ديـــــوان الحــلاج - 2

 
مقـــــطــــــــعات

 

(1)

و أيّ أرض تخلو منك حتّى         

تعالوا يطلبونك في السمـاء

تراهم ينظرون إليك جهـراً         

وهم لا يبصرون من العماء



***

(2)

إلى كم أنت في بحر الخطايــا

تبارز من يراك و لا تـــراه

وسمتـُك سمت ذي ورع ٍتـِقّي ٍ

و فعْلك فعل متـّبع هـــواه

فيـا من بات يخلو بالمعاصـي

وعين الله شــاهدة تـــراه

أتطمع أن تنــال العفو ممّــا

عصمتَ و أنت لم تطلب رضاه

فـَتـُبْ قبل الممات وقبل يـوم

يلاقي العبد ما كسـبت يــداه

أتفرح بالذنـوب والخطـايــا

و تنسـاه و لا أحد ســـواه

 

 

***

(3)

كانـت لقلبي أهواءٌ مفرّقــة

فاستجمعَتْ مـُذْ راءَتـْك العين أهوائي

فصار يحسدني من كنت احسده

وصرتُ مولى الورى مُذْ صرتَ مولائي

ما لامني فيك أحبابي و أعدائي

إلّـا لغفلتهم عن عظـم بلوائــــي

تركتُ للناس دنياهم و دينهـم

شغلاً بحبـّك يا ديني و دنيائــــي

أشعلتَ في كبدي نارين واحدة

بين الضلوع و أخرى بين أحشائــي

 

 

***

(4)

إذا دهمَتـْك خيول البعـــاد

ونادى الاياس بقطع الرجـا

فخُذْ في شمالك ترس الخضوع

و شـُدّ اليمين بسيف البكـا

و نَـفْسَـك نَفْسَك كُنْ خائفـاً

على حذر من كمين الجفـا

فإن جاء الهجر في ظلمـــة

فسِرْ في مشاعل نور لصفا

فقـُلْ للحبيب ترى ذلـّــتي

فجُدْ لي بعفوك قبل اللقــا

فـَوَ الحُبِّ لا تنثنِي راجعــاً

عن الحِبِّ إلّا بِعَوْض ِالمنـا

 

 


***

(5)

سبحان من اظهر ناسوتـُهُ      

سـّر سنا لاهوتِه الثاقـب

ثم بـدا في خلقه ظاهـراً      

في صورة الآكل و الشارب

حتـّى لقد عَايـَنَهُ خَلْقـُه       

كلحْظِة الحاجب بالحاجـب

 

 


***

(6)

كتبتُ ولم أكـُتبْ إليك و إنـّما

كتبتُ على روحي بغير كتابِ

و ذلك أنّ الروح لا فرق بينها

و بين مُحِبـيِّها بِفَصْلِ خطابِ

و كلّ كتابٍ صادر منك وارد

إليك بلا ردّ الجواب جـواب

 

 


***

(7)

أُريدُك لا أريدك للثواب

و لكنـّي أريـدك للعقـاب

فكلّ مآربي قد نِلْتُ منها

سوى ملذوذِ وجدي بالعَذَاب

 

 

***
(8)

كَفَى حَزَناً أنّي أُناديـك دائمـــا

كأنـّي بعيدٌ أو كأنـّك غائب

و أَطْلُبُ منك الفضل من غير رغبةٍ

فلم أر قبلي زاهدا فيك راغب

 

 

***

(9)

طَلَعَتْ شمس من أحبّ بلَيّلٍ فـ

ـاستنارت فما عليها من غروب

عن شمس النهار تطلع باليلـ

ـلِ وشمس القلوب ليس تغيـب

 

 

***

(10)


رأَيتُ ربّي بعين قلبِ

فقلتُ من أنت قال أنت

فليس للأين منك أينٌ

و ليس أين بحيثُ أنت

و ليس للوهم منك وهمٌ

فيعلم الوهم أين أنت

أنت الذي حُزْتَ كل أين

بنحو لا أينَ فأينَ أنت

و في فنائي فنا فنائي

و في فنائي وجدت أنت

 

 

***

(11)

لي حبيبٌ أزور في الخلـوات        

حاضر غائب عن اللحظات

ما تراني أصغي إليه بسمــع ٍ      

كي أعي ما يقول من كلمات

كلمات من غير شكل ولا نطق       

و لا مثل نغمة الأصــوات

فكأنّـي مخاطب كنت إيــًّاه       

على خاطري بذاتي لذاتــي

حاضـر غائب قريب بعيــدٌ       

وهو لم تحوه رسوم الصفات

هو أدل من الضمير إلى الوهم       

و أخفى من لائح الخطـرات

 

 

***

(12)

سرّ السرائر مَطْــوِيٌّ بـِاثـْبَات ِ          

في جانب الأُفْق ِمن نور بـِطيَّات

فكيف والكيف معروف بظاهــره           

فالغيب باطنه للذاتِ بالـــذات

تـَاهَ الخلائقُ في عمياءَ مظلمــةٍ           

قصدا و لم يعرفوا غير الإشارات

بالظنّ و الوهم نحو الحقّ مطلبهـم           

نحوَ الهواء يناجون السمــاوات

و الــربّ بينهم في كـل منقـلب          

مُحِلَّ حالاتهم في كل ساعــات

و ما خلوا منه طرف عين لو علموا          

و ما خلا منهم في كل أوقــات






***

(13)

فما لي بُعْدٌ بَعْدَ بُعْدِكَ بَعْدَمــــــا

تـَيَقـَّنْتُ أنّ القرب والبُعد واحد

وإنّي وإن أُهْجِرتُ فـَالهَجْرُ صاحبـي

وكيف يصحّ الهجر والحُبّ واجد

لك الحمد في التوفيق في محض ِخالصٍ

لعبدٍ زكـّي ٍما لغيرك ساجــد

 

 


***

(14)

لا تـَلمنّي فاللوم منـّي بعيـد     

وأَجِرْ سيـّدي فإنـّي وحيد

إنّ في الوعد وَعْدك الحقّ حقاً             

إنّ في البدء بدء أمري شديد

مَن أراد الكتاب هذا خطابـي             

فاقرؤُا وأعلموا بأنّي شهيـد

 

 

***

(15)

قد تصبّرتُ و هل يصـ

ـبرُ قلبي عــن فؤادي

مازجَتْ روحُك روحي    

في دنـّوٍ وبعــادي

فأنا أنت كمــا أنـّ

ـك أنـّـي و مـــرادي

 

 

(16)

أنتم ملكتم فؤادي     

فهِمْت في كلّ وادي

ودقّ على فؤادي     

فقد عدمت رقادي

أنا غريبا وحيدا      

بكم يطول إِنفرادي   

 

 

***

(17)

حقيقة الحقّ مُسْتـنِـيَر      

صارخه بالنبا خبيــر

حقيقة الحقّ ِقد تجلـَّتْ      

مَطْلب من رامها عسير

 

 

***

(18)

أنت المُوَلـِّهُ لي لا الذكر ولَّهنـي      

حاشا لقلبي أَنْ يَعْلَق به ذِكَـرى

الذكر واسطةٌ تـُخْفِيك عن نظري      

إذا توشـَّحَهُ من خاطري فكري

 

 

***

(19)

مواجِيدُ حَقّ ٍأَوْجَدَ الحـــقُّ كـُلَّها       

و إِنْ عجزَتْ عنْها فهوم الاكابر

وما الوجد إلا خطرة ثم نظـــرة        

تـُنَشـّي لهيبا بين تلك السرائر

إذا سكن الحقُّ السريرةَ ضُوعفـتْ        

ثلاثة أحوال لأهل البصائـــر

فحالٌ تـُبيدُ السرَّ عن كنْه ِوجِــدِه       

وتـُحْضِرُهُ بالوجد في حال حائر

و حالٌ به زُمَّتْ قوى السرّ فآنـْثنَتْ        

إلى مُنـْظِرِ أفناه عن كلّ ناظر

 

 

***

(20)

 

الاحتمال الأول

إذا بلغ الصبُّ الكمال من الفَتَى       

ويذهل عن وصل الحبيب من السُّكر

فيشهد صدْقاً حيث أشهده الهوى      

بأنّ صلاة العاشقين من الكفـــر

 

 

  

الاحتمال الثاني

إذا بلغ الصبُّ الكمال من الهوى      

وغاب عن المذكور في سطوة الذكر

فشاهد حقـّاً حين يشهده الهوى       

بأنّ صلاة العارفين من الكفـــر

 

 

***

(21)

عَقـُدْ النبوّة مِصْباح من النــور      

مُعَلَّقُ الوَحي في مشكاة تأمــور

بالله يُنْـفَخُ نَفْـخ الروح في جَلَدِي      

بخاطري نَفْخَ اسرافيلَ في الصور

إذا تجلّى لطــوري أن يُكـَلّمني      

رَأَيْتُ في غيبتي موسى على الطور

 

 

***

(22)

لأَنوار نور الدين في الخلق أنوارُ     

و للسرّ في سرّ المسرّين أسرار

وللكون في الأكوان كون مُكَـوّن ٍ    

يكنُّ له قلبي و يهدي و يختـار

تأمّلْ بعين العقل ما أنا واصـف      

فللعقل ِأسماع وُعَاة و أبصـار

 

 

***

(23)

سكنتَ قلبي و فيه منك أســــرار

فليَهْنِك الدار بلْ فليهنك الجـارُ

ما فيه غيرك من سرٍّ عَلِمْتُ بـــه

فأنْظُرْ بعينك هل في الدار ديّار

و ليلة الهجر ِإنْ طالتْ و إن قَصُرَتْ

فمؤنسي أملٌ فيه وتذكـــار

إنّي لراض ٍبما يرضيك من تلفــي

يا قاتلي و لِمَا تختار اختــار

 

 

***

(24)

الحبّ ما دام مكتوماً على خطــرٍ          

وغاية الأمْنِ أن تدنو من الحـــذر

و أطيب الحبّ ما نمّ الحديث بــه          

كالنارِ لا تأتِ نفعاً و هي في الحجـر

من بعْدِ ما حضر السحاب و اجتمعا          

الأعوانُ و امتطّ أسمى صاحب الخبر

أرجُو لنفسي براء من محبّتكـــم          

إذا تبرّأت من سَمعي ومن بصــري 

 

 

***

(25)

غِبْتَ و ما غبتَ عن ضميري

و صرْتَ فرحتي و سروري

وانفصل الفصل بافتـــراق

فصار في غيبتي حضوري

فأنت في سرّ غيبِ همّـــي

أخفى من الوهم في ضميري

تؤنسني بالنهار حقــــاً

وأنت عند الدجى سميري

 

 

***

(26)

يا شمس يا بدر يا نهار    

أنت لنا جنـّة و نـار

تَجنُّبُ الإثِم فيك ثم إثمٌ     

وخاصّية العار فيك عار

يخلعُ فيك العذار قـومٌ     

وكيف من لا له عـذار 

 

 


***

(27)

أحرف أربع بها هام قلبي    

و تلاشت بها همومي و فكري

ألِفٌ تألف الخلائق بالصنـْـ

ـع ِولامٌ على الملامة تجـري

ثمّ لامٌ زيادة في المعانـي    

ثمَّ هاءٌ أهيمُ بهـا أتــدري

 

 

***

(28)

لماذا رفض الشيطان السجود لآدم

الاحتمال الأول

جحودي فيك تقديس      

و عقلي فيك تهويـس

و مـــا آدم إلاك      

و من في البين إبليس

 

 

(29)

الاحتمال الثاني

جُنُوني لك تقديـس      

و ظنّي فيك تهويـس

و قد حيّرني حِـبٌّ      

وطرْفٌ فيه تقويــس

و قد دلّ دليل الحُبّ      

أن القرب تَـلْبيــس

فـمــن آدم إلاك      

ومن في البين إبليـس

 

 

***

(30)

حويتُ بكـُلّي كلّ حُبِّك يا قـُدْسي

تكاشفني حتـّى كأنـّك في نفسـي

أُقلّب قلبي في سواك فــلا أرى

سوى وحشتي منه و منك به أُنْسـي

فها أنا في حَبس الحياة مجمَّــع

من الأنس فاقبضْني إليك من الحبْس

 

 

***

(31)

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت

إلا و حبّـك مقـرون بأنفاسـي

ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم

إلا و أنت حديثي بين جلاســي

ولا ذكرتك محزوناً و لا فَرِحا

إلا و أنت بقلبي بين وسواســـي

ولا هممت بشرب الماء من عطش

إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس

ولو قدرتُ على الإتيان جئتـُكم

سعياً على الوجه أو مشياً على الرأس

ويا فتى الحيّ إن غّنيت لي طربا

فغّنـني وأسفا من قلبك القاســـي

ما لي وللناس كم يلحونني سفها 

ديني لنفسي ودين الناس للنـــاس

 

 


***

(32)

يا نسيم الروح قولي للرشـا      

لم يزدني الـِورْد إلا عطشـا

لي حبيبٌ حبّه وسط الحشـا      

إن يشا يمشي على خدّي مشا

روحه روحي وروحي روحه     

إن يشا شئتُ وإن شئتُ يشـا

 

 

***

(33)

عجبتُ لكلّي كيف يحمله بعضـــي

ومن ثقل بعضي ليس تحملني أرضــي

لئن كان في بسط من الأرض مَضْجَعٌ

فبعضي على بسط من الأرض في قبضي

 

 

***

(34)

ما زلتُ أطفو في بحار الهوى

يـرفـعـني المَـوْجُ و انحطُّ

فتارةً يـرفعـني مَـوْجُـهـا

وتـارة أهــوى وانـغــطّ

حتّى إذا صيَّرني في الـهوى

إلى مـكـان مـا لـه شــطّ

ناديتُ يا من لم أَبُـح بِاسمـه

ولم أَخُـنْـهُ في الهــوى قطّ

تقيك نفسي السُّـوء من حاكم

ما كان هذا بيننــا شــرط

 

 

***

(35)

مكانُك من قلبي هو القلب كـلّــه

فليس لخلق ٍفي مكانك موضـــع

وحَطَّتْك روحي بين جلدي وأعظامي

فكيف تراني إن فقدتك اصنـــع

 

 

***

(36)

إذا ذكرتك كاد الشوق يقلقني

وغفلتي عنك أحزانٌ وأوجاع

وصار كلّي قلوباً فيك داعية

للسقم فيها وللآلام إســراع

 

 

***

(37)

نديمي غير منسـوبٍ        

إلى شيءٍ من الحيـف

سقاني مثلما يشـرب        

كفعل الضيف بالضيف

فلما دارت الكــأس        

دعا بالنطع و السيـف

كذا من يشرب الراح        

مع التِـّنين في الصيف

 

 

***

(38)

صَيَّرني الحقّ بالحقيقـةْ    

بالعهد والعقد والوثيقـةْ

شَاهَدََ سرّي بلا ضميري   

هذاك سرّي وذا الطريقةْ 

 

 

***

(39)

وَحِّدْنِي واحدي بتوحيِد صِدْق ٍ

مـا إلـيه من المسـالك طَرقُ

أنا الحقُّ و الحقُّ للحقِّ حـقٌّ

لاَبِـسٌ ذاتَـهُ فما ثـمّ فَــرْقُ

قد تَجَلّتْ طوالعٌ زاهــراتٌ

يتـشعشعْنَ في لـوامـع بَـرْقِ

 

 

***

(40)

ركوبُ الحقيقة للحقِّ حـقُّ     

ومعنى العبارة فيه تدقّ

رَكِبْتُ الوجودَ بعين الوجودِ    

وقلبي على قسوةٍ لا يَرِقّ

 

 

***

(41)

جبلتْ روحك في روحي كما         

تجبل العنبر بالمسك الفتقْ

فإذا مسَّـك شيءٌ مسَّـنــي        

فإذاً أنت أنا لا نفتــرقْ

 

 

***

(42)

دَخَلْتَ بناسوتي لديك على الخلق

ولولاك لاهوتِي خَرجْتُ من الصِدْق

فإنّ لسان العلم للنطق و الهدى

وإنّ لسان الغيب جلّ عن النطــق

ظهرتَ لقوم ٍوالتبستَ لفتيــةٍ

فتاهوا وضلّوا واحتجبتَ عن الخلـق

فتظهر للألباب في الغرب تارة ً

وطورا على الألباب تغرب في الشرق

 

 

***

(43)

فيك معنى يدعو النفوسَ إليك       

ودليل يدلّ منك عليْـك

لِـيَ قلـبٌ له إليك عيـونٌ        

ناظراتٌ وكلُّهُ في يدَيْك

 

 

***

(44)

هّمي بـه وَلٌَـه عـليـك

يا من إشارتنا إليك

روحان ضمهما الهَوَى في

مِدْحَتِك وفي لديـك

 

 

***

(45)

دُنْيَا تُخَادِعُنِي كأنّـي       

لستُ أعرف حالهـا

ذمّ الِإلـهُ حرامهــا      

وأنا اجتنبت حلالهـا

مدَّتْ إلـىَّ يمينهــا      

فرددْتها وشمالهــا

ورايتـُها محتاجــة      

فوهبتُ جملتها لهـا

ومتى عرفت وصالها      

حتـّى أخاف ملالها

 

 

***

(46)

عليـك يا نفـس بالتسلّــي

العـزّ بالزهد و التخلّـي

عليـك بالطلْــعة التــي

مشكاتها الكشف و التجلّي

قد قام بعضي ببعض بعضي

و هام كلـي بكـلّ كلـي

 

 

***

(47)

مُزِجت روحك في روحي كما          

تمزج الخمرة بالماء الزلال

فـإذا مسَّـك شيء مسّنــي          

فإذاً أنت أنا في كلّ حـال

 

 

***

(48)

نِعْمَ الإِعَانَةُ رَمْزٌ في خفا لُطُـف ٍ

في بارق ٍلاحَ فيها من حُلَى خِـلـَلـِهْ

والحال يرمقني طوراً وأَرْمُـقـُه ُ

إن شا يغشى على الإخوان من قـُلَـلِـهْ

حال إليه رأى به فيه بـِهـِمّتـه

عن فيض بحرٍ من التمويه من مِـلَـِلـهْ

فالكـلّ يشهده كـُلّاً وأشهــده

مع الحقيقة لا بالشخص من طـلـلـهْ

 

 

***

(49)

ثلاثة أحرف لا عُجْـمَ فيهـا      

ومعجومان ِوانقطع الكـلام

فمعجـومٌ يشاكـل واجديِـهِ      

ومتروكٌ يُصَـدّقـُهُ الأنـام

وباقي الحَرْف ِمرموزٌ مُعَمَّى       

فلا سفر ينـال و لا مقـام

 

 

***

(50)

تفكّرتُ في الأديان جدَّ تحقّق ٍ

فألفيتها اصلاً له شُعَباً جّما

فلا تـَطْلُبَنْ للمرء ديناً فإنّه

يُصَدُّ عن الأصل الوثيق وإنّما

يطالبه اصلٌ يعبِّر عنده

جميعُ المعالي والمعاني فـَيَفْهَمَـا

 

 

***

(51)

يا لائمي في هواه كم تلوم فـَلَوْ

عرَفْتَ منـه الـذي عنيت لـم تـَلُم ِ

للناس حجّ ولي حجّ إلى سـكني

تُهْدَى الأضاحي وأُهْدِي مُهْجَتِي وَدَمِي

تطوف بالبيت قومٌ لا بجـارحة ٍ

باللهِ طافوا فأغنـاهم عـن الحَــرَم ِ

 

 

***

(52)

بدا لك سـرٌّ طال عنـك اكتتامه

ولاح صباحٌ كنت أنت ظلامه

وأنت حجاب القلب عن سرّ غيبه

ولولاك لم يطبع عليه خاتمـه

 

 

***

(53)

هيكليّ الجسم نوريّ الصميم

صمديّ الروح ديّـان عليـم

عـاد بالـروح إلى أربابها          

فبقي الهيكل في الترب رميم

 

 

(54)

قلبك شيء وفيه منك أسماء  

لا النور يدري به كلّا ولا الظلـم

ونور وجهك سرّ حين أشهده

هذا هو الجود والإحسان والكرم

فخُذْ حديثي حِبِّي أنت تعلمه

لا اللـوح يعلمه حقاً ولا القلـم

 

 

***

(55)

آهٍ أنا أم أنْتَ؟ هَـذَيْـن ِإلهَيْــن ِ

حاشاي حاشاي مِن إثبـات أثـنَـيْـن ِ

هــويةٌ لـك في لايئتي ابَــداً

كـلّي على الكلّ تلبيسٌ بـِوَجْـهـَيْـن ِ

فـَأَيْنَ ذاتك عنّي حيث كنت أرى

فـقد تـَبَيـّنَ ذاتـي حيت لا أيــن

وأَيْنَ وَجْهُـك مقصود بناظرتّـي

في ناظـر القلب أم في ناظـر العيـن

بَيْنِـي وبَيْنـك أنّيٌ يُزاحِمُنِــي

فارفعْ بـِأنـَّك أَنّـي مِـن الـبـيـن

 

 

***

(56)

ألا أبْـلـِغْ أحبّـائي بأنّــي

ركبتُ البحر وانكَسرَ السفينةْ

على دين الصليب يكون موتي

و لا البطحا أريد ولا المدينة

 

 

***

(57)

أنا مَن أهوى ومَن أهوى أنا

نحن روحان ِحَلَلْـنا بدنا

فـإذا أبصرتـَني أبصرتـَهُ

و إذا أبصرتـَهُ أبصرتـَنـا

 

 

***

(58)

يا غـافلاً لجهالـةٍ عن شأني

هلّا عـرفـتَ حقيقتـي وبيانـي

أعِبـادة لِلَّهِ ستـّة أحــرف ٍ

مِـن بينها حرفـان معجومــان

حرفان اصليّ وآخُـر شَكْلُـه

في العجـم منسوب إلى إيـماني

فإذا بدا رأس الحروف أمامها

حرفٌ يقـوم مقـام حرف ثـان

أبصرتَني بمكان موسى قائما

في النور فوق الطور حين تراني

 

 

***

(59)

خاطَبنِي الحقّ من جناني

فكان علمي عـلى لساني

قربّني منه بَعْـدَ بُعْــدٍ

وخصَّني الله و اصطفاني

 

 

***

(60)

كـذا اجتباني وأَدناني وشرّفنــي

والكـلّ بالكـلّ أوصاني وعرّفني

لم يبق في القلب والأحشاءِ جارحةٌ

إلّا وأعْـرفه فـيـهـا ويعرفنـي

 

 

***

(61)

أنْتَ بين الشغاف والقلب تجري       

مثل جري الدموع من أجفاني

وتُحِلُّ الضميرَ جوفَ فــؤادي       

كحلول الأرواح فـي الأبدان

ليس من ســاكن ٍتَحَرَّكَ إلّا        

أنت حَرَّكْتَهُ خَفَّي المكــان

يا هـلالاً بدا لأربع عشـر ٍ        

لثمـان ٍوأربـع ٍو اثنــان

 

 

***

(62)

حَمَّلْتَ بالقلب ما لا يحمل البَدَنُ

والقلب يحمل ما لا تحمل البُـدُن

يا ليتني كنتُ أدنى من يلوذ بكم

عينـاً لانظركـم أم ليتنـي أُذن

 

 

***

(63)

بيَان بيان الحـقّ أنت بيانـه

وكـل بيـان ٍأنت منـه لسانـهُ

أشرتُ إلى حقّ ٍبحق ٍوكل من

أشـار إلى حقّ فأنْـتَ أَمـانـهُ

تشير بحقّ ِالحقّ والحق ناطقٌ

وكـل لسـان ٍقـد أتـاك أوانـهُ

إذا كان نعْت الحقّ للحقّ بَيّنـاً

فما بالُهُ في الناس يَخْفَـي مكانـه

 

 

***

(64)

رقَـيـبَـان ِمنّي شاهدَان ِلحُبِّــهِ

واثنـان ِمنّـي شـاهـدَان ِتـرانـي

فما جـال في سرّي لغيرك خاطـر

ولا قـال إلا فـي هـواك لسـانـي

فإِنْ رُمْتُ شرقاً أنت في الشرق شرقهُ

وإن رمـتُ غرباً أنت نصب عيانـي

وإن رمتُ فوقاً أنت في الفوق فوقه

وإن رمـتُ تحتا أنـت كـل مكـان

وأنـت محـلّ الكـلّ بـل لا محلّهُ

وأنـت بكـلّ الكـلّ ليـس بـِفـان ِ

فقلبي وروحي والضمير وخاطري

وتـرداد أنفـاسي وعقـد جنـانـي

 

 

***

(65)

أرجعْ إلى الله إنّ الغـايةَ الله

فـلا إِلـهَ إذا بالغْتَ إلّا هــو

وإنّه لمَـعَ الخَلْق الذين لهـم

في الميم والعين والتقديس معناه

معناه في شفَتي من حلّ معتقداً

عن التهجّي إلى خلق ٍله فاهـوا

فإنْ تشكّ فدِبّرْ قول صاحبكم

حتّى يقول بـِنَفْي ِالشكّ هذا هو

فالميـم يفتح أعلاه وأسفلـه

والعيـن بفتـح أقصـاه وأدناه    

 

 

***

(66)

من رامه بالعقل مسترشدا

أسرحَهُ في حيرة تلهـو

قد شاب بالتلبيس أسرارهُ

يقول في حيرته هَلْ هو

 

 

***

(67)

لستُ بالتوحيدِ ألهـو

غير أنّي عنه أسْهـو

كيف أسهو كيف ألهو

وصحيح أنّـني هـو

 

 

***

(68)

يا سـرّ سـرّي تدقّ حتّى

تُخفي على وهم كل حّي ِ

وظـاهـرا باطناً تجـلّى

في كلّ شيء لكل شـيء

لئن اعتذاري إليك جهـلٌ

وعُظْم شكّي وفرط عيّ ِ

يا جملةَ الكلّ لسْتَ غيري

فما اعتذاري إذاً إلــيّ ِ

 

 

***

(69)

اسمٌ مع الخلق قد تاهوا به وَلَهاً

ليعلموا منه معنىً من معانيه

والله لا يصلوا منه إلى سبـبٍ

حتّى يكون الذي أبداه يبديـه

 

 

***


يـــتـــــــــامى

(1)

مثالُك في عيني وذكُرك في فمي        

ومَثـْواك في قلبي فأين تغيب



***

(2)

كفرت بدين الله والكفر واجب       

لديَّ وعـنـد المسلمين قبـح



***

(3)

فَقـُلْتُ اخلَّائي هي الشمسُ نورها         

قريبٌ ولكنْ في تناولها بُـعْـدٌ



***

(4)

قد كنتُ في نعمة الهوى بطراً          

فأدركَتْني عقـوبة البطـر



***

(5)

شرطُ المعارف محو الكلّ منك إذا         

بدا المريدُ بلحظٍ غير مطـّلع



***

(6)

ذِكْرُهُ ذكري وذكري ذِكْرُهُ      

هل يكونـَا الذاكران ِإلّا معَا



***

(7)

لا تُعِرّضْ بهذا فهذا بنانٌ        

قد خضبناه بدم العشّاق



***