ديوان الحـــــــــلاج - 1

المكتبة المحسية فى علوم التصوف

 

القسم الأول

حلاّجيات

القصيدة الأولى: التلبية


لبّيكَ لبّيكَ يا سرّي و نجوائـــي

لبّيك لبّيك يا قصدي و معنائـي

أدعوك بلْ أنت تدعوني إليك فهـلْ

ناديتُ إيّاك أم ناجيتَ إيّائـــي

يا عين عين وجودي يا مدى هممي

يا منطقي و عباراتي و إعيائـي

يا كلّ كلّي يا سمعي و يا بصري

يا جملتي و تباعيضي و أجزائي

يا كلّ كـلّي و كلّ الكـلّ ملتبس

و كل كـلّك ملبوس بمعنائــي

يا من به عُلقَتْ روحي فقد تلفت

وجدا فصرتَ رهينا تحت أهوائي

أبكي على شجني من فرقتي وطني

طوعاً و يسعدني بالنوح أعدائـي

أدنو فيبعدني خوف فيقلقنــي

شوق تمكّن في مكنون أحشائـي

فكيف أصنع في حبّ كَلِفْتُ به

مولاي قد ملّ من سقمي أطبّائـي

قالوا تداوَ به منه فقلت لهـم

يا قوم هل يتداوى الداء بالدائـي

حبّي لمولاي أضناني و أسقمني

فكيف أشكو إلى مولاي مولائـي

اّني لأرمقه و القلب يعرفـه

فما يترجم عنه غير ايمائـــي

يا ويحَ روحي من روحي فوا أسفى

عليَّ منّي فإنّي اصل بلوائـــي

كانّني غَرق تبدو أناملــه

تَغوثُّاً و هو في بحر من المـاء

وليس يَعْلَم ما لاقيت من احدٍ

إلا الذي حلَّ منّي في سويدائـي

ذاك العليم بما لاقيت من دنفٍ

و في مشيئِتِه موتي و إحيائــي

يا غاية السؤل و المأمول يا سكني

يا عيش روحي يا ديني و دنيائي

قُلْ لي فَدَيْتُكَ يا سمعي و يا بصري

لِمْ ذا اللجاجة في بُعدي و إقصائي

إِن كنتَ بالغيب عن عينيَّ مُحْتَجِباً

فالقلب يرعاك في الأبعاد و النائي

 

 

 

***

 
القصيدة
الثانية: جواب في حقيقة الإيمان

 

لعلم أهلٌ و للإيمان ترتيــــب

و للعلـــــوم و أْهلِيها تجاريب

و العلم علمان منبوذ و مكتســب

و البحر بحران مركوب و مرهوب

و الدهر يومان مذموم و ممتــدح

و الناس اثنان ممنوح و مسلــوب

فاسَمعْ بقلبك ما يأتيك عن ثقـــةٍ

و انظرْ بفهمك فالتمييز موهــوب

إني ارتقيتُ إلى طودٍ بلا قـــدمٍ

له مَراقٍ على غيري مصاعيـــب

و خُضْتُ بحراً و لم يرسب به قدمي

خاضَتْهُ روحي و قلبي منه مرغـوب

حَصْبَاؤُه جوهرٌ لم تَدْنُ منـه يــدٌ

لكــنه بِيَدِ الأفهــام منهـــوب

شربتُ من مائــه رَياً بغير فــم

و الماء قد كان بالأفواه مشـــروب

لأن روحي قديماً فيه قدْ عطشــتْ

و الجسم ماسَهُ من قبل تركيــب

إنـي يتيمٌ و لي أبٌ أَلوُذ بــــه

قلبــي لِغيْبَتِهِ ما عشـْــتُ مكروب

أعمى بَصيرٌ و إنـي أبْلَه فَطِــنٌ

و لــي كلام إذا ما شئتُ مقلــوب

ذُوِ فَتَا عرفوا [ما] قد عرفت فَهْـمُ

صَحْبِيَ ومن يُحْظ بالخيرات مصحوب

تعارفَتْ في قديم الذّر أَنْفُسهـــم

فأشرقَتْ شمسهم و الدهــر غربيـب

 

 

 

 ***

 

 القصيدة الثالثة: جواب إلى شبلي

 

يا موضع الناظر من ناظـري

 و يا مكان السرّ من خاطـري

يا جملة الكلّ التي كلهــــا

 أحبّ من بعضي و من سائري

تراك ترثي للذي قلبــــه

مُعَلَق في مخلبي طائــــر

مدَلَهٌ حيرانُ مستوحـــشٌ

يهرب من قفر إلى آخـــر

يسري و ما يدري و أسراره

تسري كلمح البارق النائــر

كسرعة الوهم لِمَنْ وهمه

على دقيق الغامض الغابـر

في لجّ بحر الفكر تجري به

لطائف من قدرة القـــادر

 

 

 

***

     القصيدة الرابعة: مراحل على الطريق

 

سكوتٌ ثم صمتٌ ثم خَرْسُ

و عِلْمٌ ثم وَجْدٌ ثم رَمْـــس

و طينٌ ثم نارٌ ثم نـــورٌ

و بردٌ ثم ظلّ ثم شمـــس

و حَزْنٌ ثم سهل ثم قَفْـٌـر

و نهر ثم بَحْرٌ ثم يَبْــــس

و سكر ثم صَحْوٌ ثم شوقٌ

و قرب ثم وفر ثم أُنْــــس

و قَبْضٌ ثم بسط ثم مَحْوٌ

و فرق ثم جمع ثم طَمْـــس

و أَخْذٌ ثم ردّ ثم جـذبٌ

و وصف ثم كشف ثم لبــس

عبارات لأقوامٍ تسـاوتْ

لديهم هذه الدنيا و فِلْــــس

و أصوات وراء الباب لكن

عبارات الورى في القرب همس

وآخر ما يَؤول إليه عَبْـٌد

إذا بلغ المدَى حظّ و نفـــس

لأنّ الخلق خدّام الأمانـي

و حقّ الحقّ في التحقيق قُـدْس

 

 

 

***



القصيدة الخامسة: الأهوال أمانات عند أهلها

 

مَن سارروه فأبدى كلّما ستـروا

و لم يراع اتّصالاً كان غَشَّاشـا

إذا النفوس أذاعت سرّ ما علمت

فكل ما خلت من عقلها حاشـا

من لم يصن سرّ مولاه و سيّـده

لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا

و عاقبوه على ما كان من زَلَـَل

و أبدلوه مكان الأُنْس ايحاشــا

و جانبوه فلم يصلح لِقُرْبِهِـــم

لمّا رأوه على الأسرار نبَّاشــا

من أطلعوه على سرّ فنمَّ بـــه

فذاك مثل يبين الناس طيّاشــا

هم أهل السرِّ و للأسرار قد خُلقوا

لا يصبرون على ما كان فحَّاشا

لا يقبلون مذيعاً في مجالسهــم

و لا يحبّون سِتْراً كان وَشْواشا

لا يصطفون مضيفاً بعْض سرّهم

حاشا جلالهم من ذلِكم حاشـا

فَكُنْ لهم و بهم في كلّ نائبــةٍ

إليهم ما بقي الدهر هشَّاشــا

 

 

 


***

 
القصيدة السادسة: ناي (في وصف فقد حاله)


أَنْعَى إليك نفوساً طاح شاهدُها

فيما وراء الحيثِ يَلْقَى شاهد القِدَم

أنْعي إليك قلوباً طالما هَطَلَتْ

سحائبُ الوحي فيها أبْحُر الحكـم

أنعي إليك لسان الحق مُذ زمن

أودى و تذكاره في الوهم كالعـدم

أنعي إليك بيانا تستكين له

أقوال كل فصيح ٍمِقْوَل فهـــم

أنعي إليك أشارات العقول معاً

لم يبق منهنّ إلا دارس الرمــم

أنعي و حُبِّك أخلاقاً لِطائفةٍ

كانت مطاياهم من مكمد الكظـم

مَضَى الجميع فلا عين و لا أثـُر

مُضِيَّ عادٍ و فـُقـْدانَ الأُلى إِرَم

و خَلّفوا معشراً يجرون لبستهم

أعْمى من البهم بلْ أعمى من النعم

 

 


***

  القصيدة السابعة


أشار لحظي بعين علِــم

بخالصٍ من خِفّي وَهْم

و لائحٌ لاح في ضميـري

أدقّ من فهم وهم همّي

و خضتُ في لجّ بحر فكري

أمُرُّ فيه كمرّ سهـــم

و طار قلبي بريش شوقـي

مركّب في جناح عزمي

إلى الذي عن سُئلتُ عنـه

رمزت رمزاً و لم اسمّي

حتّى إذا جُزْتُ كل حــدّ

في فلوات الدنّو أَهْمِـي

نظرت إذ ذاك في سَجَـالٍ

فما تجاوزتُ حدّ رَسْمي

فجئتُ مستسلما إليــه

حدّ قيادي بكفّ سلْمـي

قد وسم الحبّ منه قلبي

بميسم الشوق أي وسـم

و غاب عنّي شهود ذاتي

بالقرب حتّى نسيتُ اسمي

 

 

 

***

القصيدة الثامنة

 


لم يبق بيني و بين الحقّ تِبْيَانـي

و لا دليل و لا آيات برهــان

هذا تجلّى طلوع الحقّ ِ نائــرةً

قد أَزْهَرَتْ في تلأليها بسلطـان

كان الدليل له منه إليه بــــه

مِن شاهدِ الحقّ ِبل عِلماً بِتِبْيـان

كان الدليل له منه به و لــــه

حقـًّا وجدناه في تنزيل فـُرقان

لا يستدلُّ على الباري بصنعتــه

و أَنْتُمُ حَدَثٌ يـُنْـبـِي بأزمـان

هذا وجودي و تصريحي و معتقدي

هذا تـَوَحـُّدُ توحيدي و إيماني

هذا عبارة أهل الانفراد بـــه

ذوي المعارف في سرّ و إعلان

هذا وجودُ وجودِ الواجدينَ لـه

بني التجانـُس ِأصحابي وخُلَّاني

 

 

***

 

القصيدة التاسعة


عجبتُ منك و منـّـي          

يا مُنـْيـَةَ المُتـَمَنّـِي

أدنيتـَني منك حتـّـى          

ظننتُ أنـّك أنـّــي

وغبتُ في الوجد حتـّى         

أفنيتنـَي بك عنـّــي

يا نعمتي في حياتــي         

و راحتي بعد دفنـــي

ما لي بغيرك أُنــسٌ          

من حيث خوفي وأمنـي

يا من رياض معانيـهْ          

قد حّويْـت كل فنـّـي

وإن تمنيْت شيْــــاً         

فأنت كل التمنـّـــي

 

 

 ***

القصيدة العاشرة

  

أُقْتُلُوني يا ثقاتـــي

إنّ في قتـْلي حياتــــي

و مماتـي في حياتـي

و حياتي في مماتـي

أنّ عنـدي محْو ذاتـي

من أجّل المكرمـات

و بقائـي في صفاتـي

من قبيح السّيّئــات

سَئِمَتْ نفسـي حياتـي

في الرسوم الباليـات

فاقتلونـي واحرقونـي

بعظامـي الفانيــات

ثم مـرّوا برفاتـــي

في القبور الدارسـات

تجدوا سـرّ حبيبــي

في طوايا الباقيــات

إننـي شيـخ كبيــر

في علوّ الدارجــات

ثم إنـّي صرتُ طفـلا       

في حجور المرضعات

ساكنـاً في لحد قبــر       

في أراضٍ سبَخــات

وَلدَتْ أُمّــي أباهـا         

أنَّ ذا من عجبـاتـي

فبناتـــي بَعْـدَ أنْ كـ

ـن بناتـي أخواتــــي

ليس من فعل زمــان

لا و لا فعل الزنــات

فاجمعوا الأجزاء جمعاً

من جسـورٍ نيــرات

من هـواء ثم نــار

ثم من ماء فـــرات

فازْرعوا الكلّ بأرض ٍ

تـُرْبُها تـرب مـوات

وتعاهـدها بســقي

من كـؤوس دائـرات

من جـوار ٍساقيـات

و سـواق ٍجاريــات

فإذا أتممت سبعـــا

أنبتـَتْ خير نبــات

 

 

 

***

القصيدة الحادية عشر

 

يا طالما غِبْنا عن أشباح النظـر

بنقطَة ٍتحْكِي ضياءُها القمـرْ

من سمسم و شيرج و أحــرف

و ياسمين في جبين قد سطر

تمشوا و نمشي و نرى أشخاصكم

و أنتم لا ترونـَّا يا دبــر

 

 

 


***

مختاراتٌ من شعر الحلاج الصوفي  

ثلاثيات صوفيه

سكوتٌ ثم صمتٌ ثم خرسٌ

وعلمٌ ثم وجدٌ ثم رمسٌ

وطينٌ ثم نارٌ ثم نورٌ

وبردٌ ثم ظلٌ ثم شمسُ

وحزنٌ ثم سهلٌ ثم قفرٌ

ونهرٌ ثم بحرٌ ثم يبسُ

وسكرٌ ثم صحوٌ ثم شوقٌ

وقربٌ ثم وصلٌ ثم أُنسُ

وقبضٌ ثم بسطٌ ثم محوٌ

وفرقٌ ثم جمعٌ ثم طمسُ

عباراتٍ لأقوامٍ تساوت لديهم هذه الدنيا وفلسٌ

وأصواتٌ وراء البابِ لكن.. عبارات الورى في القرب همسُ

وآخر ما يؤول إليه عبدٌ إذا بلغ المدى حظٌ ونفسُ

لأن الخلق خُدامُ الأماني

وحقُ الحقِ في التقديس قدسُ

**************

عقوبة إفشاء السر

من سارروه فأبدا كل ما ستروهُ ولم يراعي إتصالاً كان غشاشا

إذا النفوس سر ما علمت فكل ما حملت من عقلها حاشا

من لم يصن سر مولاهُ وسيدهُ لم يأمنوه على الأسرارِ ما عاشَ

وعاقبوهُ على ما كان من ذللِ وأبدلوهُ مكان الأنسِ إيحاشا

وجالبوه فلم يصلح لقربهمُ لما رأوهُ على الأسرارِ نباشا

من أطلعوهُ على سرٍ فنم بهِ فذاك مثليَّ بين الناسِ قد طاشَ

هم أهلُ سرٍ وللأسرارِ قد خُلِقوا لا يصبرون على من كان فحاشا

لا يقبلون مذيعاً في مجالسهم ولا يحبون سِتراً كان وشواشا

لا يصطفون مذيعاً بعض سرهمُ حاشا جلالهمُ من ذلكم حاشا

فكن لهم وبهم في كل نائبةٍ إليهمُ ما بقيت الدهر هشاشا

***********

لسانُ العلمِ ولسانُ الغيبِ  

دخلتُ بناسوتي لديك على الخلقِ ولولاك لاهوتي خرجتُ من الصدقِ

فإن لسانَ العلمِ للنطقِ والهُدى وإنّ لسان الغيب جلَّ عن النطقِ

ظهرت لخلقٍ والتبست لفتيةٍ فتاهوا وضلوا وأحتجبت عن الخلقِ

فتظهرُ للألباب في الغربِ تارةً وطوراً عن الأبصارِ تغربُ في الشرقِ

*************

عذابُ المُحب  

أنا الذي نفسهُ تشوقهُ لحتفهِ عنوةً وقد عَلِقَتْ

أنا الذي في الهمومِ مُهجَتُهُ تصيح من وحشةٍ وقد غرقت

أنا حزينٌ معذبٌ قلقٌ روحيَّ من أسر حبها أبقت

كيف بقائي وقد رمى كبدي بأسهمٍ من لحاظهِ رُشقت

فلو لفطنٍ تعرضت كبدي ذابت بحر الهموم وأحترقت

باحت بما في الضمير يكتمهُ دموعُ بثٍ بسرهِ نطقت .

*********************

شاءُ العليل بالحب 

أنا سقيمٌ عليلٌ فداوني بدواء أجري حشاشة نفسٍ في سفن بحر رضاك

أنا حبيسٌ فقل لي متى يكون الفكاك حتى يظاهر روحي ما مضها من جفاك

طوبى لعين محبٍ حبوتها من رؤاك وليس في القلب واللب موضعٌ لسواك

**************

خداعُ الدنيا  

دنيا تخادعني كأني ليس أعرف حالها حضر الإله حرامها وأنا اجتنبت حلالها

مدت إليّ يمينها فردتها وشمالها ورأيتها محتاجةً فرددت جملتها لها

ومتى عرفت وصالها حتى أخاف ملامها .

*************

إمتزاجُ الأرواح

مُزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرةُ بالماء الزلال

فإذا مسك شيءٌ مسني فإذاً أنت أنا في كل حال

**************

الأحوالُ والشهود 

نعم الإعانة رمزاً في خفا لُطُفٍ في بارقٍ لاح فيها من عُلا خللٍ

والحال يرمُقُني طوراً وأرمُقُهُ إن شاء فيُغشى على الإخوان من قُلَلِ

حالٌ إليه جرى فيهِ بهمتهِ عن فيض بحرٍ من التنويه من مللٍ

فالكلُ يشهدهُ كلاً وأشهدهُ لا بالشخص من طللِ

*********************

الإندماج الكلي  

أيا مولاي دعوة مستجيرٍ بقربك في بعادك والتسلي

لقد أوضحت أوضاح المعاني بعربكها بأثواب التجلي

شغلت جوانحي عن كُلِ شُغُلٍ فكلي فيك مشغولٌ بكلي

****************

الهيكلُ والنور

هيكليُ الجسم نوريُ الصميم صمديُ الروحِ ديانٌ عليم

عادت الروحِ إلى أربابها فبقى الهيكل في التُربِ رميم

******************

التوحيد 

ثلاثةُ أحرفِ لا عُجم فيها ومعجومٌ

وأنقطع الكلام فمعجومٌ يشاكلُ واجهيهِ ومتروكٌ يصدقهُ الأنام

وباقي الحرفِ مرموزٌ معمم فلا سفرٌ هناك ولا مُقام