استوطنت العراق منذ عشرات القرون ومن صُلبِها وُلِدَ ل( ألقون) أحد أسرى السبي المعروف، وَلَدٌ سمّاه ناحوم بمعنى المُعَزي، والذي تنبأ بخراب نينوى ونو أمون المصرية. اقيمت العديد من الأضرحة عبر التاريخ حول قبره، وكان اخرها الضريح الحالي المبني في عام 1796 حسب مؤرخ القوش مار يوسف بابانا، وملحق به غرف الزوار ومزار اخته سارة. نبيٌ من الاثني عشر نبياً الصغار، ينعم الله على بلدتنا ان تكون عِظامه مدفونة في تربتها، التي تتقدس دوما به، وبشفيعها الاخر مار ميخا النوهدري.

مرقد النبي تعود ملكيته الى اليهود الذين غادروا البلاد مرغمين، وقد استوطنوها آبائهم وأجدادِهم فامتزجوا بتربتها، وسرت في أجسامهم مياهُ نهريهِ الخالدين: دجلة والفرات، سوف نختصر الكتابة الى ادنى ما يمكن لنعطي مجالاً للصور التي إلتقطناها في زيارتنا الاخيرة، وهي تنطقُ بحالتِه المُزرية، ونُعلقُ ما أمكننا عليها من وجهة نظرنا ومن باب الاجتهاد ليس إلّا.

بعدسَتي إلتقطت الصور وعشت عدة اسابيع بجواره، وبصورة ادق عشت في البيت الذي بني قبل اكثر من ثمانين عاما، والذي اقام فيه السادِن ( موشي ) مع عائلته والذي خدمَ المكان في العقود التي سبقت رحيل اليهود الجماعي عن ارضِ العراق. عشتُ في ذلك البيت وانا ممتلئٌ سروراً بجوارِه، فكنت أنعمُ صَباحا قبالَة بوّابته الجنوبية، التي مرت بفترة ربيع قصيرة وهي تعشبُ بالأخضرِالسُندُسي وأوراد شقائقُ النعمان، التي نبتت في كل أطرافِه وفي حوشِهِ وعند ضريح اخت النبي سارَة، الذي موقِعهُ في الجهة الغربية للمجمع، وسط جُنَينة كثيفة الأعشابِ مُتعدِدَة الازهار ومورِقة الاشجار.

كل شيء بحاجة الى اعادة بناء وترميم واصلاح على الطرق العصرية الحديثة، في صيانة الاثار دون ان تفقد مَعالمها، ولتعبّر عن الماضي في صورة الحاضر. انا اعلن عن ذلك المكان الذي عشت بجواره، وانا ارى الحالة المؤلمة التي فيها، لأطلُب من حكومة العراق المُنتخبة، التي اتصور انها تتفق معي على اهمية المكان عالمياً، وكونه قبلة للسياح من كل حَدبٍ وصَوبٍ، من اليهود والمسيحيين والمسلمين، كما كان في مختلفِ العُصورِ الغابرة. اغلب السنوات الماضية وفي غياب اليهود، قام اهالي القوش وخصوصا الذين يعيشون قريباً منه باصلاح ما امكن وعلى حسابهم الخاص، وأنا بنفسي رأيت قطعة مع الاسف اصبحت قطع متناثرة على سطح الهيكل، وعندها جمعت بعض الاجزاء لاقرأ أسماء اناس من سكنة محلة اودو، الذين صانوا قبته العليا من تسرب مياه الامطار. ثم اصبح الاندثار في كل مكان بتاثير المياه المنحدرة بشدة شرقه ودخولها المبنى، مما ادى قبل عقدين من السنين تقريبا الى سقوط اجزاء من الحائط الغربي وكذلك الشرقي، واحداث اضرار بالغة في كل مكان تنظر اليه، وانت لا تستطيع عمل شيئٍ، سوى ذرف الدموع التي تسيحُ من عينيك.

رأيت غطاءً معدنياً يغطيه ويُقيه من تأثيرات الطبيعة، وكذلك استُحدثت ساقية كونكريتية بمواصفاتٍ فنية، توجّه المياه الفائضة في فصل الشتاء المنحدرة من الجبل الملاصق، وكلنا نعلم شدة المياه وما تجرفه من صخور واطيان في الزقاق الضيق بين بيت شيخو وبيت رزوقي، وحتى مدخل قنطرة القوناغ من جهتها الغربية. أمَلنا ان تتظافرَ الجهودُ من الحكومة العراقية ومحافظة نينوى وسلطة الاقليم واهالي القوش وكلُّ المهتمين بالآثار والتأريخ، كي يعجّلوا في ترميمِه قبل ان ينهارَ كُليّاً حينها لا ينفع الندمُ، الجميع مدعوون للإسهام في اعادة الحياة، الى مرقد النبي ناحوم كي يرضى عنا فنتجنب سخطه كما سخط في نبوته، بحق نينوى الغارقة انذاك في إثمِها وَجَبروتِها.

اهيب بالقراء الاعزاء ان ينشروا هذه الدعوة المخلصة على اوسع نطاق، في الاعلام المقروء والمسموع والانترنيت، في طرق كل الابواب، وكسر جدار الصمت، من اجل إظهار مرقد النبي ناحوم معلماً دينياً واثرياً وسياحياً في بلدة القوش، الرابضة من الاف السنين، مقاوِمَة شتّى الظروف والتضاريس السياسية المتقلبة، وهي تفتقر الى الموارد، وتعيش تقريبا حالة الاكتفاء الذاتي، في زمنٍ يصعبُ اللحاق بسُلّم الحضارة، دون أرضية مادية واقتصادية مَتينة.

(1)

البيت الذي سكنه سادن المرقد ( موشي ) قبل رحيله الى اسرائيل قبل حوالي الستين عاما

(2)

الغطاء المعدني المستحدث ( جملون )

(3)

(4)

على سطح المرقد ويظهر الكوخ الذي رممه اهالي محلة اودو

(5)

الانهيار في الجدار الشرقي وتلاحظ الساقية الكونكريتية المستحدثة

(6)

الجانب الغربي والشارع المبلط من بداية الستينات ولم تجرى عليه اية صيانة

(7)

الباب الرئيسي للمجمع من جهة الغرب، قبل 1948 كان يدخله المئات من الزوار اليهود

(8)

المبنى ملاصق لجبل القوش

(9)

(10)

البوابة الجنوبية

(11)

بيت البطريرك الراحل مار بولص شيخو الذي يقع في زقاق النبي ناحوم

(12)

ضريح النبي ناحوم من الداخل

(13)

(14)

(15)

قماش اخضر يغطي الناؤس

(16)

(17)

(18)

كتابات باللغة العبرية

(19)

(20)

(21)

(22)

(23)

هذه اللوحة المكتوبة بالعبرية قد رفعت من مكانها واعيدت ثانية

(24)

صندوق خاص باليهود وقد سقط من مكانه الى الارض

(25)

المراقي تؤدي الى البوابة الشمالية

(26)

المدخل الرئيسي للضريح ويقع في الجهة الشمالية

(27)

(28)

قبر سارة اخت النبي

(29)

(30)

ربيع عام 2012 داخل المبنى

(31)

(32)

غالبا ما تملأ  هذه  المنقورات الحجرية بالماء لتشرب منها الطيور

(33)

باب جانبي

(34)

شرق المبنى

(35)

غرف الزوار التي سكنتها عائلة الشماس هرمز كادو بعد رحيل اليهود وحتى اوائل السبعينات

(36)

باب غربي

( 37)

احد الازقة التي تؤدي الى الضريح

(38)

صورة الزقاق السابق نفسه عام 1950

(39)

هذا البيت يقع شرق الضريح، عاش فيه الخوري المعروف يوسف كادو

(40)

من اليمين ابن عمتي صباح جهوري، وكاتب السطور

nabeeldamman@hotmail.com

July, 30, 2012

USA

 








نقد كتاب - القوش عبر التاريخ - الطبعة الثانية

نبيل يونس دمان


ما اسهل النقد، وما اصعب التأليف، بهذه العبارة افتتح ملاحظاتي بالارقام والصفحات والاسطر:

1- ص 31 فقرة الرأي الثاني، ربما خطأ مطبعي في عبارة( عال قوش) والصحيح آل قوش.

2- ص 71 سطر قبل الاخير كلمة( قسط) خطأ مطبعي والصحيح قسم.

3- ص 72 الفقرة الثالثة( 2000) عائلة في بغداد، خطأ مطبعي والصحيح 200 اذا لم يكن اقل بكثير.

4- ص 88 جدول اصول عوائل القوش حدثت فيه الكثير من التغييرات التي لا ارى ضرورة لها، باسثناء اضافة عوائل جديدة،

 ونظرا لكون التغييرات كثيرة لا تستوعبها هذه الملاحظات، اذ ربما سنفرد لها موضوعا مستقلا اذا تطلب الامر.

5- ص 104 السطر الاخير من الفقرة الرابعة( ليبشطو) خطأ مطبعي والصحيح ليبطشوا.

6- ص 107 هامش في اسفل الصفحة( كلدو اثور) ربما خطأ مطبعي والصحيح كلدو و آثور.

7-  ص 123 ماهو مصدر الاسطر الاربعة في الفقرة قبل الاخيرة، انها غير موجودة في الطبعة الاولى وتذكرون فيها العثور

على عظام النبي ناحوم في هيكل مار ميخا في عهد يابالاها( 1578- 1580) في حين نرى ما يلي(اليهود في العصور المتاخرة 

وأثناء حكم الدولة العثمانية لبلادنا الذي استمر أكثر من خمسمائة عام ، رفعوا دعوة في اسطنبول عن أحقيتهم في المكان

 وفي النهاية اي بعد ثلاث سنوات من المرافعات خسر أهالي القوش الدعوة ، كان ذلك في حدود عام 1650، وعندما تناهى الخبر

 الى أسماعهم ، تسلق عدد من الشباب جدار المعبد ونبشوا قبر النبي

 فأخرجوا عظامه ووضعوها في إناء خزفي وحفروا لها مكانا ً في الجهة الجنوبية من هيكل مار ميخا النوهدري،

 ودفنوها هناك) من كتابنا الموسوم- حكايات من بلدتي العريقة- الصادر عام 2008.

8- ص 127 الفقرة الاخيرة ( وقد اقيم تمثال رمزي لمار ميخا سنة 1988) خطأ مطبعي والصحيح 1998.

9- ص 136 السطر قبل الاخير كلدو اثور، ربما خطأ مطبعي والصحيح كلدو و آثور.

10- ص 138 تحت الصورة الفوتوغرافية عبارة خاطئة بنظري( الكهف الاحمر) والصحيح القطع او الصخر الاحمر( كافا سموقا).

11- ص 139 الفقرة الثانية عن قبور الشهداء في جانب الدير، نسيتم اضافة قبر الشهيد بطرس هرمز جركو الالقوشي.

12- ص 141 الفقرة (ج) كنيسة مار هرمزد، والصحيح كنيسة الربان هرمزد.

13- ص 188 الفقرة الثالثة( وقد استعمل كمقبرة لبعض الاشخاص) اقترح اضافة ما يلي: منهم ميخا جونا دمان الذي كانت شاهدة قبره في ذلك الموقع موجودة الى عهد قريب.

14- ص 195 السطر الثاني( وابنه يوسف رئيس المشهور توفي سنة 1881 ) والصحيح 1879.

15- ص 204 الفقرة الثالثة ورد فيها( ثم قال لها عن سبب بناء المزار باسمه ان قبره قد اصبح الان في وادٍ) كان يجب القول مقامه

 او استراحته لان قبر مار قرداغ في قلعة اربيل وليس ارض القوش.

16- ص 269 في السطر 14 وردت كلمة بديهية( لهم بديهية وسرعة خاطر) والصحيح بداهة.

 كنت اتمنى من ورثة المؤلف ارفاق نسخة مصورة لهذه الوثيقة التي اغفلت في الطبعة الاولى.

17- 280 في الفقرة الرابعة سطر 2 ورد اسم الجدة ميه فعونا، وارجح انها منّه حماة عيسى رشو شاجا.

18- ص 353 الفقرة الاخيرة ماخوذة من كتابي- الرئاسة في بلدة القوش- ص 139 تلك مسألة عادية، لكن شوه النقل في( شبيرا) جد الكاتب ابرام وردة،

 وخاميس وغيرهم. وما دونته كان التالي: ومنهم شبيرا( جد الكاتب ابرم داود) .. والعم زيا والد اسحق الاعرج وخاميس وهوليطي وغيرهم.

19- ص 367 الفقرة قبل الاخيرة 13- 4- 1978 وزير الداخلية الاسبق عزت ابراهيم الدوري... برأيي لا يشرف القوش زيارة هذا الطاغي،

 ولم يكن داعيا لادراجها، علما بان جداول القتلى والشهداء من القوش في هذه الطبعة من القوش عبر التاريخ، بالمئات على ايدي هؤلاء المجرمين.

20- ص 374 رقم 6( الملازم جمال الياس بولا، توفي في السجن نتيجة التعذيب 1963) غير صحيحة وانه توفي طبيعيا بعد عام 1970.

21- ص 375 رقم 15 جبرائيل يونس رمو لم يقتل في مصادمة مع الجيش، بل غرق في احد الانهر السريعة جنوب شرق تركيا.

22- ص 441 الفقرة الاولى الخاصة بالقس كوركيس يوحانا جرى الحديث عن مطران الموصل( يوحنان هرمز) وانه سلم مفاتيح الدير الى جبرائيل دنبو.

 ذلك غير دقيق فقد اراد المطران يوحنان هرمزد تسليمه مفاتيح واحد من ديرين( مار كوركيس او ومار اوراها) لكن الانبا الشهيد دنبو رفض،

 فلجأ الى مطران العمادية حنانيشوع من بيت ابونا، والاخير قام بتسليم المفاتيح اليه في عام 1808.

23- ص 476 السطر الثالث ورد ما يلي( هو يوسف بن حنا كوزل بن هرمز رئيس..) غير دقيق والصحيح هو يوسف كوزل بن حنا كوزي بن هرمز رئيس...

24- ص 486 توما صادق توماس 1924- 1996 . تاريخ الميلاد غير دقيق والصحيح 1925.

25- ص 487 السطر الثاني شركة كركوك لم يكن اسمها شركة نفط كركوك بل كانت شركة نفط العراق واختصارا آي. بي. سي.

في الفقرة التالية: في 1958 انتمى الى احدى فصائل الحركة الوطنية..... غير صحيح والدليل مقطع من اوراقه الجزء الاول:

كان اول لقاء لي مع الشيوعيين ، هو مع المرحوم ابرم شماشا سنة 1949 - 1950 حيث بدأ بتزويدي ببيانات الحزب.

26- ص 503 سطر 11 يرد: هذا الصنم الاله( سين) هي منطقة ( روما زليلا) وتدعى اليوم( رومتا دمشلمان) قبل ان يستقر... ، 

هذا غير صحيح والتسميتان مختلفتان الاولى روما زليلا يقع غرب القوش والثانية( روما دمشلمان) يقع في شرقها.

57- ص 505 الفقرة الثالثة( واهمل البستان بعد وفاة المدعو شمعون طعان ككميخا ...) الحقيقة لم يهمل فبعد وفاة شمعون عام 1955 استلمه

 اخيه دنو ججو طعان وحتى اوائل الستينات واضطراب الاوضاع، فتركه.

58- ص 513 السطر الاول مرج الشمامسة: هي ثلاثة اماكن عرفت بهذا الاسم. الاول الى الجهة الغربية من القوش لمحلة سينا( انا لم اسمع به) ....... 

الثاني في شرق القوش خلف قرزي( هذا الوحيد معروف ب جره دشماشي) والثالث بجانب دركشياثا( اسم هذا المرج هو جرا ديرا علايا).

59- ص 518 الفقرة الاخيرة تحت الرقم 2 خان ال سعيد بك: كانت تعود ملكيته الى سعيد بك من امراء اليزيدية.

 هذا غير صحيح لان سعيد بك من الموصل، وعندما توفي اهدى ورثته الخان الى كنيسة القوش فبني فوقه، مدرسة ابتدائية للبنات في اوائل الستينات.

60- ص 520 الفقرة الرابعة السطر الرابع باسم بيت( يوحانا) وبيت( دمان) واضيف بيت شابا تيلا( خزمي) وبيت ( مدالو).

كانت تلك مجمل ملاحظاتي الاخوية النقدية، ارجو ان ياخذها في الاعتبار ورثة  مؤرخ القوش المعروف مار يوسف بابانا،

 وهما: الاستاذ حنا والاستاذ جورج اولاد حسقيال بابانا، عند التفكير بطبعة ثالثة والتي لا تبدو سهلة المنال، تحياتي وتهنئتي

 لاهلي في القوش والمهجر هذا الحب الذي يندر مثيله لبلدتهم التاريخية، واستعدادهم لافتدائها والتضحية من اجلها، والتي بقيت وتبقى شامخة مدى الدهور.

nabeeldamman@hotmail.com

July 14, 2012

USA  







الرابع عشر من تموز 1958 في الذاكرة  -  بقلم نبيل يونس دمان

كنت طفلاً اتهيأ لدخول المدرسة ، عندما عاد عمّي كامل مسرعاً الى البيت والدهشة تعقد لسانه ، والفرحة ترتسم على محياه ، ليقول " لقد انقلبت الدنيا ! " . في حينها سرى خوف في اوصالي وانا احلل كلامه في مخيلتي الصغيرة التي صورت المسألة كأنها انقلاب في كل شيء ، ولكن سرعان ما هدأ روعي ، عندما شاهدت عمي يحتضن والدي ويتعانقان ، ثم يحثان جدّتي لتحرير بعض الفليسات المخبأة لايام الشدة ، اخذ عمي مبلغاً قدره 600 فلساً ليعود بعد قليل وبيده بطارية جافة كبيرة نسبياً . كان المذياع ( الراديو ) قد صمت في بيتنا اشهراً بسبب الافتفار الى المال اللازم لشراء بطارية جديدة ، والذي يمدّنا بالاخبار والاغاني ووقتذاك لم يكن الكهرباء قد دخل البلدة بعد . عبر ذلك الجهاز العجيب ، اخترق موجات الاثير صوت ليس كباقي الاصوات ، مجلجل ، مهيب ، مبشرٌ بثورة 14 تموز المجيدة .
افاق العراقيون على نبا الثورة ، فأشاع البهجة في مدنهم ، قراهم ، شوارعهم ، وبيوتهم ........ في تلك السنة المباركة دخلت مدرسة العزة الابتدائية في القوش ، ولم تمض فترة حتى شرعت ادارة المدرسة بتطبيق نظام التغذية لجميع الطلاب وتوزيع اللوازم المدرسية بالمجان وكذلك بدلات خاصة موحدة . علمني استاذي الاول رحيم عيسى كتو الابجدية الاولى وكتب على السبورة ووجهه يشع نوراً " 14 تموز " ، ونحن الصبية لا نعرف كنه ما كتب ، ولكنها انسابت حروفاً جميلة خطها بعناية المدرس ، ليقول ونحن نردد معه " عاشت ثورة 14 تموز " . ارتفع العلم العراقي ليرفرف فوق مدرستنا ، وغطت صور الزعيم عبد الكريم صور الملك في كل صف من صفوف المدرسة .
لقد شهدت فرح الثورة ، ومع الايام اغتبط الناس بها وبمسيرتها التي تبشر خيراً ، فأقيمت الاحتفالات وازدانت الشوارع الرئيسية والسوق والدوائر الرسمية كالمدارس والمستوصف الجمهوري ومحكمة بداءة القوش ومركز الناحية ( قشلــة) . على طول الشارع الممتد حتى الموصل عبر القرى : شرفية ، تلسقف ، باقوفا ، باطنايا والبلدة تلكيف ، اقامت جميعها الاعراس خصوصاً على جانبي الطريق الرئيسي .
في القوش ، نصبت هياكل حديدية على شكل اقواس على جانبي الطريق ، وزينت باغصان الاشجار التي غطت الهيكل واعطته شكل بوابة خضراء يتوسطها شعار الجمهورية وصورة الزعيم . اقيمت اول بوابة في مدخل البلدة ثم توالت البوابات الاخرى على مسافة حوالي 200 متراً ، وكانت الاخيرة امام مركز الناحية . ارتفعت الشعارات واللافتات الملونة على جانبي الشارع ، ثم بدأت المسيرة الجماهيرية والتي سبقها رتل من سيارات الاجرة بالوانها المختلفة وهي تطلق العنان لمنبهاتها ، ويباشر ساعور الكنيسة موسى قوجا بسحب حبال ناقوس الكنيسة ، وظل مدة يهتز بتلك الضربات الرنانة المتتالية ، وتصل اسماعها الى كافة اطراف البلدة والى اعلى جبلها الوديع الذي يشرف على سهل خصيب كالسندس الخلاب.
انضمت الى الاحتفال وفود الفلاحين من القرى المجاورة والكل يزهو بملابسه ورقصاته الخاصة ، فتقاطرالآشوريين اولاً بازيائهم الشعبية وصدورهم المطرزة بالاوراد شبانا وشابات في اعمار الازهار وعلى رؤوسهم تعتمر القبعة المخروطية المائلة منتصبا على جانبها الريش الزاهي بألوانه ، ووصل بعده الوفد الايزيدي بملابسه الناصعة البياض ويشاميغهم الحمراء ، واخيرا وصل وفد الاكراد المعتني جيدا بهندامه ، وليعقدوا جميعا حلقات رقص رائعة على انغام الزورنة والطبل ، ويطلقوا ايضا اغانيهم واناشيدهم في الهواء الطلق .
كان على راس المسيرة التموزية الرائعة شباب الثانوية المتقد حماسا ، والمعلمون رواد العلم والثقافة ، وكان معلمي جرجيس اسحق زرا في مقدمة المسيرة ، ومعلمي الاخر سعيد ياقو شامايا قد رسم صورة كبيرة لزعيم الثورة ، وفي احدى مراحل المسيرة عزمت على الهتاف وجدتي تقاوم رغبتي ، وانا بذلك الالحاح الطفولي سَمِعَنا استاذي الجليل جرجيس زرا فقال " ليس فيها شيء يا اُمي " ، وناولني يده ليسحبني الى صخرة عالية نسبيا فتصمت المسيرة واطلق هتافي بحياة الثورة ويحدث تصفيق ، فيما يحمر وجهي لما اقدمت عليه ويغمرني فرح طفولي لن انساه ابداً .
انجزت الثورة العديد من المشاريع في بلدتي منها تبليط ازقة البلدة ، واعادة تبليط الشارع الرئيسي المؤدس الى الموصل والذي بلط لاول مرة عام 1950 في عهد مدير الناحية عبدالله صديق الملاح ، مد شبكة المياه الى كل بيت مع نصب خزان في اعلى البلدة لتوزيع المياه . وانشأت بعض المشاريع الخاصة مثل معمل الدواجن لصاحبه منصور كجوجا ، معمل طحن الحبوب لصاحبه الياس الصفار ، ورشة تصليح السيارات لصاحبها صبري نكَارا ، معمل الثلج لصاحبه توما توماس ، كما وبنت الحكومة بناية المسلخ ولكنها اهملت وكانت في حينها اجمل بناية والان باق ٍ منها اطلالها فقط . تشكيل نقابة السواق وفتح مقر لها وانتخاب أول رئيس وهو يوسف عربو الملقب كُتي ، تشكيل رابطة المرأة وانتخاب أول رئيسة وهي صلحة حميكا( ام الشهيد فؤاد شمعون كردي) ، وتشكيل منظمة الشبيبة الديمقراطية وأتحاد الطلبة العام .
لقد خضنا نحن الطلبة اول ممارسة ديمقراطية وكان الاضراب عن الدوام احتجاجا على اعتبار يوم الاحد دوام رسمي في القرى والبلدات المسيحية ، ففي ذلك الجو السلمي الذي اوجدته الثورة ، وقف الطالب حافظ نعيم كَولا ليهتف في ساحة المدرسة ( لا دوام يوم الاحد من الآن الى الابد ) ، فردد الطلبة هتافه وخرجوا باتجاه مدرسة مار ميخا ، وسار الجميع في شوارع البلدة مرددين الاناشيد الوطنية ، وبعد ساعات جاء الجواب من بغداد ، يعتبر يوم الاحد عطلة في المناطق التي فيها الاكثرية مسيحية .
في آذار 1959 قامت مؤامرة الشواف في الموصل ، فوجهت حكومة الثورة نداءا ً عبر المذياع الى كل الغيارى والشرفاء للاسهام في اعادة اوضاع الموصل الى طبيعتها ، فهب رجال القوش الشجعان حاملين اسلحتهم الى الموصل وادوا واجبهم في قمع تلك الحركة التي اريد منها غرق العراق بالدماء ، ويقال ان بسلاء القوش اندفعوا لعبور الجسر القديم ليصلوا الى البلدية قبل غيرهم وليربطوا الجانب الايسر بالصوب الابعد ويسهم ذلك في سرعة انتهاء التمرد . وفي صيف ذلك العام عرضت مسرحية فشل مؤامرة الشواف في ساحة مدرسة العزة وبمناسبة الذكرى الثانية للثورة ، فيما غنت فتاة جميلة اغنية هندية ( هامايا هاجان ) نالت الاعجاب .
في اجواء الثورة تلك ونظرا للمكانة التي تحتلها القوش في المنطقة ، فقد تشكل وفد شعبي ليتوجه على الفور الى عشيرتي الشيخ نوري والحاج ملو المتنازعتين لقرابة العقدين من السنين من اجل المصالحة بينهم . ولكن للاسف لم تكتمل تلك المهمة الشريفة ، فقد سقط بين ايديهم الشاب هرمز اسرائيل بجوري متوفيا بالسكتة القلبية وهم في طريقهم الى قرية ( بيدا ) لمقابلة عبد العزيز الحاج ملو ، فتحملوا صعاب حمله في المسالك الجبلية الوعرة حتى مكان توقف السيارات . شارك لاحقا بمراسيم دفنه في القوش عبدالعزيز الحاج ملو ( وقد قتل في نفس العام على يد سعيد ربتكي ) ومعه مجموعة من المسلحين ، واسلتحهم منكسة وهم يشاركون في مراسم التشييع للراحل هرمز بجوري .
آخر احتفال بعيد الثورة كان في صيف 1962 ، حيث تواصلت الاغاني والاناشيد والدبكات امام المركز ( قشلة ) ، وكان ابرز متظمي الاحتفال طلبة ثانوية القوش ، وفي المقدمة سعيد يوسف اسطيفانا . بعد غياب الشمس انتشرت اشاعة مفادها ، ان مسلحين اكراد يتقدمون من الجبل لاحتلال البلدة ، فحدثت بلبلة بين الناس وانسب الحشد الكبير بشكل مضطرب الى بيوتهم ، وكذلك ارتفعت بعض الاصوات تدعوا الرجال الى حمل اسلحتهم . اتذكر جيدا كيف اسرع والدي الى البيت ونحن لازلنا في ساحة الاحتفال ليجد ابواب بيتنا موصدة ولم يصبر حتى رجوعنا مع المفاتيح ، فكسر باب الغرفة وانتشل بندقيته الانكَليزية ليصعد الجبل مع باقي المسلحين ، ويتم احتلال الجبل دون العثور على شيء . يبدوا ان ظلال الشجيرات في القمة اوحت للناس وكأنها مجاميع متجهة صوب البلدة ، وسبب ذلك الارباك ، ولكن قادة الاحتفال صمدوا في مكتنهم وواصلو الحفل حتى وقت متأخر من الليل .
بقيت ايام تموز محفورة في الذاكرة رغم مرور عشرات السنين ، وقد ارتسمت معالم الفرح الحقيقي على وجوه العراقيين الطيبة ، ومنذ ان غيّب تموز( دمّوزي ) ، لم يشهد العراق نعيما ولا استقرارا بل عاش ليلا طويلا من الاحزان والمآسي والكوارث ، ولكن الامل لم ينته ، ولازال يحدو الجميع بان ينهض وطننا ويقلب الدنيـــا رأساً على عقب ! ليطلق العنان لحصان ثورة 14 تموز الجامح نحو الافق البعيد .

محبوب الشعب الزعيم الاوحد عبد الكريم قاسم







     لاول مرة في حياتي ارى بغداد عاصمة بلادي وذلك في صيف 1963، انذاك كان النزول الى بغداد يحتاج الى ورقة عدم التعرض من مدير الناحية، كان الغرض من سفرتنا هو الهروب من الظروف الصعبة التي مرت بها المنطقة، من حملات الجيش والجحوش والحرس القومي، وقد كانت البلدة محاطة بالربايا اضافة لدوريات الشرطة، خرجنا بعد انتصاف الليل، عائلتنا وعائلة عمي حبيب وكانت القافلة تضم رجلين كبيرين في السن وهم كل من ايليا ساكا دمان وعيسى توما قاقا اضافة الى والدي ووالدتي واخواني وزوجة عمي وبناتها الصغيرات، حملنا الاغراض وبعض الاطفال الصغار على حمارين وتركنا القوش عابرين بيادر محلة التحتاني ونحن على اشد ما نكون خوفاً من هجمات متوقعة، ولكن الله كان في عوننا فاجتزنا محيط القوش الخطر وسلكنا طريق الوادي( خو رؤوله) قاصدين قرية حتارة كبير الايزيدية. وصلنا الى حتارة وقصدنا بيت المضمد شابا سعدو قيا فاستضافتنا زوجته( حسينة طعان) الى فطور فاخر، ثم ساعدونا في ايجار سيارة شوفرليت برتقالية بيك اب لصاحبها درويش( اذا لم تخونني الذاكرة)، ودعنا والدي يونس والعم عيسى ليعودا الى القوش، فيما نحن اخذنا السائق عبر الكنود ، في طريق ترابي وعر الى الشارع الرئيسي الذي اوصلنا في اخر المطاف الى محطة قطار الموصل، فحجزنا في قطار النهار وما كان المساء الا ونحن في بيت عمي ايليا دمان في البتاوين( الأورفلية) نمنا ليلتنا فوق السطوح العالية، وفي الصباح خرجت امام الدار الكبيرة من ثلاث طوابق، وكل غرفها مؤجرة للعوائل من مختلف بلدات وقرى شمالنا الحبيب، لفتت انظاري قطعة معدنية امام باب دارنا الجديدة( القابلة نجيبة حنا)، بعد قليل وقف اعرابي بدراجته النارية امام البيت وهو يروم بيع الحليب الطازج.

     عشنا ظروف صعبة من لغة لا نألفها الى غرفة ليس فيها اسرّة ولا مقاعد فافترشنا ارضيتها، قضينا نهارات غير مألوفة من حر بغداد، الى ان ترحم في حالنا خالي بولص عندما كان يسكن منطقة السنك بجلب مروحة متهرئة، تخرج ضوضاء في حركتها، اكل عليها الدهر وشرب، لكننا عشقناها فاقتربنا منها جميعا للتمتع بالهواء الذي تحركه، قبل ذلك لم ارى مروحة كهربائية في حياتي لان القوش ببساطة لم تكن وصلتها الكهرباء حتى  سنة 1968، وكم من مرة مديت اصابعي الى مروحتها فكانت تحدث جلبة فتأتي امي لتعاقبني ضربا. اما مشكلة الماء البارد فكان بيت داود سليمان بلو وزوجته الراحلة نعمي يزوداننا بالثلج من قوالب مربعة في ثلاجتهم المهيبة. وفي العصر صرنا نتابع التلفزيون الذي وضعه اقربائنا في حوش البيت لتسليتنا، لاول مرة في حياتي رأيت الشاشة الصغيرة، ولا زلت اتذكر افتتاح المحطة والبرنامج المسائي وافلام كارتون ثم نشرة الاخبار التي رايت فيها لاول مرة رئيس العراق عبد السلام عارف.

     كنت فوق سطح البيت الذي انا نازل فيه اتمعن في نجوم السماء الجميلة في رصفها، في توهجها، في نظامها الدقيق، اضافة الى المناظر والاعلانات الضوئية في كل اتجاه وعلى الاسطح والعمارات العالية كم كانت الالوان المختلفة للاضوية والنيونات تبهرني انا القادم من بلدة الفوانيس والسُرُج والشموع، واعجبت ايضا بالباص( الامانة) خصوصا رقم( 4) الذي كان ينطلق من ساحة الاندلس الى ساحة الميدان، عبر شارع النضال وتونس والسعدون والرشيد، في شارع الرشيد كانت المخازن الراقية على طول الخط، وعلى الارصفة باعة المفرد من السكائر، والعلك، والحلويات، وحاجات رخيصة، وكتب قديمة، واغاني، وصور، ومغامرات بوليسية، وكنا نصادف ماء سبيل بارد، فنطفأ عطشنا من التجوال الطويل.

     في الايام التالية صرت اكتشف تدريجيا العالم المحيط، فامشي مسافة ثم اعود واوسعها، لتشمل حديقة الاطفال التي تتجمع فيها عوائل المهاجرين من الشمال، كان بائعي المرطبات والباقلاء في مقدمة من نتقرب منهم، في تلك الحديقة المحاطة، بالياس والمياه الدائرة حولها بانتظام، وساحة النصر التي جلبت انتباهي فيها صيدلية الكندي وصيدلية قندلا، وكنيسة الارمن البيضاء الجميلة وامامها الممر ومن جانبيه الازهار والاشجار، حديقة الامة التي فيها بحيرة صغيرة يعوم فيها البط، وجسر صغير يعبره بخاصة الاطفال، ويرمون الشامية ليلتقطها البط، شارع السعدون والعبور الى الجانب الاخر حيث سينما السندباد، ومطعم نزار، واكسبريس فلسطين، ومحل عبد الكريم قنبر أغا للساعات، ومكتبة. في ساحة التحرير رايت تمثال السعدون، والمنصة التي كان الزعيم عبدالكريم قاسم يخطب من فوقها، في شارع الرشيد شاهدت معرض شركة فتاح باشا، وسينما الشعب، وروكسي، وسينما الخيام، كم كانت السينما تستهويني وقد اخذني خالي الى سينما الشعب يوما في المربعة، حيث شاهدت فلم عنترة بن شداد الذي بقيت سنوات اروي لاقراني مغامراته، وفي عام 1966 اقتنيت نسخة من كتاب عنترة الذي لازالت بلاغته واشعاره ترن في اذني. مرة تمشينا انا وصديقين ولاول مرة من البتاوين عبر جسر الجمهورية الى الصالحية، حيث شاهدت مبنى اذاعة الجمهورية العراقية، ثم وصلنا حتى مستشفى السكك. مرة اخرى بل قل مرات قطعنا شارع السعدون، عبر فندق بغداد، وسينما النصر، الى ساحة الجندي المجهول، فرايت النار المتوهجة والجندي الذي يقطع مسافة قصيرة تحت النصب، وهو يحمل بندقية او رشاش مركب عليها الحربة. لم تنته جولاتي الا بعد رجوعي من بغداد مع بدء العام الدراسي في القوش.

     انطلقنا فجر يوم 19/ 4/ 2012 انا واخي فريد بسيارة شقت طريقها عبر الموصل، فتناولنا فطورنا الشهي في قضاء بيجي، ثم عند وصولنا مشارف بغداد صار تشدد غير مألوف سيما وقد عبرنا عشرات نقاط التفتيش بسهولة وقد كانت المنطقة من الغزلاني، حمام العليل، الشرقاط، والقيارة فيها حماية خاصة ملحوظة فكل مسافة قصيرة، ترى عسكريا يذرع او يقف بكامل اعداده التسليحي، في منطقة الطارمية تأخرنا اكثر نسبيا ولاول مرة سأل ضابط عن هويتي فرحب اجمل ترحيب، بعد قطعنا مسافة قصيرة استلمت سيدة القوشية شاركتنا السفرة، مكالمة من بغداد بان انفجارت تحصل الان في الطارمية وفي مناطق اخرى من بغداد، وكنا لم نسمع بها ولم تؤثر قيد شعرة على مزاجنا الرائق في سفرتنا تلك. اوصل السائق السيدة الالقوشية اولا ثم شق طريقه ونحن في شوق الى مرآى بغداد التي هي أم مدن الشرق قديما وحديثا ثم دخلت السيارة شارع يسمى( ابو الطيارة) في الدورة في وقت الظهيرة، فاستقبلنا الاهل بالاحضان ثم كانت المائدة بانتظارنا، وهي عامرة بمنوعات الاكلات البغدادية الطيبة. تكلمنا عن الاوضاع، فقالوا عنها جيدة، فقلت هل بالامكان التجوال لارى بغداد مرة اخرى بعد انقطاع طويل، وهكذا مع العصر خرجنا بسيارة الخال فعبرنا جسر ابو الطابقين الى الرصافة وعبر اماكن لا زالت ترن اجراسا في اذهاننا، عند تذكر ايامها الماضية، حتى وصلنا ساحة التحرير التي كان همّي الوصول اليها، فعهد خالي السيارة الى شرطي في 

محيط الساحة ليراقبها( خوفا من السرقة) استرخصنا مفرزة الشرطة هناك للقيام بالتصوير، وكان لنا ما اردنا ولكن للاسف كانت عاصفة هوجاء تمر في تلك الاثناء، فتحول لون الصور الى بعض الاصفرار

الذي ترونه

     قبل عودتنا الى البيت زرنا مقرات الاحزاب الوطنية في ساحة الاندلس، وفي المساء جلسنا في الحديقة الامامية التي كانت تزداد اخضرارا كلما عمقنا النظر فيها، وقد لا تتصورون انهم يبقون الباب الخارجي مشرعا الى منتصف الليل، رغم طلبي المتكرر ايصاده. في اليوم الثاني المصادف الجمعة 19- 4 خرجنا صباحا انا وفريد اخي وخوالي د. عزيز وجمال في نزهة ومررنا حول ساحة الفردوس التي شاهدنا فيها قاعدة تمثال الدكتاتور المقبور، واسترعى انتباهنا كثافة الشرطة وهم يحملون العصي بايديهم، وعند وصولنا ساحة التحرير كانت حشود اخرى للشرطة عند نصب الفنان الخالد جواد سليم، ولم يذعنوا لسيارتنا حتى بالتوقف، ولذلك اضطررنا ان نتجه في شارع النضال المزدحم جدا بالمارة والسيارات، فاستدرنا عائدين الى ساحة الطيران حيث شاهدنا جدارية فائق حسن التي ما زالت تتحدى الفضاء، ومررنا امام كنيسة الارمن التي هي الاخرى محافظة على جمالها ورونقها وتصميمها 

الهندسي البديع منذ قرابة ستين عام

     تجولنا في شوارع البتاوين ووقفنا عند السوق حيث الوضع هنا مختلف، فالمنطقة متضررة وخالية تقريبا من سكانها المسيحيين، سواء في المحلات او المرور في العصاري في تلك الشوارع، التي كانوا يتميزون بملابسهم العصرية المتحررة التي تضاهي الدول المتقدمة، والسؤال هل ستعود ايام الستينات والسبعينات اليها؟ فاخبرها بما فعلته الدكتاتورية واكمله الارهاب الاعمى. في المكان الذي فيه الكهرمانة والاربعين حرامي، سمح لنا الشرطة الطيبين بالتصوير، فعبرنا محترزين من سيل السيارات الى النصب واخذنا راحتنا في التصوير، وكذا فعلنا على مشارف دجلة الخير، حيث وقفنا في منطقة جميلة جدا وامام نصب يقابل مبنى جريدة( طريق الشعب) هناك كانت تقابلنا من الجهة الاخرى لدجلتنا، المنطقة الخضراء وقبة القصر الجمهوري، الذي عاث فيه فسادا جزاري شعبنا قرابة اربعة عقود من الضيم.

     نسيت ان اذكر اننا في الصباح وفي شارع ابو الطيارة، وقفنا امام محل للمزكوف، فاشترينا عدد من السمك النهري الفاخر، وحددنا موعد رجوعنا اليه في الظهر، وهكذا استلمنا وجبتنا الشهية. مررنا امام محل يحمل اسم بلدتي العريقة( القوش ) فنزلنا وسلمنا على صاحبه وقال هذا الاسم فقط بقي من كل بغداد، فصورنا معه وجلسنا قليلا نستمتع باحاديثه وبحبه لالقوش وفرحه بلقائنا، كان اسمه لؤي ايليا قلو المحترم، واود ان اذكر زيارتنا الخاطفة الى نادي بابل الكلداني الذي كان في السبعينات والثمانينات يعج بالناس من كل حدب بغداد وصوبها.

     في المساء عبرنا عن اسفنا لعدم المرور امام حي المنصور فاصر الخال ان يصحبنا في سيارته اليه، وما ان دخلناه ليلاً حتى رأينا ما هو غير متوقع، من رقي الحي نفسه، فانا في حياتي لم ادخله، وتخيلت نفسي وكانني في عاصمة راقية من عواصم الدنيا، بمحلاته باضوائه بمطاعمه، ولاول مرة ارى اكثر من مطعم للبتزا، ورايت محلات الذهب التي تشع وتتوهج بكمية وتنوع وتصميم ما معروض فيها، ورأيت جمهوراً لا يعد ولا يحصى من الجنسين وبملابسهم حديثة الطراز، هل انا في حلم؟ أرْكنّا السيارة على الرصيف ورحنا نتجول بفرح غامر جهتي الشارع، وقد شرعت شركات تركية بتوسيع وتبليط جديد وارصفة رائعة لذلك المعلم البغدادي المعاصر، متى يا رب تصبح كل احياء بغداد مثل المنصور.

     في اليوم الاخير لسفرتنا ذهبنا في الصباح الى دير الدورة، وتجولنا فيه وتكلمنا مع ساعوره وبعض المواطنين لكننا للاسف لم نلتق الكاهن المسؤول لانه كان يقوم بتعميذ عدد من اطفال الولادات الجديدة في بغداد الحبيبة. في النهار جهزنا انفسنا لحفل زواج ابن الخال خالد جمال اودو، وبعد الظهر تهيأ موكبنا للتحرك الى بيت العروس، هنا تطوع احد الجيران، وهو مسلم الديانة بسيارته، لنقل مجموعة منا كبادرة طيبة ومجانية نظرا لعلاقة الجيرة التي تربطهم، في مدينة الامين ونحن نزمع اخذ العروس الى الكنيسة إلتمَّ علينا الجيران من كلا الجنسين ومن الاطفال وهم مبهورون بأزيائنا العصرية، ربما كان منظرا لم يألفوه لفترة طويلة، ايضا كان وقع الدبكة في حوش البيت والاغاني التي رافقتها والهلاهل التي شقت ذلك الفضاء، ابلغ الاثر في المنطقة، ثم توجه موكب السيارات الطويل، وهو يطلق العنان لابواقه الرنانة.

     في مراسم البوراخ في كنيسة مار يوسف بخربنده، التقيت الكثير من المعارف والاصدقاء، لم ارهم منذ ثلاثين سنة، وقد ابدع جوق الشمامسة من الشبان في اعطاء المناسبة رونقها وبهائها وقدسيتها. مع نهاية المراسم الرائعة تعالت الهلاهل والزغاريد فردت صداها ارجاء هيكل الرب، وغادرنا الى سياراتنا التي صارت تطلق صفاراتها بشكل متواصل. وصفى بنا المقام في نادي العرسات الذي ابتسم وابتهج بقدومنا، فدخلنا قاعته على انغام الزورنه والطبل، ثم توالت مراسم الحفل الرائعة واكتظ الاقارب والمدعوين الى القاعة وقد ميزنا عدد كبير منهم بعد الفراق المفروض، وانشدت شعرا برّد قلبي المتعطش لجمهور اكن له كل الاحترام والمحبة، وقد اجاد عريف الحفل الدكتور عزيز اودو القادم من بلد النرويج في تقديم فقرات الحفل، وكانا نجمي الحفل العروسان خالد اودو وريتا الريس في عرشهما الملوكي حيث مرّ من امامهم الجميع مهنئا ومتمنيا.

     رجعنا في المساء واستعدنا لموعد مغادرتنا فجرا الى القوش عرين الاسود، وسهر اكثرنا حتى حلول موعد قدوم السيارة التي تقلنا، اودعنا اهل الدار الطيبين المضيفين، ومرقت سيارتنا بين نقاط التفتيش وشوارع بغداد التي كانت لا تزال تغفوا في نومها حتى وصولنا قضاء بيجي، وكالعادة استرحنا وتناولنا فطورنا الشهي. وبعد مغادرتنا بقليل خابرت ابن عمتي صباح شعيا عكيل في مصفى التاجي الذي يعمل فيه منذ اكثر من ثلاثين سنة، فلم تسنح الفرصة برؤيته لكننا حظينا بزيارة بيته الجميل في البلدة، فاستقبلتنا زوجته الطيبة نبيل عيسى ﭙولا وشرحت لنا اوضاعهم المستقرة ثم اودعناهم، وعدنا الى القوش بعد مرورنا في الموصل ومشاهدتنا عن كثب مدخلها الجنوبي التي عبثت به سنوات الارهاب فاحالته الى منظر ضاقت نفوسنا منه، نتمنى ان يتعافى ويعيد بهائه وامجاد وجمال ام الربيعين، موصل الحدباء، نينوى العظيمة، امّنا على مدى الدهور. قبل الوصول الى القوش بمسافة حتى قرية الشرفية كان الشارع مزدحماً بالسيارات التي تروم الوصول الى احتفال( شيرا) دير الربان هرمزد الذي اهتز واديه بمئات العوائل التي وصلت من ارجاء محافظتي دهوك ونينوى، كان ذلك في الثاني والعشرين من شهر الربيع نيسان الاغر في ربوع وطن ابائنا واجدادنا. 

nabeeldamman@hotmail.com

July 08, 2012

USA







الياس ياقو قودا - نبيل يونس دمان


الياس قودا( الملقب ابن شلّي) احد رجال القوش البارزين في مغامراتهم اذا لم نقل بطولاتهم، لقد رفع اسم بلدته عاليا بين العشائر في النصف الاول من القرن العشرين. كانت ولادته عام 1897، ثم نزلت العائلة الى بغداد طلباً للعيش، كان معهم عمهم الذي تركهم ونزل الى البصرة، وبعد مدة توفي والدهم هناك، فما كان من والدته( تريزا) وهي من بيت بوكا الا ان تصحبه واخيه الاصغر الى القوش. اصيبت والدتهم في صغرها بعاهة في رجلها، لذلك اطلق على اولادها الياس وداود( 1903- 1935) عند رجوعهم الى البلدة باولاد شلّي. في فترة السفر برلك شبّ الصبيان ليصبحا من رجال القوش الشجعان في فترة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، نشأ الياس ورضع وتشبع من قيم الرجولة والمغامرة التي كانت سمة ذلك الزمان، حيث لم تكن المثل والمبادئ وحتى القوانين التي نعرفها سائدة، كانت الرجولة تقاس قبل كل شيء بالجرأة والتحدي، في العشرينات شكل الانكليز( الليفي) وهي ميليشيات محلية لحماية مصالحهم، انخرط الياس في تلك الوحدات في مدينة الموصل، هناك تدرب على الاسلحة وفنون القتال والدفاع وغيرها من الاعراف العسكرية، وعند خروجه منها اقتنى سلاح جيد هو البرنو بجانبه المسدس والناظور، واصبحت وجهته المغامرة والولع بالسلاح، وفي احيان كثيرة العصيان في الجبال، وعلى ذلك الطريق اشتدت علاقته باثنين آخرين هم: ميخا زراكا( 1897- 1965) وسليمان كتو( 1904- 1930) فارتبطوا باوثق الصلات واصبحوا باسلحتهم وهندامهم وقيافتهم يجوبون الوديان والجبال، لا يقف عند طموحهم حد، ونتيجة تلك الاعمال وغيرها صاروا مطلوبين بشدة للحكومة.

يذكر المطران يوسف بابانا ما يلي( في سنة 1924 قدم الى القوش حاكم الموصل الانكليزي الجنسية " نولدن" وطلب من يوسف ﭙولا ان يكلف شخصا لايصال رسالة الى حاكم دهوك " جالدين" فوقع الاختيار على الياس ياقو قودا المعروف بابن شلي وبينما هو في طريقه الى دهوك فوق جبل سينن وشيخ خدر اذ بطائرة تمر بتلك الاجواء، فصوب الياس بندقيته نحوها واخذ يطلق الرصاص دون ان يصيبها فاخذت الطائرة تحوم حول المنطقة تفتش عن مصدر النار غير ان الياس اختبأ في بعض الشقوق ورجع الى القوش دون ان يكمل مهمته التي كلف بها ومنذ ذلك الوقت اصبح مطلوبا للعدالة) * ص 165 هذا هو احد اسباب التحاق الياس بالجبل، وهناك من يقول انه قتل احد الغرباء حول القوش فاصبح مطلوبا، وقسم اخر يقول بان الياس قام بسلب احد البدو في اطراف القوش فاعتقل بسبب ذلك وعندما خرج، سمع بهروب اثنين من اصدقائه الى الجبل وهم ميخا زراكا و سليمان كتو، ربما ارادها حجة قوية ان يلتحق بهم فطعن زوجته" شمي بوكا" عدة طعنات بالخنجر ولكنها لم تمت، عندما حضر القس ابلحد عوديش لاعطائها مسحة الزيت شاهد الدم الغزير ينزف منها فتركها وخرج ثم عالجها اطباء البلدة الشعبيون فشفيت، اما الياس فقد هرب نحو الجهة الشرقية من القوش وعندما وصل الى الغدير كانت الشرطة تتعقبه فانتشرت في الارض التي بني فيها بيت المعلم يوسف رئيس، صاح الياس بالاولاد المتجمعين ان يبتعدوا حتى يصوب على الشرطة هنا يقول احدهم وهو صادق ياقو برنو ان مامور المركز اوقفنا قائلاً " لا تبتعدوا، ابقو معنا !!.

تعهد امام سلطات الموصل احد مفوضي الشرطة بانه قادر على اعتقال الثلاثة المطلوبين الى الحكومة، فنقل الى القوش وسكن في بيت وردكي شيخو المجاور لقنطرة القوناغ( مقابل بيت رزوقي السعرتي) فلما سمع الثلاثة بعنتريات المفوض امام الاهالي، نزلوا من الجبل في جنح الظلام وتسللوا الى باحة المنزل الذي يسكنه، ثم طرق احدهم باب غرفة نومه، فاستغرب من ذلك الطارق الذي تجاوز الباب الرئيسي، ثم فتح الباب فرأى امامه الثلاثة بكامل اسلحتهم واستعدادهم، ارتجف من الخوف، قالوا له" نحن امامك الان فقم باعتقالنا " هنا بدأت زوجته بالبكاء، فقالوا لها "لا علاقة لنا بك، فقط جئنا نسلم انفسنا الى زوجك" ، اخذ المفوض يعتذر منهم بشدة، ويقول" انا لم اقل ذلك والناس تبالغ وتنقل اخبار غير صحيحة "، فقالو له" اطلب فورا نقلك من هنا ومن اجل مصلحتك" ، ويقال انه في اليوم التالي استدعى احد سواق البلدة ليعود به وعائلته الى الموصل.

منذ ان كنت صغيرا وانا اسمع بتلك العملية التي ذاع صيتها، لقد حدثت في عام 1930 وتروى هكذا: وصلت اخبار بوجود الياس في كهف بمحلة اودو ويقال ان الشرطة انتشروا في الازقة واسطح المنازل ويقال ايضا بان اثنين من الانكليز كانوا معهم لمساعدتهم في القبض عليه، اعتقل شقيقه داود في المركز وعندما سمع الياس بانهم سيستخدموا اخيه داود درعا للدخول الى الكهف، اقلقه ذلك كثيرا اذ اي اطلاق على الشرطة سيصيب اولا شقيقه، لذلك اخذ يذرع المكان ذهابا وايابا وهو مطوق باحكام، وينقل عنه ما يلي: كان العطش قد اظماه فراى قلة ماء قرب باب الكهف فاندفع اليها يروي ظمئه، دخل الى عمق الكهف واخذ يفكر ان يقاتل بالمسدس حتى لا يقتل اخيه ويحاول بكل امكاناته سحبه دون اصابة الى عمق الكهف. بعد ذلك غير خطته بسرعة فوضع خمسة طلقات في مخزن البندقية واطلقها تباعا باتجاه باب الكهف، احنى المهاجمون رؤوسهم فاستغل تلك الفرصة فخرج مثل السهم الى فضاء الحرية عبر الازقة الضيقة، وعندما وصل الى بيوت آل وزّي صاح بالمهاجمين ان يلقوه خارج البلدة وسينتظرهم في تل المقبرات ليكون الحسم، لكنهم بدلا من اللحاق به، اخذوا يطلقون الرصاص في الهواء دون ان يتمكنوا منه.

فجر يوم من ايام القوش الجميلة، غادر سليمان كتو بيته وهو بكامل قيافته القتالية، ليحتمي بالجبل من مطاردة الشرطة له، واتجه شرقا ً فدخل وادي دير الربان هرمزد، وبعد قليل انحرف يسارا ً ليدخل وادي( برسملي) الرهيب بسكونه وسعته ووعورته. انه يعرف طريقه الذي اعتاد ان يسلكه في كل مرة، ليصل الى اماكن اكثر أمنا ً، وليمضي شطرا ً من حياته فيها مع عدد من اصدقائه المطلوبين ايضا. يبدو ان الحكومة قد جندت بعض القرويين للايقاع به، و كانت تلك المجموعة بقيادة حسن مصطو المعروف في المنطقة. بعد استطلاع ومراقبة جيدتين اتخذت تلك المجموعة مواقعها خلف الصخور، تنتظر مرور سليمان كتو، وحين اصبح في الوسط، تفاجأ بصوت واضح يأمره بإلقاء سلاحه وبرفع يديه، عزّ عليه الاستسلام فقال لهم( كيف القي سلاحي وانا رجل معروف لديكم، هناك متسع من الوقت للتفاهم ومعرفة اسباب كل ذلك) وجاء الجواب باستحالة التفاهم قبل التجرد من السلاح. في تلك الاثناء كان هناك رجلا ثالثا يراقب الموقف من مكان حصين، وقد سمع كل الحديث الذي دار فصرخ قائلا ً( كيف تجرأتم وبلغت بكم الصفاقة حدا تهددون حياة سليمان، انكم تحت مرمى نيراني، عليكم برمي سلاحكم جميعا ً امام صاحبي) . عرف حسن مصطو صوت ميخا زراكه فقال( يا سيدي( بالكردية أسْ بَني) ايها المحترم، ما كنا نود أيذاء سليمان، وهو صديق لنا، بل مازحناه لنختبر يقظته واستعداده) ، فاجابهم إجابة قاطعة( عليكم نزع اسلحتكم فورا ً أمام سليمان) ، وهكذا تم له ما اراد. ظل سليمان مسمرا ً في مكانه لا ينبس ببنت شفة، وهو مذهول لما يحدث امامه، عندها خرج ميخا من مكمنه فعانق سليمان بحرارة، وتصالحا بعد قطيعة وجفاء أحاطت علاقتهما في تلك الفترة، ووسط فرح الصديقين ببعضهما، اعادا اسلحة الجماعة، فأثنوا على موقفهما وهم خجلى من الحالة التي هم فيها، وكرروا شكرهم  لرجلي القوش في تلك الفترة سليمان كتو و ميخا زراكه.

كان ميخا زراكه عائدا من القوش الى معقله في الجبل، فوقع في كمين محكم لرجل اثوري اسمه ننّو، وهو نفسه مطلوب للحكومة ويعتد بنفسه وشجاعته، في تلك الايام دعته الحكومة وطلبت منه مقابل الاعفاء عنه ان يمسك الرجال الثلاثة( سليمان، ميخا، والياس) ، فاخذ يتحين الفرص ويتصيد ليوقع بهم، تحدث ميخا زراكه قائلا: كنت يوما عائدا من القوش الى الجبل فدخلت وادي برسملي وانا احمل بندقيتي وباقي تجهيزاتي، وانا كالعادة ماضي بحذر، ولكن في غفلة نادرة، واذا( نَنّو) الاثوري الذي اعرفه يشهر سلاحه قائلا ارم سلاحك فوراً( راپي توپخ) قلت: غيّر بدّل! قال: قلت لك ارم سلاحك! فقلت له: ننو انا اعرفك رجل شجاع ومقتدر ولكن ماذا ستقول الناس وانت صاحب غيرة أليس عيباً ان يقال بان فلان جرد ميخا زراكه من سلاحه، هذا شيء غير مقبول منك وانت ذلك الشهم، وهكذا وبنفس الاسلوب السابق، ارتخت آذان ننو كما يقال، فعلق بندقيته ليواجهني كصديق، وبلمح البصر انزلت بندقيتي آمراً: ارم سلاحك الان( راپي توپخ!! ) ومهما حاول بل وترجى ان اتركه، قلت حازما: ارم السلاح بسرعة؟ فرماه، ارمي كل معداتك؟ ففعل، ثم قلت: انزع ملابسك؟ .... حتى ابقيته على الداخلية فقط، تركته وعدت الى مجموعتي، وعندما رآني الياس مقبلا قال: ما هذا؟ قلت: مقتنيات ننو الاثوري، فقال هل قتلته؟ قلت: لا لم اقتله، فابدى رفيقي امتعاضه، وقال لو كنت في مكانك ما ترددت لحظة في قتله، فقلت له: تركته ليكن امثولة لغيره وليرجع الى بيته خائبا ولتسمع الحكومة ما جرى لمجندها.

كان الياس مطلوبا من قبل الحكومة، لا عمل له يعين اسرته، فاضطر عدة مرات لقطع طرق القوافل التجارية، في احد الايام نزل بسلاحه مسافة في دشت القوش مستصحباً معه احد شباب البلدة، بعد مدة قصيرة رجع ومعه بغال محملة بالاجبان، كان ذلك الزمان يناسب تلك الاعمال وتعتبر شجاعة وحاجة في آن، اشتكوا اصحابها في مركز شرطة القوش فتوجه المامور مع الشرطة الى بيت الياس الذي صادف ذهاب والدته لجلب الماء من الابار المجاورة فدخل مامور المركز يفتش البيت، وعند رجوع ام الياس الى البيت رأته منقلبا بمحتوياته فخرجت تستفسر من جارتها فقالت انها الحكومة. فانزعجت وانذرت، شقت طريقها الى المركز، دخلت دون استئذان غرفة المامور، واخذت تهاجمه بالقول: انت رجل وتدخل بيتي، والله لولا خجلي كأمراة لكنت امسكت بك واعطيتك جزاء لرعونتك، وجعلتك مثلاً( مثله ومرّه) امام اصحابك، ثم غادرت المركز وسط خرس ورعب شرطة المأمور.

بتاريخ 17- 5- 1930 ليلاً تواجد الياس قودا، ميخا زراكا، وسليمان كتو في احد احياء القوش، امام بيت ممو قلو القديم، اما ميخا فدخل ضيفا عند اسطيفو بجي بلو، في تلك الاثناء عبرت دورية من الشرطة امامهم وتفرسوا بوجوه بعضهم وعند وصولهم الى منعطف بيت وزي اطلقت الشرطة رصاصة باتجاه الرجال فحدثت معركة بين الطرفين انتهت بمقتل سليمان كتو واحد افراد الشرطة، فتركا البلدة كل من ميخا والياس الى الجبل واصبحا مطلوبين من قبل الحكومة، في تلك المعركة كل واحد من الثلاثة قاتل في جهة، وبعد وصولهم دير الربان هرمز عرف الياس باستشهاد رفيقهم سليمان مما تصاعد غضبه وطالب رفيقه ميخا بالرجوع والانتقام من مركز الشرطة، وكان يسمع حديثهم احد رهبان الدير فنصحهم بل ترجى منهم في العدول عن اصرارهم والتسبب في مشاكل اضافية  للبلدة وفوق طاقتها، بقيا مدة في الجبال المحيطة، ثم قال ميخا لالياس: لم يعد لنا حياة في العراق... فذهبا الى سوريا ومن هناك بعثوا خبرا الى رجل من بلدتهم اسمه نعيم متيكا صارو كان يعمل مترجما لدى القنصل الفرنسي وطلبو منه ان يتوسط لهم في الاقامة واستحصال رخصة حمل السلاح في البلدة( سي ملكا) ، بعد فترة قصيرة ادخلهم نعيم الى المسؤول الفرنسي وهم بعدتهم وقيافتهم الجميلة وكانهم بطلي افلام، فقام من مكانه ورحب بهم مصافحا وجلس يتحدث معهم ثم قال( اريدكم باسلحتكم ان تنزلوا الى المدينة التي ستخضع لكم) هكذا ظهروا في المدينة وفي وسط سوقها التي صارت العامة تحييهم وتحترمهم وبعد فترة اصبح ميخا زراكه رئيسا لتلك البلدة واشتهر هناك باسم( سفر اغا)حيث عاش مع عائلته واولاده، وهناك ولد له صبري وصبرية، ولم يعودوا الى العراق الا في حدود عام 1947. بعد مدة اختلف الاثنان فانفصل الياس وذهب الى منطقة الجزيرة عابرا الحدود السورية وهناك استقر في قرية كردية اسمها( شف صور).

في الثلاثينات، كان الياس يملك مهرة كحيلة رباها ودربها من ايام زمان، اينما يكون يصيح عليها فتاتي في الحال، يقال انه كان يمتطيها ليلة قي برية قفراء، فجاة توقفت، ضغط عليها فمشت مسافة قصيرة وتوقفت، عندها علم ان هناك شيئ غير طبيعي، فنزل من ظهرها واخذ يفحص امامه فراى اكواما متتالية لم يعرف كنهها، مشى مسافة اخرى وامامه تلك الاكوام الغريبة، اخذ يمشي على الاربعة ظنا انها مواقع تستهدفه، وظل يتقدم نحوها الى مسافة امتار فصاح عليهم بالسريانية والكردية والعربية فلم يجاوبه احد، قال ساكرر كلامي ثانية ان لم تجاوبوا ساقتلكم، جاوب احدهم فقال: نحن( بالعربية) فقال له: انهض، قال: لا استطيع لاني مكتوف، فقال: انت تكذب، قم على رجليك، قال: انا مربوط، فقال: اقلب، فقلب، عندها عرف ان عصابة قد سلبتهم بضاعتهم واسلحتهم بعد ان كبلتهم بالحبال، قالوا له: نحن اثنا عشر رجلا مع اثنا عشر بغلا محملا بالبضاعة( عبصي) وكل منا سلب منه سلاحه من بندقية ومسدس. تركهم هناك مشدودين بعد ان سالهم عن زمن الحادث، فقالوا في حدود نصف ساعة من الان، ركب الكحيل وتوجه في طريق ومن خبرته بالمنطقة والعصابات المتوقعة استطاع ان يصل الى القافلة، فظل خلفهم يتابعهم حتى وصلوا الى وادي فسبقهم وجلس ينتظر مرورهم في وسط الوادي، معلوم ان القافلة باسرها تسير وراء البغل الاول، واية كلمة( هوش) تتوقف الكروان، راهم يتقدمون وانتبه الى واحد منهم كان يسير بعيدا عن القافلة فعرف انه رئيسها ودائما في مثل تلك الحالات يكون اقوى الرجال واكثرهم بأساً، صاح عليهم بالاستسلام ثم صوب بندقيته باتجاه رئيس الكروان واطلق، ثم اعقبها باخرى فثالثة وهو لا يبغي قتله، ترك الرجال القاقلة وانهزموا هنا تقدمت البغال نحوه فاوقفها، ادار البغل الاول وضربه على مؤخرته فدار الجميع لا يعلم ما حدث للرجال هنا احتار هل يركب مهراه اذ ربما الرجال كامنين امامه، لذلك ربط المهرة باخر بغل وسار بجانب القافلة باتجاه اصحابها الموثقين من قبل العصابة، في الطريق لم يسمع صوت او حركة امامه فتيقن ان تلك العصابة قد ولت هاربة، حتى وصل الموثقين، حل وثاق احدهم وقال له: اذهب الى بغلك وسلاحك ففعل وهكذا جميعهم، وسالهم ان كان كل شيء قد استعيد فقالوا كل شيئ كامل وليس هناك نقص، فقال لهم تستطيعون المواصلة فقالوا قسما لن نذهب قبل ان نهبك بضاعتنا فقال لا اريد شيئا ثم اصروا ان يعرفوا من يكون فقال لهم لا تتكلموا في هذا الموضوع، ساستمر معكم حتى تتجاوزوا اماكن الخطر، هكذا كان، وقبل ان يفترقوا طلبوا اسمه بالحاح، فقال ادعى الياس شلي من القوش، فشكروه كثيرا ومضوا،( تبين فيما بعد انهم كانوا من العشائر المؤثرة في مدينة الموصل).

الياس ترك زوجته شمي في القوش ولم يكن لهم اولاد، هناك خارج حدود العراق في قرية شڤ صور( بالكردية ومعناها الليل الاحمر)  تزوج ارملة من تلك القرية كان لها طفلين من زواجها الاول، اما البنت فتوفيت فيما بقى ابنها خليل مع امه وزوجها الجديد الذي انجبت له ولد سمي فيما بعد جميل الذي تزوج في حدود عام 1950 من ابنة عمه حياة داود قودا، وثلاث بنات اسمائهن: هدية، زكية، وحمدية. اما خليل فقد كبر مع اخواته وامهم واستقروا في دهوك بعد ان انفصل عنهم الياس شلّي عند عودته الى القوش ورجع الى زوجته التي انجبت بنتا اسمها( سعيدة ) . تشاء الصدف ان يصبح خليل من افراد قوة البيشمركة في الجبال المحيطة، وفي احد الايام جاء برفقة المرحوم الياس حنو الى بيتهم المعروف موقعه، يقول الصديق نجيب الياس حنو بانه راى خليل يركز نظراته باتجاه الجبل، فقلت ما الذي يشغلك؟ فقال لي: هل ترى ذلك الضوء البعيد الخافت عند الجبل، قلت نعم ذلك بيت الياس شلي، فقال: انه بيت ابي، ولم اقتنع كيف يكون هذا الفتى المسلم ابن الياس المسيحي، في اليوم الثاني سال نجيب والده فاجابه: انه ابن زوجته الذي تربى في كنفه، وروى له كامل القصة. في اواخر الثلاثينات وصلت والدته وبعض اولاد اخيه داود الذي قتل في اواسط الثلاثينات، فاصبحت عائلته تتكون من والدته واولاد اخيه جمعة و حليمة، قضوا عدة سنوات في تلك الاصقاع من ريف ولاية الجزيرة( تركيا حاليا) وفي النهاية عادوا الى العراق.

كم كانت تمتعنا جدة والدي المدعوة نني ساكو( دادا ننيكي 1864- 1961) عندما تنقل عن شلّي والدة الياس عبورهم نهر دجلة في رحلة العودة الى العراق، وكيف استقلوا وسيلة نقل اسمها القايغ( بالتركية بمعنى الصحن الكبير او ما يشبه القفة) التي كانت مطلية من الداخل بالقير، استقلوها وسط نهر هائج في ذلك الوقت، وقد حبسوا انفاسهم والاطفال معهم، لكن في النهاية وصلوا الى شاطئ الامان فصدر عنهم هتافا لا زال صداه الموسيقي يتردد( خير الله، وعبرنا الشط) ، فيما بعد وكلما تسمع دادا ننيكي خبرا سارا حتى تنهض مبتهجة، راقصة، ومرددة ذلك النداء الجميل الوقع( خير الله وعبرنا الشط). عادت شلي واولاد داود الى القوش فيما بقي الياس مدة اخرى في الجبال القريبة من البلدة.

في تلك الفترة كان الياس شلي عند بيت الشيخ نوري( 1870- 1944) كان الديوان يعج بالرجال، خاطب الشيخ القوم بالقول: انتم لا تستطيعون جلب طالان( المواشي والابقار والدواب) العشيرة المجاورة، اذ كلما حاولتم طاردكم رعاتها فترجعون خائبين، وكرر كلامه، هنا انبرى الياس شلي بالقول: انا اذهب لجلب الطالان،  فقال الشيخ: اختار ما تشاء من الرجال، اجابه بانه سيختار برغبته، فاجاب الشيخ: لا مانع لدينا، فاخذ رجلين غير مسلحين احدهما اعرج والاخر مشلول( گجّا) فقال الشيخ: ما هذا يا فلان! اجابه قائلا:  الم اقل انا اختار، فوافق الشيخ على اختياره. يروي الياس القصة كما يلي: بكّرنا فجرا وتوجهنا الى قرية تلك العشيرة، انتظرنا حتى خرج الطالان وبرفقته اربعة رجال مسلحين ابتعدوا مسافة من القرية فصحت بهم ان يسلموا الطالان، فهبوا للدفاع وجميعهم بدأوا باطلاق النار باتجاهنا، واخذت اطلق عليهم مغيرا مكاني الى مواقع مختلفة فردوا علي بالمثل، هنا صحت بهم ان يتركوا الطالان وان بامكانه قتلهم جميعا، فانسحب الاربعة تباعا واستلمت الطالان وجعلت الرجل الافلج( كجا) يقوده والاخر في المؤخرة وانا سرت بجانب الطالان لحراسته، حتى وصلنا بيرفكان. فرح الشيخ كثيرا وتعجب كيف برجل واحد يفعل ما عجز عنه الرجال؟ قد يسأل احد لماذا اختار معوقين من رجال الشيخ؟ لانه بالتاكيد سمع بمغامرة اخرى شبيهة وتروى كما يلي:

عندما طرح موضوع الطالان كان رجل اخر شجاع من القوش اسمه شمعون طعان المتوفي عام 1954 جالسا في مناقشة الموضوع في ديوان الشيخ البيرفكاني فعبر عن رايه بالقول لماذا نسلب طالان العشائر المجاورة اليس الافضل ان نذهب بعيدا الى حدود السوران مثلا، فوافق المجلس على الاقتراح، وكلف شمعون بالمهمة وطلب منه اختيار الرجال، فاختار شمعون طعان ثمانية من رجال الشيخ لجلب طالان بعيد في منطقة السوران، قاتل شمعون لوحده الحراس وقتل واحدا منهم، فيما تولى الاخرون سوق الطالان، وعند عودتهم كان الثمانية يسيروا مع الطالان وشمعون في الخلف، شاءت الصدف ان يحمل اتجاه الريح صوتهم وهم يتآمرون لقتله، فلحق بهم وجعلهم يسيرون امامه حتى وصلوا بيرفكان، جلس شمعون لا يتكلم شيئا، فيما تحدث الرجال عن شجاعتهم في العملية وانهم قاتلوا بشدة ونسبوا كل شيء لانفسهم دون ان يعطوا دورا لشمعون، لم يصدق الشيخ كلامهم فدعى شمعون ليروي ما عنده فروى له ما حصل، عندها اخذ الشيخ يذم ويشتم رجاله، ثم اصدر امرا بالقاء سلاحهم والذهاب الى بيوتهم.

في احد الايام كانت نوبة الياس شلي في حراسة القرية بيرفكان، هكذا كانت القرية تضع حراسات من الصباح وحتى المساء لمراقبة المنطقة تحسبا من الاعداء، كانت اليقظة سمة تلك الايام. انهى نوبته وعاد الى القرية وفيما هو قرب ديوان الشيخ فاذا بثلاثة من اهل تلكيف معتقلين هناك، عرفهم، فقال لهم بلغة السورث الدارجة: لا تخافوا شيئا انا هنا، ثم دخل الديوان الذي كان يعج بالرجال كالعادة فلم يقم الياس باداء السلام الواجب واتخذ له مكانا في الديوان، هنا قال له الشيخ: ما هذا يا الياس انك لم تؤدي السلام، فاجابه: وهل هناك رجال حتى اسلم عليهم، غضب الشيخ من هذا الكلام، فيما جلس الياس على ركبة واحدة لمواجهة الموقف، قال له الشيخ: اخبرني بالمسالة، فقال الياس انا عائد للتو من حراسة من؟ فاجابه الشيخ من حراستنا، اذن كيف تاسرون اقربائي واحدهم متزوج من ابنة اخي وترموهم امام الديوان، فقال لجماعته ان يسكنوهم ويوفروا له متطلباتهم من الاكل وغير ذلك، قال الياس انا بامكاني استضافتهم.

في اوائل الاربعينات رجع الياس الى القوش في ليلة حالكة الظلام حيث خرج من احدى فتحات جبلنا الى احد الكروم التي كانت تحيط القوش في تلك الفترة، تفاجأ صاحب الكرم برجل مسلح، كامل العدة، رشيق القامة، سريع الحركة، لم يعرفه للوهلة الاولى لانه كان قد اطلق العنان للحيته، ولغيابه الطويل في الجبال جوالا في سوريا وتركيا والعراق، فقد طوى الزمن ذكرياته القديمة. ما ان شخصه صاحب البستان( خيرو قيا بلو) حتى تعانق الاثنان وجلسا يتحدثان، عندما سمع من الياس بانه ملّ حياة التجوال بين الصخور والاقامة في الجبال والكهوف حتى انها اي تلك الاماكن ملت منه، لذلك قرر الرجوع الى البلدة للعيش فيها ما تبقى من عمره، فارسل صاحب البستان من يجلب ماكنة حلاقة، فازال لحيته الكثه ليظهر طبيعيا في بلدته. يقال بان جماعة القوش من عقلاء( معقوله د ماثه) ورجال دين رحبوا به عائدا الى بلدته ولكنهم اشترطوا عليه ان يعطهم اليد والامان( ايذا وهيمَنتا) كي يوفق في اقامته الجديدة فلا يجدد الثار او ما شابه ذلك، فوافق ولكنه عاش حذرا مسلحا على الدوام، ومطلوبا قانونيا للحكومة.

في القوش لا يعطى حق الرجل الشجاع دائما، الياس لم يكن استثناء فلجأ الى بيت الشيخ البيرفكاني. لم يقتل احداً من بيت حاج ملو، بل انقذ الكثيرين من بيت الشيخ بوجوده بينهم، فهم لا يطلقون الرصاص عند حضوره دليل معزتهم لاهالي القوش، كان بيت حجي ملو يبعثون في طلبه لكنه لم يذهب اليهم، عندما صدر عفو حكومي عن رجال الحاج ملو دعوه ان ياتي معهم كاحد رجالهم لنيل العفو فرفض، ويذكر ان البطريركية الكلدانية في شخص مار عمانوئيل تومكا( 1852- 1947) لعبت دورا في العفو عنهم، وقد قيم بيت الحاج هذه المسالة فكانوا كل عام يبعثون بمنتجات زراعية خاصة الى مقر البطريركية في الموصل. في الفترات الاخيرة من حياته بعث في طلبه الشيخ صديق البيرفكاني وقد قرر ان يقيمه وكيلا على املاكه في قرية تلخش خلف جبل القوش فلم يوافق على ذلك.

حدثني الاستاذ الراحل جورج جبوري خوشو( 1920- 2003) انه عندما قرر السفر الى القوش لعرض مسرحية يوسف الصديق التي اخرجها عام 1943، كلفته ممرضة القوشية من بيت قودا في بغداد، بارسال بعض الادوية الى ابن عمها الياس، وهكذا حملها معه، وقد زاره في بيته في محلة سينا وصوّر له هذه الصورة:

في اواسط الاربعينات كان الياس معزوما عند جماعة قادمين من الموصل، ومتخذين من الغرف المحيطة بمار قرداغ مقرا لاقامتهم، كان الوقت غروباً عندما جهز نفسه ومر من امام رجال جالسين في احد بيادر محلة سينا، سلم عليهم، فردوا السلام، وطلبوا منه الجلوس ولكنه اعتذر لانه على موعد، ثم الحّوا عليه ليجلس قليلا. امتثل لطلبهم، وبعد الترحيب به( بشينا ثيلوخ) ناوله احدهم كيس التبغ فلف سيكارة ثم ارجعه الى صاحبه قائلا تعيش( خاه مارح) وما ان اشعل سيكارته حتى سمعت اطلاقة بندقية، فقال الياس على الفور انها اصابت جسدا اما ان يكون بشرا او حيوانا( يذكر والدي يونس وكان حارسا لغلته في تلك الليلة، انه بعد سماع صوت الرصاصة، صاح البصير إيّا حنّونا: ها هم الرعاة قد جندلوا ذئباً) ، وبعد قليل وصلت النداءات( الهاور) تنبأ بمقتل حنا حنينا مأسوفا عليه، فقال الياس انها مصادفة ان اجلس معكم قليلا والا كنت مارا في تلك المنطقة القريبة من الحادث( بيادر محلة التحتاني) قاصدا بناية مار قرداغ لتلبية الدعوة، ربما كانت تنتظرني مشكلة جديدة.

كان ججو تمو يسكن في البيت الذي شغله جردو القس يونان واولاده، وهو احد حكماء البلدة، ويتواجد باستمرار في الموصل، يقول ججو تمو بان المواصلة الذين كان لالياس فضل في انقاذهم عبر الحدود مع سوريا، اخبروه بان يبذلو كل ما في وسعهم لاخراج عفو عام عن الياس، لكنه رفض العرض وهو يقول: لا اريد عفو الحكومة، وفي احدى المرات جاء المدعو ايو بتو وكان يعتمر العقال والكوفية الى بيت الياس وهو قادم من الموصل من طرف العشائر والاغوات فيها( ايو بتو رجل من القوش يعيش في الموصل ومقرب الى اقوى عشائرها: عشيرة عجيل الياور) وهم بمثابة السلطة الحقيقية فيها، وطلب منه الامتثال الى طلب العفو وسيقدم على مساعدته رؤساء عشائر الموصل، وبانهم لم ينسوا فضله عليهم، فرفض تلك الدعوة ايضا.

ظل الياس يرفض الكثير من دعوات التوسط لنيل العفو عل قضايا سابقة معلقة، وحتى فترة الخمسينات، عندما كانت احدى قريباته تعمل في بيت الوزير عمر نظمي في بغداد، فعرضت الموضوع عليه، وعندما راجع لم يعثر على اية قضية ضده وافهمها بان اوراقه لم تصل الى بغداد وانها بين الموصل والشيخان، وسيعفى عنه حسب القانون الذي ينص على اعفاء من ارتكب جناية وامضى اكثر من 15 سنة خارج بلاده، فاخبرت الياس بذلك. اضافة الى وجود المعلم المعروف سليمان يوسف بوكا في القوش، هنا اقتنع الياس باستحصال العفو الرسمي فارسل ابن اخيه( جمعة داود) صبيحة احد الايام الى عين سفني وهو يحمل رسالة من سليمان افندي، ويروي جمعة قصة ذهابه الى قضاء الشيخان كما يلي:

كان الوقت شتاء، اخذت معي عصا صغيرة، قصدت بلدة عين سفني مارا بطريق يبتدأ من القوش عند آبار الماء، وما ان قطعت مسافة قصيرة حتى نزعت الحذاء( كالك شيروخ) وعلقته في كتفي لان الطين كان كثيرا، بعدها لحقني راكب مسلح( ايزيدي) قال لي: الا تخاف وحدك ، قلت: لماذا اخاف، قال: قبل قليل تجاوزت ذئاب كانت على طرفي الطريق، في الحقيقة اني رايت واحدا على المرتفع فظننت انه راعي مغطى باللباد( كبنك) ثم افترقت عن المسلح في قرية بيبان الايزيدية، غادرتها شرقا فاذا الطريق ينقسم الى اثنين فاخترت واحدا ثم تفرق الى اربعة طرق فتوقفت حائرا، رايت رجلا فسالته فاشار الى احدها وبعد مسافة تشعب الطريق ايضا، فاتخذت طريق الوادي حتى وصلت قرية الجراحية، خرجت منها، واذا مئات الكلاب ملتمة فانتابني الهلع، وفكرت لماذا كل هذا العدد متجمع، ثم اهتديت الى وجود جثة بغل، فاي كلب يحاول الوصول الى الغنيمة تضج الكلاب وتتقاتل بينها فيتراجع، فجاة رايت صبيا يركض وراء حمار، صحت عليه بالكردية ان يعبرني، ولكنه اجاب بلغتي( السورث) بانه لا يريد مساعدتي، ثم لمحت امراة تخاطب الصبي بالسورث، فقلت لها انا منكم( سورايا) رجاء عبروني من الكلاب فصاحت المراة باللهجة الاثورية( يا بروند ݘلبه، اوه سورايه ديّنيلي رخش مهاييره) اصر ان لا يساعدني فجاءت المراة وعبرتني، بعد وقت عبرت مجرى ماء باتجاه قرية النصيرية التي كان يعيش فيها انذاك بيت هرمز ممو نيسان، هناك شاهدت رجلا داخل في( لوذا) سلمت عليه قائلا: هيفاراته بخير، خرج من التبن واجاب: خير وسلامت، قلت كيف اذهب الى قرية( ألمامان) قال مشيرا بيده من هناك. انا خرجت من القوش وكانت الدنيا ضبابا يحجب الرؤيا تماما وغيوما كثيفة تلبد الاجواء، كنت لا ارى شيئا، اتذكر عند خروجي وكانت الدنيا فجرا بين الظلام والضياء الاول( خشكا وبيرا) قال العم عيسى قودا لعمي الياس: نحن نريد ان ننقذ واحدا وانت ترسل اخرا، قال: دعه يذهب سوف يتبدد الضباب( خيبوثا) .

على اية حال خرجت من النصيرية وهناك طرق كثيرة، ثم لمحت قرية امامي فقصدتها وعندما جلست لارتاح فوق صخرة، خرح رجل ومعه حيوان ضخم( قنيانا) تاملته فاذا هو منصور( مشو) كجوجا من قرية( الحسينية) جاء يسالني: ماذا تعمل هنا، قلت، انا ذاهب الى المامان، تصور اني متمرد على البيت( زعلان) فقال: هيا نذهب الى بيتنا في الحسينية، قلت: لا انا ذاهب في مهمة، قال تلك قريتنا اطلب اولادي وهم يدلونك على الطريق. انت ترى القرية قريبة ولكنك عند السير اليها تطول المسافة اضافة الى الماء والاطيان التي تغوص فيها، كان الوقت عصرا والغيوم لا زالت تنذر بهطول اشد الامطار، صحت في قرية الحسينية فخرج رجل عرفته( بحو عبد الله خرات) ها ماذا تفعل هنا، قلت دلني على المامان فدلني باشارة من يده، قصدت القرية فرايت ساقية يجري فيها الماء هناك امراة تغسل الملابس على الضفة، ملابسها القوشية تكلمت معها السورث وانا اسال عن موقع بيت( الياس جونا كريش) كانت لا تجاوب، الححت عليها ودون جواب، عرفت بعدئذ انها لا تتكلم مع بيت الياس، هكذا كانت حياة القرى اضافة لضراوتها فان مشاكلها الاجتماعية كثيرة ايضا، واخيرا قالت: انهم في الطرف الجنوبي.

على مقربة من بيتهم لم ارى احدا، فصحت يا الياس( وو الـّو) فاذا عشرات الكلاب تخرج باتجاهي، ليس في يدي ما اجابه سوى العصا فاحركها واهرب منهم، الى ان خرج الياس واخيه كليانا الذي كان ينتشل عصا تستخدم في الحقل لاجتثاث الفئران، واخيرا وصلت اليهم، فقال الياس: خيرا ما الذي جاء بك في هذا اليوم الشتائي ولوحدك، قلت: يا الـّو انا اريدك توصلني الى عين سفني اليوم، قال: هل تستطيع، الست تعبانا، قلت: بامكاني، معلوم خطورة تلك السنة واصحابنا حذرين من الاعداء المتربصين بهم بعد حادثة القتل المعروفة، قال الياس لاهله ساذهب معه في هذه الوقت المتاخر واذا لم نعد حتى ساعة كذا فلا تقلقوا، واذا سمعتم صوت نباح الكلاب فانتبهوا بحذر، كان المساء يخيم في تلك الاجواء الريفية وانا والياس نسير على الاقدام باتجاه عين سفني.هناك نهر ونحن نعبره ضربنا ضفافه فتبللت ملابسنا تماما خرجنا الى ارض صلبة( قراجا) وغسلنا واعدنا تنظيف احذيتنا( الكالك) ثم وصلنا عين سفني وناولت الامانة الى الياس فاخذها ودخل الى بيت المسؤول الحكومي، فدعاني وقال لنا: ساكون غدا في القوش. سالني الياس: ان كنت مستعدا للرجوع الى المامان في هذا الوقت، قلت: نعم، رجعنا واذا الجو صحوا وقد اختفت الغيوم ليحل محلها القمر والنجوم، في تلك الاجواء قال الياس: لدينا قطعة مزروعة بالعدس سمعنا ان الرعاة ادخلو فيها اغنامهم ولنرى ما حصل، شاهدنا في ذلك الليل بعض اطرافها قد التهمت من قبل اغنام الرعاة. وصلنا النهير الذي قبل المامان، رايت الماء الجاري بقوة وانا لا اجيد السباحة فرميت نفسي الى الطرف الاخر وسالني الياس: هل انت بخير، قلت: نعم، تردد الياس قليلا ثم عبر ايضا، هنا اطلقت الكلاب نباحها واذا صوت يطالب بهويتنا، فاجبناه: اننا الياس وجمعة فرحبوا بقدومنا. نمت تلك الليلة في المامان وصبّحنا في اليوم التالي على الثلوج وهي تغطي المنطقة، ثم عرفت ان قافلة صغيرة متوجهة الى القوش، فساني الياس كريش: ان كنت مستعد للذهاب معها، قلت: نعم، هناك شخص اسمه( سليمان رشو) كلفني بايصال حمار له الى القوش فقبلت المهمة على مضض، لان الحمار سبب لي الكثير من المشاكل في المرور بتضاريس طينية، ولو كان احدا مكاني لتركه في الطريق، ولكنني صارعت من اجل ايصاله واوصلته.

قضية العفو عن الياس حركها من بغداد عمر نظمي ومن القوش حركها المعلم المعروف سليمان يوسف اسطيفان بوكا وكان معلما في مدرسة القوش الاولى للفترة من 1946- 1952، وكان على علاقة وثيقة بالمسؤول الحكومي في الشيخان. هكذا صدر العفو النهائي عن الياس قودا من قبل الحكومة العراقية، ولكنه لم يترك سلاحه وحذره الشديد في السنوات اللاحقة.

كان بيت الياس يملك حصان وبغل وزوج من الكلاب الشرسة التي دربها بعناية فكان اهالي البلدة وغيرهم يهابونها، لذلك كان اهل بيته يربطوها في النهار ويطلقوها في الليل. في احد الايام كانت مجموعة من اللصوص( گناوي) خلف بيت شلي عند الارض التي كان بيت بتي تولا قد وضع الاساسات لبنائه، هناك جلس اللصوص، عندما اشرف النهار على الانتهاء والمطر يزخ برذاذه، اخبر ابن اخيه ان يطلق الكلاب كالعادة كل يوم، وبسرعة خرجت الكلاب تعدوا عبر السطح الى السفح الصخري واصبحت تنبح بشدة، ويزداد نباحها كلما حاول اللصوص التحرك، وعندما يلتزمون اماكنهم تسكت الكلاب، وهكذا حتى عيل صبرهم، واستمر ذلك لعدة ساعات، اراد الياس ان يهاجمهم ولكنه كان محموما في ذلك النهر وقدر ان لا ضرر منهم لحد تلك اللحظات، بعدها غادر الرجال وسط نباح الكلاب ودخلوا وسط البلدة، بعد مدة قصيرة طرق الباب(من الصفيح او التنك يحدث الكثير من الضوضاء عند الطرق عليه) واذا الطارق شعيا( شعوكي) فتح الولد الباب، فخاطبه شعيا قائلاً: قل لعمك بان دواب عيسى سرقت، حاول الياس عند سماعه الخبر ان يلبس ملابسه ولكنه لم يستطع بسبب ارتفاع حرارته فقال له: اذهبوا الى وادي اسمه( گلي وشته) و( يقع في الجبل غرب القوش) هناك تقطعون طريقهم، اجابه شعيا بان اللصوص اتخذو وجهتهم جنوبا، فقال الياس تذكر ما قلته. لم يقتنع الرجل بل تذمر قائلاً" لا زال ابن شلي في افكاره القديمة" فاجاب: انتم احرار. عندما سرقت الدواب اطلقت زوجة صاحب الدار نداء الاستغاثة( الهاور) فخرج اخوه ليمسك ذيل البغلة المسروقة وصار يمشي في الركب، بعد ان عبر اللصوص موقع يسمى( رش كوزا) قال كريم يقوندا فيما بعد وكان يحرس غنمه قرب ذلك الموقع" سمعت صوت الدواب، لكن أنّى لي ان اعرف انهم لصوص، ويقول ايضا في الفجر اسمع ضجيج الفلاحين( حراث الارض) فانهض من نومي واسرج دوابي لاذهب الى المرعى" ،عند عين محلة سينا شهر اللص سلاحه مخاطبا اسحق( اذا لم تترك البغلة ساطلق النار عليك) فتركها وعاد الى البيت.

اذن سرقت دواب( قنيانه) احد بيوتات القوش، شدّ اللصوص رحالهم باتجاه الجنوب حتى بلغوا التل الكبير( كرا) هناك جلسوا لبعض الوقت للراحة ثم قفلوا راجعين باتجاه( كلي وشته) الذي حددها بدقة العارف الياس شلي، ومنها ارتقوا الى قرية السيدا( سيدايه- سكانها من الاكراد الرحل- كوݘر) تتبع الاقوشيون آثار الدواب بواسطة قدم( صمّه) بغلة كانت احدى رجليها لا تستقر طبيعيا على الارض بل تظل شبه عمودية( ضريرة) ان وقع ذلك الحافر كشف وجهة اللصوص وبانهم من تلك القرية، فقد دخلت اثار الحافر الضرير ولم تخرج منها الى اي مكان اخر، فتاكد لهم بشكل قاطع ان الحرامية من سيدايه، فشكوا عند الحكومة بالموصل، فانكر اهل سيداي فعلتهم، فقالت الحكومة اخرجوا اثار الدواب المسروقة من قريتكم، فعجزوا ولكنهم دفعوا مبالغ من المال ليحصل التراضي بين الطرفين، لقد كانت توقعات الياس شلي في مكانها ، ففي الصباح الباكر خرجت ابقار( بُقرا) سيداي وفي طريقها الى المرعى ازالت كل اثار الدواب المسروقة من القوش.

خرج الياس يوما وكالعادة لوحده من القوش مساء، ودخل وادي الدير العلوي هناك شرع المطر ينهمر فاسرع الخطى باتجاه الدير وحتى لا يطول الحديث، عند وصوله الى بوابة الدير كان المطر قد بلل ثيابه تماما، وصار الماء يجري سواقيا في جسمه، طرق الباب، فسال البواب( دركفان) عن الطارق، اجاب: افتح انا الياس شلي، قال اصبر لاسال ابونا الرئيس، كان ذلك قانونا صارما، فلا يفتح الباب في الليل الا بامر رئيس الدير، نظرا للنوائب التي وقعت على  الدير في تاريخه، وفي ذلك الموقع الجبلي النائي والخطير. عندما سمع الرئيس بان القادم هو الياس امر الراهب المناوب بفتح باب الدير الضخم ليدخل الياس، سلم على الرهبان ثم اجلس على مقربة النار التي تضرم في الاماسي الشتوية في الدير الذي كان انذاك يعج بالصوامع وبالاخوة من مختلف قرى الشمال بخاصة، تناول العشاء عندهم وتناولوا ايضا الاحاديث المتشعبة التي كانت تشغل بالهم آنذاك، وقبل مغادرته مودعا باحترام، اعطي ثلاثة قناني من خمر الدير المعتق، فشربها في الطريق الذي يتجه شرقا الى قمتي( برگاره) و( نيره د ايوه) نزل الى البرج الطيني الذي اقامه الرهبان لحراسة بستان العنب( كرمه ديره علايه) كان السقف قد انهار من شدة الامطار الساقطة وبصعوبة دفع الباب البسيط الذي ضغطت عليه كمية من اغصان اشجار البلوط ( طرﭘه- او ݘلو) تجاوز الليل منتصفه فاراد ان ينام والماء يحيط به من كل جانب، فجمع الاغصان الغنية بالاوراق ونام فوقها واصبح ماء المطر يجري تحتها. عندما خلد الى النوم قليلا صار يسمع اصوات اشبه بحرف الشين( شش... شش) فز من نومه معتقدا انه كمين اعداء في طريقه، وخرج فورا من البرج( برجا) وصار يتعقب الاصوات حتى اقترب منها وهو حذر ويده على زناد بندقيته، واذا به يرى عددا من الاغنام يقودها اثنان من الامام والخلف، راقبهم جيدا ليعرف وجهتهم وعددهم فكانو يسرحون جنوبا في كرم عنب الدير ومعهم الاغنام وعددهم فقط اثنين من المسلحين. تيقن انهم لصوص قد سرقوا تلك الاغنام من احدى قرى السهل امام جبل القوش، تسلل حتى دخل وسط الاغنام، ثم استقام واطلق رصاصة في الهواء واعقبها باخرى فلاذ الرجلين بالفرار فيما التفّت حوله الاغنام مذعورة من صوت الرصاص، وبعد فترة من التنصت ساد الهدوء فتاكد من هروب الرجال، فساق الاغنام واحصى عددها فكانت 14 غنمة، ساقها عبر المرتفعات والوديان الى كهف قرب محلة سينا فوق مغارة تسمى( حلاوي) هناك ذبح الاغنام كلها وارسل خبرا الى اقربائه، فاقبلوا في دواب وحملوا ما تمكنوا من حمله من اللحوم الى بيوتهم، والباقي عبأ بالازيار( الدنان) ودفن في الارض وللان لم يعرف مكان دفنها .

دار حديث بين جماعة الثائر الاشوري المعروف هرمز ملك جكو( 1930- 1963) عن بطولات الياس شلي، فقال هرمز على مسمع رجاله: يجب ان التقي به، فارسل خبرا ينبأ بوصولهم مساء، فما كان المساء الا ودخل هرمز ومعه العشرات من المسلحين( قرابة الستين) وبعد الترحاب الحار والتحية والسلام: سأل الياس: هل انت ابن مالك جكو، قال هرمز: نعم، قال الياس: من الاسد تولد الاسود، ثم سأل هرمز مضيفه الياس قائلا: انت رجل مشهود لك بالشجاعة ما الذي كنت تخشاه؟ قال الياس: لم اكن اخشى شيئا، كنت اخترق الجبال والوديان في الظلام، لم يدخل الخوف الى قلبي، بل كنت مطمئنا بان الجبل والوادي يخافاني! عندما نطق الياس بتلك الكلمات ترقرق الدمع في عينيه، فقام هرمز من مكانه وقبله في جبينه.

ثم ساله كيف ترى يا عمي قوتنا: هل انت مقتنع بنا واننا سنحقق شيئا، فقال الياس: انكم في عرس انتم مجموعة وكلكم مسلحين اما انا فكنت اغلب الاوقات وحدي اتصدى لعوامل الطبيعة من برد وثلج وحر اضافة الى من يتربص للنيل مني، ثم طلب هرمز من الياس الانضمام الى القوة واضاف: ستكون على رأسها، فان قبلت ذلك فلن تصمد حتى الموصل امامنا، اعتذر الياس بسبب اعتلال صحته، وشكر هرمز زيارته التاريخية تلك.

في بيته كانت له عدة اشجار من بينها شجرة تين رشيقة تصعد الى الاعلى، جاء عصفور وحط في اعلى التينة ووالدي جالس عند الياس يرجع بندقيته بعد سياحة في وادي دير الربان هرمزد، قال لالياس اعطني بندقيتك اضرب الطير في راسه فقال له: هذه التينة عزيزة علي ربما تصيب الغصن الفارع، يقول جمعة داود: بان والدك دقيق الرماية ولكن مع ذلك لم يوافق عمي على المحاولة، ويضيف جمعة قائلا: كان والدك دائم الزيارة لنا. توطدت علاقة والدي به في نهاية الاربعينات عندما تزوج ابن خاله سنحاريب گولا ابنة اخيه حليمة داود، في احدى زيارات والدي له في البيت لاحظ ان اخمس بندقيته برنو متوسطة لم يكن جذابا، وقتها كان الوالد يعمل نجارا في سوق القوش فاقترح عليه تصليحه، فوافق، اخذ الوالد البندقية معه، فكك اخمسها، وصقله جيدا ثم صبغه باصبغ خاصة من نفس اللون فاعطت في النهاية البريق الذي افرح ابو جميل.

كانت بندقيته التي حملها على اكتافه في اخر زمانه البرنو متوسطة الطول وقبلها كانت له بندقية المانية سميت محليا هدية باش، كان شديد الاعتزاز بسلاحه من خنجر الى ناظور الى البندقية، يوما طرق بابه، فخرج ابن اخيه ليفتح الباب فيما هب الياس وحمل بندقيته، فتح جمعة الباب واذا الطارق زبير( زبو) المعروف من قرية بيبوزي وهو بكامل سلاحه واستعداده، قال له جمعة: من انت؟ قال: انا زبو، وماذا تريد؟ هل عمك هنا؟ نعم، اريد مقابلته، فقال جمعة: اصبر حتى ابلغه، رجع جمعة يبلغ عمه بهوية الطارق فقال له: هل هو مسلح، قال: نعم، ومن معه، قال: لوحده، قال: قل له ان يدخل، فدخل باحترام وسلم على الياس وجلس ثم ساله: عن قصد الزيارة، فقال: زبو جئت لاشتري بندقيتك، قال: هذا هو الغرض، قال: بلى، اجابه اجابة فيها نبرة حزم( بالكردية- زبو زبو تديت ايك جناوي فروشي) كرر اسمه مرتين تاكيدا واستصغارا: هل رايت احدً يبيع زوجته. فتلعثم زبو ولم يدري كيف يغادر بيت الياس شلي.

عانى في اواخر عمره من مرض في اطرافه السفلى كان يعيقه من السير الطبيعي، فاستعمل العصا( الكوﭘال) لتعينه في المشي، قضى معظم وقته في البيت الملاصق للجبل او في الحقول الزراعية فلاحا، واصبح يجلس في ديوان محلة سينا، وتقرب من الكنيسة وغدا عضوا في اخويتها، صار يستقبل الزوار لمن سمع به وتاثر بمغامراته وبطولاته، كانوا يقصدونه من الموصل وبغداد وتلكيف، وشخصيات القوشية معروفة في ذلك الزمان منهم: جورج جبوري خوشو مدير مدرسة اللاتين، عبد الرحيم اسحق قلو، سليمان يوسف بوكا، منصوري دنحا( تلكيف) وغيرهم. كان مهندما ودائم الحذر والترقب، حتى باب بيته كان من الصفيح فاي احتكاك بالباب او طرق طارق فياخذ على الفور حذره. مات في اوائل 1964 في القوش، اقبلن بناته من دهوك يبكين عليه، وشاركن في مراسم الدفن المهيبة على تل مقبرات البلدة التاريخي، وهن ينشجن الاغاني الحزينة باللغة الكردية.

كان توما توماس دائم الزيارة له،حيث لا يبعد داريهما سوى بضعة مئات من الامتار، تحدث توما يوماً قائلاً: انه كان مهاجم من قوة عسكرية في القوش وكان الياس جالسا امام بيته معاق من الحركة بسبب عجز في اطرافه السفلى، دعا توما اليه فاقبل رغم ضيق الوقت بسبب هجوم القوات الحكومية، قال له يمكن لن تراني مرة اخرى اترك القوش امانة لديك فلا تغترب عنها ولا تعطها ظهرك بل تذكر انها بحاجة اليك، اودعك، فاحتضنا بعضنا واذا وجه الياس تغمره الدموع، يعقب توما بانه عنما اختط طريقه عبر الجبل لم يفكر ابدا بكمين امامه او قوة تتعقبه بقدر ما شغل فكره كلمات الياس الاخيرة، بعدها لم يلتقيا ابدا.

توما توماس بگو عراق ول سورية

شمّه ايذيئه بأﭘرد عجم ول تركية

كُد كماخيله أرخِح بطورا ين بگلية

دمرَت وولِه الياس شلّي ين برد سِيّة

معنى الابيات بالعربية:

توما توماس في العراق وسوريا

اسم معروف من ايران الى تركيا

عندما يقطع طريق الجبل او الوادي

كأنه الياس شلي او ابن سية

ملاحظات:

1- المصدر الرئيسي للمعلومات هو جمعة داود قودا.

2- المصادر الاخرى: المحامي المعروف عبد الرحيم اسحق قلو تولد عام 1919، الشماس صادق ياقو برنو تولد 1918، يونس ياقو دمان تولد 1928، تيفو خيرو بلو 1937، نجيب الياس حنو تولد 1946، حكمت جميل قودا 1964.

3- كتاب القوش عبر التاريخ تاليف مار يوسف بابانا- بغداد 1979.

4- فواجع الانتداب في حكومة العراق- يوسف ملك 1932.

nabeeldamman@hotmail.com

June 15, 2012

USA








ومن الفرح ما يبكي - نبيل يونس دمان و كفاح سليمان اودو







بواكير النضال - 3 - نبيل يونس دمان



بواكير النضال

(3)

نبيل يونس دمان

    كان صيف 1971 حارا ومع ازدياد وتيرة الحر كانت ضغوطات السلطة في القوش المتمثلة اساسا من جهاز الامن السيء الصيت الذي كان يقوده مفوضا اسمه سعد منصور الذي عاش طفولته منفلتا في ازقة الكرادة ببغداد فالتقطه البعث ودربه ليبعث الى القوش بجانب شخص اخر اسمه جوزيف يكون مسؤولا للبعث.

    عصر احد ايام شهر حزيران كانت مجموعة من طلبة الثانوية والجامعة( بغداد والموصل) تقطع الطريق الى دير السيدة للتنزه، وعند عودتها قبل حلول الظلام، وفي موقع قرب مركز الشرطة الحالي، خرج مسلحوا الامن من مخابئهم، ليواجهوا تلك الجمهرة الطيبة، بالقول : انكم مجموعة يسارية غير معترف بها عائدة من اجتماع في الدير، وطلبوا تسليمهم الهويات، تقدم اليهم احد طلبة جامعة بغداد بالقول: لماذا تطلبون هوياتنا وكلنا في الاتحاد الوطني لطلبة العراق( كانت نيته طيبة ومنطلقا من شعار كان يغطي جدران الجامعات- ان كل طالب مخلص هو عضو في الاتحاد وان لم ينتمِ) على الفور نهروه بشدة فتراجع، ثم جمعت الهويات، على ان يحضر اصحابها في اليوم التالي الى دائرة الامن لاستلامها. في تلك الفترة كان احد كوادر النضال متواجدا في البلدة سرا( الفقيد سالم اسطيفانا) جرى في الليل ابلاغه بما حدث، فاتصل بمسؤول مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني( خديدا، من الاخوة الايزيدية) واتفقوا ان يتولى المسؤول الدفاع عن الطلبة.

    صباح اليوم التالي حضر اصحاب الهويات ومعهم الاخ خديدا مسؤول( حدك) ادخلوا جميعا الى غرفة الامن ليواجهوا المقبور سعد منصور وقبل ان يشرع بمسائلتهم حول قصة الاجتماع الموهوم، دخل الاخ خديدا وقال للمفوض بما معناه: ان الطلبة الذين يبغي استجوابهم اعضاء في اتحاد طلبة كردستان، وكما هو معلوم كان لمقر( حدك) انذاك قوة تضاهي قوة البعث بفعل بيا ن 11 اذار 1970، كاد سعد منصور ان يتراجع ويطلق سراح الطلبة لولا تقدم احدهم الى طاولة المفوض بالقول: عفوا ايها المفوض: نحن لسنا اعضاء في اتحاد طلبة كردستان بل نحن نؤيد كل اتحاد يخدم مصالح الطلبة. على الفور اوقف الاخ خديدا دفاعه وانسحب الى الخارج متخليا عن المواصلة. هنا استأسد سعد منصور وادخل الطلبة اليه انفرادا ليهددهم ويهينهم ويتدخل في امورهم الشخصية كالقول لاحدهم وقد كان كث الشاربين( اذا ما تحلق شواربك...كذا) وفي تلك الاجواء الهستيرية ابلغوا ان يكفوا عن التجمع وان اية مجموعة مكونة من ثلاثة فما فوق وان تجولت في الشوارع، يعتبر اجتماعا معارضا للبعث وستعتقل، ثم ارجعت الهويات الى اصحابها.

    بعد ايام حدث صدام في مقهى الشباب في السوق بين الامن وعدد من رجال الفقيد توما توماس، كنت اتمشى مع صديقي عادل عوديش عنما سمعنا جلبة وعبر احد ازلام البعث انذاك وبعفوية اندفعنا بالضحك جهرا على العابر، وبعد عدة ساعات جاء الينا قائلا: لماذا ضحكتم علي، اجبت وقد تضايقت من شدة  ضغوطات البعث فقلت( انكم تمنعوا علينا حتى الضحك العادي) فقال من انتم ومن نحن، هذا اعتراف منك انك مع المعارضة، بعد ايام اشاع جهاز السلطة بوصول قائمة بالاعتقالات تشمل من اشترك في صدام بندوايا( حدث صدام بين الشباب التقدمي وبعض مرتزقة البعث) وتشمل القائمة اسمي ايضا. اخذني احد اقرب اصدقائي انذاك على انفراد ليحدثني عن ورود اسمي في قائمة الاعتقالات حسب ما تشيعه السلطة فعليك الصمود والمقاومة، وهكذا فعل صديق اخر، ثم اصطحبني الى بيت الفقيد سالم اسطيفانا ليقول لي عليك بمواجهتهم والوقوف بوجههم، رجعت الى البيت وصعدت السطح ولكني لم استطع النوم، فقد كنت شديد الحرص ان اواصل تعليمي وان اتجنب امور الاعتقال، وان اعمل ما بوسعي لاساعد عائلتي الضعيفة الحال شان غالبية عوائل القوش، وضعت احتمالين اما الهرب في الصباح الى بغداد او مواجهة الموقف، بعد وقت توصلت الى ضرورة البقاء، فبكرت في الصباح لاجد لي مقعدا ظاهرا في مقهى الدير( انذاك كان يسمى مقهى كردستان). حان موعد نزول الامن الى السوق واسرعوا بالصعود الى المقهى التي اجلس فيها ولكن لا احد تقدم الي، ومرت الازمة التي افتعلها مرتزقة السلطة بغرض كسر عزيمتي في المضي قدما على طريق النضال.

nabeeldamman@hotmail.com

May 12, 2012

USA  







بواكير النضال - 2 - نبيل يونس دمان


بواكير النضال

(2)

نبيل يونس دمان


ذكرى الفقيد حنا عيسى يلدكو


    في الاسبوع الاخير من شهر نيسان عام 2000، وصلنا الخبر الأليم، قاطعاً آلاف الاميال، يعلن عن وفاة صديقي حنا عيسى يلدكو. كانت وطأة الخبر شديدة، ولا زلت غير مصدقٍ انني لن التقي بزميل المدرسة ابي ثائر، الذي فارقته والوطن مكرهاً، قبل عشرين عاماً تقريباً.

    عُرفَ حنا بمواهب متعددةٍ، منها كتابةُ الشعرِ في وقتٍ مبكرٍ، وعُرفَ بذكائه وتفوقِه الدراسيِّ، خصوصاً في الدروسِ العلميةِ التي تتطلب ذهناً رياضِياً، وعُرفَ بشجاعته في المواقف الصعبةِ، فقد سُجنَ مراراً وهو لم يزل شاباً طريَّ العود، ففي احدى مرات سجنه، عاد الى قاعة الامتحانات النهائية في الخامس العلمي( ايار 1969) واجتازها بنجاح.

    كتب في صيف 1969 قصيدة رثاء في نعي الشهيد صبري الياس دكالي( جندو) عثرت الشرطة على القصيدة في جيب احد الاصدقاء في سوق القوش وهي مذيلة باسمه، فكانت سببا في اعتقاله عدة اشهر، فخسر تلك السنة لتذهب ضريبة للنضال! . في السنين اللاحقة اكمل دراسته في هندسة البناء في الجامعة التكنلوجية ببغداد عام 1976، وتدرج في الخدمة المدنية الى ان وصل الى مدير مشاريع.

    في ربيع عام 1969 اندلعت نيران صراع مسلح بين بلدته والقرى الايزيدية المجاورة، لم تكن تلك الحوادث بمعزل عن دسائس السلطة الحاكمة، فكان للفقيد دور فيها، وخصوصاً في الصدام الذي احتدم، داخل مبنى الثانوية.

    في شهر تشرين 1973 كانت بلدته محاطة بآلاف المسلحين من جهة الجبل، تخوض معركة الدفاع عن اهلها، وصل الفقيد وهو الطالب الجامعي، ليشارك في ذلك القتال، وتعد تلك مأثرة اخرى له، اضافة الى مشاركته النشيطة في التظاهرات التي اعقبت بيان 11- اذار 1970، اتذكر انه حمل على الاكتاف ليهتف بشعارات تقدمية امام مركز السلطة في القوش، على مرآى ومسمع ازلام السلطة، ووسط تصفيق الجماهير المكتظة في ذلك المكان.

    كانت انطلاقة الفقيد حنا يلدكو عظيمة، وكان ينتظره مستقبلٌ رائع، ولكن الظروف التعيسة التي عاشها آنذاك بلياليها الكئيبة التي خيمت على البلاد، جعلته معزولاً، يصارع ويكبت معاناته، ويختزن في داخله الغضب المكتوم...... ثم فجأة نسمع برحيله وهو في متوسط العمر( مواليد القوش 1951) مأسوفاً عليه، تاركاً عائلته في خضم الحياة، واهله واصدقائه في مرارة واسىً بالغين. هكذا افتقد اصدقائي تباعا ولي فيمن تبقى الصبر والسلوان.

nabeeldamman@hotmail.com

May 06, 2012

USA  











بواكير النضال

(1)

نبيل يونس دمان

    في الذكرى السوداء لتاسيس الاتحاد( الوطني) لطلبة العراق تشرين 1970 * حشد البعثيون طلبة المجموعة الثقافية لترتقي باصات خاصة تقلهم الى كلية الطب عند المستشفى الجمهوري، لم يعجبنا التوزيع على الباصات الخاصة بالكلية او المرحلة الدراسية، بل استطعنا ان نتجمع اكبر عدد من القوشيي الجامعة من كليات العلوم، الهندسة، والاداب، في باص واحد.

    حال تحرك الباصات ببطئ، شرعنا نغني اغاني تراثية، وبعد قطعنا مسافة قصيرة، اوقفنا عن الغناء اثنان ادعيا انهما من الاتحاد( الوطني) ومسؤولان عن الباص، لنردد معهم شعارات وهتافات بعثية اعدت سلفا في منشور مطبوع، امتنعنا عن ذلك وصار صدى صوتهما يسمع فقط فيما اطبق السكوت بقية الباص.

الباص الذي اقلنا بشموخ عام 1970 **


    امتعض البعثيان واحدهما من بلدة برطلة اسمه جميل***( سمعنا لاحقا انه كان حرسا قوميا في عام 63) والاخر من قرية تلسقف واسمه رحيم( ابن اخ الراهب الراحل شعيا) وقعت مشادة كلامية بيننا وبين البعثيين حتى تصاعدت حدتها ليهددهم احد طلبتنا وهو جميل موسى ساكو بسحقهم ان لم يتوقفوا عن دعوتهم للتغني بالبعث، ومعقبا باننا مستقلون لا نهتم بالسياسة، حدث حماس وتضامن لا مثيل له بيننا فاوعزنا الى سائق الباص بالتوقف فورا، واجبرنا الشخصين بقوة على النزول ودفعهما الى ارضية الرصيف، اغلقنا باب الباص بوجههم ونفذ السائق طلبنا بالسير الى الامام، هكذا اصبحا نقود الباص بمن فيه واخذنا نغني ونهتف بهتافات لها طابع التمجيد بالبلدة وتاريخها الى درجة كان الناس خارج الباص يلوحون لنا معقبين( ليش بس القوش) فنجاوبهم بحزم : نعم القوش، اننا ابطال واسوْد القوش نحيي كل الطلبة.

    في المساء عدنا الى غرفنا المستاجرة في منطقة الميدان الفقيرة، غرب نهر دجلة من مدينة الموصل بنينوى العظمى ونحن فخورون بما اقدمنا عليه، كان يسكن مع عزيز اودو طالب من تلسقف اسمه قرياقوس حنا( د. حاليا) اخبرنا مساء ومن باب الحرص بان رحيم البعثي اعد تقريرا بما قمنا به، وبالتالي سنواجه امورا لا يحمد عقباها.

    فاجأ احدنا قرياقوس بالسؤال عن موقع بيت رحيم في تلسقف، اطرق قرياقوس راسه متاملا ودون ان يجيب على السؤال خرج من حيث اتى، وعرفنا لاحقا انه ابلغ رحيم سعينا البحث عن موقع بيته كي نتصل ب توما توماس في الجبل ليرسل من يخطف والده، هنا ارتعدت فرائص رحيم خوفا، وانه طوع ما نريد، فابلغه قرياقوس ان يمزق التقرير الذي اعده الى قيادته، وكان لقرياقوس الطيب ما اراد، هنا وحسب ما رواه قرياقوس في حينها بان رحيم طلب ان يفاتحنا باستمرار علاقة الصداقة والود بيننا. في اليوم التالي كان رحيم في باب الجامعة ينتظر قدومنا بالتحية والترحاب... دون ان نكترث به.

ــــــــــــــــــــ

* فشل الكثير من الطلبة  في الاجابة عن تاريخ تاسيس الاتحاد عند التقدم الى الاقسام الداخلية، فيما حفظنا ولحد اليوم تاريخ تاسيس اتحادنا العام في 14- نيسان- 1948.

** بعض الوجوه التي تطل من الباص: نادر يوسف هومو، كاتب السطور، صباح منصور، بتول توماس، كاترين ميخائيل الصفار، نمرود رؤوف القس عبيا، شكرية رزقو ككو، وردة حسقيال كولا، بتول شعيا عكيل، عوني حنا الصفار، حميد ميخا.

*** اوصى ارنستو تشي جيفارا اتباعه بعدم ذكر اسماء الخونة كي لا يصبح اسمهم مهما في التاريخ.

nabeeldamman@hotmail.com

May 1st, 2012

USA  









القوش

نبيل يونس دمان

حُيِّيْتِ يا بَلدَتي في العَزْمِ والشِـــــدَّةِ

حَتّى إنقِضاءِ الدَّهْرِ بِالعِزّ والرِفعَــةِ

سُقْياً وَرَعْياً لَها مِن بَلدَةٍ قُـــــــــدْوَةٍ

في غَربِها دِجْلَةٌ ببْلادِيَ الخَضْـــرَةِ

طِيْبٌ شَمائِلُها كُثْرٌ مَحاسِنُهـــــــــــــا

عِطْرٌ بَسْاتينُها أشْدوها أغْنِيَتِــــــــي

فَخرٌ شَواهِدُها قُدْسٌ مَعابِدُهـــــــــــا

مُذْ أشرَقَت نينوى فَجرَ الأشوريـةِ

لو مَرَّ بي طَيفَها تَنْتابُنِي فَرْحَــــــةٌ     

زَهْواً وَفَخْراً بِها في كُلِّ واقِعـَــــــةِ

أشْكُوا هُمومِي لَها مازِلْتُ في دُنْيَتي

مُغْرَمْ بِها دائِماً والشاهِدُ قِصَّتـــــــي

إنْ لَمْ أرَى رَسْمَهَا في هالَةِ القَمَـــــرِ

فالنُومُ يَهْجُرُني والشَوكُ وِسادَتـــــي

إن لَم أرى نَصْرَها في وِجْهَةِ الزَمَنِ

فالحُزنُ يَلُفُّني والدَمْعُ في مُقْلَتـــــــي

مُقْبِلْ أنا عَن بُعُدٍ كأَنَّها جَنّتـــــــــــي

أهلاً وَسَهلاً بِها عِنوانُها بَهجَتـــــــي

أحْمُلْ سَلاماً لَها مِن شَقْوَةِ الغُربَــــةِ

الدُنيا في كفَّةٍ، ألقوشُ في كفَّتـــــــــي

مَثْوى نَحُومَ النَبي في سَفْحِها يَربـُطُ

أكواخُ عِبادَةٍ والدَيرُ في القِمَّــــــــــةِ

شَوقي الى رَمْزِها في ساحةِ الوَطَـنِ

أمْشي الى نَصْبِهِ مُنْحَنِيَ الهْامَــــــةِ

nabeeldamman@hotmail.com







احداث زاخو وتوابعها المرعبة - نبيل يونس دمان


قال المعري في لزومياته

عنب وخمر في الاناء وشارب     فمن الملوم اعاصرٌ أم حاسٍ

    تلك كل الحكاية في موضوع الخمر، محلات الخمر، ونوادي الخمر، لو سمينا الظاهرة جدلاً بانها مشكلة فاللوم يقع على شاري الخمر وعلى مرتادي النوادي، وكذلك من يدخل صالونا للحلاقة العصرية، او محل مساج، ان جمهور تلك الاماكن هم من المسلمين بغالبيتهم العظمى من زاخو في اقصى العراق الى الفاو في اقصى جنوب العراق، ان الانسان يتصرف بدافع حريته الشخصية ويتحمل عواقب تصرفاته، المحال واماكن المساج والموتيلات يرتادها عامة الناس ومن مختلف الاديان، حتى اماكن الدعارة ان وجدت فقد كانت موجودة في كل زمان ومن قبل نشوء الاديان التوحيدية، لا تنفع الشدة والقوة والحرق في ازالتها، تتذكرون كيف اقدم صدام حسين على تعليق رؤوس الغواني على الابواب ولكن دون جدوى، فالابتعاد عن تلك الدور يكون بالتوعية المدرسية والصحة ووسائل الاعلام، اما القضاء عليها فلا يتم بالعنف ولا بالشدة ابدا، في كل بلدان العالم موجودة لكن يحذر منها في التوعية.

    من قال ان ادخال الانسان في بودقة واحدة وارغامهم على الضد من ارادتهم ستحل مشكلات المجتمع، ويتحول ذلك المجتمع الى مواطنين ملائكة يرحلون بعد مماتهم مباشرة الى الجنة والنعيم، من قال ان بالامكان فعل ذلك، وحتى السعادة لا تفرض بالقوة! كم من قرون مرت ومحاولات القضاء على الاجرام والرذيلة جارية، ولكنها محاولات فاشلة بل ومستحيلة في ظل طبيعة الانسان المبنية على الانانية وحب الذات والاقدام على التجربة اي تجربة الخير والشر معاً، لو كان بالامكان القضاء على الموبقات وعلى الاجرام لانتفت الحاجة الى العسكر والسجون وحتى الى المرشدين الدينيين.

    من قال ان ادخال النساء في الحجاب سيطهرهن من اعمالهن الخاطئة؟ ولماذا خلق الانسان على صورة الله، هل يحق له اخفاء ذلك الوجه؟ الانسان السوي يتباهى بمنظره وليشبع الناس النظر اليه وما فيه من الخلق والحسن. كانت عائشة بن طلحة بن عبدالله لا تستر وجهها بشيء فلما دخل بها مُصعب ابن الزبير كلمها في ذلك فقالت: ان الله عز وجل قد وسمني بوسمِ جمال فاحببت ان يراه الناس والله ما فيَّ وصمةُ استتر لها.

وقال عمر بن ربيعة:

ولما تواقفنا وسلّمت أقبلتْ     وجوهٌ زهاها الحسنُ ان تتقنّعا

    مطلوب من حكومة اقليم كردستان ومن الرئيس مسعود البارزاني ان يهب بسرعة لايقاف انتهاك حرية وكرامة الناس  وممتلكاتها في زاخو او اي مكان اخر من الاقليم، لا زال هناك متسع من الوقت لايقاف هذا الرعاع المنفلت خارج نطاق النظام والقانون، هذا الرعاع الذي يذعن لمرشدي المساجد الذين يفترض ان يزرعوا الخير ومحبة الناس في خطبهم لا التحريض لخروج الرعاع لتحطيم وحرق ما يقع امامهم، وبالتزامن مع خروج اميركا من العراق، ان شاء الله لن يكون ذلك اول الغيث، بل يجب ان تحافظ المنطقة على بر امانها وعلى مرسى سفينتها التي تمخر العباب.

    ليكن رئيس اقليم كردستان الاخ مسعود البارزاني كما وصف اجداده ويكرام في مؤلفه القيم( مهد البشرية والحياة في شرق كردستان) عندما كتب يقول: شيخ بارزان الذي عرف بلقب( شيخ النصارى) لانه يعامل النصارى واتباعه المسلمين على قدم المساواة.

nabeeldamman@hotmail.com

December, 2, 2011

USA 


 

ماذا يحدث في عالم اليوم*

نبيل يونس دمان

     لقد تغير مجرى التاريخ ، فقد هزت العالم باسره انباء انفجارات هائلة في قلب نيويورك وواشنطن، المتمثل بتصادم طائرتين مدنيتين بمبنى مركز التجارة العالمي، مما ادى الى انهيار ناطحتي السحاب وفيهما الآلاف من المدنيين، اضافة الى طائرة مدنية اخرى اصطدمت بمبنى البنتاغون وهو بمواصفات خاصة، ولم تدر في خلد مصمميه بانه سينهار يوما ..... لم يتوقع احد في العالم باسره ما حدث يوم الثلاثاء 11-9- 2001، آلاف الضحايا والمفقودين والجرحى، مئات من قوات الشرطة واطفائيوا الحرائق يلاقون حتفهم في تلك الاحداث الجسام.

     شلت تلك الاحداث الحياة الاقتصادية وحتى الاجتماعية اليومية للمجتمع الامريكي ، وقف ملايين الامريكان مذهولين لما حدث وهم يترقبون شاشات التلفاز، وما كان مثيرا في ذلك اليوم الاسود مراقبة النقل الحي، بعد اصطدام الطائرات المدنية الاولى وبعد 15 دقيقة تقريبا تأت طائرة اخرى وامام مرآى الملايين، لتؤدي الى انهيار مبنى مركز التجارة العالمي.

     اول رد فعل للرئيس المريكي وهو يعش متنقلا ً، مخافة ان يطاله شيء، كان تصريحه بانهم سيردّوا بعنف لا على المتنفذين، بل على من يأويهم ويقدم لهم العون، وهي اشارة الى دول ومكونات محددة مسبقا ً على ما يبدو، سماه الامريكيون يوم الحزن وهم ينظرون شزرا ً الى منطقة الشرق الاوسط ومواطنيها، وكأنهم يقولون" انتم فعلتم ذلك " قبل ان تشخص الحكومة أية جهة.

     في اليوم الثاني اعلن رسميا ان اسامة بن لادن هو المتهم الرئيسي المشتبه به في حوادث الثلاثاء المروعة، وفي المقابل ياتي تصريح بن لادن بانه مرتاح لما حدث ولكن ليس له يد في ذلك.

     لا زالت تلك الاحداث تتفاعل واميركا اعلنت انها في حالة انذار احمر وبانها في حالة حرب جديدة وباساليب جديدة وهي تحشد العالم لتأييدها، وقال الرئيس بوش في خطابه امام الكونكرس يوم امس الاول 20- 9- 2001 بان من ليس مع الولايات المتحدة فهو مع الارهاب اي بتفسير اخر( من ليس معنا فهو ضدنا) المشهورة في بلداننا، العالم كله يحبس انفاسه لما يحدث وكل قوى الغرب مستنفرة من اميركا الى بريطانيا( حيث ارسلت رئيس وزرائها الى اميركا لتفقد نيويورك والدمار الذي حدث فيها) كذلك فرنسا والتي جاء رئيسها شيراك مسرعا لتاييد الولايات المتحدة وخطواتها اللاحقة لما يدعى استئصال الارهاب، وجاءت المانيا ايضا تشحذ كل امكانياتها الامنية والقيام باعتقالات لمشبوهين في تورطهم في حوادث نيويورك وواشنطن. حتى وصلت الحملة الى تأييد الهند وباكستان ودول الخليج لاجراءات الولايات المتحدة، فيما شنت اسرائيل هجمات مركزة تحت انشغال العالم بحوادث الولايات المتحدة، لتلحق مزيدا من الخسائر  في الجانب الفلسطيني.

     كل ذلك يحدث والامم المتحدة لا صوت لها ولا فعل، وكأنها استقالت او ذابت او اختفت، اما الاعلام الامريكي الصاخب، والفعل المزمع القيام به، فيمتد في كل اتجاهات كرتنا الارضية، التي نحبها ونحب الحياة فيها، ونعتبر انفسنا نحن بني البشر ركاب هذا القارب المهدد بالفناء.

لماذا يحدث كل ذلك ومن المسؤول عنه ؟!

     هناك اسرار وخفايا في احداث مماثلة: حريق روما 64 ميلادية، حريق القاهرة 1952، وبتاريخ 17 شباط 1933 احرق مبنى البرلمان الالماني( الرايخستاج) واتخذ ذلك ذريعة ضد اليسار، وبانهم ارهابيون احرقوا رمز الديمقراطية ، فشنوا حملة اعتقالات ومحاربة، وبعدها بقليل فاز هتلر بالانتخابات وهو معد من الراسمال ليحارب قلب الحركة العمالية المتمثل بالاتحاد السوفيتي، وافتعل ذرائع لاضرام شرارة الحرب العالمية الثانية والتي بقيت مجهولة اسبابها الحقيقية لعقود من السنين لشعوب الارض، وحصدت تلك الحرب 50 مليون من البشر. لكن الاتحاد السوفيتي لم ينهار بل تصلب عوده، وساهم في القضاء على الغول النازي، ولكن قدم 20 مليون قتيل اضافة الى عسكرة البلاد اي تحولها الى ثكنة وانحرافها ووقوعها في اخطاء تفاقمت تدريجيا، اضافة الى ضعفها الاقتصادي الناشئ من تاثيرات الحرب العالمية الثانية والهجوم الاقتصادي- السياسي وحتى العسكري الغربي ضدها، منذ انطلاقتها في اكتوبر 1917.

     متى عرف العالم بان للحكومة يد في حرق الرايخستاج، عرف ذلك بعد مرور عشرات السنين على ذلك. الاحداث التي حصلت اليوم في اميركا قد لا يعرف سرها ومدبريها الا بعد مرور عقود من السنين، وربما لا يعرف ذلك ابدا، تلك هي المعضلة.

     بعض الانظمة تبحث باستمرار عن عدو وهمي، لتركز هجومها على اعدائها او من يقف في طريق نواياها او مصالحها الاقتصادية، تعمل المستحيل لتثبيت مصالحها الاقتصادية في كل مكان في العالم، وضعت صدام حسين هدفا امامها في مطلع التسعينات وانتهت بارسال الشعب العراقي الى المجاعة والموت والدمار، فيما بقي العدو الوهمي صدام في قمة السلطة وبكامل قوته. 
     وجهت تهمة الارهاب الى عبدالله اوجلان وشاركت مخابرات دول عدة، منها الاسرائيلية، الامريكية، التركية، الاوربية، ثم اعتقل ويقبع الان في السجون، فلا الحركة الكردية توقفت ولا مطالبة الكرد المشروعة توقفت، واقتصاد تركيا لسوء حظها لا يحسد عليه، حيث انهار الى اسفل الدرك. ولم تقبل اوربا بانضمام تركيا الى السوق الاوربية لحد الان.

     عندما ساد الجمود والركود الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية، تحت الضغط الغربي المنظم والمتعدد الاوجه، وبسلوك كل الطرق المختلفة، منها تشكيل المجاميع الدينية وبخاصة الاسلامية، لتحارب تلك الدول التي آلت الى الانهيار او بدء عدّها التنازلي، تورط الاتحاد السوفيتي في تدخله في افغانستان وكانت خطيئته الكبرى التي قصمت ظهره، الذي كان ضعيفا ً في الاساس وخصوصا ً من الناحية الاقتصادية( الاقتصاد هو الاساس ومنه يتفرع علما الاجتماع والسياسة).

     اذن اطلق الغرب العنان للمجاميع الاسلامية، فشجعها وآواها واغدق عليها الاموال، وبذا اجهض اي تطور للحركة الثورية في بلدان الشرق الاوسط وجنوب شرق اسيا وحتى افريقيا.

     توجهت تلك المجموعات الى كل مكان وخصوصا الى الدول المحيطة بحدود الاتحاد السوفيتي الجنوبية ومنها ايران و افغانستان بخاصة، والى حد ما تركيا وباكستان وغيرهما، وتوسعت تلك الحركات وتمددت.

     في بداية التسعينات انهار الاتحاد السوفيتي تحت ثقل ازمته الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية- السياسية، وكان وجوده مع المجموعة الاشتراكية وحركات التحرر الوطني وحركة العمال في البلدان الراسمالية، يشكل قطبا آخرا في العالم.

     انهار الاتحاد السوفيتي وانهارت الاشتراكية العالمية، توجهت جماهيرها المستغلة الكادحة الى انتهاج الطرق البديلة، قومية او دينية بشقيها المعتدل والمتطرف، انها تلك الجماهير المقموعة في بلدانها، فكيف السبيل امام هذه الجمهرة الملايينية في بلدان العالم الثالث لا ظهير لها ولا سند ولا أمل فتوجهت نحو التصوف واطلاق اللحى والجهاد والاعمال الانتحارية، هل سمعتم بان احد من سدنة الحكام في اي مكان في العالم او اي منتمي الى مدرستهم الفكرية يفجر نفسة لغاية تحقيق مطامح طبقته؟ الجواب : كلا. المنتحرون هم من الجياع والغلابى ومن ضحايا الاضطهاد، إذن الغرب اوجد او خلق الارضية لهذا التطرف في سياسته الخارجية الخاطئة، والكيل بمكيالين، وازدواجية المعايير، تلك بحق استمرار لسياسته الداخلية، والسياسة الخارجية كما نعلم جيدا، امتداد للسياسة الداخلية.

     انظر الى الشعوب الغربية فهي مسيّرة، وانها اشبه بآلات في مكائن الدولة الهائلة، تعمل عشرات الساعات ولا ترفع راسها لمشاهدة ما يدور حولها، لا يصل ممثليهم الى الحكومة او مراكز القرار، فالحكومة والبرلمان ينشأهما الراسمال، اية طاقة فكرية لا تصل الى سلطة القرار، لان لا احد يعرفه، فهو مغمور ويموت مغموراً.

      هذه الايام ظهر الوجه الاخر للرئيس ففي الفترة السابقة، كان يظهر بمظهر تنقصه الهيبة اللازمة، ولكن هذه الايام دفعته الاحداث الى الصدارة، ويكون صورة طبق الاصل لوالده الذي أخطأ بحق شعبنا العراقي في الحيلولة دون نجاح انتفاضته الباسلة عام 1991.

     ذلك ما اراه هذا اليوم واتصور بالنسبة للنظام العراقي فهو لا زال يمثل مصالح الغرب وسيبقي عليه الى ان تنتهي مصالحهما. على شعبنا ان يعي ما يحدث ويتحفظ في الاستعجال في طرح موقفه، لان ذلك يؤدي الى فنائه، اذا تعصب دينياً وانحاز الى الاعلام السطحي والسياسة المعلنة، دون التمعن بما تحتها من قوة ورهبة ودقة، ففي هذه الحالة سينتهي تماما ً.

* كتب هذا الموضوع بتاريخ 22-9- 2001 بولاية مشيكان.

nabeeldamman@hotmail.com

September 6 , 2011

USA 

 

 





August 29, 2011
USA 







احداث 1963 السوداء*

نبيل يونس دمان

     إنقلبت افراح الناس في السنوات الخمسة لثورة 14 تموز 1958 الى مآسي وأحزان في شباط 1963، وقد شمل ذلك العراق باسره ومنها بلدتي القوش التي تقع شمال مدينة الموصل. اعتقل معظم معلمي المدارس وبعض الطلبة وعدد من الفلاحين وسائقي السيارات والكسبة، وسيقوا الى السجون واقبية الاستجواب والتعذيب في الموصل وكركوك. عندما هَمّوا بإعتقال معلم الرياضيات عبد جمعة، اعطى مدير المدرسة يعقوب شكوانا اشارة له بالهرب، وهكذا عبر اسطح المنازل توارى عن الانظار والتحق بفصائل المقاومة المشكلة حديثاً، فيما نقل مدير المدرسة إدارياً الى ناحية البعاج على الحدود العراقية- السورية.

      في احد الايام توجهت السيارات المسلحة الى مدرسة العزة في القصبة لإعتقال بعض المعلمين وكان احد السواق واسمه بحو پولا( حنكَلّو) متوجهاً الى سوق البلدة فأعترضته والدتي قائلة" ارجع الى بيتك، وفوت الفرصة عليهم" فأجابها بأنهم سفلة ولا يأبه بما ينتظره ،فواصل مشواره ليجد نفسه مكبلاً فوق واحدة من السيارات المسلحة، وليمضي فترة في السجن المكتظ بالمئات دون مسوغ قانونية او محاكمات اصولية.

      صعد الكثير من الناس بسلاحهم الى الجبل وكان وادي الدير العلوي و"بسقين"  اماكن تجمعهم، منهم العمال  والفلاحين والطلبة والمعلمين وبعض النساء اتذكر منهم ساره لازو( زوجة يوسف ككا)، ماري( من عنكاوا) وسعيدة اسرائيل تومكا، وقد شمل ذلك التجمع مختلف قوميات الشعب الهاربين من سطوة الارهاب  في شتى انحاء العراق.

      شنت الحملة المسلحة الاولى على ألقوش في حزيران 1963 بقيادة زعيم خليل ومجموعة من المرتزقة بقيادة  احد امراء الايزيدية المدعو" معاوية اسماعيل جول" الذي اشتهر بالسكر والعربدة، فجاء هؤلاء المأجورين بسلاحهم وعصيهم ليجوبوا ازقة البلدة ويجمعوا عشرات الرجال خصوصاً من اصحاب الدكاكين والمارة وبشكل عشوائي ، فسيقوا جميعاً الى الساحة المقابلة لمركز الشرطة " قشلة" ، وشرعوا في تعذيبهم والتنكيل بهم.

     اتذكر كيف عُذِب جاري الطيب غريبو جبو حيدو الى درجة سحقت علبة سجائره المعدنية في جيبه، وكذلك عُذب اخوه ابراهيم بقسوة وهو في الطريق الى مزرعته فآوته احدى الاسر الطيبة لتلف جسده بجلود الاغنام من اجل امتصاص الكدمات التي سببها ضربه المبرح. ايضاً عذب صاحب محطة الوقود الياس جيقا، وصاحب الدكان يلدا بوداغ( تكرر ضربه مرتين) وغيرهم كثيرون، ثم اعتقل بعض الاهالي وعاد المرتزقة عصراً الى الموصل. كان لتلك الحملة أثرها في تزايد نقمة الناس على الحكومة، وفي نفس الوقت تتوارد الاخبار عن مئات الاعتقالات لابناء البلدة في بغداد والبصرة وكركوك وغيرها، واودع بعضهم في سجن" نقرة السلمان"  الصحراوي ويقال ان اصغر سجين فيه آنذاك كان من القوش واسمه عزيز اسطيفانا( 17 عام) وكذلك كان عدد من ابنائها ضيوفاً على قطار الموت في تموز 1963 وفي مقدمتهم المقاوم الصلب سليمان يوسف بوكا، والحاكم ابراهيم يوسف عبيا، وقبل ذلك ابلغت والدة العريف الشهيد توما ياقو ابونا عند باب السجن في بغداد بان ابنها اعدم ولم تسلم جثته فقفلت راجعة الى البلدة الصابرة وهي تحمل ملابسه، تولول، تبكي، وتملأ الدنيا صراخاً.

      في  يوم الاحد المصادف 7 / تموز / 1963 توجهت الحملة العسكرية الثانية والمؤلفة من الجيش والمرتزقة ليلاً  وعندما شاهد الناس قدومها على طريق الموصل اخبر بعضها البعض بسرعة لترك البلدة  والصعود الى الجبل، هكذا ترك الرجال بيوتهم بسلاح او بدونه، ولكن الحملة تركزت اساساً على الجبل ولم تتعرض للمدينة التي لم يبق فيها غير النساء والاطفال. انتشرت تلك القوة متسلقةً الجبل  وحصل التقدم من مختلف المحاور.

     عاش الناس في ذلك اليوم في قلق وترقب حيث لا حول لهم ولا قوة، اذكر عندما طرق الجحوش **  باب بيتنا طلبا للماء، شرعت جدتي شمّي تناولهم الماء من سطح منخفض دون ان تفتح لهم الباب لعدم الثقة بهم، وعندما سألها احدهم عن موقع دير الربان هرمزد، اشارت الى اتجاه مغاير لان قلبها كان يخفق خوفاً على اولادها الثلاثة الذين غادروا البيت فجراً الى ذلك الوادي.

      حدثت مناوشات وصدامات محدودة خلف الجبل وشارك فيها قائد الانصار توما توماس ،اتذكر عندما طرق باب بيتنا ثانية والقلق يلفنا من عودة الجحوش، ظهر الطارق انه احد اقربائنا القادم من بغداد، وقد حدثنا عن حجزه لعدة ساعات في المعسكر المخيم جنوب البلدة وكيفية مشاهدته لعدد من قتلى الجانب الحكومي فوق سيارة عسكرية. بعد ظهر ذلك اليوم سحلت جثتان من الجبل ورميتا على قارعة الطريق الرئيسي المحاذي لتل المقابر، هرع الناس للتعرف عليهم وانا ايضا بصحبة والدتي. لم يستطع احد تمييزهم نتيجه تغير ملامحهم من السحل والركل وكثرة ثقوب الرصاص في اجسادهم. واخيراً ظهر انهم الشهداء بطرس هرمز جركو الطالب في ثانوية القوش، وكوريال اوراها( معلم من قرية تلسقف) وكان الاخير متزوجاً وزوجته حامل  فولدت توأماً سمتهما بطرس وكوريال ! .

     دفن الشهيدان في مقبرة الغرباء عند ضريح مار شمعون من قبل البلدية، وبعد فترة استتب الوضع نسبياً فشيعوا في احتفال مهيب حضره مئات من الناس الى مثواهم الاخير في الدير العلوي، وقد ألقيت كلمات واشعار مؤثرة تلتها زخات من الرصاص، واليوم تجد قبورهم بجانب ثلاثة شهداء آخرين في اجمل مكان على مقربة من مجمع دير الربان هرمـزد.

      في حملة الاحد تلك، اصيب بطرس سليمان ﮔولا الذي لازال معوقاً من قبل الطائرات التي كانت تقصف الجبل، وقد حمله والدي على ظهره من موقع الاصابة بين الصخور الى الدير وبمساعدة نجيب عيسى كولا، وتمت معالجته على يد حنا زلفا الذي كان يمارس الجراحة والتضميد. وقبل مغيب الشمس انسحبت القوات المعتدية من الجبل، ونحن على سطوح المنازل  نراقب انسحاب تلك الكتل البشرية من الجبل والتي ولّت صوب الموصل. وتبين لاحقاً بان هؤلاء الجبناء اطلقوا النار على راعي الاغنام الشاب كريم يلدا ارمنايا الذي كان في موقع الدفاع  فأردوه قتيلاً.

      بعد يومين فقط اي الثلاثاء 9/ 7/ 1963 شنت السلطة حملة اخرى على البلدة من قبل الحرس القومي الذي فتك بالناس العزل في اكثر مناطق العراق. عانى الناس بشدة  من نتائج يوم الاحد الدامي، ولهذا آثرت ان تبقى في داخل بيوتها عندما لاحت سيارات الحرس القومي في صباح ذلك النهار التموزي على الشارع الرئيسي، ومن المعلوم محلياً بان الحي القديم المتاخم للجبل يضم العديد من المغاور الصخرية العميقة والتي استغلها الناس فدخلوا في دهاليزها وظلامها الشديد ومنهم كاتب هذه السطور وكنت في الحادية عشرة من عمري ، تكدس الرجال والاطفال في تلك الاقبية الوخمة لساعات طويلة من النهار دون ان يعرفوا ماذا يحصل في البلدة، دون طعام، فقط كان البعض يدخن سكائره خلسة وبحذ، ويأتيهم صوت الرصاص بشكل متواصل من رشاشات الحرس القومي التي غالبيتها مصرية الصنع من نوع بورسعيد.

      في تلك الاثناء حاول الحرس اقتحام سردابنا الذي فيه اكثر من خمسين شخصاً، وتدخلت صاحبة المنزل حبي ميخا جهوري والتي كانت تقف في فناء البيت بلغة عربية ركيكة جداً مصحوبة باشارات من اليدين، ودار بينها وبين احد افراد الحرس المدجج بالسلاح والمستعد للاطلاق في اية لحظة الحديث التالي:

+  اين رجل المنزل؟

-  سنجار!

+  وماذا يفعل في سنجار؟

( بحركة من يديها  تشبه العزف الموسيقي وهي تصطنع الابتسام، فينفعل الحرس .....) ثم تنطق كلمة  ندّاف التي كانت فعلا مهنة زوجها.

+  هل يوجد رجال داخل المنزل؟

-  لاء!

+  نريد نتأكد.

-  روحو!

+  لكنه ظلام.

-  ( باشارة من يدها) بمعنى ماذا افعل؟

+  جيبي فانوس( وسيلة الاضاءة الوحيدة في البيت) بسرعة.

-  نعم ( تأتي بفانوس ويدها على قلبها هلعاً على زوجها واولادها وعلى باقي الرجال) .

+  اشعلينوا !!

-   ( وتلتمع في راسها فكرة في ذلك الجو المرعب وتنفذها حالاً، وذلك بخفض فتيلة الفانوس الى ادنى حد ممكن فتسقط في داخل خزان الوقود، بعدها تحاول عبثاً إشعاله بعيدان الكبريت).

+  (بهستيريا ) جيبيه انا أشعلوا!!

     ومهما حاول لم يستطع اشعال الفانوس، فضربه بمقدمة حذائه وهو يتفوه بالشتائم، ثم اطلق عدة اطلاقات في الهواء قبل ان ينصرف فتسلم المجموعة بأكملها. بقي الرجال في تلك السراديب حتى العصر، هنا انسحب الحرس القومي من البلدة عائداً الى الموصل وقد وصلت بشائر النساء الى الجميع بالخروج بعد زوال الأخطار.

    حين خرج المختفون لم يتم التعرف عليهم بسهولة بسبب تغير هيئاتهم وكأنهم في حفلة تنكرية! فقد اصبحت ملابسهم، اجسادهم، ووجوههم سوداء! بمادة الكاربون( السُخام) المتراكمة لعشرات السنين، ربما لم تستخدم تلك السراديب الا في أهوال مماثلة في السفر برلك عام 1914. عندما خرج الاطفال من الظلام الى الضياء المتدفق فجأة على اعينهم، لم يستطيعوا فتحها بسهولة الا بعد برهة من الزمن.

      ومن الجرائم التي اقترفها الحرس القومي في ذلك النهار، هو قتل رجلين مسنين، احدهما اسمه ياقو هرمز قيا في عقر داره والثاني  واسمه بولس هرمز اوسطايا وكان شديد التدين جاثياً على ركبتيه بيده مسبحة الصلاة عندما سقط مضرجاً بدمائه. وكذلك جرح حبيب نيسان جراء اطلاق النار عليه، حالما أوصد باب بيته ليمنع دخول الحرس القومي. اما من جانب الانصار فقد حاولوا التقدم للدفاع عن القوش لكنهم اصطدموا مع قوة متقدمة من عين سفني فجرت معارك بينهم استمرت حتى المساء ، فقتل العديد من افراد القوة فيما استشهد من الانصار سعيد شمو من قرية دوغات وجرح علي خليل من دوغات ومحمد خالد( والد صديقي د.عصمت رئيس جامعة دهوك حالياً).

    بعد انتهاء حملة الثلاثاء اخذ الناس يتركون دورهم وبلدتهم ، فقسمٌ ذهب الى القرى الايزيدية وقسمٌ الى دير الربان هرمزد وآخر تسلل في خلسة وخطر الموت قاب قوسين او ادنى الى الموصل وبغداد، اما القسم الاعظم الذي بقي فقد اصبح تحت طائلة الارهاب المسلط من مأمور المركز السيئ الصيت" ابو خالد" . وهكذا صار يعتقل الاهالي ويعذبهم ويهدد الآخرين ويضرم النار بمتاع الذي كان يشك بولائهم للسلطة وتكررت تلك الافعال التي لا  تعد ولا تحصى لسنوات عديدة.

     في شهر آب 1963 جابهت قوة انصار صغيرة مع سيارة شرطة مسلحة قرب قرية بيبان، وكانت النتيجة أليمة، حيث استشهد احد الانصار ووقع الثاني وهو حميد الياس حنو جريحاً ثم أسِر من قبل الشرطة. نقل الجريح الى المعتقل في الموصل وتعرض للتعذيب الشديد ثم تقرر اعدامه، فنصبت مشنقة له مقابل كنيسة المار قرداغ جنوب البلدة. توجهت سيارات الحرس القومي بقيادة المجرم سالم حمدون ومعهم الشاب حميد ، وسارت احدى سياراتهم المزودة بمكبرات الصوت تدعوا الناس لحضور عرس الدم. لم ُيلبّ نداؤهم احداً، ولكن بقوة السلاح اجبر البعض على ذلك خصوصاً من كان في السوق  وبعض  طلبة المدارس، وفي تلك الاجواء المكفهرة بالحزن والاسى من يوم 24 /9 / 1963، ارتقى حميد المشنقة وهي المرة الاولى في تاريخ البلدة حيث يشنق فيها احد ابنائها. وخوفاً من غضب الاهالي حمل الحرس الجثة على عجل، وفي طريقهم الى الموصل سلمت الى بلدية تلكيف ليتم دفنها في مقبرة المدينة.

     في وقت سابق إلتحق هرمز مالك جكو وهو آشوري من قرية( كوري كافانا) القريبة من ناحية زاويتة تاركاً عمله في سد دربندخان، واصبح مسؤولاً في منطقة القوش، واشتهر بالشجاعة النادرة. عندما استشهد الشاب فؤاد شمعون ديشا في نيسان 1963 جراء حادث مؤسف** جاء هرمز جكو ورجاله الى البلدة مواسين اهله في مصابهم الجلل وقد كانت فرصتي الفريدة ان احظ برؤية الرجل، وفي العام التالي عندما كانت الهدنة سارية بين الحكومة والثوار جاء وفد من الانصار بقيادة الثائر توما توماس  يحمل صورة فؤاد  مكللة بالورود الى منزله وقد القى المعلم الثائر عبد جمعة الكلمة المناسبة، لا زلت احفظ مقطعاً منها يقول" ....ان روح فؤاد ترفرف فوق رؤوسنا! ".

     ازداد تذمر الاهالي من تسلط مدير ناحية القوش المدعو سيروان الجاف ، ووصلت معاناتهم الى اسماع الانصار فقرر هرمز  بنخوته واقدامه ان يحتل مركز شرطة البلدة للانتقام من المدير المذكور دون التفكير ملياً بعواقب ذلك. هكذا جهز هرمز رجاله وكذلك توما توماس وانحدروا من الجبل ليلة 23 /11/1963 لاحتلال المركز( قشلة) .

في ليلة شتائية يكللها الضباب والشوارع معتمة الا من ضياء فوانيس البلدية، والمركز محصن كأنه قلعة عاتية، وفيه تحصينات منيعة في كل زاوية للمقاومة وترتفع اكياس الرمل على طول اسيجة السطوح. عصر ذلك اليوم وصل عريف للشرطة في سيارة مسلحة، وعندما حان وقت غلق باب المركز بوضع اكياس من الرمل خلفه إمتنع العريف عن الدخول بل آثر المبيت داخل سيارته ويقال بانه كان مخموراً.

     وصل رجال الحركة الكردية المسلحة، واحتلوا سطوح البيوت المحيطة بالمركز وتحصنوا من جهة الجبل خلف الصخور، واستعدوا للمعركة المقبلة بقيادة المرحوم هرمز. بعد انتصاف الليل شق صوت جهوري سكون المكان داعياً مدير الناحية للاستسلام واقسم له بشرف الثورة ان تحفظ حياته وامهله فترة قصيرة للاستسلام. من داخل المركز سمع سيروان النداء وقرر المقاومة فجهز الشرطة تجهيزاً جيدا.

     تواصل الصوت بالعربية والكردية ليكرر نفس النداء السابق، ثم شرع بالعد التنازلي وصولاً الى الصفر، هنا اطلقت قذيفة على المركز فدوى صوتها، وانهال الرصاص من كل صوب، تخللته اطلاقة من مدفع محمول( عقدة 2) لكنها سهت واحدثت ضرراً طفيفاً باحدى غرف المركز، يقال ان رامي المدفع لم يشأ ان يصيب الهدف وكذلك كان عدد من المقاتلين لا يرغبون في احتلال المركز خوف قصف البلدة في اليوم التالي من طائرات السلطة، وتلك المسالة كانت مهمة ولكن هرمز لم يمعن التفكير بها، وربما لم يتيسر له الوقت الكافي للتفكير بها وكان صارماً لا يتراجع عن قراره. هكذا استمر القتال بين الجانبين دون نتيجة واصبح الوقت يمضي بسرعة، هنا صاح هرمز برجاله للهجوم على باب المركز.

     تقدم اثنان منهم احدهم من القوش وأسمه بطرس شمعون ديشا( وهو شقيق الشهيد فؤاد) والثاني من قرية شيخكا الأيزيدية وأسمه حجي خُرما، فزحفوا حتى باب المركز ووقفوا ملتصقين ببابه، ثم جهز حجي رمانة يدوية وابتعد قليلاً ثم قذفها بقوة على امل ان تسقط داخل المبنى، ولكنها اصطدمت بأسلاك التلفون فرجعت الى الارض امام الرجلين فوقع الثائر حجي شهيداً( دفن في اليوم التالي في مقبرة الغرباء عند ضريح مار شمعون) فيما اصيب بطرس بجروح بليغة، استطاع ان يسحب نفسه وهو ينزف متمسكاً ببندقيته الى مسافة معينة حيث انتشله رفاقه، وعولج بشكل اولي في محلة سينا، وفي النهاية اصبح معوقاً في احدى يديه.

     هنا هب بعض المقاتلين الى السيارة المسلحة لاحراقها و قتل سائقها برتبة عريف، واستمرت المعركة دون حسم الى ان اقترب الفجر، فقرر المهاجمون الانسحاب، وعند وصولهم اطراف محلة سينا، ابدى هرمز اسفه لفشل المهمة، ويقال انه ذرف الدموع قائلاً " اية عملية قتالية توجهت اليها حالفني النجاح، إلا في احتلال هذا المركز البائس"  وأقسم امامهم ان يعود لاحتلاله في اقرب فرصة.

     لكن الموت لم يمهله للعودة الى القوش ابداً، فقد هجم بعد اسبوعين على قطعات عسكرية مرابطة عند جسر( آلوكة) قرب مفرق سميل- دهوك، واستطاع هرمز ان ينجح في العملية ويحرق العديد من السيارات ويأسر ويغنم الكثير، لكنه اضاع بعض الوقت في اللحاق بإحدى السيارات بغية الاستيلاء عليها. حدثني احد الرجال المشاركين في تلك الواقعة بعد زمن من وقوعها، بان هرمز وضع خطة لمهاجمة المعسكر واتفق معهم ان يرابطوا على مقربة منه وحال سماعهم صوت الرصاصة الاولى يبدأ هجومهم، ويعقب انهم شاهدوا بعد برهة من الزمن اضطرام النار في احدى السيارات وظهر ان هرمز قد تقدم لوحده وهو يطلق شرارة المعركة الاولى! . وفي نشوة الانتصار تلك، وصلت تعزيزات عسكرية قوامها دبابات تابعة للجيش السوري الذي استقدم للقتال بجانب القوات العراقية ، حيث حوصِر المرحوم هرمز وداهمه الموت من كل جانب. 

    قاتل هرمز قتال الابطال حتى اُصيب باحدى رجليه ثم واصل القتال رغم جروحه حتى اصيب بقذيفة من الدبابات السورية فقضى شهيداً بطلاً . نقل جثمانه في مراسيم خاصة بالثوار الى قرية سينا وشيخ خدِر ليدفن هناك في شهر كانون اول 1963.

*موضوع منشور سابقا، اعيد نشره مرة اخرى، وهو مستل من كتاب ينتظر الطبع، بدأته عام 1994 والان كامل مكتمل من 285 صفحة، اجريت تغييرات متواصلة عليه، منها تغيير عنوانه السابق( القوش حصن نينوى المنيع) الى العنوان ادناه.

**  في طريقه وهو يقود مجموعة من الانصار الى جبل مقلوب، ونتيجة خطأ غير مقصود ثارت رصاصة من بندقية احد افراد المجموعة أدت الى استشهاده في الحال، وللشهيد دور بارز في التصدي لانقلاب 8 شباط المشؤوم.

nabeeldamman@hotmail.com

July 23, 2011

USA  

 

القوش قلعة الآشوريين الصامدة

" وَحْيٌ على نَينوى سِفْرُ رُؤيا ناحُومَ الألقوشيِّ"

العهد القديم

تأليف

نبيل يونس دمّـــان

الاهداء

الى روح بطلي القوش

يوسف رئيس

و

توما توماس

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف









اصبح العيد عيدين

نبيل يونس دمان

" تاكد لدينا بان اسامة بن لادن قد مات فالى الجحيم وبئس المصير" الكثير من المتابعين سيتذكرون هذه الكلمات المقتطفة قبل اكثر من ثلاثين عاماً، ولكننا الان في حالة اخرى مهمة وخطيرة وهي مقتل مجرم دولي كبير، انه رأس ثعبان الارهاب الذي قطع وستضطرب باقي اجزاءه حتى تخمد عن الحركة. لقد مني تنظيم القاعدة بضربة قاصمة، وليس هزيمة نهائية، ولكنه لن يفوق من هولها طويلاً، عاث في الارض فسادا ونشر الرعب والقتل في مختلف القارات، خصوصاً في بلدي الحبيب، الذي اتمنى ان يتقلص نفوذ القاعدة وجناحها الخبيث دولة الاسلام في العراق، ليعود الامان والاستقرار اليه. لقد اصاب اليأس الكثيرون حول العالم بامكانية مقتله، ولكنه اخيرا قتل، فذلك قمة الانتصار ومبلغ السعادة، برأيي كان الافضل انه لم يمثل امام القضاء او العدالة، فوفر علينا مسلسل طويل للمحاكمات والقيل والقال، وان ما سيذكره معروف ليس لدى العامة بل لدى الجهات الاستخباراتية، ولو توفي بمرض عضال ايضا لكانت صعبة، ان لا يلقى جزاءه امام حجم ما اقترفه من جرائم منذ عام 1997 على اقل تقدير عندما هاجم السفارة الامريكية في نايروبي، وعلى اهداف كثيرة متعددة وشاملة، واظل كانسان متابع للاحداث، لم افهم سبب رفض الولايات المتحدة الامركية لاستلام بن لادن الحي في نهاية التسعينات من حكومة السودان، وبذلك اصبح حراً ليصل الى المنطقة الوعرة بين افغانستان وباكستان. سيكون لمقتل هذا الرأس الثمين ردود افعال قوية تتباين بين الشدة والتطرف، الى آيات الترحم والاعجاب من قبل رهطه، او بالادعاء انه لا زال حيا في( طورا بورا) مثلاً، على منوال المكالمة الصوتية بين صدام و حسن العلوي قبل ايام، لكن في كل الاحوال الذي يرى شكل بن لادن وهيئته على شاشة التلفاز، يراوده شك بامكانية هذا الملتحي الضعيف المترهل ان تنسب كل هذه الاشرار اليه، ولا ننسى قبل حوالي اسبوع ما تردد بان جماعته قد صرحوا في السابق، بانهم سيحولون العالم الى كارثة نووية في حال مقتله، فماذا هم فاعلون؟.

في هذه المناسبة التي تصادفت مع عيد العمال العالمي، وفي كل عيد للطبقة العاملة على مر السنين، ستتذكر الشعوب نهاية مجرم العقود اسامة بن لادن، سيهلل فرحا اولاد واقارب الضحايا في مختلف بقاع العالم، ومن لم يصل شر القاعدة وبن لادن اليه؟ . فالى جميع الضحايا الابرياء ممن قتلوا اولاً في وطني العراق، ثانيا في اقاصي الارض، وحتى ضحايا 11 ايلول 2001، ان يفرحوا ويكبروا في يوم مقتل بن لادن الذي كان غريباً على الحضارة والانسانية والاسلام، ولتتكاتف كل الجهود الدولية من اجل استئصال بقايا الغدد السرطانية التابعة لتنظيم القاعدة، من اجل عالم اجمل، من اجل طفولة اسعد، من اجلة مناخ دولي افضل.

May 01, 2011

nabeeldamman@hotmail.com



حنا قلابات باقي في ضمائرنا

نبيل يونس دمان

     يغمرني الأسى ويصعب علي الحديث عن الغائب الحاضر حنا قلابات: الشماس، الاديب، والكاتب الذي جبل على النباهة والذكاء منذ نعومة اظفاره، وقد ابتدأ طريقه في الحياة منطلقا من بلدته العريقة تلكيف، ثم طالباً للكهنوت في سيمنير مدينة الموصل، فيها خطى اولى خطواته في تعلم اللغات ومنها اللغة الفرنسية، لقد رسم لنفسه خارطة طريق كانت مساراتها متعددة، من المطالعة الى النقاشات المتواصلة حول مختلف القضايا، من تأريخ، دين، قومية، والى آخر مجالات البحث والتقصي، كان المقام يليق به وفي صدر تجمعات الاصدقاء والزملاء، من حملة الافكار والاقلام وهموم الناس، ومن مختلف الاديان والقوميات.

     بماذا اصف صديقي الراحل الذي عرفته لسنوات قليلة لم تكن كافية ان ادخل الى اعماقه، كان لنا مرجعا لا يعوض بسهولة، وهو متعدد المواهب: من حافظ عشرات ابيات الشعر، الى اتقانه موازينها، وعروضها، الى الميامر الكنسية والتراتيل التي وضع اساسها الراسخ مار يعقوب النصيبيني ومار نرساي، كان ايضا يقتني الكتب النادرة، ودواوين الشعر من مختلف العصور، كان ديواننا الصغير يزهو به على الدوام، وكان وجهه يشرق ويبتهج عندما يتلو على مسامعنا قصيدة الجواهري بمناسبة ألفية أبي العلاء المعري:

قِفْ بالمعرةِ وآمَسحْ َوْجَهَها الَتِربا.......... واستوحي َمنَ َطَوَقِ الُدنيا ِبما َوَهَبا

الى ان يصل ذروة القصيدة:

لِثورةِ الِفكر تأريخٌ يُحَدُثنا.........  بأنَ ألفَ مسيحٍ دوَنها ُصلَبا

هنا( والحديث لحنا قلابات) وقف عميد الادب العربي طه حسين مصفقا، وطالبا من الجواهري اعادة البيت فاعاده مراراً.

     كتب قصيدة بعنوان( ترنيمة الحمام) على اسم ابنته( هديل) التي ولدت في عام 1963 وهو نزيل سجن رقم( 1) الرهيب، والتي مطلعها:

أهو هديلٌ أم نحيبُ

أهو شدوٌ أم ترنيمُ

ما أروعُ صوتكِ الرخيمُ

يا ابنةَ الدوحِ في بلادي

وكتب مرثية للجواهري الخالد ابان وفاته عام 1997 مطلعها:

ما الخطبُ ما سببُ اجتماعُ الخطباءِ.......... هل غيّب الموتُ امثولةَ الشعراءِ؟

في عام 2007 كتب قصيدة بعنوان" دمعة على بغداد" :
سئمتُ مناظرَ الخرابِ والدماء ولعنتُ من كان سببَ الشقاءِ
وثنّيت اللعنة "نوبل وباروده" فقد أعطى الجُناةَ أداةَ الفناءِ

     كان حنا قلابات مشاركاً في معظم نشاطات الجالية، سبّاقا في الحضور، وعضوا فاعلا في اكثر الجمعيات والمنظمات والروابط التي تشكلت هنا في كالفورنيا، وعضوا في هيئات تحرير العديد من ادبيات المهجر، اضافة الى اصداره مجلة (الكلمة) لعدة سنوات، فكانت بحق حديقة غناء، فيها السجع والكلام الجميل، والابيات المقفاة، تنساب عسلاً وعذوبة، وفيها ايضا اخبار الوطن والجالية، صدق من وصفه بانه كان كتلة من الحيوية والنشاط.

     عرفته بغداد في شبابه  ثريٌ في الادب والعلم والموقف الوطني، ثم عرفته الكويت سنوات اخرى في العمل الوظيفي والمهني المتميز، واخيرا بلاد المهجر التي قضى فيها بقية عمره.   لم ينس الوطن، فعندما توفرت له فرصة في التسعينات زار منطقة كردستان المحمية، برفقة صديقه حكمت عتو، ثم كان تواجده في بغداد بعد سقوط الطاغية للعمل، وهو يحصد سنواته الاخيرة من عمر طويل عَبر الثمانين حولاً.

     لن يستطع اي كان، ان يملأ الفراغ الذي تركه، في اللغات التي تعلمها، والثروة الادبية التي امتلكها، والعائلة التي انشأها مع زوجته ليلى كرمو، وفي المقدمة ولده القسيس فرانك الغني عن التعريف، وباقي اولاده اريج، هديل، وداليا. انا على يقين بان غياب حنا قلابات سيلهم اصدقائه في التنقيب عن مآثره وفي اغناء ما حاولتُ تدوينه، وهم اهلٌ لكتابة أعم واشمل، منهم الشاعر زكر أيرم، الشاعر فالح حسون الدراجي، الصحفي المخضرم صباح صادق، القاص مرشد كرمو، المحامي جلال ايليا، المهندس محمد عبد الوهاب، جمال جميل، د. ريمون شكوري، سعيد سيبو، فاروق كوركيس، د. ثائر البياتي، المطبعي منصور قرياقوس، نوح شمعون، وغيرهم كثيرون. كان مسالماً ودودا ومسامحا، لا يحمل الضغينة لاحد، ففي التسعينات حدثت بينه وبين الشاعرة لميعة عباس عمارة مشادة ادبية على صفحات المهجر، ولكن ذلك لم يمنع ان تقوم صداقة قوية بينه وبين ولدها الاديب مازن مبارك، الذي شاركنا العديد من جلساتنا الاسبوعية.

      دعوني اناشد روح حنا قلابات، فاخاطبه بقلب كسير والم يعتصرني وفي اعماقي تساؤل وشكوى من غيابه الابدي، عن جلساتنا الهادفة التي احتضنتنا على مدى السنين، سيكون مكانه بيننا، سنذكره على الدوام، ونستشيره  في العقد التي تواجهنا. كان محنيَّ الرأس مثله مثل السنبلة الممتلئة غلة، سيكون حتى في غفوته، جاهزاً ان يرفع رأسه عندما يسمع تعبيرا ناقصا اونصا خاطئا فيصححه، اتذكر قراءاتي المتعمدة لمواضيعي قبل نشرها بين المجموعة الرائعة وانا اهدف الى التصويبات التي تردني، وخصوصا من فقيدنا الذي يعتبر رأيه هو الفيصل، في حال اختلفنا على معلومة لغوية اوادبية.

     ان انسى فلن انسى المقالة التي كتبها عام 1994 في جريدة صوت الاتحاد الديمقراطي العراقي عن الشخصية الوطنية المعروفة بعنوان( توما توماس في سان دييغو) وبهذا العنوان الاثير انهي كلماتي. وبعد الانتهاء أحمّل الفقيد الشماس حنا قلابات تحايا حارة، الى فقيد مجلسنا اسطيفان انويا شابا، الذي رحل عام 2008، رحم الله الاثنين واسكنهما فسيح جناته.

April 20, 2011

nabeeldamman@hotmail.com









______________________________________________________________________________________________________


نواقيس الخطر توقظ البشرية

نبيل يونس دمان

    لم يكن الزلزال الذي ضرب اليابان في الاسبوع الماضي عابراً، بل سجل علامة بارزة في تاريخ الزلازل، وموجات التسونامي التي اعقبته، عندما زحفت طبقات صلدة وهائلة تحت المحيط، قد تهون خسائر الأرواح والممتلكات امام ما احدثته من تأثير بالغ، يصعب تصوره في المنشآت النووية اليابانية، التي أرجح ان تكون بنيت على سواحل المحيط الهادي، للاغراض السلمية.

    ربما أخطأت حسابات الانسان في بناء تلك المفاعلات النووية على شطآن المحيطات او البحار، وربما ايضا تم ذلك لضرورات التبريد المكثف لمحيط المفاعل، كل ذلك يدخل في الحسابات الفنية والتقنية في بناء تلك المنشآت الضرورية من جهة والخطرة من جهة اخرى، بات الان لازماً للبشرية ان تفكر من جديد في جدوى هذه المنشآت خصوصاً التي تدخل في صناعة الاسلحة والقنابل والصواريخ، والتي تتكدس جيلاً بعد جيل في ترسانات الدول العظمى. بعد موجة المظاهرات التي عمت الشرق الاوسط بفضل الانترنيت واجهزة الاتصال السريعة وما تسرب من اسرار هزت العروش، نشرت في موقعالويكيليكس، بات ضروريٌ ان تعجل هذه المبتكرات العلمية في نزول الملايين الى شوارع كبريات مدن اوربا واميركا وآسيا،لتفتح عيون الجميع الى مخزون الرعب النووي، من اجل ازالته او حصره في نطاق السيطرة المضمونة، والتفكير مستقبلاًوعلى الدوام بعامل الطبيعة القهار، ذلك الذي ضرب شواطئآسيا قبل عدة اعوام، واليابان هذه الايام التي فيها ستتصاعد موجة تأثيره اكبر بكثير من مفاعل تشيرنوبيل في الاتحاد السوفيتي السابق عام 1986، لقد كان مفاعل تشيرنوبيل قديماً واحدث كل تلك الضجة في العالم لعدة سنوات، والان اتوقع ان يثير ما حدث في اليابان اكثر بكثير من تشيرنوبيل، وما سيحدث لا سامح الله أكبر وأكبر في المستقبل، وربما في بلدان تعيش قرب مفاعلاتها الملايين من الناس.

    امام البشرية قاطبة اليوم امتحان عسير، لتحرك مظاهراتواسعة النطاق، تكبح جماح المغامرين في امتلاك الاسلحة النووية، وعلى البشرية ان تهب كسيل عارم بوجه من يعولعلى او يمول صناعة الاسلحة النووية واجراء تجاربها فياليابسة او تحت المياه. ان حلم البشرية الاعظم هو العيش فيعالم خال من الاسلحة النووية، يسيطر فيه العلم والعقل معاًعلى المفاعلات التي تخدم قضايا الطاقة والابحاث العلمية ودرء الامرض، والتي هي الاخرى تتطور وتهدد اعداداً متزايدة من الخلق خصوصاً في البلدان الفقيرة.

    من صميم الجدل القائم يثار السؤال التالي: هل كانت الزلازل تحدث قبل آلاف السنين؟ وماذا كان تأثيرها؟ والجواب هو الأيجاب، كون الطبيعة جبلت او صيرت على سنن لا تخالفها ، بل هي جزء من سرمديتها، فالبراكين والزلازل هي نتاجات عادية من افرازات وحركات او زحزحة طبقات في اعماق الارض، ولكن لماذا تاثيرها على وعي ومشاعر البشرية اشد من السابق، اظن بفضل نقل المعلومات السريع بوسائل متطورة لم تكن في الماضي القريب متوفرة، وبنظري هناك عامل اخر قد زاد من تاثير تلك الكوارث الطبيعية، هو زيادة عدد سكان الارض، فمن 3 مليار نسمة عام 1960، الى 7 مليار نسمة عام 2011، مما حدى بالبشر الى التمدد والانتشار وشغل مساحات جديدة من الطبيعة والتي عندما تتعرض لكوارث يكون التاثير والألم والمعاناة اشده، اي تصبح التكتلات السكانية اهداف باردة امام شدقي كوارثها الماثلة، من حرائق وفيضانات وزلازل وبراكين.

    كما قلنا كان لوسائل الاتصال السريع وفيض المعلومات وحتى الأسرار، تأثير مباشر في الاشهر الماضية ادى الىنهوض شعوب الشرق الاوسط، التي كانت غالبيتها ولم تزل ترزح تحت ظل انظمة توتاليتارية او قروسطية، ان المد الحالي والثورات الشعبية لن تتوقف حتى تصل مبتغاها في ازالة مواطن الاضطهاد والدكتاتوريات في اسيا او افريقيا او امريكا اللاتينية، وبانتظار معلومات جديدة تتسرب ولنقل اسرار تكشف عن مخزونات واماكن صنع وتجارب نووية، والتي تقض مضاجع البشرية، وتهدد باستمرار امنهم وسلامتهم، نحن بانتظار ما تسفر عنه تلك الجهود الاممية، في ارتقاء وعي وعقول خيرة البشر ومبدعيها ممن يحملون فلسفة الخير ومبادئ السلم والمحبة الى مستوى المسؤولية التاريخية، من اجل سلامة وسعادة المقيمين فوق كوكب الارض من مختلف الاجناس والالوان والاديان والمعتقدات.

   ان الكارثة النووية المحدقة في شعوب جزر اليابان ليستبسيطة، وسيكون لها تداعيات على المستوى العالمي، فتوقظ منينام فوق هذا الخطر الكامن على شعوب الارض، فالترساناتالنووية ليست بعيدة عن غضب الطبيعة، وبالتالي تدفعالشعوب ثمناً باهضا ولأجيال قادمة، جراء التعرض للاشعاعاتوتلوث البيئة والاغذية وكل حي وجميل ومدهش على سطح كوكبنا الرائع، باتت بشكل ملح تطرح على العالم اعادة النظربشكل جدي وجذري في المفاعلات النووية بجانبيها التسليحيوالسلمي، اشبّه انفسنا نحن شعوب الارض وكأننا ننام على حافات السيوف او شفرات السكاكين الحادة من جراء الاخطارالجاسمة من المفاعلات النووية، التي لا نعرف اين زرعت، وماذاسيحدث لو أسيء استخدامها، او وقعت بأيدي عابثين او مرضى نفسانيين، او استهدفتها الطبيعة كما حدث مؤخرا فياليابان ذلك البلد الجميل والمتطور من كل النواحي، دعك عن انسان اليابان الشفاف والعامل المدهش في صبره وحصيلة انتاجه الذي ابهر العالم بعد نهوضه من كبوته في الحرب العالمية الثانية، انا فقط اعبر هن هواجسي واحذر مما تخبأه الأقدار من كوارث جديدة تفوق ما حدث في هيروشيما عام 1945، وفوكوشيما هذا العام.

nabeeldamman@hotmail.com

March 16, 2011