كتاب المقامات السنية للسادة الصوفية


 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقام اليقظة

لمؤلفه  الولي الكبير والمربي الشهير 

سيدي محمد وفا بحر الصفا قدس الله سره العظيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا عملاً وفقهاً في الدين واجعله حجة لنا لا حجة علينا، فأنت وليّنا نعم المولى ونعم النصير .              

وبعد. هذا شرح مبسط مما أسعفني به المولى عز وجل لكتيّب صغير الحجم جليل الفائدة يسمى " المقامات السنية للسادة الصوفية " لمؤلفه  الولي الكبير والمربي الشهير سيدي محمد وفا بحر الصفا قدس الله سره العظيم وأمدّنا ببركاته وعلمه أمين  .                           

فأقول وبالله قولي : بدأ سيدي محمد وفا مقاماته بمقام اليقظة وهذا نص المقام : 

( المقام الأول)                                                                  

" اليقظة : هي انتباه النفس من سنة الغفلة بداعية قلبية بلسان المخيِّلة الصالحة وحقيقتها نور قدحه حق اليقين في حراق الوهم فأشعل مصباح البصيرة فتيقظت .     وغايتها : إعمال النظر في تحصيل أسباب النجاة " :             

الشرح : المقام : المقام لغة هو مكان القيام . وفي عرف السادة  

الصوفية هو كل حال توّج بالإمساك بزمامه والسيطرة عليه .فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب .   

 والمقامات كثيرة جمعها بعضهم بمئة ، وبعضهم بثلاثة ، وآخرون بآلاف الأعداد. وليس غرضنا عرض العدد بل أن نكسب المقام وهو المعول عليه . وللمقام الواحد درجات عدّة وأصحابها بمراتب متنوعة .            

اليقظة : هي انتباه النفس : كثر حديث  المتحدثين عن النفس ، وكلٌّ أدلى بدلوه . وما عرف حقيقتها سوى أهل التصوف، فقدموا تعريفها على طبق من ذهب وقالوا أن النفس كل ما قبح من صفاتك الباطنة كحب فعل المعاصي  والمنكرات  والرياء  والعجب  وحب الجاه والرفعة على الخلق .    

ولن نخوض الخوض الذي انتهجه الفلاسفة في تعريف النفس بل نكتفي بحديث سيد الكمَّل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام : " أعدى عدوٍ لك نفسك التي بين جنبيك " وقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" فقال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم " وما الجهاد الأكبر يا رسول الله " فقال عليه الصلاة والسلام : " جهاد النفس " .                            

فاعلم يا أخي أن أمراَ عظمه سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم وأكبره وأمر بمحاربته دون هوادة،ومجاهدة النفس بشكل متواصل لم يكن عن عبث بل هو أمرٌ هام لأن النفس هي الأرضيَّة الخصبة لكل معصية .

وحديثنا في ما سبق عن النفس الأمّارة التي تأمر صاحبها بفعل المعاصي وتحجبه عن الله عز وجل وهي المقصودة بقوله تعالى : ( ثم رددناه أسفل سافلين )

ومدار التصوف وغايته ما هو إلا تزكية النفس لتنجلي فيها أنوار الحق فتتأهل للتعرُّف على الحضرة الإلهية وعندئذٍ تشهد ربّها جلَّ وعلا دون حجاب .    

وفي سير عملية التزكية تترقى النفس من أمّارة إلى لوّامة إلى ملهمة ثم  إلى راضية فمرضيّة فمطمئنّة حتى تصل إلى مقام النفس الكاملة وهي نفس العارف بالله تعالى الحق . 

 فالنفس هي نقطة السواد في حياتك ، فبادر لمحو حظها وإزالة خبثها لأن النفس لا تموت ما دام هناك  نَفَس  وإنما تتهذب وتترقّى ويُمسح عنها غبار الأنا وحظ المعصية .  

وللنفس حظٌ وحق ، فأعطها حقّها وجاهدها في حظها.

فمثلاً للنفس  

حق أن تنام دون إفراط أو تفريط ،

وكذلك لها حظ في الأكل والشرب وكلُّ الأمور الحياتية الأخرى.

ولا يمكن أن تزكِّي نفسك بمفردك ، بل تحتاج أن تتتلمذ على يد شيخ عارف بالله يبصِّرك بعيوب نفسك ويوقفك علىإحسان نفسك وإساءتها ويعرفك كيفية مجاهدتها .

فهو فقط القادر على ذلك بإذن الله تعالى .  

فكم من أقوام لم تستفق نفوسهم بل بقيت نائمة، ميِّتة، لم تستجب لداعي الرحمن الذي حاول إيقاظها ولكنها أعرضت عنه .                    

 والقرآن الكريم مليء بقصص عن أقوام وأشخاص ، أَتْبَعُوا نفوسهم هواها فضلّوا وأضلّوا .    

فمقام اليقظة مقام عظيم الأهمية نسبةً للأموات(هم أصحاب النفوس الأمارة)

وانظر كيف استطرد سيدنا محمد وفا رضي الله عنه بقوله :

"انتباه" وهذا دليل على أنها كانت سابقا ساهية، نائمة أو متناومة . 

 وأين ؟؟ فيما يلهيها ويعجبها !!!                                        

وكل ما يعجبها من العرش إلى الفرش حجاب عن الله ما لم يكن همّها رضاه . وهذا تفسير قول سيدنا محمد وفا  " من سنة الغفلة " .     

ثم قال قدّس الله سره "بداعية قلبية بلسان المخيِّلة الصادقة " بمعنى أن الأمر الذي أيقظ النفس لم يكن ليفعل ذلك دون تأثير شرطين :      

 أحدهما :أنه وصل إلى القلب أي ملك زمامك وأسر لبَّك، فما استطعت أن تفلت منه وكأنّه أمرٌ بديهي دَهَمَكَ فجأة فكشف عنك أمراً طال احتجابه .

وعموماً جميع الحقائق على الرغم من تعقيدها ومرارة الوصول إليها بديهيات يفهمها أهل الله تعالى ويعرفونها كما يعرفون أولادهم .                                    

والشرط الثاني : هو صلاح السريرة ، وجودة الطوية ، والفهم عن الله  تعالى وهو ما يمكن تفسيره بقوله تعالى ( إن الذين سبقت لهم منّا الحسنى) سورة الأنبياء 101 وهذا الشرط لازم لعمل الشرط الأول، فكم من أمور واضحة

وضوح الشمس استكبر فاهموها ، واستعلوا إنكارا وجحوداً ، أو حسداً وبغياً أو ما في ذلك ، وقنعوا ورضوا بأنهم الحق وهم عين الباطل .  

هذا الشرط في الشريعة يدعى حسن الظن، قال صلى الله عليه وسلم:"خصلتان ليس فوقاهما في الخير خصلة حسن الظن بالله وحسن الظن بعباد الله".                                                                    

وفي المصطلحات الصوفيَّة يوافق هذا الشرط " بالاعتقاد " وهو أمر   غاية في الأهمية فلولاه ما وصل سيدنا أبو بكر الصدّيق رضي الله  عنه وأرضاه إلى ما وصل إليه ، إنه الأمر الذي وقر في صدره فكان خير أهل الأرض بعد الأنبياء والمرسلين لأنه وارث سر أعظم الأنبياء قدراً وأكثرهم فهماً عن الله عز وجل وأعظمهم إحاطة بتجلَّيات الحق جل وعلا .                                                                    

إن الاعتقاد هو الوعاء الذي يمكن سكب الماء فيه ماء المعرفة والحقيقة ولولاه لساح هذا الماء ولم يسكب أساساً لغياب مكان استيعابه .          

وبقدر عمق الإناء يكون استيعاب الوعاء للماء .                           

ولم يفهم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقدر ما فهم سيدنا أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه وأرضاه، فكانت استفادته على قدر اعتقاده والاعتقاد إكرام من الله تعالى يعطيه لمن يشاء بقدر معلوم الله تعالى يعطيه لمن يشاء بقدر معلوم يوازي محبة الشخص لمعتقده .فبقدر حبك لمعتقدك تزداد إيماناً به. والشرح يطول والإشارة تكفي لأهل العقول .

ثم قال سيدنا محمد وفا : " وحقيقتها نور قدحه حق اليقين في حراق الوهم ".                  

 لليقين درجات هي بالترتيب :

*        علم اليقين : وهو ما يحاكي العقل والظاهر والحس، أي الشريعة .

*        وحق اليقين : وهو ما يحاكي القلب  والباطن والذوق ، أي الطريقة .                                              

*        وعين اليقين : وهو ما يحاكي الروح والسر والشهود ، أي الحقيقة .      

فحقيقة اليقظة"نور قدحه حق اليقين"والنور واحد كما

قال الله تعالى : (ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) سورة الأحزاب 43  فجمع الظلمات وهي ظلمة المعاصي ، وظلمة النفس ، وظلمة الذنوب الباطنة ، والظاهرة ، وما أكثرها، وأفرد النور،

والنور المحض هو الله تعالى" الله نور السموات والأرض " وما من نور إلا اقتبس منه نوره . فهو النور ومنوِّر النور، وذات النور وحقيقة النور .

 وكثيراً ما تحدَّثَ الصوفية عن النور حتى أن الشيخ الأكبر قدس الله سره أكثرَ من ذكر النور في غير كتاب من مؤلفاته .                    

والمهم أن نعرف أن الحق جل وعلا تجلّى على قلب عبده بتجلٍّ يليق به تعالى ، وطالما كان التجلي على القلب فهو حق اليقين لعدم احتمال العبد أن يتجلى عليه الحق تعالى في سره مباشرة بعين اليقين ، فهو لم يعرفه ولم يشهده تعالى بعد ، وهذا هو عين النزول الباطن الذي يشهده العارف بالله ، أما النزول الظاهر الذي أقره الحديث الشريف : " ينزل ربنا إلى السماء الأولى في الثلث الأخير من الليل " فهو حديث حير الألباب وأطاش العقول .                    

وما نقول في ذلك إلا ما قالته الأشاعرة من أنه نزول يليق بجناب الله تعالى .                

أما النزول الباطني أي التجلي الإلهي فهو أمر يعرف بالسلوك ويعد حقيقة لا توصف بل تذاق .

وكلمة " قدحه" دلالة على الفجأة وعدم التوقع . وهذا هو حال اليقظة تأتي دون استئذان، بموقف ما أثر فيك فسرى حتى وصل إلى شغاف قلبك فنبهك إلى حقائق كنت تجهلها وهذه القدحة أشعلت فتيل الوهم . وهو ما كنت عليه قبل اليقظة من عاداتٍ ومعاصٍ وشكوك .         

ثم قال المصنف قدس سره " فأشعل مصباح البصيرة فتيقظت " أي نزلت نقطة النور على القلب المغلف ، أو دخل مصباح الهداية إلى مدينة الظلام ، فبدأ ساكنوها يبصرون فتلاشى جزء من الوهم بعد أن كان هو الطاغي الوحيد. وأغلقت عين البصر واستنارت القوة العاقلة في قلب الإنسان وهي الفهم والإدراك.                                   

 وتدعى بالعرف الصوفي " البصيرة " ويقصد أحياناً بها قوة التطلع إلى الغيوب أو السفر عبر عوالم الملكوت . عندها تجد "النفس" نفسها سائرة في درب خاطئ وتعرف عندها أن هذا السبيل الخاطئ هو نفس السبيل الذي سار به كثير قبلها من الأمم ، ثم سقطوا في نيران السخط   والحجاب .

وقد يمن الله تعالى عليها ، قتشهد نهاية كل سبيل من السبل ، على سبيل الضلالة وسبيل الهدى ، وعندها يكون تعالى قد منَّ عليها بالحياة قبل الممات، وبالوصال بعد الهجر، وبالقرب بعد البعد، وباللقاء بعد البعاد.

 فيتجلى الله تعالى عليها باسمه الهادي بعد أن تجلى عليها باسمه المضل ، فيتحقق قوله تعالى (فألهمها فجورها وتقواها) سورة الشمس 8.             

ثم يقول المصنف " وغايتها إعمال النظر في تحصيل أسباب النجاة "

أي أن حقيقة اليقظة تقتضي الاستفاقة من عالم النوم ، نوم القلب، والانخلاع عن شهود ما سوى الله، وكأنها مصباح يعطيه الحق تعالى   للعبد ليبصِّره ويعرِّفه آلاءه ونعمه،أو يعرفه بذنوبه وتقصيره،أو حتى على التفات القلب إلى ما سوى الله تعالى .                                

 فاليقظة درجات على قدر فهم العبد عن الله تعالى فهذا تؤدي يقظته به إلى البعد عن الذنوب . 

وهذا تؤدي يقظته به إلى الانقطاع إلى باب المحبوب .                 

والآخر تؤدي يقظته به إلى شهود علَّام الغيوب .                        

(قد علم كل أناس مشربهم) سورة البقرة 60                       

هذه اليقظة هي ما يجعل العبد كالطائر الحذر،كما وَصَفَ أحد الصحابة سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، الذي يخشى أن يقع في الشَرَكِ ، فيتوخَّى أسباب النجاة ويمشي في طرقها، ويسلكها على مرارتها في سبيل الوصول إلى الذي أعطاه هذا النور، وهو الله سبحانه وتعالى .(وجعلنا له نوراً يمشي به بين الناس) سورة الأنعام 122                

تم المقام الأول بعونه تعالى

 

Bottom of Form

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                        

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقام التقوى

من كتاب المقامات السنية للسادة الصوفية

لمؤلفه  الولي الكبير والمربي الشهير 

سيدي محمد وفا بحر الصفا قدس الله سره

المقام الثاني

التقوى : " هي حصر الهفوات النفسانية بضابط القوانين الشرعية.

وحقيقتها : رفع العقل المعيشي ميزان الشرع لاعتبار النقص والزيادة.

وغايتها : إخراج أضغان النفس وردعها عن الدعاوى المكدرة لصفاء جوهر القربات ".

الشرح :

أصل الكلمة لغوياً من " اتقى، يتقي " ومعناها احتمى بشيء من شيء. أما أصل المقام في الكتاب والسنة فهو واضح لا يحتاج لبيان.

قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون). وقال صلى الله عليه وسلم :( عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير ).

قال سيدنا محمد وفا : " هي حصر الهفوات النفسانية " أي أن التقوى تتطلب المجاهدة، ومحاسبة النفس وتضييق الخناق عليها،

ولكن بضابط معين، وبقدر محدد ألا وهو " بضابط القوانين الشرعية " بمعنى أن تكون مجاهدة النفس والسلوك إلى الله تعالى مؤسساً على منهج رباني صحيح. ليس مبتدعاً أو وضعياً، بل له أصوله وقبوله عند الله تعالى.

هذا المنهج الرباني هو الذي يجعل لعملك في تزكية نفسك ثمرة، مهما كانت هذه الثمرة، سواء أكانت محبة، أو مراقبة، أو تعلق بباب الله أو الاستقامة على أوامر الله، أو......الخ.

ولا يفيد إلا مستفيد، وبالتالي إتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي المنهج الرباني الصحيح لأنه صلى الله عليه وسلم رباني في حاله ومقاله إذ أن خُلُقُهُ القرآن قال تعالى : ( وإن تطيعوه تهتدوا ) (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله )، والسادة الصوفية، ونقصد بهم الصوفيين الصادقين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ما رضوا بغير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بديلاً ؛

فهذا سيدنا عبد القادر الجيلاني قدس الله سره يقول : " طِر إلى الله بجناحي الكتاب والسنة، وأدخل على الله ويدك في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

وسيدنا الجنيد قدس الله سره يقول : " علمنا هذا مشيد بالكتاب والسنة " وكفى بهما قولين واضحين للعقلاء وهذا يقودنا إلى بحث آخر طالما أن الحديث هو أصلاً عن التصوف ورفع بعض الشبه عنه،

وهو أنه استناداً للكلام السابق فلا يوجد ما يزعم به أنه " تصوف مسيحي " أو" تصوف هندي " أو " تصوف شيعي " والسبب الجوهري في ذلك هو أن الوصول إلى الله تعالى سبحانه وتعالى لا يتم إلا عن طريق العقيدة الصحيحة، وهي فقط التي تؤهل صاحبها لبدء السلوك إلى الله تعالى.

والفرق السابقة عقيدتها ضالة، فهل من المعقول أن تصل إلى الله تعالى ؟؟؟.

إن صحة النتائج في معادلة ما مرهونة دائماً بصحة المدخلات، وسلامة العمليات الجارية في هذه المعادلة، فهل يمكن لعقيدة فاسدة أن توصلك إلى الله تعالى !؟؟؟ إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وبالتالي العقيدة الفاسدة نهايتها الفساد والإفساد بشكل قطعي.

إذا عرفنا ذلك، فيجب علينا إذاً أن نحدد الأمور :

فمصطلح تصوف إذاً ما هو إلا " تطبيق الشريعة كما أقرها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم " أي عقيدة أهل السنة والجماعة وأفعالهم من الصحابة والسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

 وبالتالي ومحاكمة بسيطة، يتبين لنا أن العارفون بالله تعالى عقائدهم سليمة صحيحة، ولولا سلامة عقائدهم ما استطاعوا أن يشمّوا رائحة الصدق في طلب المولى جل وعلا. وما عرفنا عارفين بالله تعالى سوى السادة الصوفية، أو من سلك مسلكهم وحاز المعتقدون نصيباً على قدر اعتقادهم.

ونحن لا نحجر الإسلام على الصوفية فقط، لأن التصوف هو تطبيق الشريعة كما أقرها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبالتالي كل من طبق الشريعة يعتبر سالكاً إلى الله تعالى، وللكل مسلك مختلف، والطرق إلى الله تعالى كثيرة بعدد أنفاس الخلائق.

ثم يقول قدس الله سره : " وحقيقتها رفع العقل المعيشي ميزان الشرع لاعتبار النقص والزيادة ".

وهذا يعني أن الإنسان اعترف بعجز عقله وضعفه في تحليل الحلال وتحريم الحرام بمفرده من غير منهج ربّاني، أو دستور إلهي يوجهه.

هذه الحقيقة ما فارقت أي قوم استخدموا عقولهم وميزوا الحلال من الحرام على ضوء المنهج الإلهي، فرأوا غيرهم في ملذات متلاحقة وذنوب مسترسلة والمثير للانتباه في هذه الذنوب أنها تتكرر في كل عصر، كشرب الخمر، والزنا، واللواط، والربا، وأكل مال اليتيم، وغيرها كثير.

وإن لم تأخذ هذه الذنوب مظهرها الأساسي أحياناً فإنها تتقولب بقالب معاصر كخلع الحياء، وقلب الموازين الشرعية.

وهذا كله فيما يسمى انفتاحاً، أو تعصرناً، وما إلى ذلك من أسماء اخترعوها كغطاء ليستِّر - كما يعتقد البعض - ما يقومون به من منهج إفسادي تخريبي.

هذا الذي سبق يجعلنا في يقين أن المناهج الوضعية إن لم تقم على أسس شرعية ضلت وأضلت، وأن السبيل الوحيد للعودة إلى إنسانية الإنسان هو التقيد بالمنهج الرباني، بتحليل الحلال وهذا هو المقصود بالتقوى.

إذاً : لقد أقر العقل البشري أنه بمفرده قاصر عن إدراك الحقيقة، والتعرف على الله، وتحليل حلاله وتحريم حرامه بمفرده.

فلذلك خلق الله مستودعاً للتقوى ألا وهو القلب.

قال صلى الله عليه وسلم " التقوى هاهنا " وأشار إلى صدره الشريف.

وللتقوى تعاريف كثيرة : أهمها القول الذي يشير بإحلال الحلال وتحريم الحرام. أي التقيد بالكتاب والسنة.

والتقوى لا تأتي إلا باتباع الشرع، وتطبيق السنة،

فعندها يترقى الإنسان في مراتب التقوى الثلاث وهي :

لباس التقوى : أي ذلك الذي يحاكي الحس والعقل والظاهر، وهو نفي الشرك، واتخاذ الله سبحانه وتعالى رباً والإسلام ديناً والقرآن العظيم إماماً وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.

حق التقوى : وهو ما يحاكي القلب والباطن، وهو فعل المأمورات واجتناب المنهيات بقلب سليمٍ راضٍ، وهو الطريقة.

عين التقوى : وهو ما يحاكي الروح والسر، أي عدم طلب ما سوى الله تعالى والاكتفاء به، وهذه هي الحقيقة.

وقد أولى الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز للتقوى مكانة خاصة، ورتب عليها أمور عدة وهي :

*       فهي سبيل لنيل الرحمة الإلهية : ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ).

*       ووسيلة لفهم آيات الله : ( لآيات لقوم يتقون )

*       وطريق الخروج من المصائب:(ومن يتقِِ الله يجعل له مخرجاً ).

*       النجاة في الدنيا والآخرة : ( وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ). ( ونجينـا الذين آمنوا وكانوا يتقون ).

*        ووسيلة لتيسير الأمور والرزق : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ).

*       وهم ضيوف الرحمن: ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ).

*        ووسيلة لقبول الأعمال :( إنما يتقبل الله من المتقين).

*       ومعيار لقياس كرامة الإنسان ومنزلته عند الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله اتقاكم). أي ليس أكثركم طاعات بل أقلكم معاصي.

*       وهم أهل الجنان : ( إن المتقين في جناتٍ وعيون )  ( إن المتقين في مقامٍ أمين ).

*       لا يضيع نيتك: ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه )  ( إن المتقين في جنات ونهر )  ( إن المتقين في جناتٍ ونعيم ).

*       وهم أهل الأمان عند الشدائد : ( فمن اتقى منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ).

*       والتقوى تؤهل للأخذ عن الله تعالى والعلم منه : ( واتقوا الله ويعلمكم الله ).

*       وهي الصفة الثانية من صفات أولياء الله تعالى : ( الذين آمنوا وكانوا يتقون ).

*       واعلم أن المعول عليه في حياتك ومعاشك التقوى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأس الأمر التقوى ).

*       وأن ما يهم الله تعالى أن يجد عبده يتقيه ( ولكن يناله التقوى منكم ).

*       وأن الامتحان الإلهي لا يثبت فيه إلا المتقين ( امتحن الله قلوبهم للتقوى).

*       وأن نقض العهد بين الله تعالى والعبد أو بين الرسول والعبد يدل على أن قلبه خالٍ من التقوى ( ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ).

*       وأن التقوى مقام يمنحه الله تعالى لمستحقه ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى) أي معطي التقوى وكافل أمور المتقي.

*       والتقوى تكفر السيئات وتزيد الحسنات ( ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً).

*       وأن المؤمنين فقط هم الذين يحوزون مقام التقوى باعتباره مقاماً قلبياً صرفاً ( وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ).

*       وأن الله تعالى يرغب بالتقوى ويحض عليها ( فاتقوا الله يا أولي الألباب).

*       ( وتناجوا بالبر والتقوى ) أي تعلموه وتدارسوه وافعلوه وخذوه من المؤمنين

*       ( والعاقبة للتقوى ) في الدنيا والآخرة

*       ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ).

*       لحماية الأولاد بعد الممات أو عند الغياب وضمان أمنهم ومستقبلهم عند الله ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله).

*       المتقي لا يأكل الأموال بالباطل ( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ).

*       المتقي لا يتعالى على أحد، قال الله تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ).

*       ثم انه تعالى وضع بعض المناهج والأخلاق التي تعين العبد على سلوك طريق التقوى ومنها:

1 - العدل : ( اعدلوا هو أقرب للتقوى ).

2 - العفو : (وإن تعفـوا أقرب للتقوى ).

3 - التذكير بالوعد : ( ولكن ذكرى لعلهم يتقون ).

 أو بالوعيد : ( صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون ).

* واعلم أن أساس الحياة لا يقبل إلا إذا كان على منهج التقوى فهو الأساس الثابت الراسخ الذي يعترف به من الله تعالى ( لمسجد أسس على تقوى ) ( أفمن أسس بنيانه على تقوى ) وانظر كيف يفرق الله تعالى بينهم ويميز

أو بعد ذلك هل من شكٍ من وجود الخصوصيات ؟؟؟.

* وأهم ما يدل على أن الشخص صاحب تقوى هو أدبه مع الله تعالى، ويتجلى ذلك بأدبه مع مخلوقاته كافة من عبادات وعباد ( ومن يعظم شعائر الله فأنها من تقوى القلوب ) والكلام على هذه الآية كلام عظيم، ونكتفي بإشارتنا تلك لا أذاقنا الله طعم الحرمان من المعاني.

جميع الآيات السابقة واردة في كتاب الله تعالى في مواقعها، أما أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكانة التقوى والمتقين ودرجاتهم وما أعد الله تعالى لهم فهي كثيرة جداً، فراجعها في كتب الحديث إن شئت والإشارة هنا تكفي.

ثم يقول المصنف قدس الله سره : " وغايتها إخراج أضغان النفس وردعها عن الدعاوى المكدرة لصفاء جوهر القربات ".

هدف التصوف هو مجاهدة النفس بمنهج رباني، وليس بمنهج شخصي.

بمعنى أن مجاهدة النفس لا تتم بالنفس، ولكن مجاهدتها لا تتم إلا بالله تعالى، فلا تظن أنك بنفسك تستطيع أن تجاهد نفسك، فهذا محال.

كثوران يتزاوجان، هل يجيء منهما شيء ؟.

إذا علمت ذلك ففتش عمّن جاهد نفسه بالله تعالى على يد شيخ عارف بصير بالطريقة وذلك شرط الطريق،

الشيخ...وهو الطبيب المربي العارف بالله تعالى، ويخطئ كثير من يظن أنه بقراءة كتب التصوف يصبح صوفياً،لا، ولا حتى بفهم مصطلحاتهم، فالمرض غير التمارض، والتصوف النظري غير التصوف العملي ولو أن الكتاب يفيد بمفرده لأنزل الله تعالى القرآن فقط وترك الناس وشأنهم يعملون به،

ولكن الله تعالى أنزل القرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليعلمنا القرآن ويفهمنا إياه، ويزكينا أي يضع أوزارنا عنَّا ويذهب نجاسات نفوسنا، ويزيل عنا ما يكبلنا في الطريق إلى الله تعالى، إذ أن غاية الحياة هي معرفة الله تعالى كما قال سيدنا ابن عباس حبر الأمة رضي الله عنه في قوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) أي ليعرفون.

هذه الميزة النبوية هي ما ورثها العلماء فهم ورثة الأنبياء، ورثوها عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصبحوا نوّاب في هذه المهمة، إذ أنها لا تنتهي أبداً إذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قائلاً : ( اللهم لا تخلِ الأرض من قائم لك بحجتك ) ولا شك أن دعائه صلى الله عليه وسلم مقبول لتحققه بمقام صحة الدعاء ظاهراً وباطناً.

إذاً فما علينا إلا التعرف على شيخ عارف بالله تعالى، متصل نسبه بسلسلة تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنأخذ عنه ديننا، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دينك دينك لحمك ودمك، خذه عن الذين استقاموا ولا تأخذه عن الذين مالوا ) والذين استقاموا هم أهل السنة والجماعة، والذين مالوا هم الاثنتان والسبعون فرقة التي نص عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبالتالي الدين لا يقرأ ولا يتداول بل يؤخذ من صدور الرجال كما كان السلف الصالح. والأهم من ذلك أن الشيخ يربيك كما يجب أن تربى لا كما تهوى نفسك أن تتربى. وهذا هو مفهوم التزكية، إذ أنه قد يضرك ما قد يصلح غيرك،وانظر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ربَّى أصحابه :

أمر سيدنا أبو بكر رضي الله عنه برفع صوته في الصلاة، وأمر سيدنا عمر رضي الله عنه بخفض صوته،وأمر غيرهم بصلاة التهجد، أو كثرة السجود أو غير ذلك إذ أنه يعطي لكل شخص ما يناسب حاله فيصلحه ويرقيه بذلك.

واعلم أنه إذا بدأت في طريق أهل الله، وأخضعت نفسك وقلبك للمرشد ليربيك كما يلائم حالك بدأت نفسك بالمراوغة، والتأفف، إذ أنها تريد تربية تلائمها، وعلى مزاجها وذلك أبداً لا يكون إذ أن ذلك يكون تدنيساً للنفس وليس تربيةً لها.

وقد قال تعالى في ذلك : ( ولا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) أي لا يقدمون إلى طريق التربية إلا ويتمنونه تربية وفق مقتضى هواهم، أعاذنا الله من ذلك، وجعلنا من الأقلين.

عندها، وإذا صبرت على التربية تنكشف لك نفسك بوجهها الحقيقي، سافرة عن أنيابها، تريد أن تخرجك عن رتبة الإسلام لله تعالى، مزاجية، مشركة، كسولة، لا تريد إلا الراحة، وأين الراحة من طالب الله تعالى ؟؟؟.

فلا تزيدها إلا تربية وخضوعاً لأمر الشيخ، إذ أن موت النفس لا يكون إلا باتباع الغير أي بالالتزام.

وأسرع طريقة لموتها هي الإقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على يد شيخٍ مربٍ عارفٍ بالله سبحانه تعالى، والتذلل له، وإفناء إرادتك في إرادته، أو كما يقول سيدنا الشيخ محمد مضر مهملات حفظه الله تعالى : ( أول مقامات الطريق الفناء في الشيخ ) وذلك عسير إلا لمن يسره الله تعالى عليه.

والعمدة في ذلك التذلل إذ أنه قاتل للنفس، فلا يصح لك أن تشم رائحة الطريق قبل أن تميت نفسك وتجاهدها

قال أحد أولياء المغرب قدس الله سره ( هذا الطريق لا يصح إلا لأناس كُنست بأرواحهم المزابل ) وهذا هو منتهى الذل في سبيل قتل النفس من أجل الوصول إلى الله تعالى، ولا يظنن أحد أن ذلك من البدع بل قال تعالى : ( توبوا إلى بارئكم فاذبحوا أنفسكم ) وفي شرحها قال أحد الأولياء : ( ما شرع الحق إليه طريقاً إلا أوائله التلف ) إذ كيف يصل من لا ينفك في جميع أنفاسه عن الوقوع، أو قابلته الوقوع في المعاصي إلى خالقه.

وقال الواسطي : كانت توبة بني إسرائيل إفناء أنفسهم، ولهذه الأمة توبة أشد، وهي إفناء أنفسهم مع مرادها مع بقاء رسولهم وهياكلهم.

وفي أثناء محاولاتك تلك ترى قوة عجيبة من النفس، وإصراراً على البقاء على المعاصي والمنكرات، أو الأهواء، أو العادات وغير ذلك مما يبعدك عن حضرة الله تعالى

عندها يصح قول تاج العارفين، سيدي أرسلان الدمشقي قدس الله تعالى سره : ( كلّكَ شركٌ خفي، ولا يبين لك توحيدك إلا إذا خرجت عنك، فكلما أخلصت يكشف لك أنه هو لا أنت فتستغفر منك) وقوله : ( الإيمان خروجك عنهم واليقين خروجك عنك ).

فالتوحيد واليقين مرتبطان بإسقاط النفس، أي عدم إعطاؤها حظوظها.

وهذا هو شرح قول سيدنا محمد وفا قدس الله سره : ( إخراج أضغان النفس ) ومتى ما عرفت أن نفسك أعدى عدوٍ لك تتيقن أن دعواها كذب، وأمانيها باطلة، ومألوفاتها مبعدة عن الله تعالى، وهذه كلها دعاوى تمني بها النفس المحجوبين من الناس فيقعون في أسرها.

فكل من وجد هذه المعاني في قلبه فليفتش على شيخ عارف بالله تعالى يلزمه حتى يزيل عنه حظوظ نفسه.

 وعندها، تتعرف على نفسك وتجاهدها حق جهادها، لتتقرب بذلك إلى الله تعالى ويهديك إلى صراطه المستقيم. ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) وهذا تفسير قوله قدس الله سره: " وردعها عن الدعاوى المكدرة لصفاء جوهر القربات ".

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

تم المقام الثاني بعونه تعالى

* * * * * * *  * * *

بسم الله الرحمن الرحيم

مقام التوبة

من كتاب المقامات السنية للسادة الصوفية

لمؤلفه  الولي الكبير والمربي الشهير سيدي محمد وفا بحر الصفا قدس الله سره

التوبة: هي ترك وحدة النسيان

حقيقتها: تجريد النفس عن رعونات الطبع بواسطة تقبيح المخالفات الشرعية.

غايتها: رفض كل نسبة أضيفت لفاعل معتل.

الشرح:

بدأ المصنف قدس الله سره مقاماته المائة بمقام اليقظة ثم التقوى ثم التوبة، ولم يجعل التوبة أولا، كما يخيل للبعض، لأن التوبة لا تأتي دون يقظة إذ كيف يعزم على العمل من كان غارقا في النوم.

" التوبة: هي ترك وحدة النسيان"

التوبة بلسان اللغة: الرجوع. كقولك تاب فلان أي رجع.

وبلسان الشرع: الرجوع عما كان مذموما في الشرع الى ما هو محمود في الشرع.

وبلسان الحقيقة: أن ترى تقصيرك في توبتك.

أو أنها: الرجوع عن كل فعل قبيح الى كل فعل مليح. وهو تعريف الشريعة للتوبة

أو أنها: الرجوع عن كل وصف دني الى التحقق بكل وصف سني. وهو تعريف الطريقة للتوبة.

أو أنها: الرجوع عن شهود الخلق الى الاستغراق في شهود الحق. وهو تعريف أهل الحقيقة للتوبة.

ومهما عرفت التوبة لا ينتهي وصفها لأنها شعور واحساس يدفع التائب الصادق الى أعلى المراتب وهي رتبة المحبة ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) [البقرة: 222]، أي أنه سبحانه وتعالى قرن ازالة الأدران المعنوية- بالتوبة- والحسية-بالطهارة- قرنهما كلاهما بالمحبة الالهية.

اذا علمنا ذلك، فينبغي لكل انسان أن يتوب امتثالا للأمر الالهي (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [النور: 31].

وفي هذه الآية الكريمة من النقاط ما لا ينبغي تجاهله:

       منها أن التوبة فرض في كل نفس من أنفاس الانسان، لأنها جاءت بصيغة الأمر (توبوا).

       أن التوبة لا يتقنها الا أهلها وهم المؤمنون، فكم من تائب لم تقبل توبته لقلقلة لسان وتبجح على الخالق وايهام للخلق بحسن الخلق.

بمعنى أن غسيل الذنوب بالتوبة لا يقوى عليه إلا من داخل الإيمان قلبه، وأذنب ذنبا أوجب له البعاد عن حضرة الله تعالى.فعرف بذلك طعم الذنب، وأدرك ذله وهوانه، وعرف أن الأعداء الذين يحوطون به نفسه، وشيطانه، ودنياه، وقرناء السوء الذين يصاحبهم، همهم المكائد ونصبها، وإيقاع الناس بها، وأيقن أن له ربا يأخذ بالذنب، ويحميه من كيد أعدائه، ويغفر له ذنبه إن تاب، ويكرر غفرانه عليه ولو توالى اقتراف الذنوب ما لا يحصى من المرات. عندها يلتجئ إلى الله تعالى تائبا إليه من ذنبه، راجيا غفران ربه، متمنيا لو زهقت روحه قبل ارتكاب ما ارتكبه. عندها فقط يقبله الله تعالى ويغفر له ويفرح بتوبته.

   أن التوبة يقابلها الفلاح في الدنيا والآخرة، كقرينة السبب بالمسبب. وبالتالي فكل من يذنب ولا يتوب فهو في الدنيا والآخرة من الخاسرين. انظر الى قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الحجرات :11]

 

   كلمة "لعل" في الآية الكريمة دليل عل الانكسار والترجي والخضوع، والتمني العميق لحصول المغفرة والفلاح والقبول. وهذه الأمور ينبغي أن يتحلى بها التائب، فلا توبة مع تعالٍ على الله تعالى، أو اجبار له على القبول، اذ ليس قبولها على تعالى بواجب، بل هو محض فضل منه سبحانه وتعالى، وليس للعبد من التوبة شيء، لكن التوبة لله تعالى على العبد، فان تاب عليه تاب العبد، قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ ) [لتوبة 118].

   وهذه الآية من سورة النور، وكأنها اشارة من الحق سبحانه وتعالى أن التوبة نور يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن لكي يسترجع غفلته ويتوب منها، وبالتالي يزداد قلب المؤمن إشراقا لتلقي النور الإلهي، فالتوبة بها البداية وبها النهاية، أي أنها تلازمه في سيره وسلوكه إلى الله تعالى ملازمة الظل لصاحبه، فكل ذنب يحتاج لتوبة تمحوه، وكل طاعة إن أورثت العز تحتاج لتوبة، وهكذا يفعل في كل خاطر وفي كل نفس حتى يتعرف على الله تعالى، ويشهده في كل وجهاته، عندها يتذكر الإنسان ويقول بلسان قلبه وبسره (هذا أنت، أعرفك من زمن) أي تذكره بعد نسيان، وشهده بعد انحجاب، وواصله بعد انقطاع.وسبب ذلك كله أن الذنوب طمست البصيرة فانقطعت عن القلب أنوار الحق وعند متاب العبد، أزال تلك الموانع والعوائق التي تحول بين تعرفه على الله وبينه.هذه الذنوب هي التي توجب البعد والحجاب والنسيان، وهي بتراكمها على مر الأيام والإصرار عليها تورث الران والحجاب، كما في الحديث الشريف عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه) [سنن ابن ماجه ج:2 ص:1418] وبالتالي لا يعلم قلب العاصي أن الطاعة طاعة والمعصية معصية، فهو لا يحل حلالا ولا يحرم حراما.

فإذا منَّ الله تعالى عليه بتوبة، أمحى أثر الذنوب من القلب وتذكر القلب قرب عهده بالرب، وتآلف أنوار الحق تعالى وطبيعة القلب، وهي تفسير لقول المؤلف (ترك وحدة النسيان) أي ترك لموجبات النسيان وهي الذنوب التي تنسي القلب طبيعته النورانية، والإنسان خواصه الإنسانية.

ثم يقول سيدي محمد وفا قدس الله سره "وحقيقتها"

أي ما يجعل للتوبة واقعا ملموسا نميز فيه بين مدعي التوبة والتائب (تجريد النفس عن رعونات الطبع بواسطة تقبيح المخالفات الشرعية) وبالتالي لكي تقول أن فلانا من الناس تائب، انظر لوقوفه عند الأمر والنهي، ولمجاهدته لنفسه، فان وقف على الأمر والنهي واجتنب ظاهر الإثم وباطنه، وحلل الحلال وحرم الحرام، وجاهد نفسه حق جهادها على يد مرب معلم مرشد ناصح خبير بآفات النفوس وعيوبها، فهذا هو التائب بعينه، تجده يتحرى ويدقق في كل فعل من أفعاله، ومدى مطابقتها للكتاب والسنة، فان وجد خيرا حمد الله تعالى وان وجد شرا تاب واستغفر بقلبه ولسانه وعزم على ألا يعود وندم على مخالفاته أشد الندم عندها يجلى أثر الندم من قلبه كما ورد في الحديث الشريف عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) [سنن ابن ماجه ج:2 ص:1419]

 

وشروط التوبة كما جاءت في كتب الشريعة هي:

1.    الاستغفار

2.  الندم: وهو شرط لازم للتوبة، ويكفي بمفرده، كما قال صلى الله عليه وسلم (الندم توبة)، والنادم تائب وان لم يستغفر، وحقيقة الأمر أن الندم ثمرة من ثمار التوبة النصوح، اذ كثير من الناس يستغفرون باللسان دون الانكسار بالخبان وهو الندم وهو المعول عليه بالاستغفار وبالتالي توبتهم واستغفارهم قلقلة لسان لا معنى لها ولا حقيقة.وأشرف الندامة تلك التي تمنع العبد من أن يرجع إلى ما خرج عنه من القبائح.

3.  العزم على ألا يرجع: بمعنى ترك الإصرار الذي هو قفل باب النجاة ومدخل باب الهلاك، فمتى ما استغفر العبد وأقلع وعزم على عدم العودة لم يكن مصرا ولو عاد في اليوم سبعين مرة. وان اتخذت ذنبك حرفة فاتخذ التوبة حرفة أيضا، لعلك تموت على توبة قبل أن تعود إلى الذنب.

 

4ترك قرناء السوء: الأقرب فالأبعد، فالضرر لا يأتي من الأبعد بمقدار ما يأتي من الأقرب، وبالتالي ترك النفس وحظوظها، ووساوس الشيطان وأفكاره، وترك الصحبة السيئة التي تزود الفرد بأفكار مستحدثة في شتى فروع المعاصي، الفكرية والبدنية.

5رد المظالم إلى أهلها: سواء بالاستسماح منهم، أو إعطائهم حقوقهم ولو في أدنى كلمة قلتها في حقهم، وان لم تقدر على ذلك، وأغلب ذنوبنا في حقوق الناس الغيبة والنميمة، فاقرأ الفاتحة والاخلاص والمعوذتين واجعلهما في صحيفة أعمال الذي اغتبته علك أن تذهب سيئتك بهذه الحسنة، فالحسنات يذهبن السيئات.

 

كلمات في التوبة

   قيل: (من كان يذنب عشرة ذنوب ثم تاب عن تسعة، وبقي على العاشر فليس بتائب) في الحقيقة هذه وجهة نظر لأحد الصالحين،

ولكن وجهة نظري أننا في مقام وهم في مقام، فنحن تلطخنا بالذنوب والمعاصي ووجبت علينا التوبة، فان أذنبنا بعد ما تبنا، أو بقينا على بعض ذنوبنا، فالواقع الحالي يقول أننا تائبون من ذنوب، ومرتكبون ذنوب أخرى، وبالتالي لا يجب أن نتبنى تلك النظرة العالية المرقى التي تبناها ذلك الرجل الصالح الذي قال تلك المقولة. بل نحن تائبون ونرجو أن نتوب من باقي الذنوب.

   في بعض كتب التصوف أقوال لأناس تابوا ووجدوا حلاوة خاصة بعد توبتهم، فوصفوا تلك المشاعر قائلين مثلا: (لا يصح مقام التوبة لعبد حتى ينسى ذنبه أو: لا يصح مقام التوبة لعبد حتى لا يذكر مكان ذنبه). وقد أخطأ بعض السالكين في الاستفادة من أقوال هؤلاء السادة، فبعد أن تاب الشخص ولم يجد ما وجد ذلك الإمام من توبته، يأس وقنط وقال: أنا لست تائبا ومثلي لا يصلح للتوبة، والتوبة لها أنس وأنا لست منهم. وهكذا حتى أعاده الشيطان إلى دوامة المعاصي، أو إلى حجاب سوء الظن بالله تعالى، أو الإنكار على بعض السادة.

وهذا أمر أحذر منه وأقول للجميع توبوا إلى الله جميعا، ولا تتمنوا ما فضل الله تعالى به بعضكم على بعض، فلكل إنسان قدره وقسمته التي كتبها الله تعالى له، وهو ملاقيها لا محالة، وشأن الشيطان أن يوقع بينك وبين الله تعالى ويقبح في عينيك مقاما أقامك الله تعالى فيه.

وقد استفاض سيدي ابن عطاء الله السكندري قدس سره في كتابه (التنوير في إسقاط التدبير) في ذلك، فطالعه تستفد ان شاء الله تعالى.

 

  كثير من الناس، سالكي الطريق وغيرهم، يشكون من وقوعهم في المعاصي بعد التوبة، أو أن توبتهم لا تثبت، والدواء لهذا الداء هو:

1.    الدعاء، وذلك بطلب العون من الله تعالى، وسؤاله التثبيت في الدين والدنيا والآخرة، وتثبيت القلب على دين الله تعالى وهذا هو أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.

2.    البعد عن كل ما يثير الرغبة للوقوع مرة أخرى في الذنب، أو يذكرك بلذته، وهذا هو شرط التوبة الرابع في ترك قرناء السوء.

3.    حضور مجالس العلم.

4.  مجالسة الصالحين، واتخاذهم أخوة في الله تعالى ليدلوك على الله تعالى والتزامك معهم وترك خلان السوء، وهذه وصية الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم اذ قال تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: 28]

   إن القوم، رضوان الله تعالى عليهم، قصدوا "بالتوبة من الحسنات" أو "التوبة من التوبة" "ورؤية الحسنات ذنب أكبر من فعل السيئات"، شهود أن الحسنات والتوبة ليست من فعل العبد بل هي امتنان وكرم وفضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء من عباده، أيضا هم بذلك يحاربون نفوسهم الأمارة

التي تحاول نسب كل المحاسن لها، فأشهدوها بذلك عجزها وضعفها وأن شأنها المعاصي ان لم تتزكى،

وللأسف فهم البعض هذا الكلام بشكل خاطئ، فقالوا: "ان التوبة من الحسنات هي نفسها التوبة من الاسلام"،

ولكن ما فهموا المدلول، وهذا هو المدلول لأهل العقول.

 

عودة إلى الشرح:وبالتالي قصد سيدنا محمد وفا قدس اله سره بحقيقة التوبة وجود مجاهدة النفس، وقد أشرنا في مقامي اليقظة والتقوى الى نقاط من مجاهدة النفس، أهمها أن المجاهدة لا تثمر الا بالتزام الشرع المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأن المعرفة لا تتأتى الا بصحبة الوارث المحمدي، العالم، العارف بالله تعالى.

ثم يقول المصنف قدس الله سره: (وغايتها رفض كل نسبة أضيفت الى فاعل معتل).

 

أي ما تهدف إليه التوبة تجريد الفاعلين من أفعالهم واثبات أن الفاعل الحق هو الله تعالى، والبشر آلات أقامهم حيث أراد، وله المراد فيما يريد، فاعتبروا يا أولي القلوب والأبصار. ودليل ذلك قوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) [الصافات: 96] ، وهذا التعبير يدعى في مصطلحات السادة الصوفية (وحدة الأفعال) وهو مقام حق، وهذا ما أقرته الأشاعرة و الماتردية بأن الفعل لله تعالى والكسب للعبد.

وبالتالي كلامه ظاهره شريعة وباطنه حقيقة، أما الظاهر فقد ذكرناه آنفا، وأما الباطن فهو القول بالتوحيد ورد

الكثرة إلى الوحدة وشهود الحق في الخلق، وبالتالي التوبة النصوح تؤدي بصاحبها لتمكنه من مقام عظيم هو برزخ بين أهل الشريعة وأهل الطريقة ألا وهو (الشهود) فأهل الظاهر

يشهدون المظاهر، وأهل الباطن يشهدون تجلي الحق فيها وبالتالي لا ينسبون للخلائق أي فعل، فلا فاعل سوى الله تعالى، ولا مريد سواه، فما ثم إلا الله، رضي عن أناس فأقامهم فيما أرضاه،

وسخط على أناس فأقامهم فيما يسخطه، والدليل على ذلك حديث القبضة، حيث يقبض الله تعالى قبضة بيده ويقول: هؤلاء للنار ولا أبالي، ثم يقبض قبضة أخرى ويقول:

هؤلاء للجنة ولا أبالي. ولله الحجة البالغة، وما ربك بظلام للعبيد، وحاشاه أن يأخذك بذنب غيرك

ولكن هو كسبك وعملك، فاتق الله ما استطعت، ولا تغتر بعملك ولا توبتك فكم من أناس عملوا

بعمل أهل الجنة فما بقي بينهم وبينها الا ذراع فيسبق عليهم الكتاب فيعملون بعمل أهل النار فيدخلونها،

وكم منهم من أناس عملوا بعمل أهل النار فما بقي بينهم وبينها الا ذراع فيسبق عليهم الكتاب فيعملون

بعمل أهل الجنة فيدخلونها. هذه هي الحقيقة (أي وربي انه لحق) ولكن هذا ليس حبرا أبدا، بل هي عقيدة أهل السنة

والجماعة، لذلك أكثر دعاء العارفين هو حسن الخاتمة.

ونرجع لكلام المصنف فقد قصد قدس الله سره , التوبة الظاهرة من الذنوب والتوبة الباطنة من أي شيء

سوى الله تعالى وبالتالي هناك مراتب ومقامات للتوبة وكل مرتبة تختلف عن الاخرى وطعمها يختلف باختلاف الاخرى.

فقد قال سيدي أبو القاسم اللجائي:

       فتوبة العامة عن الذنوب خوفا من العذاب

وشرطها: ترك المعاصي

وغايتها: فقد وجود لذة المعصية إن تفكر فيها التائب

       وتوبة الخواص هي الرجوع عن الذنب حياء من الله تعالى

وشرطها: ألا يجد العبد مخبأ لم تشرق عليه شمس الحياء من الله

وغايتها: ألا يجد في الوجود موضعاً يعصي الله فيه إلا وعين الله شاهدة تراه مع وجود الحياء من الله تعالى

       وتوبة خواص الخواص هي نسيان النفس والمعاصي والعقاب عليها من أجل الاستغراق في رؤية كرم الله، وغيبة القلب في بحور عظمته وجلاله

 

وشرطها: ترك النفس في سجن النسيان مع ترك تفقدها إلا عند الضرورة

وغايتها: تفريد الحق سبحانه حتى لايشاهد العبد من أجل تفريده نعمة ولامحنة

وقال سيدي ابن عجيبة:

توبة العامة من الذنوب،

وتوبة الخاصة من العيوب،

وتوبة خاصة الخاصة في كل ما يشغل السر عن علام الغيوب.

وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

 

 








ا