مصطلحات الصوفية - 2

المكتبة المحسية للتصوف

1-                 الأغيــــــــــــــــــار


الغير في اللغة: الاسم من تغيّر بمعنى تحوّل, وغيّرهُ: جعله غير ما كان وحوّله وبدّله , وتغيّر الحال وانتقالها من الصلاح إلى الفساد, وتكون غير بمعنى سوى, وتُجمع على أغيار, وغِيرُ الدهر: أحداثه, والغيرية خلاف العينية وهي كون كل من الشيئين خلاف الآخر .
والأغيار في اصطلاح الصوفية: هم عالم الكون بنوعيه اللطيف والكثيف .
    



2- الأفول والحلول والخمول


الأفول في اللغة: الغياب وذهاب لبن المرضع . والحلول بالمكان: النزول فيه والوجوب كقولك حلّ أمر الله عليه حلولاً , أو الدخول , وتأتي بمعنى جمع إسم الفاعل (حالٌ) . والخمول: الخفاء .


والأفول في اصطلاح أهل الحقيقة: غياب الشيء عن النظر رغم وجوده، وهو مقام الصلة بالله مع ظن الناس بانقطاعها.


والحلول وهو أن يحل في القلوب الإيمان بالله والتصديق له والتوحيد والمعرفة, وهذه أوصافُ مصنوعات الله من جهة صنعه بهم , لا هو بذاته أو بصفاته يحل بهم, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً, وهي حال يصير معها الذاكر الى مقامٍ يفنى فيه عن نفسه وعن الخلق أجمعين, وتجري ينابيع الحكمة من قلبه, وأساسها المحبة بين الخالق والمخلوق .


والخمول في اصطلاح القوم: هو سكون الجسد والمادة وثورة الروح والقلب أو شدة اليقين حتى لا يبقى في الأمر زيادة (لو كشف الحجاب ما إزددتّ يقيناً), أو هو اليقين المطلق دون طلب دليل وغالباً ما يأتي هذا للسالك في نهاياته , أو هو إسقاط المنزلة عند الناس، وهو لأصحاب الولاية المكتومة أو المطموسة.



3-البـــــــواده والهجوم


البواده في اللغة: هي ما تفجأُ . والهجوم: من هجم عليه، أي انتهى إليه بغتةً على غفلةٍ منه أو دخل بغير إذن , والانهدام , والاسراع .


البواده في اصطلاح أهل الحقيقة: هي ما يفجأ القلب من الغيب فيوجبُ بسطاً أو قبضاً . والهجوم ما يردُ على القلب بقوة الوقت من غير تصنّعٍ منك

ويختلف حسب قوة الوارد وضعفه, فمنهم من يتغير ومنهم من يكون فوق ذلك حالاً وقوة, أولئك سادات الوقت .


4- التـــــلوين والتمكين


التلوين في اللغة: من لوّن الشيء أي جعله ذا لون , ولوّن البُسر (يعني البلح الفجّ) بدا فيه أثر النضج . والتمكين: من مكّنهُ من الشيء وأمكنه منه أي جعل له عليه سلطاناً وقدرةً, وتمكن من الأمر واستمكن منه , قدر عليه وظفر به .


والتلوين معناه تلوّن العبد في أحواله أي تغيرها , فمن أشار إلى تلوين القلوب وتغيرالأحوال قال"علامة الحقيقة رفع التلوين"ومن أشار إلى تلوين القلوب والأسرار الخالصة لله تعالى في مشاهدتها وما يرد عليها من التعظيم وغير ذلك من تلوين الواردات قال"علامة الحقيقة التلوين" , وعلى المعنى الأول يكون صاحب التلوين أبداً في الزيادة والترقي من حالٍ إلى حال فإذا وصل تمكن . وعلى المعنى الثاني يكون صاحب التلوين في أكمل المقامات لانكشاف حقيقة معنى قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} وهو نهاية التمكين .


والتمكين هو مقام الرسوخ والاستقرار على الاستقامة , وانخناس أحكام البشريّة واستيلاء سلطان الحقيقة , وهو إقامة أهل الحقائق في محل الكمال والدرجة العليا، والعبور منه محال , قال واحد من المشايخ رضي الله عنهم"التمكين رفع التلوين".


      جاء في حزب السيف: (ونفحةً من نفحاتك نلتمس بها مراتب أهل الرسوخِ والتمكين).



5- التـواجد والوجـد والوجـود


تواجدَ: أرى من نفسه المحبة أو الحزن, والوجد:المحبة والغنى والقدرة, والوجود: خلاف العدم, والواجد: الغنيّ المحب القادر .


والتواجد في اصطلاح أهل الحقيقة: استجلاب الوجد بالذكر والتفكر .
وقالوا إنه يتضمن التكلّف , والتشبّه في تكلّفه بالصادقين من أهل الوجد . وقيل إظهار حالة الوجد من غير وجد , والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم"إن لم تبكوا فتباكوا" أراد به التباكي ممن هو مستعد للبكاء لا تباكي الغافل اللاهي .


والوجدُ: ما يصادف القلب ويرد عليه بلا تكلّفٍ وتصنّع , ولهذا قال المشايخ"الوجد المصادفة , والمواجيد ثمرات الأوراد , فكل من ازدادت وظائفه ازدادت من الله لطائفه" , وقيل الوجد ما تطلبه بكسبك واجتهادك , وقيل هو ما صادف القلب من فزعٍ أو غمٍ أو رؤية معنى من أحوال الآخرة أوكشْفُ حالةٍ بين العبد والله عز وجل, وهو سمع القلوب وبصرها وهو بشارات الحق بالترقي إلى مقامات مشاهداته , وهو رفع الحجاب عن القلب ثم مشاهدة الحق وملاحظة الغيب .


والوجود: هو بعد الإرتقاء عن الوجد, ولا يكون وجود الحق إلا بعد خمود البشرية, وهو تمام وجد الواجدين، وقال بعضهم هو ما تجده من الله الكريم , فالتواجد بداية والوجود نهاية والوجد واسطة بين البداية والنهاية .

   



6- تـــــــــوارد الإمــــــداد


في اللغة: توارد القوم إلى المكان: حضروا الواحد بعد الآخر , وتواردوا الماء: وردوه معاً , وتوارد الشاعران: اتفقا في إيراد المعنى الواحد بلفظٍ واحد من غير أخذٍ ولا سماع , والإمداد تأخير الأجل , وأن تنصر الأجناد بجماعة غيرك , والإعطاء والإغاثة , ويقال في الشرّ مددته , وفي الخير أمددته , وأن تعطي الكاتب مدَّة (استمداداً) من الدواة للقلم


وفي اصطلاح أهل الحقيقة: هو تتابع وصول كل ما يحتاج إليه الممكن في وجوده على الولاء حتى يبقى , فإن الحق يُمدّه من النَفَس الرحماني بالوجود, والغذاء والنّفَس , والهواء .


     وجاء في حزب السيف: (وبمددك الوافر وفيضك العميم توجني بتاج عظمتك)، (فلغير سخاء عطاء مدد جود كرمك لا تكلني)، (وحُفّنا بمدد رعايتك)



7- الجــــــــــــــــذب


الجذب في اللغة ضدّ الدفع , وجذبَ المهر عن أمه: فطمه .

وفي اصطلاح أهل الحقيقة هو تقريب العبد بمقتضى العناية الإلهيّة المهيّئة له كل ما يحتاج إليه في طيّ المنازل إلي الحق بلا كلفةٍ وسعيٍ منه .

قال الطوسي: (فأما جذب الأرواح وسمو القلوب , ومشاهدة الأسرار والمناجاة والمخاطبة وما يشاكل ذلك , فإن أكثر ذلك عبارات تُعبّر عن التوفيق والعناية, وما يبدو على القلوب من أنوار الهداية على مقدار قرب الرجل وبعده , وصدقه وصفائه في وجده). قال أبو سعيد الخرّاز"إن الله تعالى جذب أرواح أوليائه إليه , ولذذها بذكره والوصول إلى قربه , وعجّل لأبدانهم التلذذ بكل شيء , فعيش أبدانهم عيش الحيوانيين, وعيش أرواحهم عيش الربانيين". وقال الواسطي رحمه الله"إنما أشهدهم ألطافة التي بها جذب سرائرهم إلى نفسه"وقال:"إذا جذب الأرواح عن الأشباح , ثبّت الأشباح مع العقول والصفات , لأنه حجبها بشرط العقول, وأيسهم أن يكون لهم شيء من غير سرائرهم بقوله تعالى"قل بفضل الله" .



8-الجمع والفرق / التفرقة


الجمع لغة: تأليف المتفرق وضم البعض إلى بعض, والفرق الفصل , والجمع: جماعة الناس, ويوم الجمع: يوم القيامة, والفرق: الفلْق والتوزيع والتبديد والطريق في شعر الرأس .


والجمع شهود الحق بلا خلْق , والفرق أو التفرقة إشارة إلى خلقٍ بلا حق , وقيل مشاهدة العبودية .
 وقيل أصل الجمع والتفرقة قوله تعالى {شهد اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ} فهذا جمعٌ ثم فرق فقال {وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ}, وقوله تعالى {آمَنَّا بِاللّهِ} جمع, ثم فرق بقوله {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} .


والجمع أصل والتفرقة فرع, فكل جمع بلا تفرقةٍ زندقة, وكل تفرقةٍ بلا جمع تعطيل, قيل"جَمَعَهم في المعرفة وفرقهم في الأحوال", والمقصود أن الجمع تجريد التوحيد والتفرقة الإكتساب, فعلى هذا لا جمع إلا بتفرقة, وصحة الجمع بالتفرقة, وصحة التفرقة بالجمع لأن الجمع من العلم بالله, والتفرقة من العلم بأمر الله, ولا بد منهما جميعاً. والجمع حكم الروح , والتفرقة حكم القلب, قال الواسطي:"إذا نظرت إلى نفسك فرّقت, وإذا نظرت إلى ربّك جمعت"وقيل:"جمعهم بذاته وفرقهم بصفاته". وأن العبد إذا أثبت لنفسه كسباً ونظر إلى أعماله فهو في التفرقة, وإذا أثبت بالحق فهو في الجمع, وإذا تحقق بالفناء فهو جمع الجمع, فالتفرقة عبودية والجمع توحيد .


وخلاصة القول: أن الجمع ما سُلبَ عنك والفرق ما نُسبَ إليك, وأن من لا جمع له لا معرفة له, وأن من لا تفرقة له لا عبودية له, فقول العبد"إياك نعبد"إثبات للتفرقة بإثبات العبودية, وقوله"إياك نستعين"طلبٌ للجمع , فالتفرقة بداية الإرادة والجمع نهايتها .



9- الحــــــــــــــال


الحال في اللغة: نهاية الماضي وبداية المستقبل ، وصفة الشيء وهيئته وكيفيته, ويؤنث ويذك, وحالُ متن الفرس: وسط ظهره, وتجمع على أحوال وأحوله .


وفي الإصطلاح عند أهل الحق معنى يرد على القلب من غير تصنّع ولا اجتلاب ولا إكتساب من طرب أو حزن أو قبضٍ أو بسط أو هيئة , ويزول بظهور صفات النفس سواءً يعقبه المِثلُ أو لا يعقبه, فإذا دام وصار ملكاً يسمّى مقاماً, فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب, والأحوال تأتي من عين الجود, والمقامات تحصل ببذل المجهود .

ويسمى الحال بالوارد أيضاً ولذا قالوا:"لا وِردَ لمن لا وارد له", وهو الوارد الذي يرد على قلب وجوارح السالك من صفاء الأذكار, وهو المعنى الذي يظهر من عالم الغيب بعد حصول صفاء الأذكار في القلب .



10- الخواطر:


الخاطر في اللغة: الهاجس , وما يرد على القلب من أمرٍ أو تدبيرٍ أو خطاب, وقد يُطلق على القلب والنفْس مجازاً .


والخاطر في أصطلاح القوم: ما يرد على القلب والضمير من الخطاب , مع سرعة زواله بخاطر أخر, وقدرةُ صاحب الخاطر على دفعه عن القلب مراراً . ويقال إنّ الخاطر الصحيح أولُ الخاطر من الأمور , لأنه يكون من الحق تعالى وتقدس إلى العبد بدون علّة , وهو على أربعة أوجه: خاطر من الله عز وجل - ويعرف بالرباني- وهو تنبيه ,

وخاطر من الملك – ويعرف بالملكي -ويسمى إلهاماً وهو حثٌ على الطاعة , وخاطر من النفس – ويعرف بالنفساني -ويسمى هاجساً وهو مطالبةُ الشهوة وما فيه حظ النفس,

وخاطرٌ من العدوّ – ويعرف بالشيطاني- ويسمى وسواساً , وهو تزيين المعصية والدعوة الى مخالفة الحق .

ويعرفُ الخاطر الرباني بأنه لا يخطيء أبداً، ويعرف بالقوة والتسلط وعدم الإندماج بالدفع, ويعرف الخاطر الملكي بأنه الباعث على مندوبٍ أو مفروض وفي الجملة على كل ما فيه صلاح, ويعرف الخاطر النفساني بأن أكثره ما يدعو مع المعاودة الى اتباع شهوةٍ أو استشعار كِبْرٍ, أو ما هو من خصائص أوصاف النفس, ويعرف الخاطر الشيطاني بأنه يدعوا إلى مخالفة الحقِّ ويعاود إلى مخالفة أخرى .


وخلاصة القول أن ما فيه قربةٌ أو مخالفة نفسٍ فهو إما ربانياً أو ملكياً, وأن ما فيه كراهةٌ أو مخالفةٌ شرعاً أو هوى وموافقة نفسٍ فهو إما نفسانياً وإما شيطانياً, والصادق الصافي القلب الحاضر مع الحق سهلٌ عليه الفرق بين الخواطر بتيسير الله وتوفيقه .



11- حضرة القدس


الحضرة لغةً: الجنبُ والقرب والفناء ومكان الحضور ذاته , وتطلقُ عند أهل الترسّل على كل كبير يحضر عند الناس, يقال:كلّمته بحضرة فلان, أي بمشهد منه.


والقُدْس لغةً والقُدُس: مصدران بمعنى الطهر, والبيت المقدس, وجبريل . وأيضاً التنزيه , وحظيرة القُدْس: الجنة .


وحضرة القدس في اصطلاح القوم هو مكان الدنو والتدلي, قال تعالى {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} .



12- الذوق والشرب


الذوق في اللغة: اختبار الطعم وجذب وتر القوس اختبارا لها, والشرب مصدر وهو السقي, والذوق أيضاً المقاساة والاختبار والطبع والطعم, والشرب الجرع والإرتواء.


الذوق: أول درجات شهود الحق بالحق وهو أول مبادئ التجليات الإلهية, وهو نور عرفاني يقذفه الحق بتجلّيه في قلوب أوليائه يفرّقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره.


والشرب: تلقي الأرواح والأسرار الطاهرة لما يرد عليها من كرامات وتنعمها بذلك, فشبّه ذلك بالشرب لتهنّيه وتنعمه بما يرد على قلبه من أنوار مشاهدة قرب سيده, ويسمون حلاوة الطاعة ولذة الكرامة وراحة الأنس شُرباً للقلب.

والذوق والشرب في اصطلاح القوم أن الذوق إذا زاد وبلغ أوسط مقام الشهود يسمّى شُرباً, فإذا بلغ النهاية يسمّى رِياً, وذلك بحسب صفاء السر عن لحوظ الغير. وصاحب الذوق متساكر, وصاحب الشرب سكران, وصاحب الري صاحٍ, ومن قوي حبه تسرمد شربه, ومن صفا سره لم يتكدر عليه الشرب, ومن صار الشراب له غذاء لم يصبر عنه ولم يبق دونه.


13- الـــــــروح


الرّوحُ في اللغة بالضم , ما به حياة الأنفس, ويؤنّث, والقرآن, والوحي, وجبريل وعيسى عليهما السلام, والنفخ, وأمر النبوة , وحكم الله تعالى, وأمره, ومَلَكٌ وجهه كوجه الإنسان وجسده كالملائكة, والرُوحاني بالضمّ ما فيه الروح وكذلك النسبة إلى المَلَكِ والجن .
وهو اللطيفةُ العالمةُ المدركةُ من الإنسان الراكبة على الروح الحيواني، نازلٌ من عالم الأمر تعجز العقول عن إدراك كنهه، وتلك الروح قد تكون مجردة, وقد تكون مطبقة في البدن, والروح الحيواني: جسمٌ لطيفٌ منبعه تجويف القلب الجسماني, وينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن .


والروح في اصطلاح أهل الله معنى يحيا به الجسد, ومختلفٌ فيها عند أهل التحقيق من أهل السُنّة, فمنهم من يقول إنها الحياة , ومنهم من يقول إنها جسم يلْطُفُ عن الحسِّ, ويكبر عن اللَّمس, وأنها مخلوقة قبل الأجساد,

وأنها لطيفٌ قام في كثيف كالبصر، ونسيمٍ طيبٍ يكون به الحياة ,

واللطيفة الإنسانية المجرّدة والبخار اللطيف المتولد في القلب, القابلُ لقوة الحياة والحس والحركة ,

والروح الخفيّ ويسميه السالكون بالأخفى, فهو نورٌ ألطفُ من السرّ والروح, وهو أقرب إلى عالم الحقيقة. وثمة روح أخر ألطف منه ولا يكون إلا للخواص . قال يحي بن معاذ رحمه الله (روح وليِّ الله في القدُس تشغله بمولاه) يعني الأنس بالله من القرب .


وروح القدس هو روح الأرواح , وهو المنّزه عن الدخول تحت حِيطة (كُنْ) لأنه وجهٌ خاصٌ من وجوه الحق .

وروح الإلقاء هو جبريل عليه السلام وقد يطلق على القرآن .

والروح الأعظم الذي هو الروح الإنساني مظهر الذات الإلهية من حيث ربوبيتها, لا يعلم كنهها إلا الله, وهو العقل الأول, والحقيقة المحمدية, والنفس الواحدة, والحقيقة الإسمائية, وهو أول موجود خلقه الله على صورته, وهو الخليفة الأكبر, وهو الجوهر النوراني, جوهريته مظهر الذات, ونورانيته مظهر علمها, ويسمى باعتبار الجوهرية نفساً واحدة, وباعتبار النوارنية عقلاً أولاً, وكما أن له في العالم الكبير مظاهر وأسماء من العقل الأول, والقلم الأعلى, والنور والنفس الكليّة, واللوح المحفوظ,

وغير ذلك، له في العالم الصغير الإنساني مظاهر وأسماء بحسب ظهوراته ومراتبه في اصطلاح أهل الله وغيرهم , وهي السرّ والخفاء, والروح, والقلب, والكلمة, والرّوعُ, والفؤاد, والصدر, والعقل, والنفس . وأسْلَمَ ما قيل في الرّوح قول الجنيد رحمه الله: (الروح شيء استأثر الله بعلمه, ولم يطلع عليه أحدٌ من خلقه, ولا يجوز العبارة عنه بأكثر من موجود, لقوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} .


جاء في الدرة الشريفة: (اجمع اللهم بيننا وبينه - يعني الرسول صلى الله عليه وسلم - في الدنيا قبل الآخرة , ليكون حياة أرواحنا وسمير أشباحنا).


وجاء في حزب السيف: (وألّف لي بفضلك مفتاح أهل النجاح لتنقاد إليّ الأرواح وتتصاغر لديّ الأشباح)
وجاء في ورد السحر (إلهي بروح القدس قدّس سرائرنا, وبروح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خلّص معارفنا, وبروح أبينا آدم اجعل أرواحنا سابحات في عوالم الجبروت).


14- الــــرؤية


الرؤية لغةً: النظر بالعين وبالقلب ,
وفي اصطلاح القوم: هي المشاهدة بالبصر-لا بالبصيرة- حيث كان, أي في الدنيا والآخرة .


وجاء في حزب الهمزة:
      بالرؤية اللاتي بكم منكم لكم     وبوجد أهل الله دم لي هنائي

 

وجاء في القصيدة الميمية للعارف بالله الشيخ مصطفى البكري: (بأسرارك اللاتي سترت جمالها فلم يرها إلا فتى في الهوى تمّا)


وقال الشيخ عبد الرحمن الشريف قدس الله سرّه:

      واستهلك النفس وافن الكل فيه كذا    واستغرق الروح والق الحجب علّ ترى



15- السبوحيّة


التسبيح في اللغة تنزيه الله من الصاحبة والولد , وبمعنى الصلاة وقول سبحان الله, وُسبّوح بالضم والفتح من صفاته تعالى لأنه يُسبَّحُ , والسبّوحية إسم نسبة.


جاء في الدرة الشريفة (وآخر خليفة لحضرتك السبّوحية).

وجاء في ورد السحر (إلهي خصني بمددك السبّوحي ليحيا بذلك لُبّي وروحي).



16- الستر والتجلّي


الستر لغةً: وهو ما يُستر به والخوف والحياء , والتجلّي: الظهوروالانكشاف والاستعلان .


وفي إصطلاح القوم الستر: كل ما سترك عما يفنيك, وقد يكون الوقوف مع العادات أو نتائج الأعمال , أو كل ما يحجبك عمّا يعنيك كغطاء الكون . التجلّي: ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب , وقيل إشراق أنوار إقبال الحق على قلوب المقبلين عليه , وهو على ثلاث أحوال: تجلّي ذات وهي كشوف القلب في الدنيا, وتجلي صفات الذات , وهو أن تتجلى له قدرة الله عليه فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه, وتجلي حكم الذات وهو في الآخرة .


والستر والتجلّي: قال النووي رحمه الله"تجلّى لخلقه بخلقه , واستتر عن خلقه بخلقه"وقال أيضا"بتجليه حسُنت المحاسن وجمُلت, وباستتاره قَبُحت وسَمُجت" , والعوام في غطاء الستر, والخواص في دوام التجلّي, والستر للعوام عقوبة, وللخواص رحمة , إذ لولا أنه يستُر عليهم ما يكاشفهم به لتلاشوا عند سلطان الحقيقة .


قال الشيخ مصطفى البكري قدس الله سرّه في ورد السحر"إلهي خطفت عقول العشّاق بما أشهدتهم من سناء أنوارك مع وجود أستارك , فكيف لو كشفت لهم عن بديع جمالك ورفيع جلالك".

 وقال أيضاً:"وأشهدني خفيّ تجليات صفاتك".



17- الســـــــــــــــرّ


السرّ لغة: ما يُكتم , والأصل, والأرض الكريمة, وجوف كل شيء ولبّه , ومستهل الشهر أو آخره أو وَسَطه , ومحض النسب وأفضلُه, وله معاني أخر . والسرّ أيضاً الطريقة .


والسرّ في اصطلاح أهل الحقيقة: لطيفةٌ مودعة في القلب كالروح في البدن وهو محل المشاهدة , وما خفي عن الخلق فلا يعلم به إلا الحق , وخفاءٌ بين العدم والوجود موجودٌ في معناه , وما غيّبه الحق ولم يُشرف عليه الخلق, فسرّ الخلق ما أشرف عليه الحق بلا واسطة , وسرّ الحق ما يطلّع عليه إلا الحق .


وعند القوم السرّ ألطف من الروح , والروح أشرف من القلب , ويطلق لفظ السرّ على ما يكون مصوناً مكتوباً مابين العبد والحق سبحانه في الأحوال، ولذلك قالوا"صدور الأحرار قبور الأسرار" , وقيل السرّ إخفاء حال المحبة , وقيل السرّ محل المشاهدة , والروح محل المحبة , والقلب محل المعرفة . وقيل السرّ ثلاثة: سرّ العلم وهو حقيقةُ العالِمين بالله عز وجل , وسرّ الحال وهو معرفة مراد الله في الحالِ من الله , وسرّ الحقيقة وهو ما وقعت به الإشارة .


وسرّ السرّ ما انفرد به الحق عن العبد , كالعلم بتفصيل الحقائق , قال تعالى"وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" , وقيل سرّ السرّ ما لا يُحِسُّ به السرّ, فإن أحس به فلا يقال له سرّ , قال القائل:

يا سرّ سرّ يدق حتى يخفى على وهمِ كلّ حيّ

وظـاهرٍ باطنٍ تجلّى من كل شيءٍ لكل شيّ


وسرّ الربوبية هو توقفها على المربوب,
قال سهل:"للربوبية سرّ لو ظهر لبطلت الربوبية"وسرّ سرّ الربوبية هو حصول الربوبية في الحقيقة بالحق والأعيان معدومة بحالها في الأزل , فلسرّ الربوبية سرّ به ظهرت ولم تبطل . وسرّ القدر ما عَلِمَهُ الله من كل عينٍ في الأزل مما انطبع فيها من أحوالها التي تظهر عليها عند وجودها .


جاء في حزب السيف (متوجين بإكليل عناية رفعة سرّك الأجلى). وجاء في حزب الهمزة:
              وبسرّ قربك للمحب أحبني        حباً به تمحو جميع شقائي
              وبسرّ سرّ السرّ من أخفيته        نلني اطلاعاً كاشفاً لعمائي
              و بسر كل العارفين الأصفياء    وبأهلِ سلككَ أظهرن خفائي

         

وجاء في ورد السحر (وبسرّ سرّ سرّك الذي لا تفي بالأفصاح عن حقيقته الرقائق. وجاء أيضاً: (إلهي ثبتني لحمل أسرارك القدسيّة). وجاء أيضاً (وزين سرّي بالأسرار),(وطهر أسرارنا من الشكوى), (وكنوز أسرار ذاتك).



18- الشـــــــــاهد


في اللغة هو الحاضر, ومن يؤدي ما عنده من الشهادة , ومن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم, واللسان, والمَلَك, ويوم الجمعة , والنجم، وما يشهدُ على جودة الفرس, وصلاة الشاهد: صلاة المغرب , ومن الأمور السريع.


وفي أصطلاح أهل الحقيقة: هو ما يحضر القلب من أثر المشاهدة إما بعلم لدنّي لم يكن له فكان, أو وجْدٍ, أو حالٍ, أو تجلٍّ أو شهودٍ , والشاهد ما يُشهِدك بما غاب عنك يعني يُحضِّر قلبك لوجوده , قال القائل:
                 (وفي كل شيء له شاهدٌ يدل على أنه واحد )


وقيل هو ما كان حاضراً في قلب الإنسان وغلب عليه ذكرُهُ حتى كأنه يراه ويبصره وإن كان غائباً عنه .



19- الشريعة والحقيقة والطريقة:


الشريعة في اللغة: ما شرع الله تعالى لعباده . والحقيقة ما يجب على الإنسان أن يحميه , وضد المجاز , وحقيقة الشيء منتهاه وأصله . وقيل هو الشيء الثابت قطعاً ويقيناً .


والطريقة لغةً: هي النخلة الطويلة والحالة، وعمود المظلة، وشريف القوم، والمذهب، والخط في الشيء، والصناعة وغيرها.
والشريعة في اصطلاح الصوفية أمرٌ بالتزام العبودية, والطريقة هي العمل بالشريعة، قال تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً}، والحقيقة مشاهدة الربوبية, وكل شريعة مؤيدة بالحقيقة, وكل حقيقة مقيدة بالشريعة, فالشريعة للتكليف والحقيقة للتعريف, والشريعة ان تعبده والحقيقة ان تشهده .


وقيل أيضاً الشريعة بدون الحقيقة رياء, والحقيقة بدون الشريعة نفاق، لقوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} , فالمجاهدة شريعة , والهداية حقيقة , فالشريعة حفظ العبد لأحكام الظاهر على نفسه, والحقيقة حفظ الحق لأحوال الباطن عن العبد, والشريعة من المكاسب والحقيقة من المواهب .


جاء في الرسالة الخيريّة للشيخ خير الدين الشريف قدس الله سرّه: (الشريعة هي الأقوال الواردة في الكتاب والسنة , والطريقة هي المتابعة لها بالفعل, ونتيجة الأفعال المشاهدة الحقيقية).

وقال الشيخ عبد الرحمن الشريف في رسائله (إن الشريعة أقوال والطريقة أفعال والحقيقة أنوار والمعرفة أسرار, فالشريعة القشر الظاهر والطريقة اللّب الفاخر والحقيقة الذهن الذي لا يدرك إلا بالذوق والمعرفة هي اللّذة المعجلة لأهل الحبّ فيه والشوق). ويقول في موضعٍ آخر (إعلم أن العلم منحصرٌ في أربعة أنواع: الأول ظاهر الشريعة في الأمر والنهي وباطنها يسمى الطريقة, وباطن الطريقة يسمى معرفة, وبطن البطون يسمى علم الحقيقة , فالشريعة شجرة والطريقة أغصانها والمعرفة أوراقها والحقيقة ثمارها , والقرآن جامعٌ لجميعها بالدلالة والإشارة تفسيراً وتأويلاً).



20- الصحو والسكر


الصحو لغةً: ذهاب الغيم والسكر وترك الصبا والباطل, والسكر: نقيض الصحو, والسكر أيضا محركة الخمر والنبيذ وكل ما يُسكر والخل والطعام والامتلاء والغضب والغيظ .


والصحو: رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة بوارد قوي , والسكر: غيبةٌ بواردٍ قوي, وهو يعطي الطرب والإلتذاذ، وهو أقوى من الغيبة وأتمَّ منها , ولا يكون إلا لأصحاب المواجد، فإذا كوشف العبد بنعت الجمال حصل السكر وطاب الروح وهام القلب .

والصحو والسكر معناهما قريب من معنى الغيبة والحضور, غير أن الصحو والسكر أقوى وأتمّ وأقهر من الغيبة والحضور، والفرق بين السكر من الخمر وغيرها والسكر من الوجد,

أن الأول يقتضي الغيبة عن الأشياء واختلاط الكلام والمشي,

والثاني وهو حالٌ شريفٌ لا يقتضي الغيبة عن الأشياء , والغشية غير السكر فهي تغيّر الطبع والحواس وتنقضي منها الطهارة وأنها لا تدوم .

قال الواسطي:"مقامات الوجد أربعة: الذهول ثم الحيرة ثم السكر ثم الصحو, كمن سمع بالبحر, ثم دنا منه, ثم دخل فيه, ثم أخذته الأمواج"والسكر لأرباب القلوب.


وجاء في الغيبة والحضور والصحو والسكر في حزب الهمزة:
     بالسكرِ و الغيباتِ من صـحوٍ كـــــذا      بالشربِ والري العلي ثنــــــــــاء
     بالصحوِ أرجعنا إلى الإحساسِ من      بعد الهباءِ وغيبةِ النــــــــــــزلاء



21- الطمــــــــس


من الشيء والإهلاك, وطمسَ بعينه: نظر نظراً بعيداً, وطمس الرجل: تباعد, والطامس: البعيد, ورجل طامس القلب: ميّته, ومطموس: ذاهب البصر . وقال تعالى: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} , يعني ذهب ضوؤها .

وفي اصطلاح القوم: هو ذهاب سائر الصفات البشرية في صفات أنوار الربوبية . فتفنى صفات العبد في صفات الحق تعالى ,

وقال عمرو المكي رحمه الله:"وإنك لا تصل إلى حقيقة الحق حتى تسلك تلك الطرقات المنطمسة". يعني تُنازِل تلك الأحوال التي لم ينازلها أحدٌ غيرُك وقد ذهب أثرها .

جاء في حزب الهمزة:
    
بالطمسِ سر بي عن العوالمِ كلـــها      بالوصلِ أوصل ربنا أقصائـــــــي



22-علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين


العلم لغةً: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وقيل: إدراك الشيء على ما هو به، وقيل: زوال الخفاء، وقيل: وصول النفس الى معنى الشيء وهو نقيض الجهل, وهو إما قديم أو حادث, فالعلم القديم هو القائم بذاته تعالى ولا يشبَّه بالعلوم المحدثة للعباد, والعلم المحدث ثلاثة أقسام: بديهي وهو ما لا يحتاج إلى مقدمات كالعلم بوجود نفسه وأن الكل أعظم من الجزء, والضروري وهو ما لا يحتاج فيه إلى تقديم مقدمة كالعلم الحاصل بالحواس الخمس, والاستدلالي وهو الذي لا يحصل بدون نظر وفكر كالعلم بثبوت الصانع وحدوث الأعراض .


والعين لغةً: الباصرة والإنسان وينبوع الماء ومفجره وجريانه والجاسوس والحاضر من كل شيء وحقيقة القبلة وخيار الشيء وذات الشيء والسيد وكبير القوم والسحاب والشمس أو شعاعها والعتيد من المال , والناحية وغيرها .

والحق لغةً: من أسماء الله تعالى أو من صفاته والقرآن وضد الباطل والأمر المقضيّ والعدل والاسلام والمال والملك والموجود الثابت والصدق والموت والحزم وحقيقة الأمر وصحته وغيرها .


واليقين لغةً: التحقق ويطلق على الموت, وعليه يكون اليقين اعتقاد الشيء بما يطابق الواقع ولا يمكن الزوال .

والعلم في اصطلاح أهل الحقيقة هو المجرد من المعنى والخالي من المعاملة ، وهو صفة نفسية أزلية , والعين في الإصطلاح إشارة إلى ذات الشيء الذي تبدو منه الأشياء , والحق هو اسم من أسمائه تعالى, والشيء الحق أي الثابت حقيقةً، ويستعمل في الصدق والصواب أيضاً , واليقين هو العلم الذي لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف, ولا يطلقُ في وصفه سبحانه لعدم التوقيف .


وعلم اليقين: هو العلم بمعاملات الدنيا وأحكام الأوامر وهو درجة العلماء بحكم استقامتهم على الأحكام , وقيل هو ما يحصل من طريق النظر والاستدلال وهو للأولياء .

وعين اليقين: هو العلم بحال النزع وقت الرحيل عن الدنيا، وهو مقام العارفين بحكم إستعدادهم للموت , وقيل هو ما يحصل من طريق الكشوف والنوال وهو لخواص الاولياء .

وحق اليقين: هو العلم بكشف الرؤية في الجنة وكيفية أحوالها بالمعاينة وهو محل فناء الأحبة بحكم إعراضهم عن كل الموجودات , وقيل: هو حقيقة ما أشار إليه علم اليقين وعين اليقين وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام , وهو معرفة الله بالمشاهدة والمعاينة .

وقال التهانوي في إصطلاحات الفنون: علم اليقين كمن علم بالعادة أن في البحر ماء , وعين اليقين كمن مشى ووقف على ساحله وعاينه, وحق اليقين كمن خاض فيه واغتسل وشرب منه.

وقال الهجويري في كشف المحجوب: علم اليقين بالمجاهدة, وعين اليقين بالمؤانسة, وحق اليقين بالمشاهدة, والأول عام, والثاني خاص, والثالث خاص الخاص.

وقال الجرجاني في التعريفات: علمُ كل عاقل الموت علم يقين, فإذا عاين الملائكة فهو عين اليقين, فإذا ذاق الموت فهو حق اليقين, وقيل علم اليقين ظاهر الشريعة, وعين اليقين الإخلاص فيها , وحق اليقين المشاهدة فيها.

جاء في حزب الهمزة:
     
و أنــلنا معرفةَ اليقينِ و عينــِــــــه      بالحقِ وامحُ الغيرَ من أحشائــــــي



23-العوالم الروحية والروحانية والنورانية والناسوتية


العالم في اللغة: الخلق كلّه أو ما حواه بطنُ الفلك , ويجمع على عوالم وعالَمون وعلالم .

والعالم في اصطلاح أهل الحقيقة: عبارة عن مخلوقات الله ويقولون: ثمانية عشر ألف عالم وخمسون ألف عالم ,

والفلاسفة يقولون أنه عالمان: علوي وسفلي , وعلماء الأصول يقولون: كل ما هو موجود من العرش إلى الثرى عالم , وفي الجملة العالم هو اجتماع المختلفات .

والعالم الروحّي والروحاني: هو عالم الأرواح والروحانيات والتي وجدت بأمر الحق بلا واسطةِ مادةٍ ومُدَّةٍ .

ويقال: هو عالم العقول والنفوس , ويقال: هو عالم الأمر وعالم الملكوت وعالم الغيب.

والعالم النوراني: هو عالم النور وهو عالم تجلّي الله باسمه الظاهر, أي الوجود الظاهر في صور الأكوان كلها, وقد يطلق على كل ما يكشف المستور من العلوم الذاتية والواردات الإلهية التي تطرد الكون عن القلب .

والنور اسم من أسماء الله تعالى, والنور الإلهي هو نور ذات الله تعالى .

ونور الإيمان من وراء الحجب ونور اليقين عند كشف الحجاب , ونور الأنوار ونور النور هو الحق تعالى (معنى ذوقي).

والعالم الناسوتي: هو عالم الشهادة أي الدنيا , وقيل: هو عالم الخلق وعالم الملك وعالم الشهادة, أي عالم الأجسام والجسمانيات, وهو ما يوجد بعد الأمر بمادةٍ ومدّةٍ. ومن العوالم عالم الجبروت وهو عالم الأسماء والصفات الإلهية.

جاء في حزب السيف (وسخر لنا العوالم الروحية والروحانية والنورانية والناسوتية)، وجاء أيضاً (وآخر خليفة أفيض إلى النوع الناسوت).



24- الغيــــبة والحضور


الغيبةُ بكسر الغين وفتحها مصدر لما غاب عنك, والحضور ضد الغيبة , والغَيبة: البُعد والمباينة، والغِيبة: ذكر العيب والسوء, والحضور ضد الغيبة .

الغيبة: غيبة القلب عن مشاهدة الخلق، بحضوره ومشاهدته للحق بلا تغيير ظاهر العبد , ثم قد يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره بواردٍ من تذكر ثوابٍ أو تفكر عقابٍ،

والحضور: حضور القلب بالحق عند غيبته , أو حضوره لما غاب عن عيانه بصفاء اليقين فهو كالحاضر عنده وإن كان غائباً عنه .

والغيبة والحضور: أن العبد على حسب غيبته على الحق يكون حضوره بالحق , وقد يقال رجوع العبد إلى إحساسه بأحوال نفسه وأحوال الخلق أنه حضر أي رجع عن غيبته وهذا يكون حضوراً بخلق, وإن غاب بالكلية على الخلق يكون حضوراً بالحق, وقد تختلف أحوال القوم في الغيبة فمنهم من لا تمتد غيبته ومنهم من تدوم غيبته .

ومما يشهد على الغيبة والحضور قصة النسوة اللاتي قطّعن أيديهن حين شاهدن يوسف عليه السلام , فإذا كانت مشاهدة جمال يوسف مثل هذا , فكيف يكون غيبة مشاهدة أنوار ذي الجلال , أو التجلي بحال القرب من المحبوب (الله), أو الغيبة بحسن الظن بالله.



25- الفنــــــاء والبقـــــاء


الفناء في اللغة من فني: العدم , والبقاء ضد الفناء, والفناء الهلاك، والبقاء: الدوام والثبات.


والفناء, فناء صفة النفس , وعدم شعور الشخص بنفسه ولا بشيء من لوازمها , وسقوط الأوصاف المذمومة , والغيبة عن الأشياء كما كان فناء موسى عليه السلام حين تجلّى ربه للجبل .

والبقاء رؤية العبد قيام الله على كل شيء , وقيام الأوصاف المحمودة , وسبيله وطريقه هو طريق الشيخ والمرشد الذي هو الإنسان الكامل الباقي بالعشق دائماً .

الفناء والبقاء: أن يفنى العبد عن حظوظه ويبقى بحظوظ غيره والحق يتولى تصريفه في وظائفه وموافقاته سبحانه , وأشار قومٌ بالفناء والبقاء إلى سقوط الأوصاف المذمومة وقيام الأوصاف المحمودة .


26- الفَيـــــــــــــض


الفيض لغةً: كثرة الشيء حتى يسيل, والإباحة بالسِّر, والموت وخروج الروح, والشيوع, والنيل وشط العرب, والكثير الجري من الخيل, والإفراغ والاندفاع .

والفيض في اصطلاح أهل الحقيقة: عبارة عمّا يُفيد التجلّي الإلهي ويتعين ذلك ويتقيد بحسب المتجلي , والتجلّي ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب , قال سهل: (التجلّي على ثلاثة أحوال: تجلّي الذات وهي المكاشفة, وتجلّي صفات الذات, وهي موضع النور, وتجلّي حُكْم الذات, وهي الآخرة وما فيها)،

ومعنى قوله تجلّي ذات هي كشوف القلب في الدنيا كقول عبد الله ابن عمر (كنا نتراءى الله في ذلك المكان)، يعني في الطواف , وقوله صلى الله عليه وسلم: (أعبد الله كأنك تراه) , وكشوف العيان في الآخرة,

ومعنى قوله تجلي صفات الذات هو أن تتجلّى له قدرة الله عليه فلا يخاف غيره , وكفايته له فلا يرجو سواه , ومعنى قوله تجلّي حكم الذات هو في الآخرة:{فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير) .

جاء في حزب السيف (ممزوجين بفيضٍ من عظمة برهان جمال قدسك الأعلى)، وجاء أيضاً: (وطهرنا بفيض نور كرمك).


27- القــــــرب والبــــــعد


القرب لغةً الدنو, وهو خلاف البُعد , والبعد التنحي والموت واللّعن وهو خلاف القرب .

والقرب عند الصوفية: القيام بالطاعة , والانقطاع عما دون الله , وأن ترى صنائعه ومننه عليك وتغيب فيها عن رؤية أفعالك ومجاهداتك , والإتصاف في دوام الأوقات بعبادته . والقرب في الدنيا يكون إما قرب فرائض, وهو فناء العبد بالكلية في الله تعالى فلا يشعر بجميع الموجودات حتى نفسه، ولا يبقى في نظره إلا وجود الحق سبحانه وهو ثمرة الفرائض, أو قرب نوافل وهو زوال الصفات البشرية وظهور صفاته تعالى عليه وهو فناء الصفات في صفات الله تعالى وهو ثمرة النوافل . القرب في الدنيا من قرب ايمان وتصديق إلى قرب إحسان وتحقيق وقرب الحق في الدنيا من العرفان, وفي الآخرة شهود وعيان .


والبعد هو التدنس بمخالفة الله سبحانه والتجافي عن طاعته , فأوله بعد عن التوفيق ثم عن التحقيق .
ومما قيل في القرب قوله عز وجل: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} , ومما قيل في القرب قوله صلى الله عليه وسلم مخبراً عن الحق سبحانه: (وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليّ مما افترضت عليه , وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه...) الحديث ومما قيل في البُعد قـوله تعـالى: {أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} .






28- القــــــــهرموتية


وهو في اصطلاحات أهل الحقيقة يجمع بين القهر والموت وينسب إليهما, والقهر في اصطلاح القوم (تأييد الحق بإفناء المرادات, ومنع النفْس عن الرغبات, من غير أن يكون لهم في ذلك مراد) .
والموت في اصطلاح القوم قمعُ هوى النفس , ومنه الموت الأبيض وهو الجوع , والأحمر وهو مخالفة النفس , والأخضر وهو لبس المرقّع من الخرق الملقاة التي لا قيمة لها , والأسود وهو احتمال أذى الخلق. وبالجمع بين الإصطلاحين تكون القهرموتية هي أن يَرُدَّ الحقُ تعالى العبد عن مراد نفسه إلى مراده , ويُقهره بغير مراده, ويُميتُ نفسه عن هواها بقمعه, فينصرف القلب بالطبع والمحبة الأصليّة إلى عالم القدس والنور والحياة الذاتية التي لا تقبل الموت أصلاً, قال صلى الله عليه وسلم: (المجاهدُ من جاهد نفسه, فمن مات عن هواه, فقد حَييَ بهداه من الضلالة, وبمعرفته عن الجهالة) . وقال تعالى: {أفمن كان ميتاً فأحييناه} . وقد تكون القهرموتية من القهرمة, وهي فعل القهرمان وهي لفظة أعجمية استعملتها العرب بمعنى الوكيل. جاء في الدرة الشريفة: (وبجلال صولة عنايتك القهرموتية).





29- اللوائح والطوالع واللوامع


اللوائح في اللغة: ما يلوح, أي يبدو، وللبرق ومضُه , والطوالع: ما يظهر, والأهلّة والفجر الكاذب, والأسهم تقع وراء الهدف , واللوامع: ما يضيء ويبرق .

واللوائح في اصطلاح القوم: هي ما يلوح من الأسرار الظاهرة الصافية من السمو من حالةٍ الي حالةٍ أتمَّ منها, والإرتقاء من درجةٍ إلى ما هو أعلى منها , وهي من مبادىء الحال ومقدماته , وهي من صفات أصحاب البدايات الصاعدين في الترقي بالقلب , وقد تطلق على ما يلوح للحسّ من عالم المثل , كحال ساريةٍ لعمر رضي الله عنه . قال الجنيد رحمه الله:"لقد فاز قومٌ دلّهم وليّهم على مختصر الطريق" .


والطوالع: هي أنوار التوحيد يَطلُع على قلوب أهل المعرفة شعاعها فيطمسُ سلطانُ نورها الألوان كما أنّ نور الشمس يمحو أنوار الكواكب , وهي أول ما يبدو من تجليات الأسماء الإلهية على باطن العبد, فيحسِّن أخلاقه وصفاته بتنوير باطنه , وهي موقوفةٌ على خطر الأفول .

واللوامع أنوارٌ ساطعةٌ تلمع لأهل البدايات من أرباب النفوس الضعيفة الطاهرة فتنعكس من الخيال الى الحس فتصير مشاهدة بالحواس الظاهرة فيتراءى لهم أنوارٌ كأنوار الشهب والقمر والشمس , فتضيء ما حولهم, فهي إما من غلبة أنوار القهر والوعيد على النفس فتضرُبُ إلى الحمرة, وإما من غلبة أنوار اللطف والوعد فتضرُب إلى الخضرة , وهي أظهر من اللوائح وليس زوالها بنفس السرعة , ويوردها الله تعالى في صفاء الأوهام كمثل لوامع البرق بعضها في أثر بعض . ومجمل القول أن هذه الألفاظ متقارنة المعنى وهي من صفات أصحاب البدايات الصاعدين في الترقي بالقلب, فتكون أولاً لوائح ثم لوامع ثم طوالع .



30- المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة


المحاضرة في اللغة: المطالبة والاجابة بما حضر من الجواب والخطاب, والمكاشفة: الإظهار والإطلاع والمجاهرة , والمشاهدة: المعاينة .
المحاضرة: حضور القلب مع الحق , وعلامتها دوام الفكر في شواهد الآيات, واستيلاء سلطان الذكر .
المكاشفة: وهي حضورٌ لا ينعت بالبيان , وتطلق على تحير السرّ في خطر العيان، وعلامتها دوام التحيّر في كُنه العظمة , وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته

المشاهدة: وتطلق على رؤية الأشياء بدلائل التوحيد, ورؤية قدرة الحق في الأشياء , ومشاهدة الحق هي حقيقة اليقين بلا إرتياب .

المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة: المحاضرة في شواهد الآيات، والمشاهدة والمكاشفة تتقاربان في المعنى وهما: إلتماس القلب دوام المحاضرة لما وارته الغيوب , والمكاشفة لأهل العين بين المحاضرة والمشاهدة إلى أن تستقر .

قال الشيخ مصطفى البكري في ورد السحر: (إلهي طهّر سريرتي من كل شيء يبعدني عن حضراتك)، وقال أيضاً: (اللهم رقّق حجاب بشريتي بلطائف إسعافٍ من عندك لأشهد ما انطوت عليه من عجائب قدسك).

وقال أيضاً: (ولهيب قلوبنا إلى مشاهدة جمالك لا يطفى). وقال أيضاً: (فكيف لو كشفت لهم عن بديع جمالك ورفيع جلالك).



31- المحو والإثبات


المحو في اللغة: إذهاب الأثر , والإثبات: عدم المفارقة والتأكيد بالبينة , والمعرفة.

المحو: هو إزالة أوصاف العادة, ويكون على ثلاث طرق: محو الذّلّةِ عن الظواهر, والغفلة عن الضمائر, والعلّة عن السرائر , وقيل إزالة أوصاف النفوس أو محوِ رسوم الأعمال بنظر الفناء إلى نفسه ومأمنه , وقيل المحو ذهاب الشيء إذا لم يبقَ له أثر, وإذا بقي له أثر فيكون طمساً , وقيل ماستره الحق ونفاه . والإثبات: إثبات سلطان الحقيقة وما يقتضي المثبت , وقيل إثبات النفْس بما أنشأ الحق لها من الوجوديّة , وقيل ما أظهره الحق وأبداه .


والمحو والإثبات: رفع أوصاف العادة وإقامة أحكام العبادة , فمن نفى عن أحواله الخصال الذميمة وأُتي بدلها بالأفعال والأحوال الحميدة فهو صاحب محو وإثبات, والمحو والإثبات صادران عن القدرة ومقصوران على المشيئة ,
قال تعالى: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} , قيل يمحو عن قلوب العارفين ذكر غيره تعالى, ويثبت على ألسِنةِ المريدين ذكره سبحانه , ومن محاه الحق عن إثباته به, ردّهُ إلى شهود الأغيار وأثبته في أودية التفرقة . وأيضاً تبدل الأحوال و المقامات أثناء السلوك مابين محو وإثبات لأن قلب العبد بين أُصبعين من أصابع الحق يقلبه كيف يشاء, ولذلك كان دعاؤه صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).


قال العارف بالله الشيخ مصطفى البكري في ورد السحر يناجي الله سبحانه وتعالى: (وأمح من ديوان الأشقياء شقيّنا واكتبه عندك في ديوان الأخيار)، أكتبه بمعنى أثبته , قال تعالى: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} .



32- المـــــــــــــــقام


المقام في اللغة: موضع القدمين , والمنزلة, وهو ما يتوصل إليه العبد بنوعِ تصرّفٍ، ويتحقق به بضربِ طلبٍ ومقاساةِ تكلفٍ , فمقام كل واحدٍ موضع إقامته عند ذلك, وشرطه أن لا يرتقي من مقام إلى آخر مالم يستوفِ أحكام المقام السابق , ولكل واحدٍ من مريدي الحق مقامٌ يستقر فيه تبعاً لجبلّته لا لمسلكه,
قال تعالى: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}. ومقام آدم: التوبة, ونوح: الزهد, وإبراهيم: التسليم, وموسى: الإنابة, وداوود: الحزن, وعيسى: الرجاء, ويحي: الخوف, ومحمد : الذكر, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .


وقيل هو الوصف الذي يثبت على السالك ويقيم , فإن لم يثبت سمّي حالاً .



33- النَّــــــــــــفَس


النَّفَس لغةً: واحد الأنفاس والسّعة والفسحة في الأمر، والجَرعَةُ والريُّ والطويل من الكلام والفرج والنصرة .

وفي اصطلاح أهل الحق: روحٌ يسلطه الله على نار القلب ليطفىء شرّها شررها . وهي أيضاً نَفَس العبد, قال الجنيد رحمه الله:"أُخِذَ على العبد حفظُ أنفاسه على ممر أوقاته" . وقيل هي ترويح القلوب بلطائف الغيوب, وصاحب الأنفاس أرقُّ وأصفى من صاحب الأحوال, فصاحب الوقت مبتديء وصاحب الأنفاس منتهي, وصاحب الأحوال بينهما , فالأوقات لأصحاب القلوب, والأحوال لأرباب الأرواح, والأنفاس لأهل السرائر, وقالوا: (أفضل العبادات عدُّ الأنفاس مع الله سبحانه وتعالى) .



34- النَّــــــــــــفْسُ


النفس في اللغة: الروح, ويقال: خرجت نفسه أي روحه, والجسد والعين كقولك: نفسته بنفس, أي أصبته بعين,
والعِندُ كقوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ، أي ما عندي وما عندك, أو حقيقتي وحقيقتك. وتعني أيضاً العظمة والعزة والعقوبة, ومنه قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ} .

والنفس: هي الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية وسماها الحكيم الروح الحيوانية, فهي جوهرٌ مشرقٌ للبدن, وتعلقها بالبدن على ثلاثة أضرب: الأول: إن بلغ ضوء النفس إلى جميع أجزاء البدن, ظاهره وباطنه, فهو اليقظة, وإن انقطع ضوؤها عن ظاهره دون باطنه فهو نوم , أو بالكلية فهو الموت.


والنفس في الإصطلاح: ما كان معلوماً من أوصاف العبد, ومذموماً من أخلاقه وأفعاله, وأشدُّ أحكامها: توهمُ حُسنها أو استحقاقها لقدْر. وقيل حقيقة النفس الروح. وهي على ضروب عدة: نباتية, وحيوانية, وإنسانية, وناطقة, أو أمارة ولوامة وملهمة ومطمئنة وراضية ومرضية وقدسية أو كاملة .

والنفس الإنسانية هي كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الكليات والجزئيات ويتحرك بالإرادة ويفعل الأفعال الفكرية ,

والأمارة: هي التي تميل إلى الطبيعة البدنية وتأمر باللذات والشهوات الحسّية وتجذب القلب إلى الجهة السفلية,

فهي مأوى الشرور ومنبع الأخلاق الذميمة والأفعال السيئة , مع عدم المبالاة بالأوامر والنواهي ,

واللوامة : وهي التي تنورت بنور القلب قدر ما تنبهت به عن سِنَة الغفلة, مترددة بين جهتي الربوبية والخلقية, فكلما صدرت منها سيئة بحكم جبلتها الظلمانية تداركها نور التنبيه الإلهي فأخذت تلوم نفسها وتستغفر راجعة إلي الله .

والملهمة: لإعتبار ما يلهمها الله من الخير، فكل ما تفعله من الخير هو بالإلهام الإلهي , وكل ما تفعله من الشر هو بالاقتضاء الطبيعي.

والمطمئنة: وهي التي تمّ تنورها بنور القلب حتى انخلعت عن صفاتها الذميمة وتخلقت بالأخلاق الحميدة, متابعةٌ القلب في الترقي ومواظبةٌ على الطاعات ، ساكنةٌ إلى الحق مطمئنة به .


جاء في النصائح الرحمانية: (جردتُ من نفسي شخصاً يسامرني، وشبحاً بوقائع الحالة الجارية يخاطبني). وجاء أيضاً: (كوني أنسب نفسي لآبائي في الطريق}. وجاء أيضاً: (إن استحوذت عليك النفس فجعلت القضية بالعكس فأنت غارق في بحر التيه) وجاء أيضاً:(تضرع بالصبر وجاهد النفس) (فر فرارك من الأسد من النفس) وما ورد في تحفة الإخلاص من عتاب النفس وقمع هواها لتخليصها من آفاتها وعيوبها يعد من أشمل ما نُظم في هذا الباب شعراً.



35- نقــــطة الأكــــوان


النقطة لغةً: من نقط الحرف أي أعجمه (ميّزه), وتُجعل بين الكلام للفصل والوقف, وتفيد بمعنى الأمر والقضيّة, ونقطة الدائرة: مركزها.


والكون لغةً: الحدث, وكوّن: أحدث, وكوّن الله الأشياء: أوجدها, وكِنتُ الغزل: غزلته, والكون: عالم الوجود,
والتكوين: إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود .


والكون في اصطلاح القوم: اسم مجمل لجميع ما كونه المكون بين الكاف والنون , وكل أمر وجودي , وهو حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن حاصلة فيها .
والأكوان في انتسابها إلى الوجوب والإمكان والجمع بينهما, فكل ما كان نسبته إلى الوجوب أقوى, كان أشرف وأعلى, وكانت حقيقته علوّية روحيّة أو ملكوتيه أو بسيطة فلكية , وكل ما كان إلى الإمكان أقوى كان أخسّ وأدنى وكانت حقيقته سفليّة عنصرية بسيطة أو مركبة, وكل ما كان نسبته إلى الجمع أشد, كانت حقيقته إنسانية, وكل إنسان كان إلى الإمكان أميل, وكانت أحكام الكثرة الإمكانية فيه أغلب, كان من الكفار, وكل من كان إلى الوجوب أميل, وأحكام الوجوب فيه أغلب, كان من السابقين من الأنبياء والأولياء, وكل من تساوى فيه الجهتان كان مقتصداً من المؤمنين, وبحسب اختلاف الميل إلى إحدى الجهتين اختلف المؤمنون في قوة الإيمان وضعفه .


ونقطة الأكوان هو سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوّله إلى آخره.

قال ابن عباس: (أصل طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سُرّة الأرض بمكة , ومن موضع الكعبة دُحيت الأرض فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم, هو أصل التكوين والكائنات تبع له) .

وقال صاحب عوارف المعارف: (إنّ الماء - يعني في الطوفان - لمّا تموج رمى بالزبد إلى النواحي فوقعت جوهرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يحاذي تربته بالمدينة, فكان صلى الله عليه وسلم مكياً مدنياً) . وورد عن كعب الأحبار قال: (لما أراد الله تعالى أن يخلق محمد صلى الله عليه وسلم أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها, قال فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرفيع الأعلى, فقبض قبضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع القبر الشريف وهي بيضاء منيرة, فعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة حتى صارت كالدرة البيضاء لها شعاع عظيم ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي وفي السماوات والأرض والجبال والبحار, فعرفت الملائكة وجميع الخلق سيدنا محمداً وفضله قبل أن تعرف آدم عليهما السلام) .


ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم عند أهل الحقيقة: الإنسان الكامل .

وصورة الحق لتحققه صلى الله عليه وسلم بالحقيقة الأحدية الواحديّة

وهو عبد الله الذي تجلى له الحق بجميع أسمائه فلا يكون في عباده أرفع مقاماً وأعلى شأناً لتحققه بإسمه الأعظم واتصافه بجميع صفاته, ولهذا خصَّ الله نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا الإسم

في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} , فلم يكن هذا الإسم بالحقيقة إلا له وللأقطاب من ورثته بتبعيتة , والمُفيض لأنه المتحقق بأسماء الله, ومظهر إفاضته نور الهداية عليهم وواسطتها , ومُمِدّ الهمم, لأنه الواسطة في إضافة الحق والهداية على من يشاء من عباده, وإمدادهم بالنور والآيات .

وعين الله وعين العالم لتحققه بحقيقة البرزخ الكبرى, وبالإسم البصير وتحققه بحقيقة حق اليقين صلى الله عليه وسلم , وظل الإله لتحققه بالحضرة الذاتية الواحديّة .


ومن أسمائه الشريفة صلى الله عليه وسلم الواردة في أوراد السادة أهل الطريقة الخلوتية: سيّد الأكوان, أشرف الخلائق الإنسانية, مجمع الحقائق الإيمانية, طور التجليات الإحسانية, مهبط الأسرار الرحمانية, شاهد أسرار الأزل, مُشاهد أنوار السوابق الأُول, ترجمان لسان القِدم, منبع العلم والحلم والحكم, مظهر سرّ الجود الجزئي والكلي, إنسان عين الوجود العلوي والسفلي, روح جسد الكونين, عين حياة الدارين, المتحقق بأعلى رتب العبودية, المتخلق بأخلاق المقامات الإصطفائية, شجرة الأصل النورانية, لمعة القبضة الرحمانية, معدن الأسرار الربانية, خزائن العلوم الإصطفائية, صاحب القبضة الأصلية والبهجة السنية والرتبة العلية, مَنْ مِنْه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار, مَنْ فيه ارتقت الحقائق وتنزّلت علوم آدم فأعجز الخلائق, مَنْ له تضاءلت الفهوم فلم يدركه منّا سابقٌ ولا لاحق, مَنْ رياضُ الملكوت بزهر جماله مُونِقة, وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة, مَنْ لا شيءَ إلا وهو به منُوط, السرُّ الجامع الدال على الله , حجابُ الله الأعظمُ القائمُ له بين يديه, صاحب الذات المحمدية اللطيفة الأحديّة, شمس سماء الأسرار, مظهر الأنوار, مركز مدار الجلال وقطب فلك الجمال, بحر أنوار الله, معدن أسرار الله, لسان حجّة الله, عروس مملكة الله, إمام حضرة الله, طِراز مُلك الله, خزائن رحمة الله, طريق شريعة الله, المتلذذ بتوحيد الله, إنسان عين الوجود والسبب في كل موجود, عينُ أعيان الخلق المتقدم من نور ضياء الله, الرؤوف الرحيم ذو الخلق العظيم, الفاتح لما أغلق, الخاتم لما سبق, الناصر الحق بالحق, الهادي إلى صراط الله المستقيم, النور الذاتي, السر الساري في سائر الأسماء والصفات, كريم الأباء والأمهات, طب القلوب ودواؤها, عافية الأبدان وشفاؤها, نور الأبصار وضياؤها, النبي الأمي الحبيب العالي القدر العظيم الجاه, الطاهر المطهر, ذو المعجزات الباهرة والمناقب الفاخرة, ذو المقامات الجليلة, الصادق الأمين, رحمة الله للعالمين, باب الأبواب ولباب الألباب, زين الملاح ومعدن الجود والسماح, الذي بسره استقامت البرازخ, صاحب المدد الفياض, النور الساطع, الجامع لكل خير, ذو المقام الأعلى والسرّ الأجلى, سيد أهل العُلى, واسطة عقد النبيين, مُقدّم جيش المرسلين, قائد ركب الأنبياء المكرمين وأفضل الخلق أجمعين, الخليل الأعظم والحبيب الأكرم, من اندرجت النبيون تحت لوائه فهم منه وإليه, وغيرها من الأسماء الشريفة. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آلهم وصحبهم أجمعين كلما ذكرهم الذاكرون وغفل عن ذكرهم الغافلون.


ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الواردة في أوراد السادة أهل الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية: الدرة الشريفة, أول من برز للوجود من أنوار الله الذاتية, آخر خليفة لحضرة الله السبوحية, مظهر الله الذي تفجرت منه ينابيع الحقائق والحكم, السبب لكشف بصائر السائرين عن مخبئات القدم, الجوهرة المنطوية على كنوز الدقائق اللاهوتية, الدرة التي عجز عن إدراك عنصر معدنها العوالم الملكية والملكوتية، روح حياة كل موجود, كينونة مظهر جمال الله, صيرورة نفوذ أحكام علا الله, أول مكوّن من أنوار اللاهوت, آخر خليفة أُفيض إلى النوع الناسوت, أعظم مُظهر الأنباء, عين الأعيان, باب كل طالب ودليل كل محجوب, وغيرها من الأسماء الشريفة, اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله, عدد كمال الله وكما يليق بكماله. جاء في ورد الستار للشيخ يحي الباكوبي من أسمائه صلى الله عليه وسلم: عبد الله المصطفى ورسوله المجتبى وأمينه المقتدى وحبيبه المرتضى, شمس الضحى, بدر الدجى, نور الورى, صاحب قوسين أو أدنى, رسول الثقلين, ونبي الحرمين, وأمام القبلتين, وجدّ السبطين, وشفيع من في الدارين, وزين المشرقين والمغربين, وصاحب الجمعة والعيدين, الرسول المكّي المدني الهاشمي القرشي الأبطحي الكَروبي, الروح الروحاني, التقي النقي, الكوكب الدري, الشمس المضيء, القمر القمري, النور النوراني, البشير النذير السراج المنير صلى الله عليه وسلم.



36- الهـــــــــــيبة


الهيبة في اللغة: المخافة والتَّقيَّة كالمهابة , وهي ضد الأنس .


وفي اصطلاح القوم: هي أثر القبض في القلب الناشئ من الخوف من الله ومعرفة تقصير العبد في حقه تعالى,

والأنس: البسط في القلب الناشئ من الرجاء .

وقيل: هي أثر مشاهدة جلال الله في القلب , وقالوا إن الهيبة درجة العارفين والأنس درجة المريدين .


وجاء في حزب السيف (جُد لي بهيبة يستنير بها لبي)



37- الهوت واللاهوت والملكوت والجبروت والعظموت


ترد صيغة فعلوت في اللغة للمبالغة, والهوت مبالغةٌ من هاء يهؤ هوءاً أي: العلو والإرتفاع والهمة والرأي الماضي,

والهوتةُ: الأرض المنخفضة والجو بين السماء والأرض.

واللاهوت في اللغة: الألوهة, وأصله (لاهٌ) بمعنى إله زيدت فيه الواو والتاء مبالغة,كما زيدت في رحموت ورغبوت ورهبوت,

وعلم اللاهوت: هو علم يبحث عن العقائد المتعلقة بالله تعالى , وقيل هو لفظ سرياني .

والملكوت في اللغة: الملك العظيم والعز والسلطان .

والجبروت بمعنى: القدرة والسلطة والعظمة .

والعظموت : بمعنى الكِبْر والنخوة والزهو .


والهوت في إصطلاح أهل الحق: هي الهمة، وهي ثلاثة: همّة مُنية وهي تحرك القلب للمُنى، وهمه إرادة وهي أول صدق المريد، وهمة حقيقية التصور عن ملاحظة ذروة هذا الامر والجهل،

والهمة: توجهُ القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق لحصول الكمال له أو لغيره، وقال الإمام عبد الكريم الجيلي: (هي أعزُّ شيءٍ وضعه الله في الإنسان، وذلك أن الله تعالى لما خلق الأنوار أوقفها بين يديه فرأى كلاً منها مشتغلاً بنفسه ورأى الهمة مشتغلة بالله، فقال لها:"وعزتي وجلالي لأجعلنّك أرفع الأنوار ولا يحظى بكِ من خلقي إلا أشراف الأبرار"). وقال صلى الله عليه وسلم (من كانت همته الثريا فسينالها).

وقال الإمام علي كرم الله وجهه (رُبَّ همّةٍ أحيت أمّة).


وهمه الإفاقة هي أول درجات الهمة، وهي الباعثة على طلب الباقي وترك الفاني،

وهمة الألفة هي الدرجة الثانية، وهي التي تورث صاحبها الأنفة من طلب الأجر على العمل حتى يأنف قلبه أن يشتغل بتوقع ما وعده الله من الثواب على العمل، فلا يفرغ من التوجه إلى مشاهدة الحق، بل يعبد الله على الإحسان، ولا يفرغ من التوجه إلى الحق طلباً للقرب منه إلى طلب ما سواه،

وهمة أرباب الهمم العالية هي الدرجة الثالثة وهي لا تتعلق إلا بالحق ولا تلتفت إلى غيره، فهي أعلى الهمم حيث لا ترضى بالأحوال والمقامات ولا بالوقوف مع الأسماء والصفات، ولا تقصد إلا عين الذات.


واللاهوت في اصطلاح أهل الحقيقة: هي الحياة السارية في الأشياء, والناسوت هو المحل القائم به, وذلك الروح .
وقيل اللاهوت: الخالق , والناسوت: المخلوق. وربما يُطلق الأول على الروح والثاني على البدن, وربما يطلق الأول على العالم العلوي, والثاني على العالم السفلي, وعلى السبب والمسبب, وعلى الجن والإنس .


والملكوت: عالم الغيب المختص بالأرواح والنفوس . وقيل هو حقيقة المجرّدة اللطيفة غير المقيدة بقيودٍ كثيفة شجيّة جسمانية, ويقابله الملْكُ بمعنى المادة الكثيفة بالقيود . والملك عالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية كالعرش والكرسي, وكل جسم يتميّز بتصرف الخيال المنفصل من مجموعة الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة .


والجبروت: هو عالم العَظَمَة يعني عالم الأسماء والصفات الإلهية, وقيل: هو عالم الوسط وهو البرزخ المحيط بالأمريات الجمّة,
وقي قيل: هو عبارة عن الذات القديمة، وتفرد الله سبحانه بالجبروت لأنه يجري الأمور مجاري أحكامه, ويجبر الخلق على مقتضيات إلزامه, أو لأنه يستعلي عن دَرَكِ العقول .


جاء في الدرة الشريفة: (كيف لا وهو الجوهرة المنطوية على كنوز الدقائق اللاهوتية). (وببديع قدرتك العظموتية). وجاء في حزب السيف (أن تجعل لي نوراً من أنوار لاهوتك , ومهابةً من سلطان جلال جبروتك). وجاء أيضاً (وافتح لنا باب خزنة أسرارك العظموتية، لنشاهد العجائب الملكية والملكوتية).







38- الـــــــــــــــــوارد


وهو في اللغة: الشجاع الجريء والطريق وكل طويل, وخلاف الصدور عن الماء ,

وفي اصطلاح القوم: هو كل ما يرد على القلب من المعاني الغيبية من غير تعمّد أو تعمّل من العبد , وقيل ما يرد من كل اسمٍ على القلب , ويستغرق القلب بعد أن يبدو على القلب حال من الحق , وقد يكون الوارد من الحق أو من العلم, كما يكون وارد سرورٍ أو حزنٍ أو قبضٍ أو بسط وغير ذلك من المعاني. والواردات أعمَّ من الخواطر .

 قال ذو النون رحمه الله:"واردُ حقّ، جاء يُزعج القلوب"أي جاء يحرّكها إلى الله تعالى بتأثير الوعظ والسماع والوجد .


جاء في كتاب (الأنوار القدسية في بيان قواعد الصوفية) للشيخ عبد الوهاب الشعراني قدس الله سره:"ومن شأن المريد أن يلازم ما أمره به شيخه, ولا يتقيد بأفعال شيخه كلّها, إلا إذا كان أمره بذلك, فإن مشاهدة الأشياخ لا يدركها المريد, فليحذر المريد من عدم خروجه لصلاة الجماعة أو مجلس الذكر, إذا لم يخرج الشيخ لذلك, فربما كان ذلك من الشيخ لثقل وارد ورد عليه, فمنعه من القدرة على الخروج والمشي, بخلاف المريد, فربما كان ذلك منه نفاقاً وكسلاً, ووالله إني لأتكلّف الخروج لصلاة الصبح حتى أخرج أجر رجلي جراً من ثقل واردات الليل, ولا اتخلّف خوفاً على أحد من الإخوان أن يقتدي بي في ذلك, فيهلك ولا يشعر بذلك".


قال الشيخ عبد الرحمن الشريف قدس الله سرّه في نصائحه الرحمانية: (فقم في محراب الأذكار, وتهيأ لقبول الواردات الأبكار).



39- وحـــــــــــــــدة الأسماء


الاسم في اللغة: هو اللفظ الموضوع على الجوهر والعَرَضْ للتمييز ,
وقيل: هو ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة, وهو اسم عين يدل على معنى يقوم بذاته كزيد وعمرو, واسم معنى وهو ما لا يقوم بذاته سواء كان معناه وجودياً كالعلم أو عدمياً كالجهل .


والاسم عند أهل الحقيقة: ليس هو اللفظ بل هو ذات المسمّى باعتبار صفاته , وقيل ما يُعين المسمّى في الفهم , ويصوره في الخيال, ويحضره في الوهم, ويدبره في الفكر, ويحفظه في الذكر, ويوجده في العقل سواءً كان المسمّى موجوداً أو معدوماً, حاضراً أو غائباً, كذلك الحق سبحانه وتعالى لا سبيل إلى معرفته إلا من طريق أسمائه وصفاته .


ووحدة الأسماء ما ركب الله في فطرة الإنسان من كل اسم من أسمائه من اللطائف وهيأه بها للتحقق بكل الأسماء الجلالية والجمالية, قال تعالى {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا}, ولكل مخلوق سوى الإنسان حظ من بعض الأسماء دون الكلّ, كحظ الملائكة من أسم السبّوح والقدُّوس,
ولذا قالوا {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} , وحظ الشيطان من اسم الجبار والمتكبّر, ولذلك عصى واستكبر, واختصَّ الإنسان بالحظ من جميعها, ولذلك أطاع تارة وعصى أخرى . قال الشبلي رحمه الله:"أريد من قال الإسم وهو يتحقق ما يقول"، وقال أيضاً:"تاهت الخليقة في العلم, وتاه العلم في الإسم, وتاه الإسم في الذات" .