مصطلحات الصوفية - 3

المكتبة المحسية للتصوف

40- وحــــــــدة الأفعال


الفعل في اللغة حركة الإنسان أو كنايةٌ عن كل عمل متعدّ , وقيل: هو الهيئة العارضة للمؤثر في غيره بسبب التأثير أولاً كالهيئة الحاصلة للقاطع بسبب كونه قاطعاً, وقيل: هو كون الشيء مؤثراً في غيره كالقاطع ما دام قاطعاً , وفي اصطلاح النحاة ما دلَّ على معنىً في نفسه، مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة .


ووحدة الأفعال في اصطلاح أهل الحقيقة: هي أن يرى العبد جريان القدرة في الأشياء، ويَشَهدُه سبحانه وتعالى مُحرّكها ومسكّنها بنفي الفعل عن العبد وإثباته للحق , والعبد في هذا المشهد مسلوبُ الحول والقوة والإرادة .



41- وحدة الذات


الوَحْدةُ التفرد في اللغة والتقدم في العلم أو البأس . وتأتي بمعنى ضد الكثرة ونظيراتها الأحديّة والواحديّة .


والذات لكل شيء في اللغة: ما يخصه ويميزه عن جميع ما عداه, وقيل ذات الشيء: نفسه وعينه, والفرق بين الذات والشخص أن الذات أعم من الشخص لأن الذات تطلق على الجسم وغيره, والشخص لا يطلق إلا على الجسم . والوحدة أو الأحديّة هي اعتبار الذات مع إسقاط جميع الصفات والأسماء والنسب والتعينات . والذات هو الأمر الذي تستند إليه الأسماء والصفات في عينها لا في وجودها, وذات الله سبحانه وتعالى نفسه التي هو بها موجود لأنه قائم بنفسه, وهي غيب الأحديّة .


ووحدة الذات: هي اعتبار الذات من حيث إنتشاء الأسماء منها , وواحدتيها بها مع تكثرها بالصفات .
ولا يكون الإسم والنعت والصفة إلا لذي ذات, فالقادر اسم من أسماء الله تعالى, والقدرة صفة من صفاته, والتقدير نعتٌ من نعوته, قال الواسطي:"ليس مع الخلق منه إلا اسم أو نعت أو صفة, والخلق محجوبون بأسمائه عن نعوته, وبنعوته عن صفاته, وبصفاته عن ذاته" .


والذات هي: الوجود الحق المحض ووَحدتُه عينةُ، لأن ماسوى الوجود من حيث هو وجودٌ، ليس إلا العدم المطلق وهو اللاشيء المحض, فوحدة الذات هي عين ذاته لا بشرط أن يكون أو لا يكون شيء معه, وهي منشأ الأحديّة: وهو كونه بشرط أن لا يكون شيء معه. والواحدية: وهي كونه بشرط أن يكون معه شيء. والحقائق في الذات الأحديّة كالشجرة في النواة وهي غيب الغيوب .



42- الوصْل والوصال


الوصل في اللغة: اللأم والجمع والربط, والإحسان والعطف والرفق. وليلة الوصل: أخر ليالي الشهر القمري , والوصال ضد الهجر . والوصلُ في الإصطلاح: معناه ادراك الفائت , ولحوق الغائب.
قال يحي بن معاذ رحمه الله:"من لم يعمِ عينه عن النظر إلى ما تحت العرش, لم يصل إلى ما فوق العرش". يعني لم يلحق ما فاته من مراقبة الذي خلق العرش .


وقيل الوصل: هو الوحدة الحقيقية الواصلة بين البطون والظهور, قال الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما:"من عرف الفصل من الوصل, والحركة من السكون, فقد بلغ مبلغ القرار في التوحيد، ويُروى في المعرفة", والمراد بالفصل: فوت الشيء المرجوّ من المحبوب, وبالحركة السلوك, وبالسكون القرار في عين أحدية الذات, وقد يُعبّرُ بالوصل عن فناء العبد بأوصافه في أوصاف الحق, وهو التحقق بأسمائه تعالى المعبّر عنها بإحصاء الأسماء, كما قال عليه الصلاة والسلام:"من أحصاها دخل الجنة" , وقال الشبلي رحمه الله:"من زعم أنه واصل فليس له حاصل", وقال بعضهم:"إنما حرموا الوصول لتضييع الأصول" , وذُكر عن بعض الشيوخ أنه كان يقول:"من زعم أو ظن أنه قد وصل فليتيقن أنه قد انفصل", وقال آخر:"فرح اتصالك ممزوج بترح الانفصال" ، وقال سهل:"حُرِّكوا بالبلاء فتحركوا, ولو سكنوا اتصلوا" .


والوصال: مرادف الإتصال، وهو الإنقطاع عما سوى الحق, وليس المراد به اتصال الذات بالذات، لأن ذلك إنما يكون بين جسمين, وهذا التوهم في حقّه تعالى كفر, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم"الإتصال بالحق على قدر الإنفصال عن الخلق". وقال بعضهم:"من لم ينفصل لم يتّصل"، أي من لم ينفصل عن الكونين لم يتصل بمكوّن الكونين. وأدنى الوصال مشاهدة العبد ربه تعالى بعين القلب وإن كان من بعيد. والوصال هو الرؤية والمشاهدة بسرِّ القلب في الدنيا, وبعين الرؤوس في الآخرة. وإنما نراه في الآخرة بلا كيف, كما نعلمه ونعتقده في الدنيا بلا كيف .
وقيل: إنّ معنى الإتصال أن ينفصل العبد بسرِّهِ عما سوى الله، فلا يرى بسرِّهِ معنى التعظيم غيره, ولا يسمع إلا منه, أي أن تعظيم الله يشغله عن تعظيم سواه, وأن لا يشهد العبدُ غيرَ خالقه, ولا يتصل بسرّه خاطرٌ لغير صانعه , وقيل: أن يرى العبد اتصال مدد الوجود ونَفَس الرحمن إليه على الدوام بلا انقطاع حتى يبقى موجوداً به, وقطع النظر عن تقيّد وجوده بعينه وإسقاط إضافته إليه .


ووصل الوصل هو الحصول على الوصل الحقيقي في الأبد, كما كان في الأزل, ويعني الرجوع إلى مقام الجمع بالسلوك إلى الله تعالى, وفي الله, بالاتصاف بصفاته, والفناء في ذاته .



43- الـــــــــــــــــــوقت


الوقت لغةً: المقدار من الدهر، وأكثر ما يستعمل في الماضي وتحديد الأوقات كالتوقيت.


ومن معاني هذا المصطلح عند أهل الحقيقة: هو ما بين النَفَس الماضي والنَفَس المستقبل, ولذلك قال الجنيد رحمه الله:"الوقت عزيز إذا فات لا يُدرك"، يعني إذا فاتك بالغفلة عن ذكر الله فلا تلحقه أبداً.


ومن معانيه أنه ما كان هو الغالب على الإنسان, ويقولون:"الصوفي ابن وقته"، أي أنه مشتغلٌ بما أولى به في الحال, وقد يريدون بالوقت ما يصادفهم من تصريف الحق لهم، دون ما يختارون لأنفسهم, وهذا فيما ليس لله عليهم فيه أمرٌ بحق الشرع, فإن ترك المبالاة في التقصير فيه خروج عن الدين. والكيّس من كان يحكم وقته.


ومن معانيه ما يرد على العبد ويتصرّف فيه ويُمضيه بحكمه من خوفٍ أوحزنٍ أوفرح, ولذلك قيل: الوقت سيف قاطع , لأنه يقطع الأمر بحكمه .


ومجموع القول أن الوقت هو ما غلب على الحال, وعلى ما كان من عمارة الزمان, وعلى ما يصرف الله العبد فيه من المقدورات بغير اختيار, وأن على الصوفي أن لا يُقلق باله بالماضي والمستقبل فإن تدارك الماضي تضييع للوقت, وكذا الفكر فيما يستقبل فإنه قد لا يُبلغ فيفوت, وأن الوقت سيف لأنه يقطع عمر العبد, فإن لم يقطعه بخير انقطع عمره بغفلة.


قال العارف بالله الشيخ عبد الرحمن الشريف قدس الله سره في النصائح الرحمانية: (ضيعت أوقاتك والعمر انقضى, فعجّل بالإقبال واندم على ما مضى), وقال أيضاً: (فالعمر يذهب والأوقات تنهى).